إعتلان سرّ المسيح ليوحنّا المعمدان

 

 

 

 

إعتلان سرّ المسيح ليوحنّا المعمدان

 

 

 

 

إعتلان سرّ المسيح ليوحنّا المعمدان

(يوحنّا 1: 29 ـ 34)

 

 

 

في الغَدِ (بعد شهادة المعمدان) رأَى يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَال: «هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم. هذَا هُوَ الَّذي قُلْتُ فِيه: يَأْتِي ورَائِي رَجُلٌ قَدْ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلي. وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لكِنِّي جِئْتُ أُعَمِّدُ بِٱلمَاء ِ لِكَي يَظْهَرَ هُوَ لإِسْرَائِيل».و وشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلاً: «رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً كَحَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاء، ثُمَّ ٱسْتَقَرَّ عَلَيْه. وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِٱلمَاءِ هُوَ قَالَ لي: مَنْ تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ ويَسْتَقِرُّ عَلَيْه، هُوَ الَّذي يُعَمِّدُ بِٱلرُّوحِ القُدُس. وأَنَا رَأَيْتُ وشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ٱبْنُ ٱلله».

 

 

 

في زمن الدنح ـ أغلبيّة المؤمنين يسمّونه زمن الغطاس ـ نقرأ أناجيل ترينا كيف ظهرت هوية يسوع شيئًا فشيئًا إلى من التقاهم، ابتداءً من يوحنّا المعمدان، مرورًا بالتلاميذ، وصولًا إلى اليهود والوثنيّين. وهذا ليس بأمرٍ غريب، فكلمة "دنح" تأتي من السريانية ـ دنحو ـ وهي تعني "الظهور" ـ مثل كلمة  Epiphania  في اللغة اليونانية. ولا نستغرب إن قلنا إنّ هوية يسوع الحقيقية ظهرت شيئًا فشيئًا ، لا عند اليهود والوثنيّين فقط، بل أيضًا عند يوحنّا المعمدان وعند التلاميذ. قد يظنّ المؤمن أنّ الإيمان هو بعض المعلومات يعرفها أو بعض العقائد يدافع عنها أو بعض الصلوات التي يردّها من حين إلى آخر. ولكنّ هذا مفهوم خاطئ، فالإيمان ليس كميّة كلمات وأفكار معلّبة ـ هذه نسمّيها الثقافة الدينية ـ، إنّما الإيمان هو مسيرة طويلة، هو مشوار مع يسوع، ولذا هو اكتشاف دائم، كما في الصداقات وعلاقات الحبّ.

 

 

يومًا بعد يوم، نكتشف الآخر أكثر فأكثر، ونحبّه اكثر فأكثر. أتتذكّرون حين أتى الرعاة إلى المذود ليعبدوا الطفل؟

 يقول الإنجيل إنّ مريم ويوسف تعجبّا مما كان يُقال في شأن طفلهما. كيف يتعجّبان ومريم تعرف أنّ ثمرة أحشائها هو ابن الآب السماوي، ويوسف يعلم أنّ يسوع هو من الروح القدس؟ وهل تتذكّرون عندما أخذا يسوع إلى الهيكل ليقدّماه، وحمله سمعان الشيخ في ذراعيه وشكر الله لأنّ عينيه رأتا المسيح المخلّص قبل أن يموت؟ يقول الإنجيل أيضًا إنّ مريم ويوسف تعجبّا. كيف ذلك؟ نعم هذا ممكن، لأنّ حتّى مريم ويوسف يعيشان أيضًا الإيمان كمسيرة يكتشفان فيها حقيقة يسوع المسيح وهويّته.

وهذه حالة يوحنّا المعمدان الذي عاش مسيرة صادقة وحقيقيّة مع يسوع المسيح. بشّر بمجيئه، وخفض صوته حين أتى كلمة الله ، وانطفأ سراجه حين أشرق نور العالم، فأرسل تلاميذه ليتتلمذوا عند يسوع، ومرّ بأوقات صعبة لدرجة أنّه حين كان في السجن، متروكًا ووحيدًا، شكّ في هويّة يسوع المسيح وأرسل من يسأله: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟" (مت 11: 3). لأجل ذلك يوحنّا المعمدان هو مثال كلّ مؤمن، وإنجيل اليوم يرينا المراحل الأساسية التي يمرّ بها المؤمن، إذ يخبرنا أنّ يوحنّا رأى يسوع، وآمن به، وشهد له.

يوحنّا رأى يسوع مقبلًا إليه. ليست الرؤيا أن ترى الشخص وحسب، بل أن تبصره، أن تغوص في ما ترى، أن تدع الشخص الذي تراه، او الحدث الذي يتم أمام عينيك، يخلق في قلبك وعقلك علامات تعجّب واستفهام.

 

جميع الذين كانوا حول نهر الأردن رأوا يسوع يمشي، ولكنّ يوحنّا وحده من حاول ان يذهب أبعد من الظاهر.

 

لا يكفي أن ترى ، بل أن تتعمّق في ما ترى. الجميع كان يرى ثمرة التفاح تقع على الأرض حين ينقطع ذنيبها عن غصن الشجرة، ولكنّ وحدن نيوتن سأل عن السبب، فاكتشف نظرية الجاذبية.

 والجميع كان يرى الإنسان يطفو في الماء، ولكن وحده أرخميدس سأل عن سبب ذلك، فاكتشف قانون طفو الأجسام داخل المياه.

 

 نعم، يوحنّا رأى يسوع بحقيقته، وحاول أن يغوص في سرّه. ومن أجل ذلك اضطرّ أن يتخلّى عن بعض الأفكار المسبقة. في إنجيل اليوم يقول يوحنّا مرّتين: "ما كنتُ أعرفه"، وكأنّه يقول إنّ يسوع أغنى مما كان يظن ويتوقّع، وإنّه يكتشف فيه الجديد. ولذلك رؤية يسوع لا تكون بالعين فقط، بل هي أيضًا إصغاء وإنتباه القلب.

 

قد تقرأ الكثير عن المسيح، ولكن لن تعرف حقيقته إلّا إذا نظرت إليه وأصغيتَ إليه وأحببته.

في إحدى كتاباته يتخيّل القدّيس أغسطينوس حوارًا بين الفرّيسيّين واللص التائب الذي صُلب جنب المسيح وآمن به إذ قال له : "أذكرني  يا ربّ متى أتيت في ملكوتك" (لو 23: 43). في هذا الحوار، يسأل الفرّيسيّون اللص التائب كيف عرف أنّ يسوع هو المخلّص، فهم قرأوا الكتب المقدّسة وتفحّصوا النبوءات ولم يدركوا ذلك. فيجيب اللص التائب ويقول لهم: " نظرتُ إليه، وفي وجهه فهمتُ كلّ شيء".

 

نعم، الإيمان هو أن ترى يسوع، وأن تراه بعمقه، لا أن تكتفي بالقشور. يمكنك أن تعيش قرب شخص طيلة حياتك دون أن ترى حقيقته، ولذلك انظر بقلبك، وإلّا لن تستطيع أن تصبح مؤمنًا حتّى ولو أتيتَ الكنيسة وصمتَ وصلّيت.

 هذا ما يقوله القدّيس متّى، حين يستشهد في إنجيله بالنبي أشعيا، ويقول عن بعض المؤمنين، الذين لا يريدون أن يتعمّقوا بالإيمان، بل يكتفون بمظاهر التديّن: "هو ينظرون دون أن يبصروا، ويسمعون دون أن يسمعوا أو يفهموا" (مت 13: 13). ورأى يوحنّا يسوع.

إنّ رؤية المسيح هي المرحلة الأولى من المسيرة الإيمانية، فبعدها يأتي فعل الإيمان أو، بكلمة أخرى، فعل الثقة بيسوع.

الإيمان هو أن تدرك حقيقة شخص المسيح، ولكن أن تلتزم أيضًا بهذه الحقيقة. في اللغة الفرنسية كلمة إيمان (foi) تأتي من كلمة لاتينية (fides) ، التي أعطت أيضًا كلمة "الثقة". كيف يمكن ان تقول عن شخص إنّه صديقك غن لم تثق به؟ كيف يمكن ان تقول إنّك تؤمن بإله إن لم تضع حياتك في يديه؟ حين رأى يوحنا يسوع، قال عنه: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم"، أي يعلن أنّ يسوع هو حمل الفصح الذي ذُبح عندما كان شعب الله مستعبدًا في مصر كي ، بدمه ، تُعطى الحرية لهذا الشعب؛ هو عبد الله المتألم والمشوّه الذي يحمل خطايا العالم ويفديه، هو الذي "كالحمل سيق إلى الذبح وكنعجة  صامتة أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه" (إش 53: 7).

 

 وضع يوحنّا حياته كلّها خدمة يسوع، وضحّى بكلّ شيء من أجله، وقال الحقّ "على قطع رأسه"، لأنّه عرف أنّ يسوع وحده يعطي  الحياة التي لا يستطيع أحد أن يعطيها.

 

في الآية التي تكلّمنا عنها سابقًا في إنجيل متّى، يكمّلها هذا الأخير ويزيد: "قد صار قلب الشعب غليظًا وصارت آذانهم ثقيلة السمع، واغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا إليّ فأشفيهم!" (مت 13: 15) هم لا يريدون ان يروا ويسمعوا لأنّهم خافوا  أن يشفيهم الله، أي أن يلتزموا في تتميم إرادة الله.

أمّا يوحنّا المعمدان، فقد وثق بالمسيح والتزم برسالته. "رأى يوحنّا يسوع مقبلًا إليه فقال: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم".

أن تؤمن بيسوع وتثق به لا يكفي، فهناك مرحلة، يدونها يبقى الإيمان ناقصًا: إعلان هذا الإيمان للآخرين والشهادة له. إيمانك ليس لك وحدك، بل أنت وكيل عليه.

 

 إنّ احتفظت به لذاتك يموت وتموت أنت معه. هو كالهواء في داخلك، إن لم تخرجه لا تستطيع أن تبقى حيًّا، وإن أعطيته لا ينقص بل يزيد.

 

ولذلك، دون إعلان الإيمان والشهادة له، تبقى مسيرتك عقيمة لا ثمار لها.

 

 يوحنّا المعمدان هو الصوت الصارخ في البرية، أي هو الصوت الذي يعلن للآخرين أنّ المسيح هو المخلّص. إن لم يعلن أجدادنا إيمانهم لما عرفنا يسوع المسيح لانّ "الإيمان من السماع والسماع هو من التبشير بالمسيح" (رو 10: 17).

 

هل تستطيع أن تشعر بفرحة دون ان تظهر على وجهك وتشاركها مع الآخرين؟

الأمر عينه مع الإيمان. في بعض الأحيان، حين كان يسوع يشفي مريضًا، كان يأمره بألّا يخبر أحدًا عن الشفاء، " ولكنّ الرجل انصرف وأخذ يذيع الخبر وينشره في كلّ مكان" (مر 1: 45).

 

 وعندما دخل يسوع أورشليم وكان التلاميذ يباركون الملك الآتي باسم الربّ، طلب الفرّيسيّون من يسوع أن يُسكت تلاميذه، فأجابهم  يسوع: "إن سكت هؤلاء، فالحجارة تهتف" (لو 19: 40).

 

 إن احتفظتَ بإيمانك لك وحدك، تفعل هذا، إمّا لأنّك تستحي به، وإمّا لأنّك أناني لا تريد أن يعرفه أحد سواك. وفي كلتا الحالتين أنت على خطأ. أنت تلميذٌ للمسيح، ولكنّ التلميذ الحقيقي يبقى تلميذًا بقدر ما يصبح رسولًا. فيسوع قال في البداية لتلاميذه "اتبعوني"، ولكن بعد مسيرة عاشها معهم وعاشوها معه أرسلهم معلنًا: "إذهبوا في الأرض كلّها".

وليست الشهادة بالقول فقط، بل بحياتك كلّها، بمسلك عيشها، بالمواقف التي تتّخذها، بالقرارات التي تعلنها، بالمواقف التي تدافع عنها، بكلّ مرّة تقرّر أن ترحم أخاك الذي ارتكب سوءًا، بكلّ مرّة تغفر بدل أن تنال حقّك بالعنف، بكلّ مرّة تقبل أن تحبّ الآخر وإن جرحك،... نعم إيمانك ليس ملكك، بل هو وديعة أوكلت إليك، فانقلها لغيرك. "وأنا رأيتُ وشهدتُ أن هذا هو ابن الله".

أنت اليوم تقول إنّك مسيحي، وأنت على حقّ، فأنت معمّد وتصلّي ولكن، تذكّر شيئًا، لا تظنّ يومًا انّ ما تعرفه عن يسوع يكفي، بل تعرّف عليه أكثر فاكثر، فهو حيّ وسرّه غني لا يُسبر غوره. ولا يكون إيمانك مجرّد أفكار ومعلومات، بل ثق به واتّكل عليه، فهو وحده الثابت. ولا تجعل من إيمانك علاقة مغلقة بينك وبين الله بل إغرف من نِعم الله وعطاياه واسكبها في عائلتك، في علاقاتك وفي عملك.

 

                                                  الخوري غي سركيس

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية