"التَّوراة" بين النصّ والتّراث

 

 

 

 

 

"التَّوراة" بين النصّ والتّراث

 

يظهر العهد القديم بمظهر كتاب تُطلق عليه اللّغة العربيَّة أحيانًا اسم "التَّوراة". إلاَّ أنَّ التَّوراة ليست سوى جزء من العهد القديم.

 

فليس العهد القديم كتابًا واحدًا، بل هو مكتبة كاملة، أي سلسلة من الكتب وُضِعَت في عصور تاريخيَّة مُختلفة وعن يد مؤلِّفين مختلفين وصيغَت صيغًا أدبيَّة مختلفة.

 

 وهذه المكتبة لا يُمكِن فهمها فهمًا صحيحًا إلاَّ في إطار تاريخ الشَّرق القديم وفي ضوء تاريخ الحضارات والثّقافات الضَّخمة التي أثَّرَت فيها وتأثَّرت بها. فلا بُدَّ لنا من إلقاء نظرة خاطفة على تاريخ الشّرق القديم المُعاصر للعهد القديم، كي نُدرِك غنى هذه المكتبة ومعناها لحياتنا الرّوحيَّة.

 

1- معاني العهد القديم

تُشير عبارة "العهد القديم" إلى معانٍ مختلفة. فتارةً نعني بها العمل الأدبيّ العالميّ، وطورًا حقبة تاريخيَّة أو خبرة روحيَّة. يَحتوي العهد القديم على تراث دينيّ روحيّ تكوَّن وتطوَّر طوال أربعة عشر قرنًا تقريبًا. وانطلق هذا التّراث من خبرة روحيَّة كانت تُعبِّر عن نفسَها بوسائل مُختلفة.

 

آ) العهد القديم مكتبة الرَّوائع الأدبيَّة

تضمّ مكتبة "العهد القديم" خمسة وأربعين مؤلِّفًا أدبيًّا وضعها كتَّاب مختلفون في عصور تاريخيَّة متباينة بلغات شتَّى. ويُمكن تصنيف هذه المؤلِّفات كما يلي:

 

- التَّوراة أو الشَّريعة وتحتويها "الكتب الخمسة".

 

- الكتب التَّاريخيَّة

 

- سفر يشوع وسفر القضاة، يرويان تاريخ فترة ما بين وفاة موسى وإنشاء المملكة (1185 - 1035 ق.م.).

 

- سفر راعوت وسفرا صموئيل وسفرا الملوك وسفرا الأخبار، تضمّ تاريخ العصر الملكيّ حتَّى الجلاء البابليّ والإحتلال الفارسيّ (1035 - 538 ق.م.).

 

- سفر عزرا وسفر نحميا: ظروف الإحتلال الفارسيّ (538 - 350 ق.م.).

 

- سفر طوبيَّا

 

- سفر يهوديت

 

- سفر أستير: قصَّة من عصر الإحتلال الفارسيّ.

- سفرا المكابيِّين: الصِّراع بين التَّوحيد وعبادة الأوثان في العصر الهلِّنستيِّ.

 

- كتب الأنبياء، سبعة عشر سفرًا، منها خمسة للأنبياء الكبار واثنا عشر للأنبياء الصِّغار. وتتوزَّع الأسفار النَّبويَّة من القرن 9 إلى القرن 2 ق.م.

 

- كتب الحكمة،  أيُّوب، الأمثال، الجامعة، الحكمة، يشوع بن سيراخ.

 

- الشِّعر الرُّوحي، المزامير، نشيد الأناشيد.

 

لقد إستخدم مؤلِّفو روائع العهد القديم ثلاث لغات، العبريَّة والآراميَّة واليونانيَّة.

اللّغة العبريَّة هي لغة أغلبيَّة أسفار العهد القديم، لا سيَّما تلك التي تعود إلى ما قبل عصر الجلاء إلى بابل (586 - 538 ق.م.).

 

بعد هذا العصر، كفَّ العهد القديم عن إستعمال اللّغة العبريَّة في الحياة العاديَّة، فصارَت لغةً طقسيَّة مقدَّسة. وإحتلَّت اللّغة الآراميَّة تدريجيًّا محلَّ اللّغة العبريَّة في الحياة الإجتماعيَّة، وأصبحت اللّغة السَّائدة إلى ما بعد عصر المسيح.

 ووضعت بعض الكتب المقدَّسة بهذه اللّغة (طوبيَّا ويهوديت ودانيال). وظهرت اللّغة اليونانيَّة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسِّط إبتداءً من مستهلِّ القرن 4 ق.م. نشرتها جيوش الإسكندر ذي القرنَين والمستعمرون اليونانيُّون الذين أَسَّسُوا المدن الهلِّنستيَّة الكبرى في كلِّ البلاد الشَّرقيَّة. وقد كُتبت بعض أسفار العهد القديم بهذه اللّغة (سفر المكابيِّين الثاني، أستير، الحكمة). والجدير بالذِّكر أنَّ "اللّغة اليونانيَّة الدّراجة"، التي عمَّت بلاد الشَّرق في العصر الهلِّنستيِّ، تختلف عن لغة روائع الأدب الإغريقيِّ القديم وكانت لغَّة عامَّة النَّاس تختلف لهجاتها من بلد إلى آخر. وتُعرف اللّغة اليونانيَّة الدّارجة من لوحات حجر منقوشة وبرديَّات ومخطوطات.

 

 

ب) حقبة تاريخيَّة

تنبثق هذه المكتبة من حقبة تاريخيَّة، فتعكس تفاعل شعوب تفاعلاً سياسيًّا وإقتصاديًّا وثقافيًّا ودينيًّا. لا تروي هذه الكتب تاريخ هذه الحقبة باستفاضة، ولا تنوي أن ترسم صورة كاملة للأحداث التَّاريخيَّة التي وقعت في المشرق القديم في الألفين الثاني والأوَّل ق.م.، بل تعرض لمحات من تاريخ فكرة لاهوتيَّة وتصف تطوُّر خبرة روحانيَّة تمَّ ضمن ظروف تاريخيَّة وعانى من التَّفاعل مع أفكار وروحانيَّات أخرى عمِلَت في المنطقة في هذه الحقبة.

 

 فتذكر هذه النّصوص أحداثًا تاريخيَّة قد تمتَّعَت بأهميَّة روحيَّة أو مغزى لاهوتي، وتلمح إلى حوادث أخرى دون أن تذكرها صراحة. فالعهد القديم، بصفته "مكتبة لاهوتيَّة"، يُؤَوِّل تاريخ تلك الحقبة التَّاريخيَّة من وجهة نظر تلك الخبرة الرّوحانيَّة.

 

تسود هذه النَّزعة التأويليَّة كلَّ العهد القديم، فلا نستطيع أن ندرك مغزاه، إذا تغافينا عنها في تفسير نصوصه. وهذه النَّزعة التأوُّليَّة مُضمرة في النّصوص التَّاريخيَّة، لأنَّ هذه النّصوص تنتهج القصص التَّاريخية الموضوعيّة. أمَّا في نصوص الأنبياء، فإنَّها تظهر بكلِّ وضوح وتُشكِّل المحور الفكري. ذلك بأنَّ النُّبوَّة نصّ لاهوتيّ، فالنَّبيّ يقصد مخاطبة معاصريه بفكرة لاهوتيَّة.

 

 

ج) خبرة روحيَّة

إنَّ الصِّفة المُميَّزة لما يُسمَّى "تاريخ العهد القديم" هي الخبرة الرّوحيَّة من جهَّة، وهي من جهَّة أُخرى الإجتهادات اللاّهوتيَّة التي صاغت تلك الخبرة الرّوحيَّة صياغات مختلفة. فالمكتبة اللاّهوتيَّة، أي العهد القديم، إنَّما هي نتيجة لتلك الإجتهادات اللاّهوتيَّة، والخبرة الرّوحيَّة هي خبرة لله الأوحد الذي يتدخَّل في مصائر البشر. إنَّها خبرة الخلاص في ظروف تاريخيَّة مُعيَّنة ترسَّبَت في تعابير شعريَّة ورمزيَّة وأسطوريَّة، ممَّا يجعلنا لا نستطيع أن نُحدِّد نوعيَّة الخبرة بدقَّة. ذلك بأنَّ النّصوص القديمة، على أساليبها المتنوِّعة، تؤوِّل الخبرة ولا تروي الحدث بموضوعيَّة.

صاغ الفكر اللاّهوتيِّ القديم تلك الخبرة الرّوحيَّة في الإيمان الموحَّد. وتاريخ هذا الإيمان الموحَّد هو تاريخ المجابهات والإرتدادات:

تاريخ حروب دينيَّة قد نستغرب قساوتها ونشمئزَّ من فظاظاتها.

تاريخ إرتدادات عن الإيمان

تاريخ حركات روحيَّة، ولا سيَّما تاريخ حركة الأنبياء الذين فسَّرُوا الحوادث التَّاريخيَّة في ضوء الخبرة الرّوحيَّة الأصليَّة من جهَّة، وفي ضوء الوعد الإلهيِّ، أي في ضوء فكرة المخلِّص والمسيح من جهَّة أُخرى.

 

كانت هذه الخبرة الرُّوحيَّة المحور الفكريّ الذي تحكَّم في تأويل التّاريخ. فقد نظر كتَّاب الأسفار المقدَّسة إلى أحداث التَّاريخ في منظور لاهوتيِّ، وحكموا فيها وقوَّموها من وجهة نظر إيمانهم. وإنتظمَت هذه النَّظرة اللاَّهوتيَّة إلى التَّاريخ حول فكرة "مشروع الله" الذي يتحقَّق في أعمال الإنسان. لقد بدأ الله تحقيق هذا المشروع في "الخلق"، إذ وضع الكون في تصرُّف الإنسان، أو بالأحرى صنع المسرح لتحقيق مشروعه. ولكنَّ الإنسان إنَّما هو مسرح الصِّراع بين الله والشرّ، إذ إنَّه يتجاذبه الخير والشرَّ وتتقاذفه القوى المتضاربة: فعليه أن يختار، مُثّبِّتًا نفسه أمام الله. ولقد صاغ المؤلِّف اليهوي هذه الفكرة في قصَّة "الخطيئة الأولى".

 

 

في تاريخ هذا الصِّراع، كان "إصطفاءَ إبراهيم" مرحلة ذات أهميَّة كبرى. فقد خلق الله في هذا الشَّخص إنسانيَّة جديدة تعيش وفقًا لمشيئته. وإكتمل هذا الإصطفاء في "العهد الموسويِّ" والشَّريعة الموسويَّة التي نظَّمَت حياة تلك الإنسانيَّة الجديدة وكانت أساس علاقاتها مع الآخرين ومع الله.

 

يوجِّه مشروع الله أنظار المؤمنين نحو المستقبل، مستقبل الله. والشَّريعة نفسها تُشير إلى حاجتها إلى الإكتمال المستقبليّ، إذ تجعل موسى يتنبَّأ بمجيء نبيِّ.

 

وتوضَّحَت فكرة "مستقبل الله" في فكر الأنبياء الذين تحسَّسوا إحتياج الشَّريعة القديمة إلى تجديد، وصاغوا فكرهم تارةً في تعبير العهد الجديد (إر 31/ 31)، وطورًا في إنتظار مخلِّص أو مسيحٍ ما (أشعيا).

 

تُشكِّل هذه النَّواظِم الإطار التأويلي للتَّاريخ: الخلق - الخطيئة - الإصطفاء - العهد - مستقبل الله.

فقد قرأ كتَّاب العهد القديم التَّاريخ في ضوء هذه الأفكار ونظَّموا الأحداث في صورة لاهوتيَّة متماسكة: التَّاريخ المقدَّس. أو بالأحرى إستعادوا التَّاريخ الشَّرقيِّ القديم من وجهة نظر خبرتهم الرّوحيَّة، وهم يُبرزون أحداثًا ويُغفلون أخرى، شأنهم في ذلك شأن كلِّ مؤرِّخ.

 

إندمج العهد القديم، بواسطة هذه المعاني الثَّلاثة، في المشرق القديم. فهو جزء من تاريخ المشرق القديم في القرون (14 - 1 ق.م.). ثمَّ جزء من تاريخ الآداب والثَّقافات السَّاميَّة القديمة. وهو أخيرًا عامل من عوامل تاريخ الأديان في هذه المنطقة.

 فلا يمكن دراسة العهد القديم بمعزل عن تفاعله مع تلك الحقبة التَّاريخيَّة التي أسهمت في تكوينه إسهامًا جوهريًّا.

 

في إطار دراستنا هذه، تهمُّنا خاصَّة الناحية الأدبيَّة للعهد القديم. نتطرَّق بالأحرى إلى دراسته من وجهة نظر المعنى الأوَّل، ونقصد بذلك دراسته على أنَّه عمل أدبيّ. فيجب علينا إذًا أن ندرس النصّ بصفته نصًّا، ونبدأ بنظرة خاطفة إلى صيرورة العهد القديم.

 

 

2- من النصّ إلى التّراث، "توراة ما قبل التّوراة"

ذكرنا آنفًا أنَّ "الكتب الخمسة" ليست بنت لحظة عمل واحد، بل هي إنتاج تراث ثقافيّ روحيّ، ممَّا لم يَعُد ممكنًا أن ننسبه إلى شخصيَّة مبدعة (موسى). فقد إكتشف النَّقد الأدبيّ، وراءَ نصّ الكتب الخمسة، أعمالاً أدبيَّة مختلفة ومؤلِّفين عدَّة، بل مجموعات من المؤلِّفين. ويدلَّنا النصّ نفسه على فروع التّراث التي إنصهرت في هذا العمل الأدبيّ.

 

ثمَّة أدلَّة مختلفة تكشف عن وجود فروع التّراث هذه، منها الأسلوب عامَّة، واستعمال الألفاظ والمصطلحات والأسماء - مثلاً اسم الله ويهوه وإبراهيم -، والمفاهيم والمناهج اللاَّهوتيَّة وما إلى ذلك. بناءً على هذه الأدلَّة وغيرها، ميَّز التَّحليل الأدبيّ أربعة مصنَّفات كبيرة سبق وجودَها وضع النصّ النِّهائيِّ "للكتب الخمسة"، وقد تمَّت عمليَّة وضع النصّ النّهائي في مطلع القرن (4ق.م.)، في عصر الحكم الفارسيّ، بعد العودة من الجلاء إلى بابل.

 

أمَّا تلك المصنَّفات الأربعة، فتمثِّل بدورها فروعًا من التّراث الرّوحيِّ ومذاهب فقهيَّة في الشَّريعة والقانون وإتِّجاهات فكريَّة في اللاَّهوت، بالإضافة إلى خصائصها الأدبيَّة. فكلّ منها يضمّ تقاليد قديمة، شفهيَّة أو مكتوبة، وقد يوغل بعض تلك التّقاليد في القدم.

 

 

آ) المؤلِّف اليهوي

إصطلح علماء العهد القديم على عبارة "المؤلِّف اليهوي" تسميةً لمجموعة من النّصوص، وذلك لأنَّها تطلق على الله اسم "يهوه". ألاَّ أنَّ اسم "يهوه" ليس النِّظام الوحيد لتحديد معالم هذا العمل الأدبيِّ، بل يتَّصِف أيضًا باستعمال مفردات وعبارات، وبأسلوب قصصيّ حيوي وتصويريّ، ويُحبّ وصف حياة الإنسان النَّفسيَّة ويبرع في رسم مشاهد حيَّة، ولا يحترس أن يقتبس رموزًا وصورًا من الآداب البابليَّة والمصريَّة.

 

نصوص يهويَّة كبرى

خلق الإنسان والخطيئة (تك 2/ 4 - 3/ 24).

برج بابل (تك 11/ 1 - 9).

دعوة إبراهيم (تك 12/ 1 - 20).

تجلِّي "الثَّالوث" لإبراهيم (تك 18/ 1 - 33).

عيسو ويعقوب (تك 25/ 29 - 35).

يوسف وامرأة فوطيفار (تك 39/ 1 - 32).

مولد موسى ودعوته (خر 2/ 1 - 3/ 6).

العهد (خر 24/ 3 - 8).

 

تمكَّن هذه النّصوص من تكوين فكرة عامَّة عن أسلوب المؤلِّف اليهوي والعالم الرّوحي والفكري الذي يتحرَّك فيه.

 

تعمّ فكرة الله الأوحد، ربّ السَّماء والأرض، فكر اليهوي. إلاَّ أنَّه لا يستطيع أن يعبِّر عن هذا المفهوم الرَّاقي لله: ليس هو مفكِّرًا لاهوتيًّا، بل هو قصَّاص بارع، يستعين بالفن القصصيّ كي يعبِّر عن أفكار مجرَّدة، فيصوِّر الله بصورة الإنسان (تك 18/ 1 - 33)، بل لا يخشى أن يلتجئ إلى الأساطير البابليَّة في حديثه عن الله (تك 2/ 4 - 3/ 24). أمَّا في مشهد تجلِّي الله في العلَّيقة المُتَّقدة (خر 3/ 1 - 6)، فقد صاغ فكرة الله صياغة لاهوتيَّة رائعة.

المؤلِّف اليهوي هو تاريخ مشروع الله. فاليهوي يُبيِّن، من خلال روايته، أنَّ الحوادث التَّاريخيَّة بأسرها وسيلة لتحقيق مشيئة الله: من الخلق إلى الوعد والبركة الإلهيَّة، إلى العهد، ومن هنا إلى المستقبل. لقد مكَّن هذا المشروع الشَّامل المؤلِّف اليهوي من إبداع نظرة كليَّة لتاريخ البشر.

 

يربط الأحداث التّاريخيَّة بعضها ببعض وينظِّمها في إطار مشروع الله بواسطة نظريَّة "السَّببيَّة الدَّينيَّة"، أو بالأحرى "الغائيَّة الدّينيَّة" التي تكشف، في كلِّ حدث منفرد، عن القصد الإلهيّ الشّامل.

 

يفترض العلماء أن يكون المؤلِّف اليهوي قد وُضع في عصر سليمان (القرن 10 ق.م.). وأمَّا الكاتب فقد كان من الأوساط المعارضة لسياسة الملك. جمع ودوَّن تراث قبائل جنوب فلسطين.

 

 

ب) المؤلِّف الإيلوهيِّ

أُطلق على مجموعة من نصوص "الكتب الخمسة" اسم "الوثيقة الإيلوهيَّة" لاستعمالها كلمة "إيلوهيم" - وهي تذكِّرنا بكلمة "أللَّهُمَّ" العربيَّة - تسميةً لله. يتميَّز "الكاتب الإيلوهيّ" بأسلوبه القصصيّ البسيط. لقد جمع تقاليد عريقة في القدم تشكِّل تراث القبائل القاطنة في الشَّمال.

ما يلفت النّظر في المؤلِّف الإيلوهيّ هو "النّزعة الأخلاقيَّة". أنَّه يتمتَّع بإحساس أدبيِّ رقيق ويُركِّز إهتمامه على الخطيئة ونتائجها في العلاقات الإنسانيَّة والتاريخ، ممَّا يجعله يُشدِّد على أهميَّة الشَّريعة التي تعلَّم الإنسان مشيئة الله. فيورد الكلمات العشر (خر 20/ 1 - 17) وكتاب العهد (خر 20/ 18 - 23/ 33)، وهما يشكِّلان القانون الأخلاقيِّ الذي أرشد حياة مجتمع العهد القديم. ويتميَّز القانون الأخلاقيِّ باحترامه للقريب، ممَّا يؤكِّد على احترام الملك ودائرة الحياة الشخصيَّة. وذلك يولي أهميَّة كبرى لاحترام راحة السَّبت التي تُلزم لا الأحرار فقط، بل العبيد والغرباء أيضًا.

 

إنَّ القانون الأخلاقيِّ، بما فيه الكلمات العشر، يُشكِّل بنود العهد الذي قُطع بين الله والشَّعب. يرى المؤلِّف الإيلوهيِّ أنَّ العهد إتِّفاق حرّ يلتزم الإنسان بواسطته مشيئة الله: فالإنسان، إذ يقطع العهد مع الله، يتَّحد معه. فإذا نقض إلتزامه، إنفصل عن الله. فالخطيئة إنفصال عن الله وانصراف إلى خدمة أصنام مصنوعة (خر 23/ 1 - 6). ويتمثَّل هذا الإنفصال في صورة كسر لوحَي الشَّريعة (خر 32/ 15 - 24).

 

يُضمَر في هذه النَّزعة الأخلاقيَّة مفهوم لله خاصّ بالمؤلِّف الإيلوهيِّ. إنَّه يُلحّ إلحاحًا شديدًا على كون الله روحًا لا يُرى ولا يصوَّر، ويطالب الإنسان بالعبادة الرّوحيَّة. فلا يقترب من الله إلاَّ الإنسان الرّوحانيِّ.

 

يؤثِّر هذا المفهوم الرّوحانيِّ لله في أسلوب المؤلِّف الإيلوهيِّ في الفنِّ القصصي. فقد كفَّ عن إنتهاج الأسلوب التَّصويري في الحديث عن الله وعن الإستعانة بالأساطير في وصف أعماله.

 

نصوص إيلوهيَّة كبرى

العهد مع إبراهيم (تك 15).

إختيار يعقوب (تك 25/ 28 - 34).

صراع يعقوب مع الملاك (تك 32/ 24 - 30).

يوسف في السِّجن (تك 40/ 1 - 41/ 57).

"كلمات العهد العشر" (خر 20/ 1 - 17).

عبادة العجل (خر 32/ 1 - 6، 15 - 24).

وجه موسى (خر 34/ 29 - 35).

 

وُضع المؤلِّف الإيلوهيِّ في القرن (8 ق.م.) ولكنَّه يضمّ نصوصًا عريقة في القدم، منها مثلاً "الكلمات العشر" و"كتاب العهد". فمن المحتمل أن يعود هذان النصَّان إلى عصر موسى نفسه (نهاية القرن 13 ق.م.).

 

في أواخر القرن 8 ق.م.، دُمج التّراثان اليهويِّ والإيلوهيِّ في مؤلِّف واحد. قصَّة ذبح إسحق (تك 22 - النصّ الثاني) تمثِّل نصًّا من النّصوص التي نتجت عن عمليَّة الدَّمج هذه.

 

 

تثنية الإشتراع

تكوَّن سفر تثنية الإشتراع في بيئة التّراث الإيلوهيِّ، في أواخر القرن 8 ق. م. ويعتمد هذا الكتاب كلمة "إيلوهيم" تسميةً لله. ومع ذلك، فإنَّ سفر تثنية الإشتراع يختلف عن المؤلِّف الإيلوهيِّ تمامًا، ففي حين أنَّ هذا الأخير رواية تاريخيَّة، يتألَّف سفر تثنية الإشتراع من "كلام العهد"، أي القانون (تث 12 - 26)، تتقدَّمه وتليه خُطَب موسى (تث 1 - 11، 27 - 30).

يفسِّر تراث تثنية الإشتراع مفهومًا لله راقيًا قريبًا إلى مفهوم العهد الجديد. ويصف علاقات الإنسان مع الله بأنَّها علاقات المودَّة والمحبَّة:

 

"إسمَع يا شعبي، إنَّ الربَّ إلهك ربّ واحد، فأحبب الربَّ إلهك بكلِّ قلبك وكلِّ نفسِك وكلِّ قدرتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك، وكرِّرها على بنيك وكلِّمهم بها..." (تث 6/ 4 - 7).

 

 وأمَّا الإنسان فيعبِّر عن محبَّته لله باستماعه إلى كلامه والعمل به. وليس كلام الله خارجًا عن الإنسان، بل هو يدخل في قلبه:

 

"إنَّ هذه الوصيَّة التي أنا آمرك بها اليوم ليست فوق طاقتك ولا بعيدة عنك...، بل الكلمة قريبة منك جدًّا في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (تث 30/ 11 - 14).

 

تراث تثنية الإشتراع حديث يوجَّه إلى الشَّخص، محاولاً إقناعه أكثر من قهره. ويظهر الله بمظهر ذلك الآخر المألوف المجهول الذي يكتشفه الإنسان المؤمن في أعماق قلبه وعقله.

 

يتَّسِم تراث تثنية الإشتراع بطابع شخصاني عميق يظهر في التَّشريع الذي يتناول علاقات الأشخاص والفئات في داخل المجتمع. إنَّه يتنبَّه لحماية الفقير المدين (تث 15/ 1 - 11)، والعبد (تث 15/ 12 - 18، 23/ 16 - 17)، والعمَّال الأجراء (تث 24/ 14 - 15)، والغريب (تث 24/ 17 - 22). وتؤثِّر هذه النَّزعة الإنسانيَّة في كلِّ الشّؤون الإجتماعيَّة.

 

 

ج) المؤلِّف الكهنوتيّ

يُطلق اسم المؤلِّف الكهنوتيّ على مجموعة من النّصوص تمثِّل تراث الفئة الكهنوتيَّة التي عاشت في الجلاء إلى بابل (586 - 538 ق.م.). كانت هذه الفئة الكهنوتيَّة تنصرف إلى إعادة صياغة التَّقاليد القديمة، وغاية هذا العمل هي مساعدة المجلوِّين على ممارسة الحياة الرّوحيَّة والمحافظة على الإيمان.

 

تعمّ روح المحافظة هذه المؤلِّف الكهنوتيِّ بأسره، وهو يُشدِّد على أهميَّة الطّقوس الموروثة والتّراث القديم بصفته كفيلاً بالحياة الرّوحيَّة وعلى بقاء جماعة المؤمنين ومقاومة تأثير العادات الوثنيَّة.

 

يعتمد الكاتب الكهنوتيِّ مفهومًا لله مختلفًا جدًّا عمَّا كان عليه سفر تثنية الإشتراع. فإنَّ الكاتب الكهنوتيِّ يُبرز كون الله متعاليًا بعيدًا عن الإنسان ومطالبًا المؤمن بأن "يكون قدّيسًا لأنَّه هو قدّوس" (أح 19/ 2).

 

تنتظم الرؤية الكهنوتيَّة إلى التّاريخ حول فكرة العهد. ولقد قطع الله مع النّاس ثلاثة عهود:

- تمّ العهد الأوَّل بين الله وجميع البشر عن يدّ نوح، ومضمونه إحترام الحياة الإنسانيَّة.

 

- من ثمَّ قطع الله العهد الثاني مع إبراهيم الذي إصطفاه ليكون أبًا لجميع المؤمنين.

 

- وتمَّ العهد الثالث عن يدّ موسى، ومضمونه شريعة القداسة التي تحدِّد حياة الجماعة في كلِّ تفاصيلها. وردَت هذه الشّريعة في سفر الأحبار (أح 17 - 26).

 

تنجم هذه النّظرة إلى التَّاريخ عن تأمُّل لاهوتيِّ متعمِّق في التّراث القديم والطّقوس، ويرى الكاتب الكهنوتيِّ أنَّ المحافظة على التّراث وترجمتها في الحياة اليوميَّة تتكفَّلان للجماعة بأن تستمرَّ في الإتِّحادِ مع الله.

 

 

نصوص كهنوتيَّة كبرى

"كلمات الخلق العشر" (تك 1/ 1 - 2/ 4).

العهد الأوَّل مع نوح (تك 9/ 1 - 17).

مواليد نوح (تك 10).

العهد الثاني مع إبراهيم (تك 17).

رحلة يعقوب إلى مصر (تك 46/ 5 - 26).

الفصح (خر 12/ 1 - 30).

موت موسى (تث 34).

 

 

3- وضع النصّ النِّهائيِّ للكتب الخمسة

لقد تبينَّا، من خلال دراسة الكتب الخمسة، أنَّ هذا العمل الأدبيّ الضَّخم قد تبلور من خلال تطوُّر التّراث الدِّينيِّ إبَّان عشرة قرون تقريبًا (من القرن 14 إلى القرن 4 ق.م.). وانتهت صيرورة التّراث هذه إلى عالِم الشَّريعة عزرا الذي كلَّفه الملك أرتحششتا بتدوين التّراث الدِّينيِّ القديم (عام 398 ق.م.).

 

 فقد قام عزرا بجمع المؤلِّفات الأربعة ورتَّبها ونسَّقها في عمل أدبيّ واحد، هو التّوراة أو الكتب الخمسة التي بين أيدينا.

 

 وينبغي أن نشدِّد على القول بأنَّ عزرا لم يؤلِّف الكتب الخمسة، بل جمع التّراث الوارد وقام بعمل وضع النصّ النّهائيِّ، أيّ أنَّه أنجز عمل التَّحرير النّهائيِّ. وهذه الملاحظة من الأهميَّة بمكان، إذ إنَّ بعض الكتَّاب القليلي الإطِّلاع على نتائج البحث العلميّ يخلطون بين المفاهيم، إذ يقولون بأنَّ العهد القديم قد وُضع - بل لُفِّق! - في عصر متأخِّر، ولا يتعلَّق بالتّراث الدِّينيِّ القديم. إنَّ هذا الرَّأي خالٍ من كلِّ أساس علميّ. وسنتبيَّن طرق عمل التَّحرير هذا ومناهجه، مستعينين بقصَّة مرور موسى ببحر القصب (النصّ الأوَّل - خر 14).

تتألَّف رواية مرور موسى ببحر القصب من ثلاثة مقاطع قصصيَّة متداخلة وهي التّالية:

 

خبرة الخلاص والإيمان (سفر خر 13/ 20 - 14/ 31)

آ - النصّ اليهويِّ

ثمَّ رحلوا من سكَّوت وخيَّموا في أيتام في طرف البريَّة.

وكلَّم الربّ موسى قائلاً: "مُرّ بَنِي إسرائيل أن يرجعوا ويُخيِّموا أمام فم الحيروت، بين مجدول والبحر، أمام بعل صفون، تخيِّمون تجاهه على البحر. وأقسِّي أنا قلب فرعون فيجدّ في إثركم، وأُمجَّد على حسابه وعلى حساب جيشه كلّه، ويعلم المصريُّون أنَّني أنا الربّ. ففعلوا كذلك.

وقسَّى الربّ قلب فرعون... فجدَّ في إثرِ بني إسرائيل.

وخيل فرعون كلّه ومراكبه وفرسانه وجيشه، عند فمّ الحيروت أمام بعل صفون. ولمَّا قرب فرعون... صرخ بنو إسرائيل إلى الربِّ. 

فقال الربّ لموسى: "مُر بَني إسرائيل أن يرحلوا. وأنت إرفع عصاك ومُدَّ يدك على البحر فشقّه، فيدخل بنو إسرائيل في وسطه على اليبس. وهاءنذا مقسّ قلوب المصريِّين فيدخلون وراءَهم وأمجِّد على حساب فرعون وكلِّ جيشه، وبمراكبه وفرسانه. فيعلَم المصريُّون أنِّي أنا الربّ إذا مُجِّدت على حساب فرعون ومراكبه وفرسانه.

ومدَّ موسى يدَه على البحر... وقد إنشقَّت المياه. ودخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليبس والمياه لهم سور عن يمينهم وعن يسارهم.

وجدَّ المصريُّون في إثرهم ودخل وراءهم جميع خيل فرعون ومراكبه وفرسانه إلى وسط البحر.

فقال الربّ لموسى: "مُدَّ يدك على البحر فيرتدَّ الماء على المصريِّين، على مراكبهم وفرسانهم". فمدَّ موسى يده على البحر.

فرجعت المياه فغطَّت فرعون كلّه وفرسانه الدّاخلين وراءَهم في البحر.

وسارَ بنو إسرائيل على اليبس في وسط البحر والمياه لهم سور عن يمينهم وعن يسارهم.

 

 

ج - النصّ الإيلوهيِّ

فلمَّا أُخبر ملك مصر أنَّ الشَّعب قد هرب.

وأخذَ ستّ مئة مركبة ممتازة وجميع مراكب مصر، وعلى كلٍّ منها ضبَّاط.

رفع بنو إسرائيل عيونهم، فإذا المصريُّون ساعون وراءَهم فخافوا جدًّا...

وقالوا لموسى: "أمِن عدم القبور بمصر أتيتَ بنا لنموت في البريَّة؟ ماذا صنعت بنا فأخرجتنا من مصر؟ أليس هذا ما كلَّمناك به في مصر قائلين: "دعنا نخدم المصريِّين فإنَّه خير لنا أن نخدم المصريِّين من أن نموت في البريَّة".

"ما بالك تصرخ إليَّ؟"

فانتقل ملاك الربّ السّائر أمام عسكر إسرائيل فسار وراءهم. فكان الغمام مظلِمًا من هنا، وكان من هناك يُنير اللّيل.

وعطَّل دواليب المراكب فساقوها بمشقَّة. ورأى إسرائيل المصريِّين أمواتًا على شاطئ البحر.

 

 

ب -  النصّ الكهنوتيِّ

وكان الربّ يسير أمامهم نهارًا في عمود من غمام ليهديهم الطّريق، وليلاً في عمود من نار ليُضيء لهم، وذلك لكي يسيروا نهارًا وليلاً. ولم يبرح عمود الغمام نهارًا وعمود النَّار ليلاً من أمام الشَّعب.

يبرح عمود الغمام نهارًا وعمود النّار ليلاً من أمام الشَّعب.

تغيَّر قلبه وقلوب حاشيته عليه وقالوا: "ماذا صنعنا، فأطلقنا إسرائيل من خدمتنا؟" فشدَّ مركبته وأخذ قومه معه.

... ملك مصر... وجدَّ المصريُّون في إثرهم فأدركوهم وهم مخيِّمون على البحر.

فقال موسى للشّعب: "لا تخافوا، أصمدوا تعاينوا الخلاص الذي يجريه الربّ اليوم لكم، فإنَّكم كما رأيتم المصريِّين اليوم، لن تعودوا ترونهم للأبد. الربّ يحارب عنكم وأنتم هادئون".

وإنتقل عمود الغمام من أمامهم فوقف وراءهم ودخل بين عسكر. المصريِّين وعسكر إسرائيل.

فلم يقترب أحد الفريقين من الآخر طول اللّيل... فدفع الربّ البحر بريح شرقيَّة شديدة طوال اللّيل حتَّى جعل البحر جافًّا.

وكان في هجعة الصّبح أنَّ الربَّ تطلَّع إلى عسكر المصريِّين من عمود النّار والغمام وبلبل عسكر المصريِّين.

فقال المصريُّون: "لنهرب من وجه إسرائيل لأنَّ الربَّ يُقاتل عنهم المصريِّين".

 

فارتدَّ البحر عند انبثاق الصّبح إلى ما كان عليه المصريُّون هاربون نحوه، فدحر الربّ المصريّين في وسط البحر... ولم يبق منهم أحد. وفي ذلك اليوم خلَّص الربّ إسرائيل من أيدي المصريِّين. وشاهد إسرائيل المعجزة العظيمة التي صنعها الربّ بالمصريِّين، فخاف الشّعب الربّ وآمنوا به وبموسى عبده.

 

 

القصَّة آ - تعود إلى المؤلِّف اليهويِّ، والقصَّة ج - تعود إلى المؤلِّف الإيلوهيِّ، أمَّا القصَّة ب - فهي نتيجة لعمل كاتب دمج المؤلِّفين اليهويِّ والإيلوهيِّ في عمل واحد (في القرن 8 - 7 ق. م.).

 

فيجدر بنا أن نوضِح أنَّها ثلاث قصص مستقلَّة وليست ثلاث روايات للقصَّة نفسها:

- القصَّة (آ) تعرض معجزة البحر: مرور موسى بالبحر وهلاك جيش فرعون في مياه البحر. مغزى هذه القصَّة أنَّ الربَّ تمجَّد، إذ أظهر قوَّته في معجزة البحر.

 

- أمَّا القصَّة (ب) فتدور حول فكرتَيّ الخلاص والإيمان: خلَّص الربّ شعبه في المعركة على شاطئ البحر، فآمن الشَّعب بالربِّ. معجزة البحر غير واردة في هذه القصّة: إنَّها قصَّة معركة.

 

- أمَّا القصَّة (ج) فهي عبارة عن شذرات من قصَّة معركة فُقد مغزاها.

 

أدرج المحرِّر الكهنوتيِّ هذه القصص الثَّلاث بعضها في بعض ودمجها في قصَّة واحدة. يدور مغزى هذه القصَّة الجديدة حول ثلاثة مفاهيم: مجد الربِّ، وخلاص الشَّعب، وإيمان الشَّعب. ويُمكننا أن نصوغ مغزى القصَّة النِّهائيَّة، كما يلي: آمن الشَّعب بالربِّ، إذ رأى مجده، ونجا من خطر الهلاك.

 

يُظهر لنا مثل هذه القصَّة طبيعة تراث العهد القديم. ليست أعمال العهد القديم بنت لحظة إبتكار واحدة، إنَّما هي نتيجة صيرورة تراث طويلة أسهم فيها عدَّة كُتَّاب لا نعرف إلاَّ البعض القليل منهم.

 

فحفظ هذا التّراث الخبرة الرّوحيَّة الأصليَّة: هي خبرة الخلاص بقوَّة الربِّ وخبرة الإيمان النّاشئ عن الخلاص. أمَّا الحدث التّاريخيِّ الذي كان المناسبة لخبرة الخلاص، فقد بات مجهولاً: أترى هو مرور الشَّعب بالبحر وهلاك فرعون؟ هل هو إنتصار في معركة دون رجاء ولا أمل؟ إنَّ الحدث التّاريخيِّ يُغطِّيه أسلوب الملحمة الذي يطبع قصَّة الخروج بطابعه. يبدو أنَّ التّراث القديم، في فترة ما قبل التّوراة، لا يهتمّ بهذه المسألة التي غدت ثانويَّة في رأيه.

 

والجدير بالذِّكر أنَّ موضوع المرور بالبحر كان في العهد الجديد والقرون المسيحيَّة الأولى يتمتَّع بأهميَّة كبرى: فرأى بولس الرَّسول في معجزة البحر صورة سابقة لسرِّ المعموديَّة (1 قور 10/ 1 - 2).

 

وتبنَّى آباء الكنيسة هذا التَّفسير الرَّمزيِّ للعهد القديم، فرأوا أنَّ العهد القديم يرمز إلى العهد الجديد.

 

نُبرز تطوُّر التّراث الرّوحيِّ في العهد القديم في اللَّوحة البيانيَّة التالية، ونحبّ أن نشير إلى أنَّ هذا التطوُّر يشمل الكتب التّاريخيَّة أيضًا وهي تحتوي على نصوص من المؤلِّفات الأربعة المذكورة آنفًا:

 

 

4- المعنى المسيحي للكتب الخمسة

يظهر ممَّا سبق أنَّ الكتب الخمسة تماشي في تكوينها الأدبيّ تاريخ العهد القديم. فكتاب العهد يشير إلى المرحلة الرَّعويَّة، والمؤلِّف اليهويِّ يصف حياة المجتمع الزِّراعيِّ الذي نُظِّم في الحكم الملكي، والمؤلِّف الإيلوهيِّ يروي تاريخ تصدُّع هذا المجتمع الزّراعيِّ، وتراث تثنية الإشتراع والتّراث الكهنوتيِّ يرسمان صورة مجتمع دينيِّ يشكِّل الإيمان قوامه وأساسه.

أمَّا المسيحيّ فيقرأ الكتب الخمسة في ضوء تاريخ يسوع المسيح، وهو يكتشف فيها تاريخ ذاك الأمل المستقبليّ الذي تمَّ في المسيح، وبالتالي يكتشف وراءها تكوين جماعة المسيح قبل المسيح.

 

ليست الكتب الخمسة قانونًا بالمعنى المعاصر للكلمة. فلا تصلح لتكون أساسًا لتشريع مجتمع حديث. كذلك لا نستطيع أن نعدَّها قصصًا تاريخيَّة بالمعنى العلميِّ للتّاريخ، لأنَّها لا تروي التّاريخ الدنيويِّ، بل تعرض لمحات تاريخيَّة من وجهة نظر الإيمان.

 

وأخيرًا ليست الكتب الخمسة مجموعة من الحقائق الفلسفيَّة أو كتاب العقائد، بل هي تعبير عن خبرة جماعة قد إكتشفت حضور الله في مصيرها، وصاغت هذه الخبرة الرّوحيَّة الصِّياغات الأدبيَّة الشّائعة في ثقافات الشَّرق القديم.

 

بلغت هذه الخبرة الرّوحيَّة ذروتها في العهد الجديد وذلك بمعنيَين، من جهَّة إكتملت في المسيح، ومن جهَّة أُخرى إنتهت مُخليةً السَّبيل للخبرة المسيحيَّة.

 

بناء على ذلك، كلّ تفسير ينزع إلى خلع دلائل سياسيَّة على كتب العهد القديم، ولا سيَّما على الكتب الخمسة، إنَّما يغتصب النصّ ويحرِّفه عن موضوعه الأصليِّ.    

            

الأب روبير بندكتي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية