الخبز النازل من السماء

 

 

الخبز النازل من السماء

 

الخبز النازل من السماء

(خر 15/ 22 - 16/ 1 - 36)

مارّة

ثمّ رحل موسى بإسرائيل من بحر القصب، وخرجوا إلى بريّة شور. فساروا ثلاثة أيّام في البريّة ولم يجدوا ماءً. فوصلوا إلى مارّة، فلم يطيقوا أن يشربوا من مياهها لأنّها مُرَّةً، ولذلك سمّيَت مارّة. فتذمّر الشّعب على موسى وقال: "ماذا نشرب؟" فصرخ موسى إلى الربّ، فأراه الربّ خشبةً فألقاها في الماء فصار عذبًا.

هناك وضع الربّ لهم فريضةً وشرعًا وهناك امتحنهم.

وقال: "إن سمعت لصوت الربّ إلهك، وصنعت ما هو مستقيم في عينيه، وأصغيت إلى وصاياه، وحفظت جميع فرائضه، فجميع الأمراض التي أنزلتها بالمصريّين لا أنزلها بك، لأنّي أنا الربّ مُعافيك".

ثمّ وصلوا إلى أَيليم، وكان هناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، فخيّموا هناك عند المياه.

المَنّ والسلوى

ورحلوا من أيليم ووصلت جماعة بني إسرائيل كلّها إلى بريّة سين التي بين أيليم وسيناء في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني لخروجها من أرض مصر. فتذمَّرت جماعة بني إسرائيل كلّها على موسى وهارون في البريّة. وقال لهما بنو إسرائيل: "ليتنا متنا بيد الربّ في أرض مصر، حيث كنّا نجلس عند قدر اللّحم ونأكل من الطعام شبعنا، في حين أنّكما أخرجتمانا إلى هذه البريّة لتميتا هذا الجمهور كلّه بالجوع".

فقال الربّ لموسى: "هاءنذا ممطر لكم خبزًا من السّماء. فيخرج الشّعب ويلتقطه طعام كلّ يوم في يومه، لكي أمتحنهم، أيسلكون على شريعتي أم لا. فإذا كان اليوم السادس وأعدُّوا ما يأتون به، يكون ضعف ما يلتقطونه في كلّ يوم".

فقال موسى وهارون لبني إسرائيل كلّهم: "في المساء تعلمون أنّ الربّ هو الذي أخرجكم من أرض مصر، وفي الصباح ترون مجد الربّ، لأنّه سمع تذمُّركم عليه. وأمّا نحن فمَن حتّى تتذمّروا علينا؟" وقال موسى: "إنّ الربّ عندما يعطيكم في المساء لحمًا تأكلونه وفي الصباح خبزًا تشبعون منه، ذلك لأنّه سمع تذمُّركم الذي تتذمّرون عليه، وأمّا نحن فمَن؟ إنّه ليس علينا تذمُّركم، بل على الربّ".

وقال موسى لهارون: "قل لجماعة بني إسرائيل كلّها: تقدَّموا أمام الربّ، لأنّه قد سمع تذمُّركم". فبينما كان هارون يكلّم جماعة بني إسرائيل كلّها، إلتفتوا نحو البريّة، فإذا مجد الربّ قد ظهر في الغمام. فكلّم الربّ موسى قائلاً: "إنّي قد سمعت تذمُّر بني إسرائيل، فكلِّمهم قائلاً: "بين الغروبين تأكلون لحمًا وفي الصباح تشبعون خبزًا، وتعلمون أنّي أنا الرّبّ إلهكم". فلمّا كان المساء، صعدت السلوى فغطّت المُخيَّم، وفي الصباح كانت طبقة من الندى حوالي المُخيَّم. ولمّا تصعَّدت طبقة الندى، إذا على وجه البريّة شيء دقيق محبَّب، دقيق كالصّقيع على الأرض. فلمّا رآه بنو إسرائيل، قال بعضهم لبعض: "مَن هو"، لأنّهم لم يعلموا ما هو. فقال لهم موسى: "هو الخبز الذي أعطاكم إيّاه الربّ مأكلاً. هذا ما أمر الربّ به: إلتقطوا منه كلّ واحدٍ على قدر أكله، عمرًا لكلّ نفسٍ. لكلّ نفسٍ. على عدد نفوسكم تأخذون كلّ واحدٍ لمَن في خيمته".

ففعل كذلك بنو إسرائيل والتقطوا. فمنهم مَن أكثر ومنهم مَن أقلَّ. ثمّ كالوه بالعمر، فالمكثر لم يَفضُل له والمُقلُّ لم يَنقُص عنه، فكان كلّ واحدٍ قد إلتقط على قدر أكله.

وقال لهم موسى: "يُبْقِ أحد منه شيئًا إلى الصباح". فلم يسمعوا لموسى، وأبقى منه أناس إلى الصباح، فدبَّ فيه الدود وأنتن، فسخط عليهم موسى. وكانوا يلتقطونه في كلّ صباح، كلّ واحد على مقدار أكله. فإذا حَمِيَت الشمس كان يذوب.

ولمّا كان اليوم السّادس، إلتقطوا طعامًا مضاعفـًا، عُمرَين لكلّ واحد. فجاء رؤساء الجماعة كلّهم وأخبروا موسى. فقال لهم: "هذا ما قال الربّ: غدًا سبت عظيم، سبت مقدّس للربّ. فما تريدون أن تطبخوه فاطبخوه، وما تريدون أن تسلقوه فاسلقوه، وما فضل فاتركوه لكم محفوظًا إلى الصباح". فتركوه إلى الصباح، كما أمر موسى، فلم يُنتِن ولم يكن فيه دود. فقال موسى: "كلوه اليوم، لأنّ اليوم سبت للربّ، واليوم لا تجدونه في الحقل. ستّة أيّامٍ تلتقطونه، وفي اليوم السابع سبت، فلا يوجد فيه". ولمّا كان اليوم السابع، خرج أناس من الشعب ليلتقطوا، فلم يجدوا شيئًا. فقال الربّ لموسى: "إلى متى تأبون أن تحفظوا وصاياي وشرائعي؟ أُنظروا: إنّ الربّ أعطاكم السبت، ولذلك هو يعطيكم في اليوم السادس طعام يومين. فليبقَ كلّ واحدٍ حيث هو، ولا يبرح أحد مكانه في اليوم السابع". فاستراح الشعب في اليوم السابع.

وأطلق عليه بيت إسرائيل إسم المنّ، وهو كبزر الكزبرة أبيض، وطعمه كقطائف بالعسل.

وقال موسى: "هذا ما أمر الربّ به: املأوا عمرًا منه ليكون محفوظًا مدى أجيالكم حتّى يروا الطعام الذي أطعمتكم في البريّة، حين أخرجتكم من أرض مصر". وقال موسى لهارون: "خذ وعاءً واجعل فيه ملء العمر منّا وضعه أمام الربّ، ليكون محفوظًا مدى أجيالكم". فوضعه هارون أمام الشهادة ليكون محفوظًا، كما أمر الربّ موسى.

وأكل بنو إسرائيل المنّ أربعين سنةً، إلى أن وصلوا إلى أرض عامرة، أكلوا المنّ إلى حين وصلوا إلى حدود أرض كنعان. وكان العمر عشر الإيفة.

المقدّمة

بعد محاولات عدّة، غادر الشعب أرض العبوديّة، وها هوذا قد عبر البحر الأحمر، متحرّرًا من مطارديه. لقد خلّصه الله من يد أعدائه، فلا بُدّ لمَن نجا وتحرّر من أن ينشد نشيدًا جديدًا، نشيدًا ينشده الرجال، ونشيدًا آخر تنشده النساء.

نشيد الرجال

"حينئذ أنشد موسى وبنو إسرائيل هذا النشيد للربّ وقالوا: أنشد للربّ فإنّه تعظّم تعظيمًا: الفرس وراكبه في البحر ألقاهما" (خر 15/ 1).

نشيد النساء

"ثمّ أخذت مريم النبيّة، أخت هارون، الدفّ في يدها، وخرجت النساء كلّهن وراءها بالدفوف والرّقص. فجاوبتهنّ مريم: أنشدوا للربّ فإنّه تعظّم تعظيمًا الفرس وراكبه في البحر ألقاهما" (خر 15/ 20 - 21).

إلاّ أنّ التحرّر لم يكتمل بعد، فلا بُدّ من مسيرة الصّحراء الطويلة إلى أن يكتشف الشعب معنى الحريّة الصحيحة، تلك التي يربّي الله الإنسان عليها. فإن كان الله حاضرًا في الأعمال الخارقة، عندما يشقّ مياه البحر فيعبر الشّعب وكأنّه يسير على أرض يابسة، فهل سيكتشفون حضور الله أيضًا في الحياة اليوميّة الرتيبة؟ يومًا بعد يوم؟

"فتكلّموا على الله وقالوا: أيقدر الله أن يُعِدّ في البريّة مائدة؟ إنّه ضرب الصّخرة فسالت المياه وفاضت السّيول فهل يقدر أن يعطي خبزًا أو يعدّ لشعبه لحمًا؟" (مز 78/ 19 - 20).

الصّحراء مكان الرّفض ومكان الطاعة

بعد الخروج من مصر، يقود موسى الشعب في الصّحراء. ولا بُدّ لنا من قول كلمة في الصّحراء وما تعنيه في الكتاب المقدّس. ففي الصّحراء نتعلّم جغرافية الكتاب المقدّس الرّوحيّة، لأنّ الصّحراء هي المكان الذي فيه يبدأ الشعب بالتذمّر والإستسلام للشكّ، ولأنّ الإنسان يختبر الحرمان، ولا سيّما عندما تزول الأمور التي عليها يبني الإنسان حياته، من ماء وطعام وثياب وسكن. والصّحراء هي أيضًا مكان العهد مع الله، هي مكان الإصغاء إلى كلامه، هي مكان علاقة ثقة معه، بعد إضمحلال كلّ الضمانات البشريّة.

فالشعب المقيم في الصّحراء يختبر أنّه محروم من ضروريّات الحياة: الماء والخبز. فبعد مسيرة ثلاثة أيّام في الصّحراء، يشعر الشعب بقلّة الماء: "ثمّ رحل موسى بإسرائيل من بحر القصب، وخرجوا إلى بريّة شور. فساروا ثلاثة أيّام في البريّة ولم يجدوا ماء" (خر 15/ 22).

وعلى الرغم من ذلك يستمرّ الشعب في السّير في الصّحراء إلى أن يجد ماءً، إلاّ أنّ هذا الماء غير قابل للشرب، بل طعمه مرّ: "فوصلوا إلى مارّة، فلم يطيقوا أن يشربوا من مياهها لأنّها مرّة، ولذلك سُمّيت مارّة" (خر 15/ 23).

فبدأ الشعب بالتذمّر على موسى: "فتذمّر الشعب على موسى وقال: ماذا نشرب؟" (خر 15/ 24).

ولذلك يتوجّه موسى، كليم الله، بالصّلاة إلى الله الذي يسمع نداءه، فيصبح الماء عذبًا زلالاً: "فصرخ موسى إلى الربّ، فأراه الربّ خشبةً فألقاها في الماء فصار عذبًا" (خر 15/ 25).

هل نحن في مجال السّحر، أم هناك أمر غريب؟ نجيب على سؤالنا قائلين: إنّ الموضوع هو من مجال التعليم. فالرواية تؤكّد أنّ هناك محنة لا بُدّ للشعب من أن يجتازها: "هناك وضع الربّ لهم فريضة وشرعًا وهناك امتحنهم" (خر 15/ 25).

ماذا يعني فعل "امتحن" وهو يُعتبر من المفردات الهامّة في الكتاب المقدّس؟

 

عندما يمتحن الله الإنسان، فإنّه يحمله على أن يكتشف ما في أعماق قلبه، فهل يعتمد على نفسه أم إنّه يبني حياته على الكلمة التي تخرج من فم الله فيسير في هديها يومًا بعد يوم؟ فالمحنة تصهر الإنسان وتكشف له من أيّ معدن هو، كما يُصهر الذهب في البوتقة فيزداد نقاءً ولمعانًا!

فهل فهم الشعب أخيرًا أنّ الماء، الذي يحيي قلب الإنسان، هو الله وحده الذي يعطيه للإنسان التائه في الصحراء؟

وما يسعى إلى قوله لنا سفر الخروج من خلال المسيرة في الصّحراء هو أنّ المحنة هي أيضًا طريق للشفاء: "إن سمعت لصوت الربّ إلهك، وصنعت ما هو مستقيم في عينيه، وأصغيت إلى وصاياه، وحفظت جميع فرائضه، فجميع الأمراض التي أنزلتها بالمصريّين لا أنزلها بك، لأنّي أنا الربّ معافيك" (خر 15/ 26).

والتجربة الكبرى في مصر هي الإعتماد فقط على القوى الشخصيّة وعلى الغنى، فيتصلّب قلب الإنسان وتزول عنه الرّحمة والحنان فيستسلم إلى أعمال العنف والإنتقام.

وهناك درس آخر يُلقـِّـننا إيّاه الكتاب المقدّس عبر المسيرة في الصّحراء، وهو أنّه، حتّى في حالة الحرمان، يضع الله على طريقنا واحات غنّاء وارفة الظلال تنتشل الإنسان من الموت وتوجّه أنظاره نحو آفاق أوسع: "ثمّ وصلوا إلى أيليم، وكان هناك إثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، فخيّموا هناك عند المياه" (خر 15/ 27).

هل انتهت المحنة مع الوصول إلى الظلال وينابيع المياه؟ كلاّ فإنّ الحاجة ستتّخذ وجهًا جديدًا، ولم يعد الماء هو الذي ينقص، بل الطعام.

وفي هذه الحالة، يبدو كلّ شيء وكأنّه نحو الزوال: الأشخاص، الذاكرة... فمرارة العيش الراهنة تجعل الأشخاص ينسون ما أصابهم في الماضي من ويلات، بل وأكثر من ذلك، فإنّهم يتمنّون لو عاد زمن العبوديّة: "ليتنا متنا بيد الربّ في أرض مصر، حيث كنّا نجلس عند قدر اللّحم ونأكل من الطعام شبعنا، في حين أنّكما أخرجتمانا إلى هذه البريّة لتُميتا هذا الجمهور كلّه بالجوع" (خر 16/ 3).

تصبح مصر إنطلاقـًا من هذه النظرة المثاليّة إلى الماضي أرض الميعاد، أرضًا تدرّ أشهى المأكولات. وإن كان الأمر كذلك، فلم يعد من معنى للتقدّم في السّير نحو الأمام. يشوّه الإنسان الماضي إنطلاقـًا من نظرته المحدودة إلى الأمور، فيتحوّل طريق الحياة التي عليها يسير إلى طريق نحو الموت والإضمحلال. راح الشعب يختبر أنّ العبوديّة كانت أمرًا سهلاً، وكان الناس يموتون بشكل طبيعيّ وكما يقال بعد أن شبعوا من الحياة. أمّا الآن، وفي الصّحراء، فالموت عنيف ينقضّ على الصغير والكبير وكأنّه يحصد الشعب على بكرة أبيهم.

خبز السماء

يسمع الله تذمّر الشعب ويجيبه بصنعه العجيب مانحًا إيّاه خبز السماء والسلوى. سيأكل الشعب الجائع ويشبع من هذا الخبز العجيب النازل من السماء: "فقال الربّ لموسى: هاءنذا ممطر لكم خبزًا من السماء" (خر 16/ 4).

هذا الخبز النازل من السماء هو هبة من الله، وهو في الوقت نفسه محنة للشّعب، لأنّه لا يعطى باستمرار وعلى الدوام، ولكن لا بُدّ من تقـبّله كلّ يوم من يد الله. يدعو هذا الخبز الإنسان كلّ يومٍ إلى أن ينظر إلى حاجته، وأن يتأمّل في خوفه من الموت، لكي يسلّم حياته بين يدي الله: "فيخرج الشّعب ويلتقطه طعام كلّ يوم في يومه، لكي أمتحنهم، أيسلكون على شريعتي أم لا" (خر 16/ 4).

هناك طريقة في تلقـّي الخبز تشير إلى حالة الإنسان الذي يسير أو لا يسير مع الله، إلى الإنسان الذي وضع أو لم يضع ثقته بالله، لكي يتابع المسيرة التي كان قد بدأها. على الإنسان ألاّ يعتمد على ثرواته المكدّسة، وعليه ألاّ يضع ثقته في أمان سطحيّ، تلك هي الأمثولة التي يريد الله أن يربّي الإنسان عليها. إلاّ أنّ هناك إستثناء لليوم السابع، يوم السبت، لكي يتاح المجال للتسبيح: "فإذا كان اليوم السادس وأعدّوا ما يأتون به، يكون ضعف ما يلتقطونه في كلّ يوم" (خر 16/ 5).

يتضاعف الطعام في سبيل زمن مميّز للراحة. عندما يتلقّى الإنسان هذا الخبز، فإنّه يزداد علمًا عن حقيقة الله، وتتحوّل بالتالي حياته، لأنّ هذا الخبز يجعله يكتشف مَن هو الله، فالله هو الذي يخلّص، وهو الذي يُخرج الإنسان من عبوديّة مصر: "فقال موسى وهارون لبني إسرائيل كلّهم: في المساء تعلمون أنّ الربّ هو الذي أخرجكم من أرض مصر، وفي الصباح ترون مجد الربّ..." (خر 16/ 6 - 7).

يشاهد الشعب "مجد" الربّ في الصّحراء، إلاّ أنّ الغمام سيستره، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يمتلك جوهر الله والمجد الذي يكتنفه. فالله هو دومًا أكبر ممّا نستطيع أن نعرف عنه: "فبينما كان هارون يكلّم جماعة بني إسرائيل كلّها، إلتفتوا نحو البريّة، فإذا مجد الربّ قد ظهر في الغمام" (خر 16/ 10).

يتساقط الخبز من السماء، ويبدو شكله غريبًا: "ولمّا تصعّدت طبقة الندى، إذا على وجه البريّة شيء دقيق محبّب، دقيق كالصّقيع على الأرض؟" (خر 16/ 14).

ويبدأ الناس بالتساؤل في شأن هذه الطبقة الرقيقة التي لا تشبه الأمور المعتادة: "فلمّا رآه بنو إسرائيل، قال بعضهم لبعض: "مَن هو"، لأنّهم لم يعلموا ما هو..." (خر 16/ 15).

يصبح الخبز سؤالاً مطروحًا يحمل الإنسان على البحث. والجواب عن هذا السؤال ليس في تفصيل كيميائيّ حول محتويات هذا الخبز، فالجواب هو في اكتشاف مصدر هذا الخبز، والله الذي هو مصدر هذا العطاء: "هو الخبز الذي أعطاكم إيّاه الربّ مأكلاً" (خر 16/ 15).

التجربة اليوميّة

المنّ، "خبز الله" هو طعام لذيذ، طعام يُشبع جوع الإنسان. فعلى حاجة الشعب أن تقدّر كلّ يوم الكميّة التي لا بدّ من جمعها: "ففعل كذلك بنو إسرائيل والتقطوا. فمنهم مَن أكثر ومنهم مَن أقلّ. ثمّ كالوه بالعمر، فالمكثر لم يفضّل له والمقلّ لم ينقص عنه. فكان كلّ واحد قد إلتقط على قدر أكله" (خر 16/ 17 - 18).

إلاّ أنّ الإنسان الذي يفقد الثقة بالله، ويلجأ إلى تكديس الخيرات، ولا سيّما المنّ، فإنّ هذا المنّ المكدّس يفسد ولا محالة: "وقال لهم موسى: لا يُبقِ أحد منه شيئًا إلى الصباح". فلم يسمعوا لموسى، وأبقى منه أناس إلى الصباح، فدبّ فيه الدود وأنتن..." (خر 16/ 19 - 20).

فالرغبة في التأكّد من العطاء هو نوعًا ما شكّ في الشخص الذي هو مصدر العطاء، هو الشكّ في سخاء الله. هل يجدّد الله أعماله العظيمة؟ وهل له المقدرة على ذلك؟ لا يهب المنّ الحياة إلاّ إذا كان في علاقة مع الكلمة، كما الأمر هو في موضوع الماء سابقًا.

فالمنّ، وإن بقي على سطح الأرض، فإنّه لا يبقى منه شيء، لأنّه يذوب كلّ يوم تحت الشمس: "وكانوا يلتقطونه في كلّ صباح، كلّ واحد على مقدار أكله. فإذا حميت الشمس كان يذوب" (خر 16/ 21).

وبعد محنة الحياة اليوميّة، يصادف الإنسان محنة وقت الراحة، وهو السبت. ففي هذا اليوم على الشعب ألاّ يخرج لإلتقاط المنّ، ففي عشيّة السبت كان عليهم أن يلتقطوا الضعف، وهذا ممّا يكفي حاجتهم: "ستّة أيّام يلتقطونه، وفي اليوم السابع سبت، فلا يوجد فيه". ولمّا كان اليوم السابع، خرج أناس من الشعب ليلتقطوا، فلم يجدوا شيئًا" (خر 16/ 26 - 27).

في هذا الموقف أيضًا، لا بدّ من الإستناد إلى كلمة وعد، وأمام هذا الوعد يتردّد الإنسان ويقع في التجربة. وعلى الرغم من ذلك، فإن احتفظ الإنسان بالمنّ نزولاً عند أمر الله، ولا خوفًا من فقدانه، فالمنّ لا يفسد ويبقى صالحًا للطعام: "فتركوه إلى الصباح، كما أمر موسى، فلم يُنتن ولم يكن فيه دود. فقال موسى: "كلوه اليوم، لأنّ اليوم سبت للربّ واليوم لا تجدونه في الحقل. ستّة أيّام تلتقطونه، وفي اليوم السابع سبت، فلا يوجد فيه" (خر 16/ 24 - 26).

ففي حقيقةِ المنّ تمتحن الثقة: "فقال الربّ لموسى: إلى متى تأبون أن تحفظوا وصاياي وشرائعي؟ أنظروا: إنّ الربّ أعطاكم السبت، ولذلك هو يعطيكم في اليوم السادس طعام يومين. فليبق كلّ واحد حيث هو، ولا يبرح أحد مكانه في اليوم السابع" (خر 16/ 28 - 29).

إنّ الله يعطي ويستمرّ في العطاء لكيلا يتوه الإنسان في مسيرة البريّة، ولكن ما يُطلب منه أوّلاً هو الحفاظ على كلمة الله لكيلا ينقطع المنّ. وللمنّ شكل غريب، وطعمه طعم العسل: "وأطلق عليه بيت إسرائيل إسم المنّ، وهو كبزر الكزبرة أبيض، وطعمه كقطائف بالعسل" (خر 16/ 31).

الخاتمة

يدعونا سفر الحكمة إلى التعمّق في مفهوم العذوبة، عذوبة الله بالذات، المرتبطة بعطاياه: "لأنّ المادّة التي من عندك كانت تُظهر عذوبتك لأبنائك..." (حك 16/ 21).

لا يعطي الله الخبز للإنسان لكي يستعبده، بل في هذا العطاء يظهر للإنسان عذوبته وعطفه عليه. فالشعب السالك في الصّحراء يتغذّى من عطايا الله بطريقة جديدة وبأسلوب يتجاوز كلّ ما كان يتوقّع وحتّى هذا الخبز اليوميّ الذي يمنحه الله، له المقدرة على أن يكون مطابقًا لانتظارات الإنسان.

يحتوي هذا الخبز على طعم رغباتنا، كما أنّه يحتوي على أطعامٍ مختلفة، ويتحوّل بحسب الرغبة التي تسكن قلب كلّ إنسان: "وتخضع لشهوةِ متناولها فتتحوّل إلى ما شاء كلّ واحد" (حك 16/ 21).

فلا يبقى للإنسان الذي يتلقّى عطاء الله كلّ يوم إلاّ أن يستسلم لرغبة عميقة، هو الله وحده القادر على إشباعها: "لأنّي أنا الربّ إلهك الذي أصعدك من أرض مصر فأوسع فمك لأملأهُ" (مز 81/ 11).

منّ السماء

المنّ في الكتاب المقدّس

المنّ هو الطعام الذي أعطاه الله لبني إسرائيل أثناء مسيرتهم في البريّة (يش 5/ 12). والذي يهمّنا هنا ليس أن نعرف نوعه وطبيعته، بل أن ندرك قيمته الرمزيّة. فمن خلاله يريد الله في الواقع أن يختبر شعبه، وفي الوقت نفسه، أن يوفّر له القوت الحقيقيّ (خر 16/ 4 - 8).

كلّ تفسيرات العهد القديم حول المنّ قد هيّأت الطريق للإعلان عن خبز السماء الحقيقيّ الذي كان المنّ بمثابة وعد به ورمز له: "آباؤنا أكلوا المنّ في البريّة، كما ورد في الكتاب: "أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا" فقال لهم يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم: لم يعطكم موسى خبز السماء بل أبي يعطيكم خبز السماء الحقّ لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة للعالم" (يو 6/ 31 - 32).

 

                                                                     المطران أنطوان أودو

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x