الروح القدس مرشد التلاميذ

 

 

 

 

الرُّوح القدس مُرشد التلاميذ

 

يو 16: 12 – 15

 

إنّ لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأمَّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية.  ذاك يمجِّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم. كلّ ما للآب هو لي. لهذا قلت أنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم.

 

 

مقدّمة

بعد الكلام الذي تفوّه به يسوع (ولم يقاطعه أحد) عن حضور حميم في قلب الجماعة (فصل 15)، عادت بنا خُطبة جديدة إلى الوراء (أقلّه في الظاهر) إلى الوداع الذي حدّثتنا عنه الخطبةُ الأولى (13: 33 - 14: 31). حين نقابل هذين النصّين، نلاحظ تشابهًا كبيرًا وإن اختلف التوجُّه بين خطبة وأُخرى.

 

أعلن يسوع لتلاميذه ذهابه (16: 5؛ 13: 33). وبعد أن أشار إلى ردّة الفعل في قلوبهم (حزن في 16: 6 واضطراب في 14: 1)، أعلن نتيجة إيجابيّة لهذا الإنفعال (مجيء الرُّوح في 16: 7 والاجتماع الأخير في 14: 2 - 3). ويتبع التوسُّعَ حول البارقليط، روح الحقّ، توسُّعٌ آخر حول حضور جديد ليسوع: بعد قليل سوف يراه التلاميذ. في ذلك اليوم، يعرفونه معرفة حقيقيّة. والآب نفسه يحبّ المؤمنين.

 

وفي النهاية، تَذكر الخُطبتان آلامَ يسوع القريبة، وتنتهيان بكلمة تدلّ على اتِّحاد يسوع بأبيه في هذه الآلام عينها. وعلى مدى النصّ، يعود موضوع الصَّلاة باسم يسوع. في هذه الآلام عينها، صلاة تُستجاب دائمًا. ثمّ إعلان سلام أكيد. «لا تضطّرب قلوبكم ولا تفزع » (14: 27). «قلت لكم هذا كلّه ليكون لكم سلامٌ بي. ستعانون الشدّة في هذا العالم. تشجَّعوا، أنا غلبتُ العالم» (16: 33).

 

غابت مواضيع قرأناها في الخُطبة الأولى: اتّباع يسوع، الطريق الوحيد للذهاب إلى الآب، الأعمال التي نعملها، حفظ الوصايا. وبرزت معطيات جديدة: وظائف الرُّوح القدس، الكلام اللّغز، اقتراب التلاميذ المباشر من الآب. وهكذا لا نكون أمام استعادة للخطبة الأساسيّة، بل أمام قراءة ثانية لهذه الخطبة على ضوء الوضع الجديد. وضع المعارضة الذي تعيشه الجماعة. فما هو هذا الوضع؟

 

نحن بعد الانفصال التّام عن المجمع، عن العالم اليهوديّ. والنصّ يتوجّه إلى جماعة تعرف المحنة القاسية. فكرازتُها كانت باطلة، وإيمانها خسر مصداقيّته. هي تعيش على هامش المجتمع الذي انطلقت منه، فتعرّضت للضيق والحزن. لا شكّ في أنّها تؤمن بتعليم يسوع وقيامته من بين الأموات، ولكن خاب أملُها حين غابت نتيجة حدث يسوع عن العالم الذي يحيط بها. ما العمل لكي تعود إليها الثقة؟

يسوع يعود إلى الآب وهذا هو أساس الوجود الإسكاتولوجيّ للتلاميذ. هم في العالم، ولكنّهم ليسوا من العالم. إنّهم مدعوّون إلى إيمان يحرِّكه فيهم الرُّوح. حينئذٍ ينقلب حزنُهم فرحًا. لا شكّ في أنّ يسوع سيذهب، ولكنّه لن يتركهم يتامي. سيُرسل إليهم الرُّوح. بل من الأفضل لهم أن يذهب، لأنّه إن لم يذهب لن يأتي الرُّوح.

 

فعملُ الرُّوح هو امتداد لعمل المسيح. لن يعلِّمهم أشياء جديدة، ولكنّه يذكّرهم بما قاله يسوع لهم.

 

 

1 - عمل الرُّوح

مع يو 16: 8 نجد توسُّعين يبدآن كلاهما بذكر مجيء البارقليط، أو روح الحقّ. ثمّ نعرف دورَ هذا الرُّوح تجاه العالم ثمّ تجاه التلاميذ.

 

يتضمّن هذا النصّ محاكمة العالم وحُكمًا على العالم، بل حُكمًا على سيّد هذا العالم. والرُّوح يأتي إلى التلاميذ، لا إلى العالم الذي لا يستطيع أن يتقبّله. الله نفسه أعلن الحكم على سيِّد هذا العالم. والرُّوح القدس سيكون هنا لكي يُسند التلاميذَ ويُفهمهم أنّ الله قد تدخّل وتدخّل بقوّة. فلا يبقى لهم إلاّ أن يثقوا بقدرته وعمل روحه.

 

صُوَّرت وظيفة الرُّوح في 16: 8 - 11، فجاءَت قريبة من مهمّة الشَّاهد: فالتلاميذ الذين يسمعون للرُّوح، لا يستطيعون أن يشكّوا من بعدُ في أساس إيمانهم والمهمّة التي أُوكلت إليهم. واللاإيمان الذي يُحيط بهم، هو بقيَّة من رفض الواقع الذي لا يعتمّ أن يزول. لا بدّ إذًا من كشف هذا الكذب الذي يغرق فيه عالم ما زال لله يحبّه (3: 16). إنّ وجود الجماعة يجب أن يكون نداءً مستمرًا يتوجّه إلى وجدان البشر على مدّ التاريخ.

 

وهكذا نفهم أنّ الرُّوح هو الذي يقودنا إلى الحقّ كلّه. فحين يُصغي التلاميذ إلى البارقليط، يتأكَّدون من انتظار المسيح، ويشعرون أنّهم مسنودون ليكونوا شاهدين لله في وجه العالم. ولكن، ما هي نتيجة هذا الانتطار في وجودهم نفسه؟ هذا ما يكشفه نصّ أخير عن البارقليط: يرشد المؤمنين إلى ملء حقيقة الابن. فيه يشاركون في غنى يسوع الممجّد.

 

كان الإعلان في يو 16: 8 - 11 قد أعلن عن أزمة لا بدّ من أن يتجاوزها الرُّوح. أمّا هنا فيشدّد النصّ على التمجيد. هذا ما يوافق التحوّل من الحزن إلى الفرح، كما سيظهر في نهاية الخطبة.

 

«عندي أشياء كثيرة أقولها» (آية 12). هذا الإعلان يربط شقّين بين بعضهما البعض: من جهَّة (آيات 12 - 13 أ)، نجد زمنين يتعارضان. زمن يسوع الناصريّ الذي لم تعد «كلمتُه» مسموعة لدى التلاميذ بعد أن غاب عنهم. وزمن الرُّوح الذي يقودهم إلى الحقِّ كلِّه. ومن جهَّة ثانية (آيات 13 - 15)، يجتمع في الوحدة فاعلان تميّزا فيما مضى: «كلام» الرُّوح ونطقُه يتجذّران في يسوع الممجّد. وهكذا يكون روح الحقّ والابن «اثنين»، ولكنّهما «واحد»  في عملهما.

 

بقي ليسوع أشياء كثيرة يقولها. فما هي إذن؟

 هذا ما لا يقوله النصّ. ولكن ما نعرفه هو أنّ يسوع لم يوصل التلاميذ إلى الحقيقة كلّها، لأنَّهم لم يكونوا يستطيعون حَمْلَ الوحي كلِّه. فـ «الآن» الذي يرد في العشاء الأخير، يقابل زمن مجيء البارقليط. إنّ هذا المجيء يرتبط بفصح الابن (16: 7).

 

لا شكّ في أنّ يسوع عرّف تلاميذه بكلّ ما سمعه من الآب (15:15). ولكن على الرُّوح أن يتدخّل لكي يفهموا هذا الكلَّ فهمًا عميقًا. أجل، إنّ الرُّوح هو المفسّر «المحلَّف» ليسوع: عهد الرُّوح القدس هو عهد فيه يستنير الماضي من أجل الحاضر. الرُّوح ينقل «كلام» الابن الممجّد، ينقل ما يخصّه في اتّحاده التام مع الآب. هذا ما نلاحظه حين نتفحّص الأفعال الثلاثة التي تصوّر عمل الرُّوح بعد الفصح والقيامة: أرشد إلى الحقّ كلّه. تكلّم بما سمع. نقل إلى التلاميذ كلام الابن.

 

إنّ الرُّوح يُرشد التلاميذ نحو الحقّ. فيستجيب صلاة المرنّم: «أرشدني إلى الحقيقة» (مز 14: 5). هذه الرَّغبة هي صدى للتقليد البيبليّ من طريق الربّ الذي نعرفه ونسير فيه لتكون لنا الحياة. الله هو القائد في هذه المسيرة. ثمّ إنّ التقليد نسب إلى روح الربّ عبور البحر الأحمر. «نزل الرُّوح من عند الربّ وقادهم» (أش 63: 14).

 

أرشدهم الرُّوح إلى الحقّ كلّه. هذا يعني ما قاله يسوع: «يعلّمكم كلّ ما قلتُه لكم» (14: 26). إذا كان موتُ يسوع قد وضع حدًّا لخطبته على الأرض، فمع الرُّوح يبدأ فَهْمٌ تامّ لعناصر متفرِّقة قالها يسوع وعملها خلال حياته.

 

أنار الرُّوح ماضي يسوع، وهو سيكشف حاضره الذي هو حاضر ابن الله الممجّد. فالحقّ كلّه هو ملء هذا السرّ. وبكلام آخر، هو سيادة المسيح المخلّص الذي جعله الآب فوق كلّ اسم يسمّى في هذا العالم (أف 1: 20 - 23). لسنا أمام «حقائق متعدّدة يُرشدنا إليها الرُّوح تدريجًا»، بل أمام الحقيقة الواحدة والتامّة: حقيقة المسيح الممجّد في الله، والمقدِّم ذاته لتلاميذه في هذه الحالة الجديدة.

 

2 - الرُّوح يكلّمكم، يخبركم

«فمتى جاء روح الحقّ» (آية 13). إذا أراد الرُّوح أن يُرشد، فهو يتكلّم بما سمع من الابن. قد يتوقّف «نطق» يسوع، ولكنّ كلمته (ووحيه) ما يزال يُسمع بواسطة الرُّوح. فكلام الرُّوح لا يأتي من سلطته الخاصّة، كما أنّ يسوع لم يكن يتكلّم من عنده (5: 19؛ 8: 28). إنّ الرُّوح يُصغي إلى يسوع، كما يُصغي يسوع إلى الآب (8: 26). وكلامه يلامس الآذان مثل كلام يسوع حين كان على الأرض، بل يصل إلى القلوب. إنّ الابن يتابع وحيه في شكل مختلف، في شكلٍ روحيّ يحدّده الفعلُ الثالث الذي يميّز وظيفة البارّقليط: «يأخذ كلامي ويقوله لكم».

 

إن كان الرُّوح يقول ما يسمعه من الابن، فلكي يُوصل إلينا بشارةً وخبرًا طيِّبًا، وكشفًا عمّا كنا نجهله أو لم نفهمه. ولكنَّ صيغة الفعل تدلّ على تكرار. فحامل البُشرى قد نالها وهو ينقلها. ليس هو صاحبها. إذن، الرُّوح هو التعبير عن يسوع نفسه.

 

«يخبركم بما سيحدث». ربّما أحداث الآلام والقيامة، لأنّ يسوع تفوّه بهذه العبارة في ليلة خيانة يهوذا له. ويستند شرّاح إلى أش 41: 23، فيشيرون إلى أحداث النهاية ويستنتجون أنّ يوحنّا يبرّر هنا نشاط «الأنبياء» المسيحيّين. ولكن يبدو أنّ المعنى الحقيقيّ لهذه العبارة يدلّ على مسيرة التاريخ في مداه اللّامحدود، لا على مستوى الكرازة وحسب، بل على مستوى الرُّوح الذي يجعل المؤمنين يُدركون كيف يتصرّفون تجاه الأحداث التي تُباغتهم. ما سيحدث على مدّ التاريخ ليس صروف الزمن. بل إن ما تعلنه الآيات 14 - 15 يعطي المؤمنين كلّ ما يخصّ الابن.

 

في نهاية الإعلان هذه حول مضمون آية 13، لم نعد أمام أقوال وحي سُمعت ونُقلت: ما ناله الرُّوح لكي يسلّمه يأتي من «خير» يسوع، ممّا يملكه الابن. ترد مرّتين عبارة «ما هو لي». وهذا لا يوجّهنا فقط إلى معرفة السرّ، بل إلى الحياة التي في الآب والابن (5: 26)، إلى المجد الذي أعطيَ للابن منذ الأزل (17: 5 - 24)، إلى المحبّة التي هي من الله.

 

إنّ الرُّوح يسلّم إلى المؤمنين ما تَسلّمَه من كنز لا ينضب بواسطة يسوع. وحين يفعل هذا، يمجّد الابنَ الذي توخّت مهمّته أن يشركنا منذ هذا العالم في الحياة الأبديّة. إنّ الفصل 17 سيوضح مضمون كلام يسوع المسلَّم إلى الرُّوح: «أعطيتهم المجد الذي أعطيتني... ليكون الحبّ الذي أحببتني به فيهم وأكون أنا فيهم» (17: 22 - 26).

 

وهكذا تنتهي الخطبة الرَّسوليّة التي وجّهها يسوع لتلاميذه خلال ظهوره الأوّل. وهو سيكمّلها في صلاته الرَّسوليّة: «يا أبتِ، جاءت السَّاعة: مجِّد ابنك لكي يمجِّدك ابنُك» (17: 1).

 

الخوري بولس الفغالي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية