الرّوح والكنيسة في أعمال الرّسل

 

 

 

 

الرّوح والكنيسة في أعمال الرّسل

 

مقدّمة

مثلما حلَّ الرّوح القدس على المسيح في العماد على الأردنّ وقاده إلى الصّحراء ثمّ إلى الجليل ليُبشِّر، ومثلما كان للرّوح الدّور الأساسيّ في عمل يسوع ورسالته، كذلك سيكون للرّوح القدس الدّور الأساسيّ في تأسيس الكنيسة بالحلول على الرّسل، وفي قيادتها إلى التبشير بالخبر السّار من أورشليم إلى السّامرة فأنطاكيا وحتّى روما.

 

وليس من الجديد الملاحظة أنّ لوقا كاتب أعمال الرّسل والإنجيل المسمّى بإسمه، تعمَّد في كتابته لكتابه الثاني أن يسرد الأحداث بطريقة موازية لسرده الأحداث في الإنجيل، وبينما يسوع هو الوجه المركزيّ في الإنجيل، فالكنيسة في هذا الوجه المركزيّ في أعمال الرّسل. وبين هذين الحدثين نجد حدث القيامة كنقطة وصل رائعة.

 

 فبينما تنتهي حياة المسيح في الجسد عند موته وقيامته وصعوده، تبدأ حياة الكنيسة من ثمرة القيامة والصّعود أي الرّوح القدس الذي هو روح المسيح القائم من الموت.

 

وبالتالي يمكننا القول أنّ عمل الرّوح في الكنيسة يبدأ من حيث إنتهاء عمله في حدث المسيح؛ أعني أنّ الرّوح الذي به أقام الآب المسيح من الموت متوَّجًا حياته ورسالته الخلاصيّة، هو عينه الرّوح الذي يُقيم الرّسل والكنيسة المجتمعين خائفين في العليّة ويبدأ بذلك رسالة "جسد المسيح السرّي القائم من الموت"، أي الكنيسة.

 

 فعمل الرّوح القدس في أعمال الرّسل هو عمل فصحيّ ولا يمكن فهمه إلاّ من خلال حدث الفصح نفسه.

 

والرّوح القدس هو أيضًا روح يفيضه القائم من الموت (أع 2/ 33) على الذين يؤمنون فيختبرون هم أيضًا مفاعيل القيامة من خلال المعموديّة، التي سيقول عنها بولس الرّسول لاحقًا: "أو تجهلون أنّنا، وقد اعتمدنا جميعًا في يسوع المسيح، إنّما إعتمدنا في موته، فدُفِنّا معه في موته بالمعموديّة لنحيا نحن أيضًا حياة جديدة كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب؟" (روم 6/ 3 - 4).

 

هكذا أيضًا يعلن المسيح القائم لرسله في بداية سفر الأعمال، أن "انتظروا ما وعد به الآب وسمعتموه منّي، وذلك بأنّ يوحنّا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم ففي الرّوح القدس تعمّدون بعد أيّام غير كثيرة" (أع 1/ 4 - 5).

 

يتَّضِح إذا أنّ دور الرّوح القدس في سفر أعمال الرّسل هو دور مركزيّ. وإذا كان البعض قد دعا هذا الكتاب بكتاب الكنيسة، فإنَّ البعض الآخر دعاه بكتاب الرّوح القدس! هاتان النّظرتان لا تتناقضان بل تتكاملان، لأنَّ أساس كتاب الأعمال هو عمل الرّوح القدس، روح المسيح القائم، في تأسيس الكنيسة وفي دفعها بإتّجاه الرّسالة والشهادة.

 

موضوعنا إذًا يتناول هذين البعدين حيث ندرسهما في القسم الثاني والثالث، ممهّدين بقسم أوّل عن مفهوم الرّوح القدس في كتابات لوقا أي في الإنجيل والأعمال.

 

1- المفهوم اللوقاويّ للرّوح القدس ودوره

أ- إستعمال كلمة "روح" في لوقا وأعمال الرّسل

 

1- بينما تستعمل PNEUMA ثلاث مرّات في إنجيل لوقا بمعنى روح الله، تُستعمل هذه الكلمة 37 مرّة في (أع 1 - 12) وحدها، ما عدا الفصول الباقية (13 - 28) التي تستعمل فيها 18 مرّة فيكون المجموع 55 مرّة في أعمال الرّسل وحده.

 

 

2- علاقة يسوع بالرّوح القدس في إنجيل لوقا وفي الأعمال:

 

يختلف لوقا عن العهد القديم في الكلام عن العلاقة بين المسيح والرّوح. فبينما يعتبر العهد القديم أنّ الرّوح يحلّ على المسيح، نجد أنّ لوقا يظهر المسيح حاملاً الرّوح وعاملاً بقدراته.

 

نقرأ في (لو 4/ 1):

المسيح مملوءً بالرّوح القدس عاد (من الأردنّ...)، وقاده الرّوح إلى الصّحراء...

 

3- من جهّة ثانية، نقرأ في أعمال (أع 2/ 33) "نال الرّوح فأفاضه"، أن هذا تأكيد على أنّ المسيح يمتلك الرّوح وليس فقط يعمل بالرّوح! وكما أنَّ لوقا أكَّد هذه الحقيقة منذ الإنجيل، كذلك يؤكّدها هنا، مع هذا الفارق أنّه قبل القيامة كان يمتلك الرّوح، أمّا بعد القيامة فقد صار يعطيه!...

 

4- علاقة المسيح بالجماعة المسيحيّة:

في (أع 6/ 3 - 7/ 55؛ 11/ 24؛ يستعمل لوقا تعبير PLYRYS PNEUMATOS عن الشمامسة السّبعة، عن اسطفانوس وبرنابا... إنّ القول: "ممتلأ" تؤكّد على ارتباط وثيق بين الإنسان المقصود وبين الرّوح الذي هو ممتلأ منه؛ مع ذلك، وللتأكيد بأنّ الرّوح هو روح الربّ وهو منفصل عن الإنسان، فإنّ لوقا يستعمل أيضًا تعبيرًا آخر (بالمجهول)، يقول: "PLYSTHEIS PNEUMATOS" أي المملوء من الرّوح. وهكذا يكون الرّوح في علاقته بالجماعة المسيحيّة (أفرادًا أو جماعات) هو في الوقت عينه "فيهم، ويعمل في داخلهم" وفي الوقت عينه "روح الله" الذي لا ينالونه إلاّ من الله بالمسيح القائم (أع 2/ 33) وبالإيمان به (أع 8/ 4؛ 13/ 9؛ 4/ 31).

 

 

 

ب- عمل الرّوح القدس PNEUMA   و DYNAMIS   

 

إذا عدنا إلى لوقا (لو 12/ 1)، الرّوح القدس الذي لا تُغفر خطيئة التجديف عليه، هو الرّوح الذي ظهر في أقوال يسوع وشهادته. إنّه روح النبوءة!

 

 وإذا عدنا إلى الفصل (لو 4/ 23 - 27) لوجدنا أنّ المسيح يرتكز على سابقة إيليّا وأليشاع ليمتنع عن القيام بالأعاجيب، داعيًا سامعيه إلى قبول كلمته وتعليمه أوّلاً؛ وذلك بعد أن يعلن في المجمع أن: "روح الربّ عليّ، مسحني وأرسلني..." (لو 4/ 18). ومن الملاحظة، أنّ لوقا في سفر أعمال الرّسل لا يضع إرتباطًا بين الرّوح وأعمال الشفاءات. فهذه الأخيرة "تتمّ باسم يسوع"، أو "بالإيمان به"، أو بلمس الرّسل (أع 3/ 6؛ 3/ 16؛ 4/ 30؛ 5/ 15؛ 9/ 34 و 40؛ 16/ 18؛ 19/ 13؛ 20/ 20؛ 28/ 8). هذا لا يعني أنّ الرّوح لا يرتبط بأعمال القدرة؛ بالعكس، فإنّ لوقا يستعمل غالبًا الكلمتين بطريقة متوازية (أع 1/ 5 و 8؛ أيضًا لو 24/ 49؛ 4/ 14). فقط يمكن القول أنّ لوقا يفضّل التشديد على عدم إرتباط أعمال القدرة التي يعملها الرّوح (DUNAMIS) بالأعاجيب، بل بالأحرى بمظاهر أُخرى تقوي الكلمة والتبشير: مثلاً التكلُّم بالألسنة، التعرّف على أعماق الإنسان وتمييز الإنسان الشرّير من الإنسان الخيّر (أع 3/ 9 - بولس يعلم السّاحر بريشوع أنّه خبيث ويعلنه فيصير أعمى!).

 

ولهذا السّبب فإنّ تشديد لوقا على الدّور النبويّ للرّوح القدس يجعله يشدّد على أنّ تعليمهم هو من الرّوح. هذه هي الأعجوبة الإلهيّة العظمى. تبشير عالم مناهض ومضطهد؛ وبالرّغم من كلّ الصّعوبات: الكلمة تنتشر وتنمو. (أع 8/ 29؛ 10/ 19؛ 11/ 12؛ 13/ 2 و 4؛ 16/ 6؛ و 20/ 22).

 

وإذا راجعنا الفصل (6/ 7) فإنّنا نلاحظ أنّ أوّل إعلان عن أنّ كلمة الربّ كانت تنمو وتنتشر مرتبط إرتباطًا وثيقًا بإقامة الشمامسة السّبعة، ونوالهم الرّوح القدس بعد وضع أيدي الرّسل عليهم (أع 12/ 24).

 

هكذا، فإنّ لوقا يُشدّد بشكل خاصّ على إرتباط الرّوح القدس بالتبشير والنبؤة والتعليم ونشر الكلمة.

 

لذلك نجد أنّ عطيّة الرّوح القدس هي لجميع الذين يؤمنون ويقبلون العماد. وهذه العطيّة ظاهرة من خلال علامات خارجيّة، ولا فرق بين يهود أو وثنيّين (أع 2/ 38)؛ "فإنَّ الوعد لكم ولجميع الأباعد"؛ (أع 19/ 2) للوثنيّين في أفسس (أف 15/ 8 - الله نفسه أكَّد هذه العطيّة للوثنيّين أيضًا).

باختصار، عطيّة الرّوح هي للإيمان ولنشر هذا الإيمان وإعلانه بجرأة لجميع الذين يقبلون الإصغاء. وهذه هي كما قلنا القدرة الأساسيّة التي يظهرها لوقا لعمل الرّوح القدس في أعمال الرّسل.

 

ج- شروط قبول الرّوح القدس

 

- التوبة والمعموديّة: شرطان أساسيّان في (أع 2/ 38)

 

- الطاعة للكلمة: شرط للحصول على الرّوح في (أع 5/ 32)

 

- الصّلاة: هي تحضير للحصول على الرّوح، (أع 9/ 9 - 11 - شاوول يصلّي قبل نوال الرّوح؛ أع 4/ 31 - الجماعة تصلّي فتنال الرّوح؛ أع 13/ 1 - 3 كانوا يصلّون قبل أمر الرّوح بإفراد برنابا وبولس).

 

- وضع الأيدي (من الرّسل) (6/ 6): الشمامسة، ولكنّهم كانوا معمّدين سابقًا ونالوا الرّوح القدس؛ (أع 8/ 14 - 18): في السّامرة عند وصول بطرس ويوحنّا لإعطاء الرّوح القدس للسّامريّين؛ (أع 9/ 14 - 18): حننيا يضع يديه على بولس فيزول عنه العمى وينال الرّوح القدس (حتّى قبل المعمودي).

 

د- الرّسل وأعمال القدرة (بمعنى الأعاجيب والأعمال القديرة)

قلنا أنّ الرّوح لا يقوم بأعمال قديرة، بمعنى عجائب، بل هذه تحصل على أيدي الرّسل باسم يسوع، وبالإيمان به، وبلمس أطراف أهداب الرّسل وقلنا أنَّ عمل الرّوح هو في الأكثر بقدرة الكلمة والتبشير.

 

طبعًا لا نريد أن ننفي عمل الرّوح في هذه أو تلك من الأعمال القديرة ولا الفصل بين عمل المسيح والرّوح. ملاحظتنا هي محض تفسيريّة لنصّ أعمال الرّسل.

 

ومع ذلك، فهناك سبب قويّ لما قلناه. فبالنسبة إلى لوقا، المسيح هو الذي ينال القدرة من الله (هذا ما جاء في إعلان بطرس في أع 2/ 22: "يسوع المسيح الذي أيَّدَه الله بينكم بالأعمال القديرة "DUNAMEIS". ولكن منذ البداية، نجد أنّ يسوع يبدأ بإعطاء هذه القدرة إلى الرّسل (لو 9/ 1؛ أيضًا لو 10/ 19: "EDOKEN AUTOIS DUNAMIN").

 

هكذا الأمر أيضًا في (لو 24/ 48) "امكثوا في المدينة... إلى أنّ يحلَّ الرّوح عليكم، فتنالون قوّة"... المقصود إذا التأكيد بأنّ القوّة والقدرة هي من المسيح، وفي أعمال الرّسل، من المسيح القائم الذي أعلن مسيحًا وربًّا.

 

وبما إنَّ قدرة المسيح كانت تظهر من خلال الأعاجيب والأعمال القديرة، فالرّسل أيضًا ينالون هذه القدرة نفسها من المسيح بمجرَّد أنّهم نالوا الرّوح القدس.

 

باختصار يمكن القول أنّ التشديد هنا على دور الرّوح هو في تحويل الرّسل إلى مسحاء، على صورة المسيح، وبالتالي ينالون من المسيح قدرته وقوّة عجائبه.

هكذا فالتمييز بين الـ PNEUMA والـ DUNAMIS عند لوقا هو تمييز، لا بالمطلق، بل بهدف التشديد على البعد الكريستولوجي للأعمال القديرة، على البعد البنوفماتولوجي لإعلان الكلمة. في الحالة الأولى، دور الرّوح هو في "جعل الرّسل كالمسيح" ممتلئين من الرّوح، وهذا ما حدث في العنصرة! وفي الحالة الثانية، دور الرّوح هو استمراريّة الرّسالة التي قام بها المسيح من خلال تبشير الرّسل وإعلانهم للكلمة، وهذا هو موضوع أعمال الرّسل بكامله!

 

 

2- الرّوح القدس وجماعة "العهد الجديد"

 

الحدث الأوّل الذي يختبر فيه الرّسل والكنيسة المجتمعة في العليّة حدث المعموديّة بالرّوح القدس والنّار هو حدث العنصرة.

فما هو هذا الحدث؟ وهل له خلفيّات في العهد القديم؟

 

وما معنى الحدث وما رافقه من علامات؟

 

أ- العنصرة اليهوديّة

 

إنّ تجلّي الربّ في سيناء هو الأساس التاريخيّ الثابت لوجود شعب الله الذي كان مجتمعًا في سيناء حول الجبل المقدّس، ليختبر الله في أسمى تجلّي حبِّه وعنايته، أي إعطائه العهد والشريعة.

 

 وفي كلّ تاريخه، راح شعب العهد القديم يقرأ علاقته مع الله على ضوء العهد والشّريعة، فتوسَّع في فهمها وتفسيرها وتعمّق في سبر غور الرّوح التي أعطيت فيه، حتّى إنّ المفهوم الإسكاتولوجي للخلاص تمحور كلّه حول التدخّل الإلهيّ الأخير (تجلّيه مرّة ثانية مثلما حصل في سيناء). ولكنّ الهدف سيكون قضاؤه العادل والفصل بين الأبرار والأشرار.

 

هكذا فالنّور الذي سطع من التوراة في سيناء، هو النّور الذي ينير كلّ التاريخ: فالتوراة هي النّور الذي يدلّ النّاس على طريق الحياة، لكنّها في الوقت عينه تفضح الخطايا في قلب الإنسان.

 

والمعروف أنّ شعب العهد القديم كان يحتفل كلّ سنة بأعياد عديدة، أهمّها عيد الفصح الذي يذكر الخروج من عبوديّة مصر والعبور في البحر الأحمر (بحر القصب) والمسيرة بأمان في الصّحراء... وعاجلاً ما صار لهذا العيد محطّات كبرى تسبقه وتليه، كعيد الفطير الذي يهيّأ للفصح، وعيد المظالّ الذي يذكر بمرافقة الله لشعبه في الصّحراء. أمّا عيد العنصرة فهو العيد الذي يأتي بعد خمسين يومًا من الفصح؛ ولذلك دُعي بالـ Pentécosté التي تعني اليوم الخمسين.

 

 

وهناك تسمية أُخرى هي شبَعُوتْ، أي الأسابيع، والمقصود الأسابيع السّبعة التي تلي عيد الفصح والتي في نهايتها يُحتفل بالعنصرة.

ويحدّد سفر الأحبار هذا التقليد بقوله: واحسبوا لكم من غد السّبت، يوم تجيئون بحزمة التحريك، سبعة أسابيع تامّة. إلى غد السّبت السّابع، تحسبون خمسين يومًا، ثمَّ تقرِّبون تقدمة جديدة للربّ، (لاو 23/ 15 - 16).

 

ومثلما إنتقل مفهوم الفصح اليهوديّ من معناه البَدَوي (الإحتفال بذبيحة بواكير الغنم لإبعاد المشحيت أي الملاك الذي يفني الأغنام)، ومن معناه الكنعاني (الإحتفال ببواكير المزروعات وبخاصّة القمح) إلى معنى العبور من العبوديّة إلى الحياة بدمّ الحمل والخبز الفطير الذي يذكر بعبوديّة مصر. كذلك، إنتقل مفهوم عيد الخمسين من مفهومه الزراعي الأصلي (عيد الحصاد) إلى مفهوم جديد مرتبط بإعطاء العهد والتوراة في سيناء.

 

 

ومع أنّ الكثيرين يدَّعون أنّ هذا المعنى الجديد لم يكن معروفًا سوى في جماعة قمران (150 ق.م.)، وفي التقليد اليهوديّ اللّاحق (القرن الثاني ب.م.)، إلاّ أنّ عندنا براهين قويّة تؤكّد أنّ فكرة الإحتفال بعيد العنصرة بإرتباطه بالعهد والتوراة في سيناء، هي فكرة قديمة تعود على الأقلّ إلى القرن الثالث أو الثاني قبل المسيح، وهي مرتبطة باللاهوت الكهنوتيّ. ولعلَّ كتاب اليوبيلات Jubilée هو البرهان الأكيد على هذا التقليد القديم الذي يسبق جماعة قمران نفسها.

 

 

وبالرّغم من أنّ الفرّيسيّين والجماعات الرّبّانيّة كانت تفضّل الإحتفال بعيد إعطاء العهد والشريعة في الأوّل من تشرين الأوّل (تشري)، لأنّ فيه يُذكر يوم الربّ ودينونته للعالم بحسب أمانته لوصاياه، إلاّ أنّ الفرّيسيّين أنفسهم اضطرّوا أن يتبعوا التقليد الكهنوتيّ الذي ورثوه بعد تهديم الهيكل (70 ب.م.) وصاروا هم أيضًا، وابتداءً من سنة 150 ب.م. يحتفلون بذكرى العهد والشريعة في عيد العنصرة اليهوديّة ويمكننا القول أنّ القدّيس لوقا الذي كتب سفر أعمال الرّسل حوالي سنة 80 ب.م. كان على إطّلاع كامل على هذا التقليد الذي يجمع بين العنصرة والتوراة والعهد.

 

 

فهل أراد لوقا أن يؤكّد أنّ عطيّة الرّوح القدس هي العهد الجديد والتوراة الجديدة؟ وهل يمكن القول أنّ لاهوت العنصرة هو نفسه في المسيحيّة واليهوديّة، أي أنّه كما كان الإحتفال بعطيّة العهد والتوراة هو ختام وتتويج مسيرة الخروج والفصح القديم، هكذا عطيّة الرّوح هي تتويج مسيرة الفصح المسيحيّ أي قيامة المسيح من الأموات وإعطاءه روح القيامة لشعب العهد الجديد؟

 

 

 

ب- العنصرة المسيحيّة (لوقا 2)

 

1- ملاحظات حول النصّ

 

هناك تقليدان عريقان لنصّ (لو 2/ 1): فبينما تقول أل Vulgate واللاتينيّة، والبسيطة والترجمة الأرمنيّة (وكلّها ترجمات ليتورجيّة إذ صحَّ التعبير): "وإذا إكتملت أيّام الخمسين"، تقول النصوص الأخرى: "وإذا إكتمل يوم الخمسين".

فالنصّ الأوّل يُشدّد على المعنى المسيحيّ للعنصرة، حسب التقليد اللاهوتيّ. وفيه أنّ الإحتفال هو بعيد الفصح وأيّام الخمسين المرتبطة به. ففي الفصح أعطى المسيح الرّوح، والكنيسة تحتفل بالقيامة وبالرّوح في عيد واحد هو عيد الفصح (راجع إنجيل يوحنّا).

 

ولكنّ التقليد الثاني (وهو الأقدم على الأرجح) يعطي المعنى اليهوديّ لكلمة خمسين (Pentecosté)، وفيه أنّ يوم الخمسين هو يوم مميَّز عن الفصح (وإن مرتبط به) لأنَّ فيه يذكر ويحتفل بإعطاء الشريعة. ولذلك نجد أنّ لوقا يتميَّز عن يوحنّا ومتّى الذين تكلّما عن عطيّة الرّوح القدس مباشرة بعد القيامة.

 

وعلى الأرجح، فهو أراد أن يؤكّد أنّ هناك "سيناء جديدة" بفضل الفصح الجديد. ولذلك وضع إعطاء الرّوح القدس في إطار "ليتورجيّ" تقليدي، أي بعد خمسين يومًا من الفصح.

 

والملاحظ أنّ لوقا يستعمل تعابير موازية لعهد سيناء والتحضير له: فالعنصرة تحدث في الصّباح (أع 2/ 15) كما كان أيضًا تجلّي الله في سيناء في الصّباح (خر 19/ 16).

 

وكما كانت التقاليد تعتبر أنّ أورشليم هي مكان التجلّي والحضور الإلهيّ الأعظم (بعد سيناء) لأنّ فيها الهيكل وتابوت العهد ولوحَي الوصايا، وفيها جبل موريا (تقليديًّا حيث إبراهيم أراد تقدمة إسحق ذبيحة)، كذلك صنع لوقا، إذ شدّد على أنّ المسيح أوصى الرّسل بعدم مغادرة أورشليم لأنّ فيها سيعطي ما وعدهم به، أي الرّوح القدس.

 

ونجد أيضًا موازاة واضحة مع تجلّي سيناء في وصف لوقا للضجّة التي حصلت عند حلول الرّوح، (Echos) وهي كلمة تستعمل في الترجمة السّبعينيّة لوصف التجلّيّات الإلهيّة (خر 19/ 16؛ 1 صم 4/ 5؛ مز 45/ 3).

 

وهكذا، يمكننا القول أيضًا عن الرّيح، وألسنة النّار، كما أعطيت التوراة في وسط النّار الإلهيّة التي تعبر عن قوّة كلمته وقداستها (خر 19/ 18؛ تث 4/ 36).

 

والبعض يرجع تقليد الألسنة الناريّة إلى صورة يستعملها النبّي أشعيا ليعلن قدرة الله على معاقبة الأشرار: "كما الألسنة الناريّة الملتهبة... كذلك يكون مصيرهم لأنّهم نبذوا شريعتي وكلمتي" (أش 5/ 24).

 

أمّا انقسام الألسنة الناريّة إلى سبعين، فبعضهم يعتقد أنّه رقم رمزيّ للدلاّلة على كمال اللّغات التي يتكلّم فيها الرّوح القدس للرّسل وعبرهم لحاضرين. وهناك تقليد عريق يرجع إلى ربّي يوحانان يؤكّد هذا المفهوم للألسنة الناريّة، حيث يقول في تفسيره لتجلّي سيناء: "خرج الصّوت، وانقسم إلى سبعين صوتًا، سبعين لغّة، لكي تفهم كلّ الشعوب".

 

وهناك أيضًا ترجوم "ربّاني قديم (قبل المسيح) ويعلن الشيء نفسه، ولكنّه لا يتكلّم سوى عن ثلاثة أو أربعة لغات تكلّم بها الربّ على سيناء (تث 33/ 2).

 

في مطلق الأحوال، من الواضح أنّ نزول الرّوح القدس بألسنة ناريّة وما يليه من تكلّم الرّسل للغات عديدة مفهومة من كلّ لغات الأرض، فيه موازاة واضحة بين التقليد الربّاني (الله تكلّم بعدة لغات، لكي يفهم التوراة ويقبلها كلّ الشعوب، وليس فقط إسرائيل)، وبين نصّ لوقا الذي يضع هذا التكلّم بلغات عديدة على لسان الرّسل أنفسهم.

 

والمعروف أنّ التقاليد الربّانيّة، تؤكّد بأنّ التوراة قد أعطيت بواسطة موسى وفُسّرَت من خلال الأنبياء؛ وبهذا المعنى، يكون لوقا قد شدّد على أنّ الرّسل هم أنبياء العهد الجديد، الذين يوصِّلون إلى العالم كلّه الشريعة الجديدة والعهد الجديد المحقّق بفصح يسوع المسيح والعنصرة الجديدة.

 

بهذا المعنى يجب أن تفهم (أع 2/ 11): "فإنّنا نسمعهم يتحدّثون بعجائب الله بلغاتنا". والمقصود هو أنّ الرّسل أصبحوا أنبياء العهد الجديد، الذين يعلنون كلمة الله أي الخبر السارّ بالخلاص المحقّق بفصح يسوع المسيح، تمامًا كما كانت الشريعة هي الكلمة العظيمة التي كانت تحتوي على طريق الحياة.

 

والملاحظ أنّ لوقا هو في خطّ التقليد الربّاني نفسه في فهمه لقضيّة التوراة. وكما يقول ترجوم المزمور (مز 68/ 12): "الربّ أعلن كلمات التوراة لشعبه، وموسى وهارون أعلنوا الخبر السارّ لكلّ إسرائيل"، كذلك يؤكِّد لوقا في (أع 5/ 42): "وكان الرّسل لا ينفكّون كلَّ يوم في الهيكل وفي البيوت يُعلِّمون ويبشِّرون بأنَّ يسوع هو المسيح".

 

 

ب- شعب العهد الجديد

مهما يكن عدد الذين كانوا في العليّة يوم العنصرة، إن كانوا الرّسل وحدهم مع العذراء وأخوة يسوع، أو المئة والعشرين المذكورين في (أع 1/ 15)، فإنَّ لوقا، في خطّ التقليد اليهودي الربّاني، يعتبر العنصرة حدثًا يجدّد البشريّة كلّها، أو نوعًا من العودة إلى الحالة الأولى التي خلق فيها آدم قبل الخطيئة. لذلك تتكلَّم التقاليد الربّانيّة، عن ثلاثة تجليّات إلهيّة:

 تجلّي الخلق، وتجلّي العنصرة الذي يُجدّد الخلق، وتجلّي يوم الربّ، حيث يتجدّد كلّ شيء. لهذا فإنَّ شهوة الخطيئة، أي الخطيئة نفسها، (تك 3) تنتفي في الإنسان عند تجلّي سيناء، فيصبح قادرًا على استقبال كلمة الله بقلب كامل.

 

هكذا هو الأمر أيضًا بالنسبة إلى عنصرة أعمال الرّسل، يحلُّ الرّوح القدس على الكنيسة فيعطي أعضاءها روح النبوءة لأنّهم سيحملون الخبر السارّ ويعلنونه.

 

لذلك فالإنتماء إلى جماعة العهد الجديد، الجماعة التي ستتحقّق فيها الوعود النهيويّة للعهد القديم، مرتبط حتمًا بقطع الرّوابط مع "الجبل الفاسد" (أع 2/ 4) تمامًا كما أنَّ الإنتماء إلى جماعة عهد سيناء تمَّ بعد قطع الرّوابط مع مصر وأوثانها، أي حدث الخروج.

 

من هنا، فإنَّ عطيّة الرّوح القدس ممكنة فقط لشعب الفصح الجديد، أي الشعب الذي يتوب ويعتمد (يموت مع المسيح ويقوم معه) باسم المسيح القائم فينال عطيَّة الرّوح القدس، روح القداسة.

 

وهذا معنى ما يقوله بطرس للنّاس الذين يسألونه ماذا نعمل؟ "توبوا وليعتمد كلّ منكم باسم يسوع المسيح لغفران خطاياكم، فتنالوا عطيَّة الرّوح القدس!" (أع 2/ 39).

 

فمن الواضح أنّ الذي يقرأ الفصول الأولى من أعمال الرّسل (أع 1 - 5)، يكتشف أنَّ وصف لوقا للجماعة المسيحيَّة الأولى مواز كثيرًا لجماعة سيناء: صلاة متواترة، ومحبَّة أخويّة (1/ 14؛ 2/ 42؛ 2/ 46 - 47)، وهذه هي الصّفة التي يشدّد عليها التّرجوم اليهوديّ كثيرًا في وصفه للتحضيرات التي سبقت إعطاء التوراة على سيناء.

 

من جهّة ثانية، يؤكّد التّرجوم نفسه أنّ إسرائيل كان مخيّمًا "بقلب واحد" أمام الجبل (خر 19/ 2).

 

وهكذا أيضًا، يظهر لنا لوقا جماعة الرّسل مجتمعين يواظبون على الصّلاة "بقلب واحد" (أع 1/ 14). هذه الصّفة في الصّلاة والشّركة والقلب الواحد ستلازم كلّ الجماعات المسيحيَّة المؤسِّسة بعد العنصرة علامة على قداستها بالرّوح الذي نالته (أع 2/ 36؛ 4/ 32؛ 5/ 12) وأهمّ ما في هذه الجماعة الجديدة هي أنّها تواظب على تعليم الرّسل وتتقبَّل الكلمة بفرح وابتهاج.

 

د- دور الرّوح القدس في العنصرة

 

بالرّغم من أنَّ عطيّة الرّوح غير مذكورة مطلقًا في تقاليد التراجيم والربّانيّين عن العنصرة وعطيّة الشريعة، إلاّ أنَّ لوقا يُشدّد عليها كثيرًا مُظهرًا أنّ للرّوح دور أساسيّ في هذه العنصرة المسيحيَّة. لأنَّ حدث العنصرة المسيحيَّة يرتكز على "جديد" مطلق هو عطيّة الرّوح القدس بكونه ليس فقط الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس (وهذا التعريف سيأتي لاحقًا في القرن الرابع) بل خاصّة بكونه الرّوح الذي به أقام الآب يسوع المسيح من الموت، والرّوح الذي يفيضه المسيح القائم من الموت على المؤمنين به فيجعلهم على مثاله، هو باكورة الخليقة الجديدة، أي شعب الله الجديد.

 

في مطلق الأحوال، ينطلق لوقا من الحدث الذي تحقّق فيشدّد على أنّه هو أيضًا حدث موعود في العهد القديم، هذه المرّة على لسان الأنبياء.

 

نعلم أنّ الشريعة المعطاة في سيناء قد تعرّضت في مفهومها وممارستها إلى نوع من الإنحطاط الكبير في شعب الله، ولا سبيل هنا إلى التوسيع. وخلاصة الأمر أنَّ الجميع إختبروا أنّ تحقيق الشريعة أمرٌ غير ممكن بقوّة الإنسان ومجهوده. الإختبار الدّائم هو عدم قدرة الإنسان على تحقيق الشريعة والعيش بحسب الوصايا الإلهيّة.

 

هكذا نجد أنَّ الأنبياء بدأوا يتكلَّمون عن "عهد جديد" يقيمه الربّ مع شعبه. لا كالعهد الذي أقامه معهم في سيناء (الذي يتطلَّب جهدًا بشريًّا) بل عهدًا يكتبه الله في بواطن شعبه، أي أنّه يعطيهم القوّة لتحقيق الشريعة والعيش بمقتضيات العهد. "وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا... وأجعلكم تسيرون على فرائضي وأحكامي وتعملون بها (حز 36/ 26 - 27).

 

لاهوت الرّوح هنا، كما في الأنبياء، هو لاهوت الرّوح الخالق. فكما أنّ الرّوح هو الذي يخلق الكائنات ويُحييها (تك 1/ 2؛ 2/ 7؛ 6/ 17)، فهكذا ستمتاز الأزمنة المسيحانيّة بفيض غير مألوف للرّوح (زك 4/ 6؛ 6/ 8) على جميع النّاس لكي يمنحهم مواهب خاصّة (عد 11/ 29؛ يؤ  3/ 1 - 2)، بل قل لكي يخلقهم خلقًا جديدًا.

لهذا السّبب نرى أنَّ القدّيس بطرس يؤكِّد أنَّ حدث العنصرة هو تحقيق لنبوءات الأنبياء بالزمن المشيحاني، ذاكرًا بشكل خاصّ نبوءة يوئيل (يوء 3/ 1 - 2)، ويؤكِّد أيضًا أنّ فيض الرّوح هذا هو "سيناء جديدة"، أي تجلّي إلهي جديد يقود المؤمنين به إلى الحياة الحقيقيّة.

 

فما هي الإستخلاصات اللاهوتيّة التي يمكّننا الوصول إليها؟

 

أوّلاً، إنّ حدث العنصرة بمفهوم أعمال الرّسل هو عهد جديد وتوراة جديدة معطاة بالرّوح القدس. أي أنّ هناك إنفتاح جديد للتوراة على روح النبوءة.

 

وهذا الأمر يصدر عنه نوعيّة إيمان جديدة مختلفة عن الإيمان اليهوديّ التقليديّ خاصّة في مفهومه الفرّيسيّ. فنحن هنا أيضًا أمام إنتقال من شريعة الحرف إلى شريعة الرّوح، كما سيتوسّع القدّيس بولس في شرح هذا الأمر في رسالته إلى أهل روما (روم 5 - 7).

 

نحن هنا بصدد إنتقال من عقيدة جامدة حول "شريعة" حرفيّة تتضمَّن كلّ شيء وليست بحاجة إلى تدخّل إلهي جديد، إلى شريعة "ديناميكيّة" أي منفتحة على عمل الرّوح القدس، الذي لا يفتأ يجدّد من يعملون بها ويعطيهم القوّة لتحقيقها. إنّها شريعة "حيّة" إذ صحَّ التعبير لأنّ الذي يعطيها هو "الحيّ دائمًا" أي القائم من الموت.

 

فليس من المستغرب بعد ذلك أن يتخطّى عمل الرّوح هذه الأطر اليهوديّة الضيِّقة، ويتحوَّل إلى "عنصرة" مرسلة نحو الشعوب الوثنيَّة أيضًا، وهذا ما يُفسِّر كيف أنّ مفاعيل العنصرة نفسها على الرّسل في أورشليم، تتحقّق أيضًا في "العنصرة" في بيت كونيليوس في يافا (أع 10/ 44 - 47).

 

وهذا أيضًا ما كان تنبّأ به الأنبياء في العهد القديم؛ ولكنّهم كانوا يفترضون أن يأتي الأُمم إلى أُورشليم للتعبير عن الرغبة بالعيش بحسب التوراة والعهد وما يتبعه، معترفين أنّ لا إله إلاّ الله إسرائيل. أمّا، في أعمال الرّسل، فالرّسل والمؤمنون الذين ينالون عطيّة التوراة الجديدة والعهد الجديد، فيصبحون مرسلين إلى كلّ العالم لنقل البشارة السارّة بقوّة الرّوح وباسم القائم من الموت يسوع المسيح الربّ، وذلك حتّى التحقيق الكامل لبناء الكنيسة، شعب الله الجديد، وتحقيق الملكوت الإلهيّ في آخر الأزمنة.

 

ثانيًا، قلنا أنّ العنصرة في مفهوم أعمال الرّسل هي تجلّي جديد لله، كما حصل في سيناء. فكيف هو هذا التجلّي وما هو دور الرّوح القدس فيه؟

 

تكلّمنا كثيرًا عن التقارب بين حدث العنصرة وخلفياته في التقليد اليهودي، وكلّها مرتبطة بعطيّة الشريعة والإحتفال بالعهد القديم في سيناء. ولكن لا يرد على لسان القدّيس بطرس في عظته الأولى بعد العنصرة أيّ كلام عن توراة جديدة أو شريعة جديدة. فهل لهذا الأمر سبب أم إنّ إستنتاجاتنا السّابقة غير دقيقة، طالما أنّنا برهنّا عن وجود علاقة بين الإطار الخارجي الذي أعطيت فيه شريعة سيناء والإطار الخارجي الذي أعطيت فيه شريعة العنصرة، دون أن يكون لنا في العنصرة المسيحيّة أي موضوع مواز للوصايا العشرة أو لباقي الأحكام والشرائع، أو للإحتفال بالعهد كما في خروج (خر 19/ 20) وفي باقي النصوص التوراتيّة.

 

ومع ذلك فهناك توراة جديدة تُعطى في عنصرة أعمال الرّسل. إنّ مضمونها هو واحد الإيمان بيسوع النّاصري المصلوب والمقتول بيد اليهود والوثنيّين، والقائم من الموت بقوّة الرّوح الذي أقامه به الآب، وأخيرًا الذي صار ربًّا ومسيحًا، وكلّ من يدعو باسمه يخلص.

 

التوراة الجديدة إذا ليست وصايا وأحكامًا مكتوبة، بل شخص حيّ يتبعه المؤمنون باسمه فينالون الخلاص.

 

بهذا المعنى يمكننا القول أنّ الطريق إلى الحياة الذي كانت تدلّ إليه الشريعة القديمة صار المسيح نفسه.

 

أمّا دور الرّوح القدس هنا فهو دور كريستولوجي، أي كما أنَّ المسيح قد أُقيم من الموت بقوّة الرّوح، فهو يفيضه على الذين هم في الموت بسبب إبتعادهم عن الشريعة القديمة، ويعطيهم الخلاص بشريعة جديدة لا تتطلّب سوى الإيمان به "ربًّا ومسيحًا"، وبالتالي، التوبة عن خطاياهم والإعتماد باسم الربّ يسوع.

 

هكذا يتَّضح أنّ حدث العنصرة هو تحقيق بالكامل للعهد في سيناء، وفي الوقت عينه تحقيق بالكامل لوعود الأنبياء "بعهد جديد" يقوم بقوّة الرّوح وليس بقوّة الإنسان.

 

وأخيرًا هو فتحٌ للزّمن المسيحاني النهيوي الذي سيقود البشريّة، الممثّلة هنا بكلّ اللّغات، إلى الخلاص النّهائي.

 

ومع إنَّ حلول الرّوح وعمله أمر مركزي في كلّ هذه الأبعاد الثلاثة، إلاّ أنَّ أساسها كريستولوجي أيّ حدث موت وقيامة المسيح وتمجيده، والذي يشكّل النّقطة الأساسيّة في خطبة بطرس بعد العنصرة وفي كلّ العمل الرّسولي التي قادته الكنيسة بعد ذلك.

 

 

3- الرّوح القدس ورسالة الكنيسة الأولى

 

من الواضح أنّ عمل الكنيسة الرّسولي لم يبدأ إلاّ بعد حدث العنصرة الذي حوَّل حياة الرّسل من مستمعي الكلمة التي علّمها يسوع إلى كارزين لهذه الكلمة، بل الكلمة نفسها، أي حدث يسوع المسيح وموته فقيامته؛ كذلك تحوَّلوا من شهود عيان ليقامة المسيح كحدث تاريخيّ إلى شهود إختبروا بأنفسهم مفاعيل روح القائم من الموت، فراحوا يشهدون له؛ فتحوّلوا بقوّة الرّوح من أُناس خائفين إلى أصحاب مواهب عديدة وجرأة إستثنائيّة في قيادة الكنيسة والمؤمنين.

 

لذلك سنتوقّف عند هذين البُعدين الأساسين لدور الرّوح القدس في رسالة الكنيسة الأولى.

 

أ- الكرازة الرّسوليّة الأولى

 

تبدأ كرازة الرّسل من أورشليم حيث إنتظروا الرّوح (كما طلب يسوع إليهم ذلك) ونالوه، وتنتشر بفضل هذا الرّوح عينه إلى أقاصي الأرض (أيضًا كما قال لهم يسوع قبل صعوده)؛ فالفصول السّبعة الأولى تخبرنا بخاصّة عن عمل الرّسل وكرازتهم في أورشليم وذلك رغمًا عن الإضطهادات المتعدّدة التي تعرّضوا لها.

 

 ثمّ يندلع الإضطهاد اليهوديّ ضدّ الهيلّينيّين الذين إعتنقوا المسيحيّة، فيتشتَّتون وتبدأ الرّسالة خارج أورشليم، في السّامرة، حيث لا تتمّ بكمالها إلاّ عند نزول الرّسل وإعطائهم الرّوح للمعمَّدين (أع 8/ 15)؛ وهناك تلميح أيضًا إلى رسالة ما في أثيوبيا بفضل فيليبُّس الذي بشَّر، بدعوة من الرّوح القدس، خادم ملكة أثيوبيا ملتقيًا وإيّاه في طريق الجنوب (غرّة).

 

ثمَّ تنتقل الرّسالة إلى الوثنيّين بتأييد الرّوح القدس (عماد كورنيليوس وأهل بيته؛ الفصل 20)، ثمَّ تمتدّ إلى أنطاكيا، وهناك أيضًا بقوّة الله وكلمة الله (وهي تعابير مرادفة لكلمة روح) وبواسطة برنابا الذي كان ممتلئًا من الرّوح القدس (الفصل 11)؛ وبوضوح أعظم، تنتقل الرّسالة من أنطاكيا إلى آسيا الصّغرى، بأمر من الرّوح القدس، الذي يطلب أن يقوم بالعمل برنابا وبولس (أع 13/ 2 - 4).

 

والرّوح القدس أيضًا يمنع بولس من البقاء ضمن منطقة آسيا الصّغرى، ويطلقه للتبشير في شبه الجزيرة اليونانيّة حيث سيصل في رحلته الثانية والثالثة ويؤسّس كنائس عديدة (أع 16/ 13 - 15).

 

وإذا عاينّا النصوص واحدًا فواحدًا، نجد أنّ الرّوح القدس يتدخَّل في كلّ مرّة يجب على الكنيسة أن تنطلق إلى من حدود الجغرافيا أو الشعوب التي تقبل الكلمة.

 

* وتدخل الرّوح يتميّز كلّ مرّة بحدث من الأحداث، التي قد لا تكون دائمًا خارقة باستثناء الفصل 10 حيث تدخّل الرّوح واضح من خلال الرؤيا وله بُعدُ التدخّل النبويّ؛ ولا نجد تدخّلات خارقة بل تلاميح إلى أنَّ الرّوح هو الذي أمر بكذا أو أنَّ الرّوح أكدَّ الرّسالة.

 

* وفي الواقع، فإنَّ إنتقال البشارة من أورشليم إلى السّامرة (الفصل 8) لا يحدث بأمر واضح من الرّوح، ولكن بسبب الإضطهاد الذي تعرض له المسيحيّون من أصل هيلّيني، وبخاصّة بعد استشهاد إسطفانس.

 

غير أنَّ التبشير في السّامرة مرتبط بأحد الشمامسة السّبعة الذين قبلوا وضع الأيدي من الرّسل (أع 6/ 1 - 7)، أعني فيليبُّس (أع 5/ 8).

 

وكما كان إسطفانوس ممتلأً من الرّوح القدس وهو يستشهد باسم يسوع، فلا شكَّ أنّ فيليبُّس هذا كان ممتلأً من الرّوح القدس إذ كان يشهد لإيمانه في السّامرة، مترافقًا بالقدرة والأعمال التي وعد المسيح رسله بها عند حلول الرّوح عليهم (أع 1/ 6؛ 8)، فالأرواح النّجسة كانت تخرج من المصابين بها، والمقعدون والعرج صاروا يمشون، والكلمة كانت قويّة وفعّالة (أع 8/ 6 - 8).

 

أمّا مجيء الرّسل بعد ذلك، فكان في الوقت عينه تأكيد على أنّ تأكيد على أنَّ الرّوح هو الذي فتح الرّسالة في السّامرة، وتأكيد على سلطان الرّسل الذين نالوا هم أوَّلاً الدّعوة للرّسالة من السّامرة وإلى أقاصي الأرض (أع 1/ 8).

 

* وفيليبُّس أيضًا هو فاتح الرّسالة باتّجاه جنوب فلسطين وربّما باتّجاه أثيوبيا نفسها وذلك بأمر من الرّوح القدس... وهنا إلتباس صغير: هل الذي يأمره هو ملاك الربّ (أع 8/ 56) أم الرّوح القدس؟ (أع 8/ 29). يبدو أنَّ لوقا لا يفرِّق كثيرًا بين مهمَّة الأوّل ومهمّة الثاني! فالذي يأمر هو الربّ، إنّ بالملاك أو بالرّوح القدس نفسه.

 

في كلِّ الأحوال، التدخّل الخارق هنا أيضًا إستثنائي وقريب من الأسلوب النبوي (حزقيال، رؤيا يوحنّا) حيث أنَّ الرّوح يخطف فيليبُّس عن أنظار الخصي، وكأنّي به قد تمَّم مهمَّته، وإلى مهمَّة أُخرى يُقيمه لها الرّوح القدس. ولكن لا يخبرنا عنها أعمال الرّسل، بل التقليد اللاحق.

 

* أمّا تبشير الوثنيّين فلن يكون أمرًا سهلاً ومقبولاً من المسيحيّين أنفسهم الآتين من خلفيّة يهوديّة. فهم ما كانوا ليقبلوا مخالطة الوثنيّين إنسجامًا مع تقواهم اليهوديّة وطاعتهم لشريعة موسى. ولا شكَّ أنَّ بين هؤلاء المسيحيّين كثير من الفرّيسيّين (أمثال بولس) وكثير من الكهنة (أع 4/ 36؛ 6/ 7).

 

إذًا، لولا الرّوح القدس وخلقه عنصرة جديدة نستطيع تسميتها عنصرة الوثنيّين بعد العنصرة اليهوديّة (أع 2 وأع 10)، لمّا كان سهلاً على الكنيسة أن تتحرَّر من محدوديّة إسرائيل الجسديّ وتنطلق إلى العالم كلّه، إلى كلّ الأُمم وكلّ الأتنيات وكلّ اللّغات. (أع 10/ 44 - 46 و 11/ 15).

 

* كما ذكرنا سابقًا فإنَّ الإنتقال من أنطاكيا إلى مقاطعة آسيا الصّغرى يتمّ هو أيضًا بأمر صريح من الرّوح القدس. ولكن الإطار هنا، إطار صلاة وصوم (كما في حادثة بطرس وكورنيليوس)؛ وكأنّي بجماعة أنطاكيا كانت تشعر بدعوتها للتبشير بالإنجيل إلى أبعد من حدود أنطاكيا نفسها، فراحت تصلّي وتصوم طالبة نور الربّ عليها، فما كان من الرّوح إلاّ أن اختار برنابا وبولس للمهمَّة العظيمة التي ستقودهما معًا في رحلة أولى، وستقود بولس في رحلتين أخرتين إلى "أقاصي الأرض" أعني إلى روما نفسها.

 

المهمّ إذًا ملاحظة الإطار اللّيتورجي الذي يتمّ فيه معرفة أوامر الرّوح القدس والعمل بها.

 

وإذا رأينا عمل الرّوح في نشر رسالة الكنيسة باتّجاه العالم كلّه، لا بدَّ أن نتوقّف أيضًا عند عمل الرّوح في الكرازة نفسها ودوره فيها.

 

فمن الملاحظ أنّ أعمال الرّسل يُشدّد كثيرًا على بعض التعابير المرتبطة بعمل الرّوح القدس في إعلان الكلمة.

 

* فالكرازة الأولى لا تتمّ إلاّ بعد حلول الرّوح القدس، بل إنّ الرّوح هو الذي كان يعطيهم أن يتكلّموا بلغات أُخرى لكي تكون الأشياء العظيمة أو عظائم الله التي كانوا ينطقون بها مفهومة من سامعيهم.

 

 ومهما يكن لموضوع "اللّغات" من تفاسير مختلفة؛ أعني إن كانوا يتكلّمون بلغة واحدة والآخرين يفهمون هذه اللّغة وكأنّها لغتهم، أو كانوا يتكلّمون حقًّا بلغات كثيرة، فإنَّ الإستنتاج واحد: لولا عمل الرّوح لما كان هؤلاء إستطاعوا أن يتكلّموا، ولما كان أولئك إستطاعوا أن يفهموا!

 

والحقيقة أنّ الجميع لم يكونوا يفهمون ما يقوله الرّسل! ألم يضحك البعض منهم على أنّهم كانوا سكارى، أي كأنّهم يهزون!

 

 فلو فهموا لما قالوا أنّهم سكارى! إذًا، أولئك الذين ما قبلوا الروح، ما فهموا الرّسل! تمامًا، كما أنّه في حياة المسيح كان كثيرون لا يفهمون ولا يقبلون أعماله، لا لأنّه لم يكن "الله" بينهم، ولا لأنَّ أعماله ما كانت في القدرة، بل لأنّهم هم ما أرادوا أن يفهموا أو يقبلوا.

 

 

* نصّ آخر يبيِّن لنا دور الرّوح الأساسي في الكرازة والدّفاع عن البشارة، هو في (أع 4/ 8) حيث أنّ بطرس يتكلّم أمام المجمع وهو ممتلأ من الرّوح القدس. فيعلن لهم المسيح، ولا يتردّد في توبيخهم في عقر دارهم، وإن كان في الوقت عينه يدعوهم إلى التوبة كما فعل في كرازته أمام الجمع (أع 4/ 11 - 12): "فليس في غيره الخلاص".

 

 

وهنا ملاحظة هامّة، إذ يتعجَّب الرّؤساء والكهنة من جرأة بطرس وحكمته، هو الذي كان من "عامّة الشّعب وبدون تعليم عال!" وكأنّي بهم يردِّدون ما قالوه عن يسوع في مجمع النّاصرة: "أليس هذا ابن النجّار". وكما أنَّ يسوع كان يُحقّق الكلمة البنويّة: "روح الربّ عليَّ، مسحني وأرسلني لأُبشِّر المساكين...، كذلك بطرس ويوحنا وغيرهما من الرّسل، كانوا ممتلئين من هذا الرّوح الذي يدفعهم للتبشير بما لم يتعلَّموه في مدرسة أو في كتاب لاهوت، بل في إختبارهم الحيّ لشخص المسيح في حياته وموته وقيامته وصعوده وقدرته على أحيائهم من موتهم بروحه الحال عليهم في العنصرة.

 

وكما فعل بطرس بقوّة الرّوح القدس، كذلك الجماعة المؤمنة كلّها ستفعل، أي أنّها ستعلن الكلمة بجرأة بقوّة الرّوح القدس الحالّ عليها والمالئها بقدرته.

 

فموضوع الجرأة في التبشير إذًا هو موضوع أساسي من المواضيع المرتبطة بعمل الرّوح القدس في رسالة الكنيسة الأولى.

 

 ولا ننسَ أنّ الرّسل كانوا جماعة صغيرة وأقليّة غير ذات أهميّة في العالم اليهودي. وكان معلّمهم، في عين العالم، قد مات وانتهى أمره. وكانوا هم أيضًا خائفين (لو 24/ 37) بالرّغم من ظهوره لهم وتشجيعه إيّاهم وإرساله لهم لإعلان الملكوت إلى أقاصي الأرض.

 في هذا الإطار، يلتقي لاهوت أعمال الرّسل مع لاهوت الأناجيل الأربعة الذي يؤكّد على دور الرّوح القدس كمشجِّع للكنيسة ومتكلِّم عنها أو دافع إيّاها إلى التكلّم بجرأة (متّى 10/ 36، مر 13/ 11؛ يو 15/ 26 - 27).

 إنّه الرّوح الذي يشهد للمسيح بأعمال القدرة، كما رأينا سابقًا، وبواسطة أشخاص هم أبعد ما يكونون عن العلم والجرأة...

 

* وها هو إسطفانوس أيضًا يشهد للمسيح بنفس الجرأة ويستشهد على مثاله وهو يعلن كلمة الحبّ لأعدائه! وما ذلك، كما قلنا سابقًا إلاّ لأنَّ إسطفانس كان رجلاً ممتلأً من الرّوح القدس (أع 6/ 7 - 10) ومن حكمة روحيّة ونعمة إلهيّة. وكلّ هذه صفات تعطيه القدرة على إفحام أخصامه الذين ما جاءوا ليسمعوه بل ليتّهموه.

ولاحظ أنّ وجه إسطفانوس يصبح "كأنّه وجه ملاك"، وهذه العبارة تذكّرنا بالموازاة التي يعتمدها لوقا بين الملاك والرّوح، وكأنّي به يريد أن يقول لنا أن إسطفانوس قد إمتلأ من الرّوح القدس إلى درجة أنّه أصبح مشعًّا منه ومن نوره السّماوي، قبل تلفُّظه بذلك الخطاب الرائع الذي، على مثال كرازات بطرس وبولس، يرجع إلى كلّ تاريخ الخلاص مبيِّنًا لليهود ولغيرهم من السّامعين، أنّ الله الذي إختار الآباء والأنبياء ما فعل ذلك إلاّ ليوصّل شعبه للإعتراف بيسوع المسيح بكونه مخلِّصًا لهم.

 

ومع ذلك، فكما رفض آباء هذا الشعب أن ينقادوا إلى التوبة كالأنبياء، كذلك "سيُقاومون الرّوح القدس" نفسه ويقتلون "البارّ" يسوع المسيح، مع أنّ الأنبياء كانوا قد أنبأوا بمجيّته.

 

* أمّا برنابا، فهو أيضًا كان ممتلأً من الرّوح القدس والإيمان وكان يبشِّر.

 

* وأخيرًا، هناك مرّات عديدة يقال فيها أنَّ بولس يتكلّم بجرأة (أع 9/ 27 - 28؛ 14/ 3؛ 19/ 8؛ 26/ 26؛ 28/ 31) وكذلك عن أبولس (أع 18/ 26). دون ذكر علاقة مباشرة مع الرّوح القدس، وأن كان الأمر سهل التقدير من خلال تدخّلات أُخرى للرّوح القدس في رسالة بولس وتبشيره كما ذكرنا سابقًا.

 

ب- شهادة الرّسل والرّوح القدس

 

يستعمل لوقا كلمة MARTYS وفعل MARTYREO بطريقة ثابتة بمعنيّين: المعنى الأوّل هو "الشاهد الذي يشهد بأحداث واقعيَّة رآها بنفسه"، والمعنى الثاني هو الشاهد الذي يشهد بمعنى أنّه يُعلن إعتراف إيمانه بالإنجيل.

فمنذ (لو 24/ 48)، وفي سفر الأعمال، نجد لدى لوقا تشديد على أنّ الرّسل سيكونون شهودًا للمسيح أي سيشهدون لأحداث حياته الأرضيّة، كونها تحقيق لما جاء على لسان موسى والأنبياء. وأهمّ ما هم مدعوّون للشهادة له هو حدث قيامته.

 

ولكن، لا تكفي الشهادة بحدث ما لكي يتمّ تصديقه من قبل السّامع، بل وجب أن تسمو الشهادة إلى مستوى الإعتراف الإيماني لإقناع السّامع بصدق الشاهد... ولذلك نجد أنّ لوقا يؤكّد من جهّة أنّ الذين سيشهدون لحدث المسيح يجب، كشرط مسبق، أن يكونوا من بين الذين رافقوا المسيح منذ البداية حتّى الموت والقيامة. أي أن يكونوا قد شاركوا هم أنفسهم كشهود عيان للأحداث التي سيشهدون لها (أع 22/ 26: إختيار الرّسول الثاني عشر).

 

 ولكن في الوقت عينه، يعلن سفر الأعمال على لسان بطرس أنّ شهادة الرّسل هي شهادة مدعومة بشهادة الرّوح القدس نفسه الذي يهبه الله لمن يؤمن به: "نحن نشهد، والرّوح القدس يشهد" (أع 5/ 32). إذًا مبدأ الشهادة غير ممكن بدون معرفة الأحداث المُخبَر عنها، ولكن في الوقت عينه، هذه الشهادة هي شهادة مؤمن يؤكّدها الرّوح القدس!

 

أمّا كيف يفعل ذلك، فمن خلال الكلمة المعلنة من الشاهد والتي "بقوّة الرّوح" لها قدرة على خلاص السّامع وتحريره من خطاياه... بالطريقة نفسها التي إختبرها الشاهد نفسه عند إيمانه!

 

هكذا وهكذا فقط تصبح الكرازة: إعلان خبر سارّ ودعوة إلى إختبار مفاعيله الخلاصيّة. باختصار الرّسل مدعوّون إلى إعلان حدث المسيح (أع 1/ 22؛ 10/ 39)، وبخاصّة قيامته (أع 2/ 32؛ 3/ 15؛ 5/ 31؛ 10/ 41)، وعليهم أن يشدّدوا على المعاني الخلاصيّة لهذه الأحداث (أع 10/ 42). هؤلاء هم الذين يسمّيهم سفر الأعمال "شهوده أمام الشّعب" (أع 10/ 41؛ 1/ 22).

 

 

* ولهذا السّبب فإنّ بولس لا يدعو نفسه شاهدًا MARTYS بل مبشِّرًا: EMEIS UNAS EVANGELIZOMETHA ولكن يفاجئنا بعد ذلك أنّ لقب MARTYS يُعطى لبولس في (أع 22/ 14) على لسان حننيا: "لقد اختارك الله لأنّك تصير شاهدًا له أمام كلّ البشر لكلّ ما رأيته وسمعته". أيضًا في (أع 26/ 16) يسوع نفسه يقول لبولس (كما يذكُر هو): "لقد ظهرت لك لأجعلك خادمًا وشاهدًا لما شاهدته منّي". في الحالتين المعنى المقصود هو أنّ بولس سيكون شاهدًا لما رآه في الرؤيا على طريق دمشق، وبذلك يكون قريبًا من معنى شهادة الرّسل الذين هم شهود لما رأوه على طرقات الجليل واليهوديّة وأورشليم.

 

* أخيرًا لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ إسطفانس أيضًا يُدعى MARTUS، شاهدًا، في (أع 22/ 20) على لسان بولس نفسه. فإنّ المعنى المقصود أنّ إسطفانس كان شاهدًا للخبر السارّ ومعلنًا له.

 

ومن المرجّح هنا إنّ معنى الشّاهد الذي سيشتهد في سبيل الشهادة غير وارد هنا. فاسطفانس هو شاهد ولأنّه كذلك سيموت. إستعمال كلمة MARTUS بمعنى شهيد سيأتي لاحقًا في الكنيسة إنطلاقًا من إختبار إسطفانس وباقي الذين ماتوا في سبيل شهادتهم وإيمانهم.

 

خاتمة

 

حاولنا أن نذكر أهمّ أبعاد عمل الرّوح القدس ودوره في سفر أعمال الرّسل، وتوقّفنا عند المفهوم اللوقاوي للرّوح القدس بارتباطه بالعهد القديم، في بعدين لاهوتين أساسيّين: لاهوت الخلق حيث الله يخلق العالم ويثبته بروحه، ولاهوت الخلاص خاصّة في بُعده النبوي، حيث أنّ الله يرسل كلمته الخلاصيّة بروحه إلى الأنبياء فيدفعهم إلى إعلان الكلمة الإلهيّة ودعوة النّاس إلى التوبة...

 

 ورأينا أنّ هذين البعدين يشكّلان أساس دور الرّوح القدس في علاقته بالكنيسة: فهو الذي "يخلقها"، إذا صحَّ التعبير، إنطلاقًا من حدث العنصرة، وهو الذي يقودها في الرّسالة إلى العالم كلّه!

 

مع ذلك، لا ننسَ أنّ اللاهوت اللوقاوي عن الرّوح القدس وعن الكنيسة على حدّ سواء هو لاهوت كريستولوجي، فصحي، أساسه حدث موت وقيامة المسيح الذي بيقامته نال الرّوح وأفاضه روحًا خالقًا ومحييًا!

 

 

الخوري جان عزّام

 

 

   

    

                               

            

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية