الصّعود ومنطلق رسالة الرّسل

 

 

 

 

الصّعود ومنطلق رسالة الرّسل

 

إبتغوا ما هو فوق

 

(مر 16/ 15 - 20)

وَقَالَ لَهُمُ: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ.  وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ.  يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لاَ  يَضُرُّهُمْ، وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُون".  ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ.  وَأَمَّا  هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ  مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ.

 

 

مقدِّمة

يعتبر هذا النصّ الذي نحن بصدده جزءًا من الخاتمة (آيات 9 - 20) التي يعتبرها البعض "غير قانونيَّة". إلاّ أنَّ التقليد الكنسيّ يرى فيها تراثًا رسوليًّا أصيلاً ونصًّا مقدَّسًا قانونيًّا. تقسم هذه الخاتمة إلى أربعة أقسام: ظهور يسوع للمجدليَّة (آيات 9 - 20)، وظهور يسوع لإثنين من التلاميذ (آيات 12 - 13)، وظهوره للأحد عشر (آيات 14 - 18)، الصّعود وبدء الرّسالة (آيات 19 - 20). تشكِّل هذه النّصوص "زيادات" واقتباسات من الأناجيل الأُخرى وأعمال الرّسل.

 

آيات 15 - 18: الظهور للأحد عشر

يذكِّرنا هذا النصّ بالتقاليد التي نجدها عند لوقا ويوحنّا ومتّى، يؤلِّف هذا الظهور صورة "صاعدة" في هذه الخاتمة، وبيان ذلك في استعمال "أوَّلاً" (آية 9) "وبعد ذلك" (آية 12) و "آخر الأمر" (آية 14). كما نلاحظ هذه الصورة في "تأنيب" التلاميذ لعدم إيمانهم. لقد كان مدعاة ليسوع في إرسال التلاميذ للبشارة (متّى 28/ 18 - 20).

 

"العالم كلّه... الخلق أجمعين": يُشدِّد مرقس على فكرة "الشموليَّة" الكاملة في الرّسالة. لا يضع يسوع حدًّا لعمل البشارة، بل إنّه يفتح الآفاق واسعة أمام التلاميذ، كما بدأ هو نفسه البشارة (مر 1/ 4).

 

"البشارة": هي رسالة يسوع التي تخبر عن شخصه والتي تذكِّر بنبوءة أشعيا الذي يتكلَّم عن بُشرى المسيح الذي تلقَّى من الله رسالة تعزية (أش 61/ 1 - 2). ستشدِّد الكنيسة الأولى مع بولس على تعابير مثل "إنجيل الربّ" و "كرازة الإنجيل" و "البُشرى". تتضمَّن هذه البشارة دعوة إلى الخلاص.

 

الآية 16

شروط الخلاص واضحة المعالم: الإيمان والعماد. يحمل إعلان البشارة معه الحياة أو الموت وفق ما يتصرَّف الإنسان حيال هذه البشارة: القبول أم الرّفض. يضع مرقس النّاس أجمعين من كلِّ الأزمنة أمام إختيار.

 

آية 17 - 18

يدعم البشير مرقس قوله "بالآيات" التي تُصنع على أيدي الذين قبلوا هذه البشارة وآمنوا بأنَّ يسوع هو المسيح النّاهض من بين الأموات. يذكِّرنا مرقس بأنَّ يسوع كان يعمل ويعلم، كما أنّه يذكِّر التلاميذ بالقوَّة التي أعطاها يسوع في حياته للتلاميذ حين أرسلهم للكرازة. هناك إرتباط بين الآية 14 في تأنيب التلاميذ والآيتين 17 و 18 في محتوى كرازة الرّسل (متّى 10/ 1) وتدلّ هذه "الآيات" على بدء الملكوت الذي شرّعه المسيح.

 

الآيتان 19 - 20: الصّعود ومنطلق رسالة الرّسل

على غرار لوقا (لو 24/ 50 - 51) يربط مرقس هذه الخاتمة مع إرتفاع يسوع إلى المجد، وهو الحدث الذي ندعوه "الصّعود". بيان لنا من نصّ مرقس أنَّ "الصّعود" قد تمَّ يوم القيامة بالذات. أجل، إنّه يأتي كالنهاية السّعيدة لتلك الظهورات التي قام بها للتلاميذ. "رفع إلى السّماء": يستعمل البشير مرقس فعل "رفع" بصيغة المجهول دالاًّ بذلك على أنَّ الله الآب هو الذي "أخذه". يعود هذا التفسير إلى إستعمال العبارات نفسها في رواية الإنتقال الذي حصل لإيليّا ( 2 مل 2/ 11). كما أنَّ الفعل "رفع" اليونانيّ يستعمل أيضًا في وصف "التمجيد" الذي نجده في أعمال الرُّسل (أع 1/ 2 - 11، 22). وفي رسالة بولس إلى طيموتاوس (1 طيم 3/ 36). إلاّ أنَّ قوانين الإيمان تستعمل فعل "صعد" هنا.

 

"جلس عن يمين الآب": العبارة مأخوذة من المزمور (مز 10/ 1): "قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك"، وقد إستشهد بها مرقس في (مر 12/ 36)، يأخذ المسيح الناهض من بين الأموات تسمية "الربّ يسوع" لأنّه موجود في الأعالي. هذا هو النصّ الوحيد مع (مر 11/ 3) الذي تستعمل فيه عبارة "الربّ" بالتعريف لتسمية يسوع. هكذا سمّى المسيحيُّون الأوّلون المسيح القائم من بين الأموات. لقد ترك التلاميذ أورشليم ليحملوا "كلام الربّ" إلى البشر أجمعين. لم يتركهم يسوع يعملون وحدهم، بل كان دائمًا معهم، وهو "عمّانوئيل". إنّه المسيح الممجَّد الذي يعاون التلاميذ ويؤيِّد جهودهم في إعلان الملكوت من خلال "الكلمة والآيات"، وما الكلمة إلاّ تعبير عن "البشارة - الإنجيل" التي إبتدأَ فيها مرقس إنجيله (مر 1/ 1).

 

 

الأرشمندريت نيقولا أنتيبا

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية