الضربة الأولى على فرعون وشعبه

 

 

 

 

الضربة الأولى على فرعون وشعبه

 

 الماء ينقلب دمًا

 

«فقال الربّ لموسى قسيَ قلبُ فرعون، ورفض أن يُطلق شعبي. فاذهبْ إلى فرعون في الصباح، وهو خارج من الماء... سأضرب بالعصا التي بيدي ماء النهر فينقلب دمًا... وحفر المصريّون حول النهر ليشربوا ماء، لأنّهم لم يكونوا قادرين أن يشربوا من ماء النهر. ومضت سبعةُ أيّام بعدما ضرب الله النهر» (7: 14 - 25).

 

من هو سيّد الكون؟

نجد عشر ضربات في سفر الخروج. الضربة الأولى، الماء ينقلب دمًا. والضفادع ثمّ البعوض، ثمّ الذباب، ثمّ موت المواشي ثمّ البرَد... هذه الضربات تشبه إلى حدّ بعيد ما يفعله الراعي الذي يضرب خرافه ليقودها إلى حيث يجب أن تذهب. ولكن إن رفض أحدهم، تصبح الضربة قاتلة أو أقلّه مؤلمة، موجعة.

 فما أراد الربّ أو أراد الكتاب من هذه الضربات، هو أن يعود فرعون ويفهم أنّ الربّ هو الربّ، وأن لا ربّ إلاّ ربّ السماء والأرض. فالملك ليس الربّ، والأمير ليس الربّ، والسلطان ليس الربّ.

 

يقول القدّيس بولس لأهل كورنتوس: «لا إله إلاّ الإله الواحد. ولا ربّ إلاّ يسوع المسيح».  وبما أنّ الله وحده هو الله فوحده يستطيع أن يأمر الفرعون، أن يقول له، ماذا يجب أن يفعل. فالكبير يأمر الصغير. وهنا نجد تقليدين، التقليد الأوّل يرتبط بعالم أورشليم، بعالم الحكماء. فيقول ما حدث للشعب حين تحوّل ماء النهر إلى دم. والتقليد الثاني يرتبط بالكهنة، والكهنة سيوسّعون الفكرة حتّى يلفتوا الأنظار.

 

الآية 19 تقول: «أنهارهم، سواقيهم، بركهم، أحواض مياههم» يعني ما حدث في الواقع في النهر تعمّم فوصل إلى كلّ مياه موجودة في مصر.

فالإنسان لا يرى المعجزة إذا بدت صغيرة، إذا بدت خَفِرة، إذا بدت خفيّة. فعندما تكبر يمكن أن يراها، يمكن أن تلفت نظره. نهر النيل هنا صار مياه المصريّين، أنهارهم وسواقيهم، بركهم وأحواض مياههم. كلّ هذا نسمّيه طريق إخباريّة حتّى يدلّ الكاتب على أنّ الله هو الذي يفعل. وما حدث لم يكن من طريق الصدف. كلاّ. هو الله الذي يفعل. وسوف نرى فيما بعد أنّ الله هو الذي يبدأ الضربة وهو الذي يوقفها. يطلب منه موسى فيوقفها. أو هو يقول لموسى فتبدأ الضربة.

 

لا الفرعون

الآية 14 تقول: «قال الربّ لموسى: قسِيَ قلبُ فرعون ورفض أن يُطلق شعبي». فكأنّ الربّ يقول لموسى: هل لاحظت أنّ فرعون كان قاسي القلب، أنّ فرعون رفض أن يرى أصبع الله تفعل. وبما أنّ قلبه كان قاسيًا، فهو لن يخضع للربّ، فهو سيرفض. رفض أن يطلق شعبي. أمرتُه فرفض، لهذا سوف يعاقَب، وفي العقاب الأوّل ينقلب الماء إلى دم.

 

ويتابع الربّ فيقول: «اذهب إلى الفرعون في الصباح وهو خارج من الماء، وانتظرْه على شاطئ النهر، وخذْ بيدك العصا التي انقلبت حيّة». هذا مهمّ جدٌّا: العصا التي انقلبت حيّة، يعني تلك التي فعلت معجزة أولى أمام الفرعون. هي تُذكّر الفرعون بما صنعه الربّ البارحة. إذًا يستطيع الله أن يصنع اليوم ويصنع غدًا. فكأنّ هذه العصا تنبيه إلى الفرعون ليعرف قدرة الله.

 

قل له: سبق للربّ إله العبرانيّين أن أرسلني إليك. نلاحظ هنا أنّ موسى ينبّه فرعون. ما هذه هي المرّة الأولى. أكثر من مرّة قال: الربّ إلهنا أرسلني إليك. إن ضربْتُك فأنت تستحقّ الضرب، لأنّ التنبيه جاء وراء التنبيه، والتحذير وراء التحذير. ماذا طلب الربّ؟ «أطلق شعبي ليعبدوني في البريّة». أطلق شعبي. أوّلاً هذا الشعب ليس شعبك يا فرعون. الناس ليسوا عبيد الملك أو المسؤول.

الشعب هو شعب الله، هو يخصّ الله. ونقول أيضًا: الولد ليس ملك والديه، ليس ملك أبيه يفعل به ما يشاء. في الماضي كان يقتله، اليوم يرسله يعمل ولو صغير السنّ حتّى يربح بعض المال. أو هو يستعمله من أجل طموحاته. والشعب ليس شعب فرعون، وليس شعبَ رئيس من الرؤساء. الشعب هو شعب الله. والملك الحقيقيّ والرئيس الحقيقيّ، والفرعون الحقيقيّ، هو الذي يكون خادم الشعب لا سيّد الشعب، هو الذي يحاول أن يمنح الشعب السعادة.

 

شعب الله وشعوبه

الشعب شعب الله، والربّ سيدافع عن شعبه. وكلّ شعب يستطيع أن يقول: نحن شعب الله. يكفي أن نعي هذا الأمر ونفهم أنّ شعبًا واحدًا ليس شعب الله. فكلّ الشعوب شعوب الله. يكفي الشعب أن يقول: الربّ هو إلهي. ويكفي المؤمن أن يقول: الربّ هو إلهي. الربّ يفتح يديه ولا ينتظر منّا إلاّ أن نصل، أن نرتمي بين يديه، وهو يضمّنا كما يضمّ الأب ابنه والأمّ ابنتها.

أطلقْ شعبي ليعبدوني. أجل العبادة يعني التعلّق بالربّ. ليس الشعب عابدًا للإنسان، عابدًا للفرعون، عابدًا للملك. فكلّ عبادة لغير الله ترتبط بالشيطان. هذا ما قاله الشيطان ليسوع في البريّة: «أعطيك ممالك الأرض كلّها إن سقطتَ وسجدتَ أمامي». وكان جواب يسوع واضحًا: «وحده تسجد وإيّاه وحده تعبد». إذا رفض فرعون أن يطلق العبرانيّين، فلأنّه تعوّد على عبادتهم له. فإن هم تركوا مصر وذهبوا إلى البريّة، فهذا يعني أنّهم لن يعودوا يتعبّدون له، بل يتعبّدون لآخر. فكأنّي أمام شخص عنده قطيع يستغلّه، وهذا القطيع سوف يمضي إلى البعيد فيستغلّه شخص آخر.

في الأصل، فرعون يستغلّ هذا الشعب من أجل أشغاله، من أجل بناء المدن، من أجل العمل في الحقول. وبما أنّه يعمل، وفعل عمل يعني عبد في العبراني، فالعمل هو نوع من العبادة. بما أنّهم يعملون لي فهم يتعبّدون لي، فهم يعبدونني. والآن يريد الربّ أن يأخذهم من الفرعون. كلاّ. هذا لا يمكن أن يكون. ولن يقبل فرعون إطلاقًا أن يخسر هؤلاء العبيد الذين يسجدون له، الذين يعبدونه.

أطلقْ شعبي ليعبدوني أنا. أين؟ في البريّة. هذا يعني سيترك الشعب أرض مصر، الأرض الغنيّة، أرض النيل، أرض الخضرة، أرض السمك والمأكولات والخضر والقثّاء والبطّيخ وغيره من الفواكه، وسيذهب إلى البريّة. ما دام في مصر سيبقى متعبّدًا لملك مصر ولخيرات مصر، ولن يكون حرٌّا إلاّ إذا خرج. وكم سيحنّ الشعبُ إلى هذه الخيرات ولو عادت به الأمور إلى العبوديّة! أمّا الربّ فسيأخذ شعبه إلى البريّة ليتعلّق به ولا يتعلّق بعطاياه.

سبق للربّ إله العبرانيّين أن أرسلني إليك لأقول لك: «أطلقْ شعبي ليعبدوني في البريّة». هذا ما قاله الربّ لفرعون بلسان موسى. ويتابع النصّ في خر 7: 16: «ولكنّك لم تسمع له بعد». نحن هنا أمام فعل إيمان قويّ جدٌّا: لم تسمع له بعد. من يجسر أن يقول للفرعون: لم تسمع. ففي الكلمة تهديد، بما أنّك لم تسمع حتّى الآن، فسيأتيك العقاب، سيأتيك القصاص. فكأنّي بأبٍ يقول لابنه أو بسيّد يقول لعبده «لم تسمع بعد». فماذا تنتظر أن تسمع، أن تنفّذ ما قلته لك، أن تفعل كما أريد أنا. أمرتُ موسى فأطاع، أمرتُ هارون فأطاع، فلماذا لا تطيع أنت؟

الطمى ومعجزة الدم

«والآن يقول لك الربّ، إنّك بهذه المعجزة تعرف أنّي أنا الربّ». (الآية 17). هذه المعجزة التي سوف تأتي ستجعلك تعرف أنّي أنا الربّ، يعني الربّ القدير الذي يفعل، والذي لا تقف قوّة في وجهه. سأضرب بالعصا التي بيدي ماء النهر، فينقلب دمًا، والسمك الذي في النهر يموت فينتن النهر، ويعاف المصريّون ماءه فلا يشربونه.

 

هذه المعجزة تفسَّر بالطمى الذي يحمله نهر النيل. كان كثيرًا جدٌّا في تلك السنة، بحيث مات السمك. ولمّا مات السمك الذي في النهر، ما استطاع المصريّون أن يصطادوه وبالتالي أن يأكلوا منه. وفوق ذلك، أنتنت ماء النهر فما عاد المصريّون يستطيعون أن يشربوا منه. نحن هنا أمام تقليد الكهنة. كما سبق وقلت. هارون هو الذي يتدخّل، يأخذ عصاه، يمدّ يده على مياه المصريّين وأنهارهم وسواقيهم وبركهم وأحواض مياههم. «ففعل موسى وهارون كما أمر الربّ».

 

نلاحظ هذه الردّة تتكرّر، هذا القرار يتكرّر: «كما أمر الربّ». يعني بأمر الربّ، رفع هارون العصا وضرب الماء الذي في النهر، على مشهد من فرعون وجميع رجاله. فانقلب جميع ما في النهر دمًا. نحن هنا على مستويين. المستوى الأوّل الذي لا يتكلّم عنه الكاتب، هو المستوى الطبيعي كما سبق وقلت: الطمى يقلب ماء النهر إلى دم بحيث لا يستطيع الناس أن يشربوا منه بعدُ. وعلى المستوى الإلهيّ هو الربّ الذي يفعل. فالعصا عصا الربّ، والأمر أمر الربّ، والعمل عمل الربّ.

 

موسى والسحرة

 

يقول النصّ: «على مشهد من فرعون وجميع رجاله». هذا يعني أنّهم رأوا ماذا فعل هارون. عمل بسيط: نستطيع نحن أن نضرب العصا بقدر ما نشاء في الماء، فتبلّلنا قليلاً فقط. أمّا هذه الضربة فهي من نوع آخر. هذه الضربة قد فعلت معجزة، قلبت ماء النهر إلى دم. لا شكّ نحن هنا أمام تصوير دراماتيكي وكأنّ موسى هو الربّ: قال فكان، أمر فصار. ضرب ماء النهر بالعصا، فتحوّل ماء النهر إلى دم.

 

ويتابع النصّ: «السمك الذي في النهر مات وأنتن النهر، فلم يقدر المصريّون أن يشربوا من مائه». وكأنّ الدم صار في جميع أرض مصر. كما قلنا تعمّم الدم، تعمّم هذا التراب الأحمر، انتشر في كلّ مكان.

 

 

«وفعل كذلك سحرة مصر بسحرهم فازداد قلب فرعون صلابة».

(الآية 22). هي المرّة الثانية يتدخّل السحرة. مرّة أولى حين تحوّلت العصا إلى حيّة. وهنا حين تحوّلت المياه إلى دم. لكن السحرة فعلوا. إذا كان الله هو القويّ، فالفرعون قويّ أيضًا! الله يفعل باسمه موسى وهارون، والفرعون يفعل باسمه السحرة وسحرهم. إذًا القوى متكافئة، هذا ما يحسبه فرعون: خسر معركة ولكنّه لم يخسر الحرب كلّها. لهذا يقول النصّ: ازداد قلب فرعون صلابة. لم يسمع لموسى وهارون كما قال الربّ، يعني رفض أن يستسلم. لا يريد أن يسمع، لا يخضع لموسى وهارون وبالتالي لا يريد أن يخضع للربّ.

بقوانا، بمالنا، بصحّتنا، نظنّ أنّنا نستطيع أن نقف في وجه الربّ. من أجل هذا عندما يأتي المرض أو المصيبة أو العذاب أو الألم، نفهم أنّنا بشر وأننّا نحتاج إلى حضور الله، إلى قدرة الله. حياتنا ليست منّا، هي من الله. وإذا أردنا أن نحملها ونقف وجهًا لوجه أمام الله، نكون كالنهر والساقية التي تريد أن تنقطع عن النبع. ماذا تكون النتيجة؟ تصبح ناشفة لا ماء فيها.

 

الفرعون وشعبه

«وانصرف فرعون ودخل بيته غير مبال بهذا» (الآية 23). نلاحظ هنا المسؤول الذي لا يهتمّ بما يحصل لشعبه. هو غير مبالٍ. ربّما الماء محفوظ عنده. وإذا لم يكن لديه ماءٌ، فلديه النبيذ وسائر المشروبات التي لم تتحوّل إلى دم. هو بخير. أمّا شعبه فليتألّم قدر ما يشاء. بما أنّ الألم بعيد عنه، فهو لا يُحسّ. فبدلاً من أن يذهب إلى هذا الشعب ويتألّم معه، ويُحسّ إحساسه، يبقى في برجه العاجيّ وإن كان شعبه في وضع لا يُحسد عليه. الفرعون بألف خير، بألف راحة. أمّا المصريّون فيفعلون المستحيل حتّى يصلوا إلى بعض الماء.

 

وحفر المصريّون حول النهر ليشربوا ماءً، لأنّهم لم يكونوا قادرين أن يشربوا من ماء النهر. الضيق في البلاد، فليتحمّل الشعب وليتدبّر أمره. هذا يعني أنّ المسؤول لم يعد مسؤولاً على مستوى العالم، المسؤول مسؤول تجاه الشعب الذين لن ينتخبوه في المرّة المقبلة. أمّا على مستوى الإيمان، فالمسؤول هو مسؤول تجاه الله. الله هو الذي يطالب المسؤولين على كلّ المستويات، بما فعلوه تجاه إخوتهم الذين أُوكلوا بهم. سفر الحكمة يشدّد على أنّ دينونة المسؤولين تكون أكبر بكثير بالنسبة إلى دينونة الناس العاديّين.

«ومضت سبعة أيّام بعدما ضرب الله النهر» (7: 25). 7 عدد الكمال. هذا يعني أنّ هذه الشدّة طالت على الشعب.كانت طويلة، مؤلمة، قاسية. عاش الشعب أيّامًا عديدة، أيّامًا كثيرة، وهو يبحث عن بعض الماء ليشربه، بينما المسؤول في راحة وطمأنينة بال. لا شيء يزعجه.

هذا هو معنى المقطع: في الضربة الأولى، الماء ينقلب دمًا. في هذا المقطع من سفر الخروج (7: 14-25)، لاحظنا أمورًا عديدة.

 

 أوّلاً الشعب هو شعب الله. لا شعب الملك مهما كان ذاك الملك. والشعب يعبد الله ولا يعبد البشر، وإن كلّفته هذه العبادة أن يترك الأرض الغنيّة ويذهب إلى البريّة. هذا الشعب يخدمه مسؤول ولا يسيطر عليه.

من هذا النصّ نفهم واجباتنا. إن كنّا مسؤولين، أو كنّا نساعد هؤلاء المسؤولين. نفهم أنّ الربّ في النهاية هو الذي يوجّه حياتنا، هو سيّد التاريخ، سيّد الأقدار، سيّد كلّ حياة من حياة البشر.

 

يبقى لنا أن نسمع له، أن نستسلم له، وأن نعمل بما يأمرنا على مثال موسى وهارون. آمين.

 

الخوري بولس الفغالي

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية