الضربة السادسة على فرعون وشعبه

 

 

 

 

الضربة السادسة على فرعون وشعبه

 القروح

 

أحبّائي، نتابع قراءة سفر الخروج والضربات العشر. والآن نقرأ الضربة السادسة وعنوانها القروح أو الجراح أو الدمل أو البثور في الجسم.

 

خروج 9/ 8-12

 

فقال الرب لموسى وهارون: «خذا ملء كفّيكما من رماد الأتّون، وليذرّه موسى إلى السماء أمام عيني فرعون، فيصير غبارًا على جميع أرض مصر، ويُخرج قروحًا وبثورًا على الناس والبهائم كلّها».

 

 فأخذ موسى وهارون من رماد الأتّون، ووقفا أمام فرعون، وذرّاه موسى إلى السما فصار قروحًا وبثورًا على الناس والبهائم، ولم يقدر السحرة أن يقفوا أمام موسى بسبب القروح التي كانت في السحرة وفي جميع المصريّين. وقسّى الربّ قلب فرعون، فلم يسمع لموسى وهارون كما قال الربّ لموسى.

 

 

1 - فنّ أدبيّ خاصّ

 

نحن هنا أمام مرض، وهذا المرض لا يصيب المواشي فقط كما في الضربة الخامسة. (في الضربة الخامسة التي كان عنوانها موت المواشي، جاء الوباء وأصاب فقط المواشي، وما أصاب الناس أبدًا. وكما سبق وقلت: أصاب فقط مواشي المصريّين وما أصاب مواشي العبرانيّين أو مواشي بني إسرائيل. وهكذا أراد الربّ أن يميّز الذين يعبدونه من الذين يبتعدون عنه.)

 

في هذا يقول المزمور الأوّل: «الذين يسيرون في طريق الربّ ينجحون في حياتهم»، لا النجاح الذي يُشبه فقاقيع الصابون، كلاّ بل النجاح الحقيقي، النجاح الذي يُنمي الإنسان ويُنمي الذين حوله. الضربة الخامسة أصابت فقط المواشي، أمّا السادسة فسوف تصيب المواشي كما تصيب الناس.

 

 ونلاحظ ما قيل في الفصل 9 آية 6: ماتت مواشي المصريّين كلّها. إذا كانت المواشي قد ماتت كلّها، فمن أين نجد البهائم التي يصيبها القروح والبثور؟

إذًا نحن أمام فنّ أدبيّ: هذا الفنّ يضخّم الأمور. جميع المواشي ماتت، لكي يرى جميع الناس أنّ يد الربّ هي هنا. لأنّه لو ماتت بعض المواشي لقالوا هي صدفة واتّفاق. ولكن ماتت جميع المواشي. يعني أنّ ذاك الذي فعل ما فعل، هو سيّد الأرض كلّها. ومن هو سيّد الأرض إلاّ الرب.

 

 

لا نربط ضربة بضربة، بل نقرأ كلّ نصّ بمفرده على أنّه ارتباط بين الرب وموسى وهارون من جهة، وبين فرعون من جهة ثانية. من ينتصر في النهاية؟ هو الربّ.

 

 

2 - الطبيعي وفائق الطبيعة

 

كما يقول القدّيس بطرس: «الرب يطيل غضبه، لأنّه لا يريد الهلاك لأحد».( 2 بط 3/ 9).  هنا قال الربّ لموسى وهارون. هما اثنان في الكتاب المقدّس. العدد «اثنان» مهمّ جدٌّا حتّى تصحّ الشهادة. أجل يجب أن يكون هناك اثنان.

 

ويسوع نفسه في الإنجيل، أرسل تلاميذه اثنين واثنين إلى كلّ مدينة وقرية قرّر أن يمضي إليها. وهنا الربّ أرسل موسى وهارون معًا. كان موسى يكفي كما في الضربة الخامسة. قال الربّ لموسى: «ادخل على فرعون وقل له». وهنا قال الربّ لموسى وهارون. إثنان.

 

نطرح أوّلاً سؤالاً: لماذا في 9: 1 قال لموسى فقط. وفي 9: 8، قال لموسى وهارون: نذكر أنّنا أمام تقليدين ومرجعين: مرجع الحكماء في أورشليم يشدّد على شخص موسى الذي هو المثل البعيد لداود.

 

وتقليد الكهنة يشدّد على دور هارون الكاهن بقرب موسى الرئيس. إذًا نحن أمام تقليدين.

 

الضربة السادسة هي من تقليد الكهنة مع الدور المعطى لهارون بقرب موسى. ونفهم عندئذٍ أنّنا أمام عمل مشترك، عمل اثنين معًا: السلطة السياسيّة والسلطة الدينيّة. وعندما يكون تفاهم بين الاثنين عندئذٍ يكون الخير للشعب، هذا لا سمح الرب إذا كان تفاهم من أجل ظلم الناس، من أجل الضغط على الناس، عندئذٍ لن يكثر الخير بل يكثر الشرّ ويتضاعف، فيصرخ الشعب كما صرخ العبرانيّون حين كانوا في عبوديّة مصر.

 

كيف تتمّ المعجزة أو الضربة، ضربة القروح؟

 

 يقول النصّ: «قال الربّ لموسى وهارون: خذا ملء كفّيكما من رماد الأتّون وليذرّه موسى إلى السماء أمام عيني فرعون، فيصير غبارًا على جميع الارض». ما حدث هنا أمر طبيعي: غبار الأتّون يطير في الهواء. ومع أنّ الربّ كلّم موسى وهارون، فموسى وحده هو من يذرّي الرماد.

ولكن متى فعل الغبار أو الرماد كلّ هذا الفعل؟ أخرج بسرعة قروحًا وبثورًا.

 

السبب ليس السبب الطبيعي. هو سبب فائق الطبيعة. ربط الكاتب بين ما حدث للناس وما فعله موسى. لا علاقة بين سبب أو علّة ونتيجة ما.

 

 سبب هذا، هو الربّ الذي يعمل بيد موسى وهارون ويقول: قروح وبثور في الناس والبهائم كلّها. هكذا لم يُفلت أحد. صرنا نعرف عمليّة التضخيم وعمليّة التعميم. كلّهم إمّا في شخصهم، وإمّا في بهائمهم، لكي يفكّروا كلّهم ماذا يجب أن يعملوا، كيف يردّون على نداء الربّ لهم، كيف يتجاوبون مع نداء الرب.

 

 

وفعل موسى وهارون ما قاله لهما الربّ (آية 10).

 

 

3 - الطبيعة خاضعة، لا الإنسان

 

 

«أخذ موسى وهارون من رماد الأتّون، ووقفا أمام فرعون وذرّاه موسى إلى السماء فصار قروحًا وبثورًا في الناس والبهائم». إذا قرأتم آية 8: «قال الربّ لموسى وهارون» وفي آخر الآية «وليذرّه موسى». في آية 10 أخذ موسى وهارون ثمّ ذرّاه موسى.

 

 نلاحظ مرّة اثنين ومرّة موسى وحده. كما قلت، هناك تقليدان. والتقليد الذي يذكر هارون يجعلنا في جوّ الكهنة حول الهيكل. قال الربّ: سنفعل وفعل. كلمة الربّ تفعل، قال للشمس كوني فكانت، قال للقمر كن فكان، للأعشاب كوني فكانت، وهنا يكفي أن يقول موسى، ليصير الغبار قروحًا وبثورًا.

يقول المزمور 33: 9: «قال فكان كلّ شيء».

 

 يكفي أن يقول الربّ حتّى تتمّ كلمته. هذا في الطبيعة. أمّا على مستوى البشر، فيمكن للإنسان أن يرفض كلام الرب، أن يعارض.

 

وما يريد الكاتب أن يقوله، هو أنّ الطبيعة كلّها خضعت للربّ. النهر تحوّل إلى دم، الضفادع تكاثرت، البعوض والذباب أيضًا، الوباء فعل في المواشي، والقروح أيضًا. وستأتي ضربات أخرى. فالطبيعة كلّها خاضعة للربّ، أمّا فرعون فما أراد أن يخضع.

 

 

وهذا في الواقع هو وضع الخاطئ بيننا، لا بل وضع كلّ واحد منّا. بعض المرّات مع كلّ العلامات التي يعطيها الربّ، لا نريد أن نسمع. من هنا أيضًا يجب أن نسمّي هذه الضربة علامة.

 

علامة من قِبَل الربّ. إذًا موسى عمل ما قاله له الربّ، ومعه هارون. وفرعون رأى بعينيه، وكان بإمكانه أن يرى هذه القروح والبثور على أنّها من عمل الربّ، وأنّ الربّ هو سيّد الأرض كلّها، وأنّ يده لا تعلوها يد. لم يقتنع فرعون حين رأى الطبيعة كلّها تنحني وتخضع للربّ. بل في الآية 11 يقول: «ولم يقدر السحرة أن يقفوا أمام موسى بسبب القروح التي كانت في السحرة وفي جميع المصريّين». في البداية كان السحرة حاضرين. وها هم يعودون. فمن هو الساحر؟

 

4 - بين الساحر والقدّيس

 

الساحر هو الذي يستعمل الرب من أجل مآربه، يستعمل قدرة الرب بمعزل عن إرادة الرب، يسيطر على إرادة الرب. وهكذا يعتبر نفسه السيّد على الأرض. لهذا كان الكتاب المقدّس قاسيًا جدٌّا تجاه السحرة. هناك فرق كبير بين الساحر والقدّيس. الساحر يفرض على الربّ ما يجب عليه أن يعمل، يفرض عليه شفاء يريده، يفرض عليه أن يعطيه خيرًا لا يريد الرب أن يعطيه.

 

أمّا القدّيس فينتظر كلّ شيء من عند الرب، ينتظر كلّ شيء كبركة وكعطيّة مجّانيّة من عند الرب. كان السحرة في قصر فرعون أقوياء.

 

كانت كلمتهم «فاعلة». فقد يكونون تعاملوا مع الشرّ، مع الشيطان، لست أدري. ولكن حتّى السحرة لم يستطيعوا أن يقفوا أمام ضربة الرب. أصابتهم هم أيضًا القروح والبثور، وكان عليهم أن يعرفوا.

هنا نتذكّر الضربة الثالثة عندما حلّ البعوض بأرض مصر. يقول النصّ في 8: 14: «وحاول السحرة بسحرهم أن يُخرجوا البعوض فلم يقدروا». حينئذٍ قال السحرة لفرعون: «هذه إصبع الرب» (آية 15). فهمَ السحرةُ أنّ إصبع الرب هي هنا، أنّ الرب هو الذي يفعل. لا ليس موسى الساحر الذي ظنّه السحرة في مصر. وليس موسى ذاك القويّ أو المشعوذ كما اعتبره الفرعون، كلاّ. موسى هو أداة في يد الربّ، وهارون أيضًا. ولكن الفاعل الحقيقي، الفاعل في العمق، هو الرب. لهذا كانت هذه الكلمة الرائعة في 8: 15 من سفر الخروج «هذه أصبع الرب». فمع أنّ السحرة اقتنعوا بذلك وأخبروا فرعون، إلاّ أنّ فرعون لم يقتنع. ماذا يقول النصّ في سفر الخروج 8: 15؟

 

5 - بين الفرعون والرب

 

«إشتدّ قلب فرعون قساوة». قاسية هذه الكلمة. يعني كان قلب فرعون قاسيًا في طريقة معقولة. لكن لمّا وجد نفسه وجهًا لوجه أمام الربّ، اشتدّ قلبُه قساوة. كأنّه يريد أن يزداد قوّة، أن يزداد عنفًا، أن يزداد شجاعة، ليقف في وجه الرب. وهذا ما نكتشفه واكتشفناه في تاريخ الكنيسة، في تاريخ حياة الكثيرين الذين عرفناهم. عندما نحسّ أنّ الربّ يفعل، نريد أن نعارض ونعارض، ونقوّي المعارضة، لئلاّ نترك الربّ يسيطر على قلوبنا.

 

ولكنّ الربّ لا يستعمل أبدًا القوّة، هو يستعمل المحبّة، يستعمل الحنان، يجعلنا نفتح عيوننا، نفتح آذاننا. نسمع، نلمس ما فعله الربّ حين أرسل البعوض. فهم السحرةُ أنفسهم، وفرعون لم يفهم. إشتدّ قلب فرعون قساوة فلم يسمع لموسى وهارون. وكأنّه لم يسمع ؟ نفسه، لأنّ موسى وهارون هما في الواقع صوت الرب.

 

وفي الضربة السادسة، ضربة القروح (9: 11) نقرأ: «ولم يقدر السحرة أن يقفوا أمام موسى بسبب القروح التي كانت في السحرة». يعني ما استطاعوا أن يتركوا البيت من المرض بسبب القروح والبثور. قد يكون السحرة ظنّوا نفوسهم في وقت من الأوقات أنّهم من معدن الآلهة، وأنّه لا يصيبهم ما يصيب سائر الناس الضعفاء والبسطاء. هنا فهموا أنّهم كغيرهم.

 

 

يقول النصّ: القروح التي كانت في السحرة وفي جميع المصريّين. أجل لا يفلت أحد من يد الربّ، لا يفلت أحد من المرض، من الفشل، من الحزن، من الموت. لا يفلت أحد. لدينا على الأرض آلهة يتميّزون عن سائر البشر، كما يظنّون، كلاّ. لدينا فقط الإله الواحد. لهذا السبب، فالسحرة بكلّ قوّتهم وبكلّ سحرهم وفنّهم، أصابهم ما أصاب سائر الناس فلا يقدرون بعد اليوم أن يقولوا: نحن من غير طينة الناس، هم من طينة ونحن من طينة أخرى. نحسّ ببعض التهكّم، بعض السخرية: كأنّ على السحرة أن يذهبوا إلى لقاء موسى، فإذا هم لا يقدرون حتّى أن يتحرّكوا من فراشهم. فكيف يتحرّكون ضدّ الرب وضدّ ما يعمله الرب؟ وننهي هذه الضربة السادسة التي عنوانها القروح.

 

6 - رفضُنا وتصرّف الرب.

 

«وقسّى الربّ قلب فرعون». نحن نعرف هذه العبارة. بما أنّ الربّ فعل ما فعل، فهو السبب الأوّل في تقسية قلب فرعون. في الواقع فرعون قسّى قلبه، ولكن على مستوى عمل الخلاص. حين رأى الفرعون ما فعله الربّ، قسّى قلبه ورفض. تلك هي سيرة كلّ واحد منّا في رفضه المتكرّر ؟. مع أنّ الربّ أرسل كلامه، أرسل علامات من عنده، حدّثنا في أعماق قلوبنا، ومع ذلك نرفض. ولكن والحمد للرب، في النهاية سوف نقبل أن نسمع، ثمّ نقبل أن نخضع. وهنيئًا لنا إن عرفنا أن نسمع، أن نخضع، أمّا الفرعون فرفض.

 

«فلم يسمع لموسى وهارون» (9: 12) وبالتالي لم يسمع للرب. وهنا كلمة لم يسمع، تعني: لم يُرد أن يسمع. وليس لأنّه أطرش أو لا يقدر أن يسمع، كلاّ. هنا يوجد رفضٌ، ورفض فيه خطيئة كبيرة. وذلك، حين يرفض الإنسان أن يسمع لصوت الرب، أو أن يسمع لصوت من يرسله الربّ إليه.

 

كم هو مهمّ أن نكتشف صوت الرب من خلال أصوات تحيط بنا، ولا سيّما أولئك الذين يكلّفون بمهمّة من المهمّات.

 

قسّى الربّ قلب فرعون. أو قسّى فرعون قلبه. هذا الأمر لم يفاجئ الربّ. يقول النصّ: كما قال الربّ لموسى. يعني انتظر الربّ من فرعون أن يقسّي قلبه، أن يرفض، أن لا يسمع. هذا الربّ انتظر، وهو ينتظر كلّ واحد منّا. يعرف أنّنا لا نتخلّص من الخطايا في يوم واحد وسنة واحدة، بل نقضي حياتنا في التغلّب على ضعفنا.

 

الربّ يعرف كلّ هذا، يعرف ضعفنا، يعرف عجزنا، يعرف عقولنا الصغيرة التي تريد أن تتحدّاه. نحن نتحدّى الرب، والرب يعرف. ومع ذلك يعمل ويتابع العمل لأنّه يعرف أنّه في النهاية هو الذي ينتصر، لا بالعنف بل بالمحبّة، لا بالإساءة بل بالإحسان، لا بعمل الشرّ بل بالخير. يبقى علينا أن نتشبّه به كما قال بولس الرسول: «اقتدوا بالرب كالأبناء الأحبّاء». (افسس 5/ 1) آمين

 

الخوري بولس الفغالي 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية