الضمير في الكتاب المقدَّس

 

 

الضمير في الكتاب المقدَّس

 

 

ما هو الضمير

 

لقد قيل فيه إنّه صوت الله يرنّ في أعماق القلب، وإنّه النّجم الهادي في ظلمات الحياة إلى درب الصّلاح، وإنّه الدفّة التي تسيِّر مركب الإنسان في بحر متلاطم الأمواج، حتّى تبلغ به شاطئ الأمان، إنّه العين السّاهرة التي تنفذ إلى أعماق المرء، لتشهد له أو عليه بعد كلّ عمل. أمّا الضمير في الحقيقة فهو تلك الشريعة التي كتبها الله في قلب الإنسان عندما كوَّنَه.

 

فالضمير إذًا قوَّة باطنيَّة يعي بها الإنسان ذاته، فيدرك معها ما هو خير وما هو شرّ.

 

يكشف الإنسان في أعماق ضميره شريعة، لم يسنّها لنفسه ولكنّه مجبر على الطاعة لها. إنّ هذا الصّوت، الذي لا يفتأ يستحثُّه على فعل الخير وتجنُّب الشرّ، يدوّي أبدًا في آذان قلبه أن يعمل هذا وتجنّب ذاك. أجل إنّه ناموس حفره الله في قلب الإنسان، وكرامته في أن يخضع له، وبموجبه سوف يدان.

"فالضمير هو المركز الأشدّ عمقًا في الإنسان، والهيكل الذي ينفرد فيه إلى الله، ويسمع فيه صوت الله".

 

الضمير الخلقي في الكتاب المقدَّس

 

المعرفة المسيحيَّة للضمير الخلقي يجب أن تؤسّس على إتّصال بعقيدة الكتاب المقدَّس. اللاهوت يجب أن ينطلق من هذا المضمون البيبلي لأجل أن يُحلِّل وينظِّم.

 

1- الضمير الخلقي في العهد القديم

 

في العهد القديم تظهر كلمة ضمير تظهر ثلاث مرّات (سي 10/ 20؛ 42/ 18؛ حك 17/ 10). لكنَّ مبدأ الضمير في العهد القديم لا يستطيع أن يُختصر وببساطة بتعبير "الضمير"، لكنّنا نراه بكلام آخر، ومعرفة أخرى:

 

أ- المعرفة من "القلب"

في العهد القديم القلب هو عرّاب (شاهد) مثل شاهد للقيم الخلقيَّة للأعمال الإنسانيَّة. داود يقول إنّه "بعد ذلك خفق القلب" في مناسبتين فعل بعض الشيء السيّئ، (1 مل 24/ 6، 2 مل 24/ 10).

 

 سليمان يؤكِّد ضدَّ شمعي: "قال الملك لشمعي إنّك قد عرفت كلّ الشرّ الذي قلبك عارف به ممّا صنعته بداود أبي فرد الربّ شرك على رأسك" (1 مل 2/ 44).

 

إرميا أكَّد أنَّ "خطيئة يهوذا مكتوبة بقلم من حديد بظفر من السامور منقوشة على ألواح قلوبهم وقرون مذابحهم (إر 17/ 1)، أيّوب يجاوب: "قلبي لا يدينني" (أي 27/ 6). الله هو الذي يتفحَّص القلب وعلى القلب سيحكم، بشكل نهائي، الذنب أو البراءة للرّجل.

 

 فالربّ قال لصموئيل: "لا تلتفت إلى منظره وطول قامته فإنّي  قد رذلته لأنّه ليس كما ينظر الإنسان فإنَّ الإنسان إنّما ينظر إلى العينين وأمّا الربّ فإنّه ينظر إلى القلب" (1 مل 16/ 7)؛ كما نجد في سفر الأمثال: "كلّ طريق للإنسان مستقيم في عينيه ووازن القلوب الربّ" (أم 21/ 2).

القلب هو مكان الشريعة الإلهيّة الداخليّة. يأتي ليحوِّل في الشريعة الداخليّة، "فاعلم اليوم وردِّد في قلبك أنَّ الربَّ هو الإله في السّماء من فوق وفي الأرض من أسفل ليس سواه" (تث 4/ 39). (إر 31/ 33) و(حز 11/ 19) أعلنوا أنَّ الشريعة الجديدة ستكون محفورة من الله ذاته في قلب الإنسان. كتاب الأمثال أعاد التأكيد على ما قاله تثنية الإشتراع: "خذوا مبادئي المخبَّئة في عمق قلوبكم..." (تث 2/ 1 - 5؛ 10/ 15؛ 3/ 1 - 3؛ 4/ 4 - 6؛ 20 - 21؛ 7/ 1 - 3).

القلب يقارن أيضًا كمصدر وأساس للحياة الخلقيّة. الإنسان يمشي "لأجل طرقات قلبه" (أش 57/ 17). وهذه الطرقات ستكون جيِّدة أو سيِّئة بحسب الجيِّد أو السيِّئ في القلب (أم 29/ 27).

تحوَّل الضمير مرتبط بالقلب. "معرفة الألم للقلب الخاصّ وبسط الأيدي لله" (حز 6/ 9؛ مز 51/ 19؛ 146/ 3).

إستعمال لفظة "القلب" للضمير يوضح أنَّ في الضمير أيضًا تختبر القيم التي تُلزم أخلاقيًّا، وهي لا تؤثِّر إلاَّ إذا كانت راسخة تمامًا في عمق داخلنا. فلذلك من المهمّ أن تتوطَّد في عمقنا.

الإنسان عليه أن يتبع وصيَّة يسوع ويفتح قلبه لكلمة الله، وأن يخلق الظروف المؤاتية لتقبّلها والتثقّف بها. عليه أن يسمع الكلمة، ويحفظها، وأن يتّخذ قراراته، إنطلاقًا من هذا الموقف الأساسي.

 

ب- المعرفة من "الحكمة"

معرفة الحكمة في العهد القديم غنيَّة جدًّا. لأجل هذا ننظر إلى عملنا بإختصار بإختلاف وجهات النّظر في الحكمة والفطنة وفي الضمير. الحكمة هي ثمرة "إختبار"، تحمل في ذاتها معنى الذكاء (البصيرة، المهارة). تظهر في العلاقة مع إختيار وسائل لتحقيق الغاية. إمتلاك وممارسة الفطنة تسلك في طريق الأعمال الجيِّدة: الرّحمة (أم 19/ 11)، العدالة (1 مل 3/ 11 - 28) الفطنة (أم 7/ 4)، الصّبر (أم 14/ 29)، الشجاعة (أش 10/ 13).

 

ت- المعرفة من "الرّوح"

 

يتَّحد الرّوح في وحدة مع القلب، إنّه المبدأ الأساسي لكلّ الحياة الأخلاقيّة والدينيّة. إصلاح الحياة الأخلاقيّة هو في تجديد الرّوح والقلب لكلّ واحد منّا (حز 11/ 10؛ 18/ 31؛ 36/ 23 - 26).

ونلاحظ أنَّ مبدأ الضمير في اليهوديّة يأخذ دائمًا منحى الكمال الأكثر. أيضًا في شيعة قمران هنالك تلميح للضمير، ولو لم تستعمل كلمات تقنيَّة.

إنَّ حركة الضمير لا تحدث فقط كخليفة فعل سيّئ، بل تعلن عن ذاتها أيضًا قبل الفعل. نقرأ في رواية قايين وهابيل:

"فنظر الربّ إلى هابيل وتقدمته، وإلى قايين وتقدمته لم ينظر. فغضب قايين، وأطرق رأسه. فقال الربّ لقايين: لمَ غضبت، ولمَ أطرقت رأسك؟ فإنّك إن أحسنت، تنال وإن لم تُحسن، أفلا تكون الخطيئة رابضة عند الباب؟ إليك تنقادُ أشواقها، فعليك أن تسودَها" (تك 4/ 4 - 7).

 

ينظر إيمان العهد القديم إلى خبرة الضمير، لأوَّل وهلة، في إرتباطه بالله، فمن وراء ما يقوله الضمير، وهو يرشد ويحذِّر ويدين، يُدرَك صوت الله. وفيه يُخاطَب الإنسان شخصيًّا.

 

هناك إرتباط دائم بين الضمير ودعوة الله الخاصّة بكلّ إنسان. ففي أعماق ذاته يختار الإنسان بين الخير والشرّ. بضميره يشعر بنداء الله وبضميره يقرِّر: فيختار الله، أو يرفضه.

الضمير لا يضع الإنسان فقط بإزاء الله، بل يُظهر له أيضًا مسؤليّته تجاه سائر النّاس. فيُعلِّمه بإلحاح جسامة العمل السيّئ الذي يقوم به. لذا يبدو يأس قايين بعد قتله أخيه شديدًا، لوعيه بأنّه فعل شرًّا لا رجوع فيه، له تبعات مُفجعة.

 

وناتان النبي يبكِّت داود على إثمه الذي إرتكبه بحقّ أوريّا (2 صم 12/ 7 - 12؛ مز 51)، فيقرّ بما فعله من الشرّ، ويُدركُ بذلك أيضًا أنّه قد أخطأ إلى الله، ويقول: "قد خطئت إلى الربّ" (2 صم 12/ 13).

 

قلب الإنسان يحصِّل ثقافته من شريعة الله، عندما يدع كلمة الله تفعل في داخله. هكذا ينفذ قولُ الله إلى عمق الإنسان ويصير أمرًا خاصًّا به ودليلاً ناشطًا يهديه في حياته.

 

 

الضمير الخلقي في العهد الجديد

 

رغم أنَّ كلمة ضمير غير مستعملة في الأناجيل، إنّما فحواها واضح للغاية. يستشهد يسوع في أقواله عن الضمير إنطلاقًا من تصوّرات العهد القديم.

"أمّا الزّرع الذي وقع في الأرض الجيِّدة، فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب نبيل صالح، فيحفظونها، ويثمرون بالصّبر" (لو 8/ 15).

القلب كما في العهد القديم، مركزيَّة الوجود الإنساني، مكان المعرفة والشعور والقرار. والعبارة "مكتوب في قلوبكم" تشير بطريقة غير مباشرة إلى أنَّ الله قد وضع في الإنسان القدرة على تمييز الخير والشرّ بشكل عفوي.

 

بحسب تعليم يسوع، كلّ تصرُّف أخلاقي لديه بعد إلهي: "وأبوك، الذي يرى في الخفية، هو يجازيك" (متّى 6/ 4 - 18).

ثمَّ إنَّ الضمير مرتبط بحقيقة ملكوت الله الجديدة، في شخص يسوع المسيح نفسه. إنَّ إرادة الله تتَّضِح في التعاليم بشأن ملكوت الله وفي الأوضاع الرّاهنة. فمن المهمّ جدًّا تمييز "علامات الأزمنة".

 

بالنسبة إلى المؤمنين، يسوع المسيح هو نفسه أساس الحياة الدينيَّة الأخلاقيَّة وغايتها. والأخلاق التي يعتمدها في بشارة الخلاص لا تنفصل عن شخصه بالذات.

 

على الإنسان أن يتبع وصيَّة يسوع ويفتح قلبه على كلمة الله، ويخلق الظروف المؤاتية لتقبّلها. عليه أن يسمع الكلمة، ويحفظها، ويتَّخِذ قراراته، إنطلاقًا من هذا الموقف الأساسي.

يستشهد بتعبير "الضمير" مرارًا في العهد الجديد، وبخاصّة في رسائل القدّيس بولس وفي الرّسالة إلى العبرانيّين، إضافة إلى تعبير "القلب". هكذا نقرأ في (1 يو 3/ 19؛ 19/ 20) "وبذلك نعرف أنّا من الحقِّ ونُقنع قلوبنا بأن تطمئنّ أمامه. وإن كان قلبنا يبكِّتنا فلنا حينئذ ثقة أمام الله". في هذه الآيات كلمة قلب تعني "الضمير". ويصدق على ذلك مرقس: "فأدار نظره فيهم بغيظ وهو مغتمّ لعمى قلوبهم ثمّ قال للرّجل أُمدُد يدك فمدَّها فعادت يده صحيحة" (مر 3/ 5).

 

هكذا نقرأ عن "الضمير":

ثماني مرّات في: 1 قورنتس (8/ 7، 10، 12؛ 10/ 25، 27، 28، 29) (مرّتين).

ثلاث مرّات في: 2 قورنتس (1/ 12؛ 4/ 2؛ 5/ 11).

ثلاث مرّات في: روما (2/ 15؛ 9/ 1؛ 13/ 5).  

خمس مرّات في: عبرانيّين (9/ 9 - 14؛ 10/ 2 - 22؛ 13/ 18).

ستّ مرّات في الرّعويّات: 1 تيموتاوس (1/ 5 - 19؛ 3/ 9؛ 4/ 2؛ 2 تيموتاوس 1/ 3).

ثلاث مرّات في: 1 بطرس (2/ 19؛ 3/ 16؛ 21).

 

- معرفة الضمير: "الضمير هو حكم ديني، خلقي" أو ذهنيّة "دينيّة - خلقيّة"، نقرأ في الرّسالة الثانية إلى قورنتس: "بل ننكر خفايا الخزي ولا نسلك بالمكر ولا نغشّ كلمة الله ولكن بظهور الحقّ نوصي بأنفسنا لدى ضمير كلّ إنسان أمام الله" (2 قور 4/ 2؛ 5/ 11)؛

 

أمّا في الرّسالة إلى أهل روما فنقرأ: "فلذلك يلزمكم الخضوع له لا من أجل الغضب فقط بل من أجل الضمير أيضًا" (روم 13/ 5)، الضمير يقرأ كشاهد "ويظهرون عمل النّاموس المكتوب في قلوبهم وضميرهم شاهد وأفكارهم تشكو أو تحتجّ في ما بينها" (روم 2/ 15؛ 9/ 1)؛ "لأنَّ فخرنا هو شهادة ضميرنا" (2 قور 1/ 12)؛ بولس يشير دومًا إلى خلقية الضمير، هو شاهد صالح غير قابل للفساد.

- الضمير: تصرُّف خلقي طبيعي مشترك لكلّ الناس "الأُمم الذين ليس عندهم الناموس إذا عملوا بالطبيعة بما هو في الناموس فهؤلاء وإن لم يكن عندهم الناموس فهم ناموس لأنفسهم" (روم 14/ 2). في هذا النصّ، يؤكِّد القدّيس بولس، القدرة على الحكم الخلقي.

- الضمير هو إلتماس أخير للقرار الخلقي، فهو عند القدّيس بولس التحديد الأخير لنوعيّة خلقيّة للعمل.

- تنشئة وتربية الضمير. القدّيس بولس يتطلَّع إلى ملكة ذهنيَّة مستضيئة وواضحة "ولست أعني ضميرك بل ضمير غيرك فلماذا تُدان حريَّتي من ضمير غيري. إن كنت أنا أتناول بشكر فلماذا يُفترى عليَّ فيما أنا شاكر عليه" (1 قور 10/ 29 - 30)، إنّه تطلَّع للقلوب التي تمتاز بالحبّ.

 

- على المسيحيّين إلزام تكوين الضمير الخاصّ: يفحص ذاته "فليختبر الإنسان نفسه" (1 قور 11/ 28)؛ "فامتحنوا أنفسكم هل أنتم على الإيمان. إختبروا أنفسكم" (2 قور 13/ 5). التفتيش عن إرادة الله "لا تتشبّهوا بهذا الدّهر بل تحوّلوا إلى صورة أُخرى بتجديد عقولكم لتختبروا ما مشيئة الله الصالحة المرضيَّة الكاملة" (روم 12/ 2).

- على الضمير أن يكون "جيِّدًا" و"مستقيمًا" و"صالحًا". "أيّها الرّجال لقد تصرّفت أمام الله بكلّ نيَّة صالحة إلى هذا اليوم" (أع 23/ 1).

 

- كاتب أعمال الرّسل يضع الضمير في علاقة مع الإيمان والهرطقة. المسيحي الكامل هو من لديه الإيمان بدون خطأ، بدون حلّ وسط (تسوية) مع الهرطقة ومن لديه الضمير الجيِّد والكامل. لا يقدر أن يمتلك ضميرًا صافيًا إن لم يتَّصِف بالإيمان الكامل. الإيمان هو شرط ضروري من أجل ضمير خلقي جيِّد.

 

يقول بولس الرّسول في رسالته إلى رومية: "يؤمن الإنسان بقلبه" (روم 10/ 10). وإن كان يستخدم الرّسول الكلمة بمعناها الكتابي العادي كتعبير عن المركز الرّوحي في حياة الإنسان، فمن الواضح أنّ هذا الإستعمال يتضمَّن الضمير الذي كما رأينا يحتلّ مركز القلب.

 

ليس الضمير مجرَّد شعور الإنسان بالذات إنّه أيضًا إحساسه بنفسه من حيث صلته بالله. أي أنَّ الضمير إنّما هو الرّابط الحيوي ما بين شعور الإنسان بالذات وما بين الشعور بالله.

- كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين يضع الضمير في علاقة مع الخطيئة والتطهير (التنقية). بإمكان دم المسيح أن ينقي الضّمير الإنساني من الخطيئة فيجعل من الوجود الإنساني عبادة جديرة لله. "دم المسيح الذي بالرّوح الأزلي قرَّب نفسه لله بلا عيب يطهِّر ضمائركم من الأعمال الميتة لتخدموا الله الحيّ" (عب 14/ 9).

 

في المبدأ البيبلي، يكتسب الضّمير تدرُّجًا أكثر حيويَّة. التدرُّج هو من الشخصانيَّة، من الحوار، من المحافظة على التعاليم الدينيّة، إلى آخره...

 

هكذا نرى أنَّ تعبير "القلب" المستعمل في العهدين القديم والجديد يشير إلى الضمير. وهذا ما يدفعنا إلى أن نفهم كلمة قلب بهذا المعنى فتصبح الآية على الشكل التالي: "ففتح الربّ ضمير ليديا لتصغي إلى الكلمة".

 

النواة والمركز في المعنى الكتابيّ للضمير هما في العلاقة بالله. ففي صوت الضمير، الذي يدعو إلى فعل الخير وتجنُّب الشرّ، يُسمع الله صوته. وهو يدعونا إلى الإصغاء إلى صوته، والتوجُّه نحوه، والعيش بالتالي بمقتضى إرادته. وهذا ما يتحقَّق لنا بقدرة الرّوح القدس، "الحقّ أقول في المسيح لا أكذب فإنّ ضميري شاهد لي بالرّوح القدس" (روم 9/ 1)، الذي إنّما يهدي إلى معرفة الخير.

 

الضمير هو القاعدة الأخيرة الحاسمة بالنسبة إلى الأخلاق الشخصيَّة. لا قاعدة أهمّ من الضمير فهو، يساعدنا على أن نقف بوعي أمام الله، ونبحث عن إرادته. لا شكَّ في أنّه يتوجَّب على كلِّ مسيحي أن يجتهد في الوصول إلى حكم ضميري يتلاءم والإيمان.

 

تربّي الكنيسة الضمائر في إظهارها الله للشعوب وفي إظهارها مساواة البشر جميعًا بصفتهم أبناء الله، وسلطانهم على الخليقة الموضوعة لخدمتهم، وواجبهم بالإلتزام من أجل ترقّي الإنسان كلّه وكلّ إنسان.

 

إنَّ الكنيسة من خلال الرّسالة الإنجيليّة، تأتي بقوّة تحرُّر وتفعل لصالح الترقّي، وبطريقة خاصّة وهي التي تؤول إلى توبة القلب والرّوح، وتفترض الإعتراف بكرامة كلّ شخص، وتعدّ للتضامن والإلتزام وخدمة الآخر، وتدخل الإنسان في مشروع الله الذي يقتضي بنيان ملكوت سلام وعدالة، إنطلاقًا من هذه الحياة.

 

 

"إنَّ الرؤيا الكتابيّة في "السموات الجديدة والأرض الجديدة" (أش 65/ 17، 2 بط 3/ 13، رؤ 21/ 1)، هي التي كانت في التاريخ الدافع والهدف لمسار البشريّة وتقدّمها. إنّ ترقّي الإنسان يأتي من الله ومن المثال الذي هو يسوع الإنسان - الإله. ويجب أن يقود إلى الله. هذا هو السبب الذي لأجله يوجد رباط وثيق بين التبشير بالإنجيل وترقّي الإنسان.

 

ويجد المؤمنون في الكنيسة وتعليمها عونًا كبيرًا على تنشئة ضميرهم، كما يؤكِّد المجمع الفاتيكاني الثاني:

 

"على المؤمنين في سعيهم إلى تنشئة ضميرهم أن يمعنوا في التأمُّل بتعليم الكنيسة المقدَّس الحقّ. فالكنيسة الكاثوليكيّة من خلال إرادة المسيح هي معلّمة الحقيقة ومهمّتها إعلان الحقيقة أي المسيح وتعليمه وتثبِّت بسلطتها الخاصة مبادئ النظام الأخلاقي المتحدِّرة من الطبيعة البشريّة ذاتها. فالكنيسة دائمًا هي في خدمة الضمير ليس إلاّ، وهي تسنده لئلاّ يكون "متزعزعًا مائلاً مع كلّ ريح تعليم من خداع الناس" (أف 4/ 14)، ولئلاّ يضلّ عمّا هو خير الإنسان الحقّ، ولكي يبلغ المؤمنون في الأمور الصّعبة خاصّة، الحقيقة ويتثبّتوا فيها.

 

 الأب جورج الترس م.ل   

   

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية