بطرس يشهد بلاهوت المسيح

 

 

 

 

بطرس يشهد بلاهوت المسيح

 

(متى 16/ 13 ـ 20)

 

جَاءَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيْلِبُّسَ فَسَأَلَ تَلامِيْذَهُ قَائِلاً: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ٱبْنُ الإِنْسَان؟». فقَالُوا: «بَعْضُهُم يَقُولُون: يُوحَنَّا المَعْمَدَان؛ وآخَرُون: إِيْليَّا؛ وغَيْرُهُم: إِرْمِيَا أَو أَحَدُ الأَنْبِيَاء».

قَالَ لَهُم: «وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟».

فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقَال: أَنْتَ هُوَ المَسِيحُ ٱبْنُ اللهِ الحَيّ!».

فأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بنَ يُونَا! لأَنَّهُ لا لَحْمَ ولا دَمَ أَظْهَرَ لَكَ ذلِكَ، بَلْ أَبي الَّذي في السَّمَاوَات.

وأَنَا أَيْضًا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ هُوَ بُطْرُسُ، أَيِ الصَّخْرَة، وعلى هذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي، وأَبْوَابُ الجَحِيْمِ لَنْ تَقْوى عَلَيْها.

سَأُعْطِيكَ مَفَاتيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَات، فَكُلُّ مَا تَربُطُهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَات، ومَا تَحُلُّهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً في السَّمَاوَات».

حينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ هُوَ المَسِيح.

 

 

 

 

كنيستي، أين أنتِ من قداستك؟

 

يذكّرنا أحد تقديس البيعة، أحد افتتاح السنة الطقسية بتطهير مقادس هيكل أورشليم سنة 164 ق.م.، وتقديس الشعب على أيدي الكهنة، بعد موت الامبراطور الوثني المضطهد انطيوخس أبيفانوس.

منذ معموديّتنا ونحن نؤمن ونعترف بكنيسة واحدة جامعة ورسوليّة. هذه الكنيسة هي جماعة مقدّسة ومجموعة مؤمنين حقيقيين، وينتظرون كلّ خلاصهم من يسوع المسيح، لأنّهم غُسلوا بدمه، وتقدّسوا  وخُتموا  بالروح القدس. هذه الكنيسة موجودة منذ بدء العالم وتستمر موجودة حتى النهاية، لأنّ المسيح هو ملك أزليّ لا يقدر أن يكون بدون أشخاص. هذه الكنيسة المقدّسة محفوظة من اللهو من غضب روح العالم، حتى ولو بدت صغيرة ومنكفئة بنظر الناس . فهي ليست محصورة بمكان أو بأشخاص، إنما هي منتشرة في العالم أجمع، لا بل  إنّها متّحدة في القلب والإرادة بالروح القدس، بقوّة الإيمان.

 

1ـ شرح النصّ

في الطريق نحو قيصريّة فيليبس عند منابع الأردن، طرح يسوع على تلاميذه سؤالين: ماذا يفكّر الناس عنه، ومن ثمّ، ماذا يفكّرون هم أنفسهم؟

  • فكرة الناس عن يسوع

كان الكتبة والفريسيّون معادين ليسوع وبشكل مكشوف، ذلك لأنّه لم يكن على وفاق مع تعليمهم، ولا مع أسلوبهم المتشدّد والحرفي في تفسير الشريعة. إنّهم يرفضونه كنبيّ ويتّهمونه بأنّه هو ذاته قد استولى عليه بعل زبول، ويرفضونه كملك.

 

هناك آخرون، من دون أن يكونوا معادين، يبقون غير مبالين. هم ذووه الأقربون وأهل قريته. لذا يبقون من دون ردود فعل تجاه تعليمه ومعجزاته، إنّهم لا يريدون أن يعترفوا به لا نبيًا ولا ملكًا.

وتبقى الجامهير التي لا اسم لها، وهي كانت تتهافت إليه وتصغي إلى كلماته، وتحمل إلى المرضى ليشفيهم. وهكذا نفهم أن يسوع، حين سأله تلاميذه ماذا يفكّر الناس عنه، أجابوا: بعضهم يحسبونه المعمدان وآخرون يعتبرونه إيليا أو أحد الأنبياء، ولكن لا أحد يعتقد أنه هو المسيح، ذلك الملك على الملكوت الجديد.

 

  • فكرة التلاميذ

 

على الرغم من أنّهم تبعوا يسوع منذ بدء خدمته، وقد سمعوه يعلّم ورأوه يعمل، لكنّهم لم يؤمنوا به. فعندما كان يسوع يعلّم بالأمثال، نراهم لا يفهمون، وعندما تنقضّ العاصفة على البحيرة، يأخذهم الخوف. لذا تأخذنا الدهشة حين نسمع بطرس يؤكّد بعد بضعة أيّام: "أنت المسيح ابن الله الحيّ"، ما يعني أن تدخّلًا إلهيًّا مكّن بطرس من أن يرى "المسيح" في يسوع. وهذا ما جعل يسوع يقول له: "طوبى لك يا سمعان بن يونا".

أمّا تسمية سمعان الذي يُدعى "صخرًا" بعد اليوم، فإنّها تدلّ على مهمّة جديدة، تجعله أساس الجماعة. فعلى هذا الصخر سيبني يسوع كنيسته. ولذلك سيكون سلطان الموت عاجزًا أمامها، ولن يكون له قدرة على هذه الكنيسة. وعليه فإنّ سلطان المفاتيح، هو سلطان روحي، يستمدّ أهميته من أن الله هو الذي يُصدّق عليه. ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ الإيمان الكاثوليكي يستند إلى التقليد الذي فسّر هذا النصّ.

 

2ـ كنيسة مقدّسة

 

إنّ قداسة الكنيسة هي حقيقة راهنة. يقول بطرس: "أمّا أنتم  فنسل مختار وكهنوت ملوكيّ وشعب اقتناه الله لإعلان فضائله، وهو الذي دعاكم من الظلمة إلى النور" (1 بط 2/ 9).

فكما دُعي الشعب الأوّل المختار، كذلك دُعي الشعب الثاني. قَبِلوا نداء الربّ وعملوا بوصاياه. فصار الشعب يخص الله، ما يعني أنّ هذا الشعب المقدّس كُرّس لخدمة الله.

إنّ كنيسة الربّ قد يعتريها الضعف والهوان، ولكنّها في الوقت نفسه تبقى مقدّسة، كونها غُسلت بدم يسوع وتقدّست بروحه القدّوس، وانفصلت عن العالم لتخدم الله.

وعلينا ألّا ننسى أنّه بالإيمان وليس بالنظر، نؤكّد قداسة الكنيسة. هي هبة ثمينة مدعوون جميعًا لكي نتقبلّها  ونحبّها ونخدمها وكأنّنا مسؤولون عنها. يقول بطرس الرسول: "بما أنّ الله الذي دعاكم هو قدّوس، كونوا قدّيسين  في كلّ ما تعملون" (1 بط 1/ 15).

فالقدّيس هو من فُصِل جانبًا وفُرز ليكون لله وحده. يعمل ما في وسعه ليبتعد عن الخطيئة وعن كل عمل نجس. إذًا نحن قدّيسون، مدعوون لأن نكون كذلك، طالما نحن على قيد الحياة.

إنّ التقديس هو العمل المتدرّج للروح القدس، ونحن مدعوون للمشاركة بطريقة عمليّة، كون الخطيئة حاضرة في حياتنا وفي حياة الكنيسة.

 

يذكّرنا سفر أعمال الرسل بكذب "حننيا وسفيرة" على الروح القدس (أع 5/ 1 ـ 11). وبدوره الرسول بولس  في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس، يشجب بقوة وضعًا لا اخلاقيًا، لذا دعا المؤمنين إلى العودة إلى قلب التعليم المسيحي، ليتطهّروا من الخمير العتيق فيصيروا  مثل يسوع، ينبوع حياة جديدة للعالم تجاه الفساد الذي يهدّد كنيسة كورنتس الفتيّة.

كلّ هذه الخطايا، تسبّب الأذى للكنيسة، وتشوّه شهادتها في العالم. إذًا، التفتيش عن القداسة يتطلّب بغضًا للخطيئة، نضالًا مستمرًا بفضل قوة الله. لذا على الكنيسة أن تعي أنّها مختلفة عن العالم، أي أنّها تعيش في العالم كي تؤدي الشهادة للنور. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تكون بشركة مع العالم، الذي يتسلّط عليه سلطان الخطيئة والكذب (2 قو 6/ 14 ـ 7/ 1).

إنّ قداسة الكنيسة هي حقيقة حاضرة ورجاء للمستقبل. فالرسول  بولس يقول إنّ المسيح أسلم ذاته لكنيسته "حتى يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعّد ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة لا عيب فيها" (أف 5/ 27). والكنيسة أيضًا هي غير كاملة، لكن لدينا الرجاء بأن الربّ سيجعلها كاملة، لأن هذا هو هدفه الأخير.

 

3ـ أمثولات روحية

 

استيحاء ممّا سبق، أقترح الأفكار المساعدة على البقاء في خط القداسة وتعزيز السعي إليها والتمسّك بها في كنائسنا. وهي الآتية:

  • على جميع الكنائس أن تقبل بممارسة النقد الذاتي لكل ما تقوم به من صلوات وتعاليم ومشاريع ومؤسسات ونشاطات، وذلك في ضوء الدعوة إلى القداسة. فلا تحتفظ إلّا بما  يخدم كنيستها ويعزّزها. وإن عجزت عن القيام بهذه المهمة، فإنّه يتوجّب عليها أن تستدعي خبراء  كنسيين من سائر الكنائس، ليقولوا لها كلمتهم في ضوء خبرتهم الروحيّة والكنسيّة، فتتبنّى رأيهم وتعمل به.

 

  • على جميع الكنائس أن تعمل على تأهيل  أبنائها للقداسة، وأن تمضي جادة في مشروع التأهيل إلى القداسة. فكلّ أساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها هم دائمًا في حاجة إلى النمو المتواصل روحيًا وراعويًا وإنجيليًا. فكل ما يسهم في النمو الروحي يمكّنهم من أن يتبنّوا بشوق وحريّة، الوسائل الموصلة إلى قداستهم الذاتية والمعزّزة لقداسة شعب الله.

 

  • على كلّ الكنائس أن تنميّ حب  السكينة والخشوع. فالكثير من احتفالاتنا الكنسيّة، لا سيّما الأكاليل  والعمادات والجنازات وحتى القداديس، قد تحوّل مع الأسف إلى ما يشبه المهرجانات الشعبية، إذ معظمها يخضع للإعلام والتصوير ويتعرض لحب الظهور. فعلى الكنائس أن تعمل من جديد على إرجاع هالة القدسية إلى الأقداس وخلق الجو المؤاتي لروح التقوى والعودة إلى الذات.

 

 

  • على كلّ الكنائس أن تراهن على الحياة الروحيّة. فالجميع من حولنا يطالبون بمرافقين ومعلمين روحيين من الرجال والنساء الأكفاء. وهؤلاء لا يمكن وجودهم إلّا داخل الكنائس التي تهتم فعلًا بالروحيات. لذا عليها أن تخلق مهما كلّف الأمر لفيفًا من المرافقين والمرشدين الروحيين ذوي السيرة الحسنة والمستوى الروحي العالي، وأصحاب التميّز اللاهوتي الواضح، وأولي الخبرة الروحية العميقة، لمرافقة الإكليريكيّين والعلمانيّين في جهادهم اليومي الصعب.

 

  • على كلّ الكنائس أن تعطي الأولوية لمشروع القداسة، إذ غالبًا ما تضيع الكنائس وتهدر طاقاتها في اهتمامات ومشاريع ثانوية، بينما المشروع الأوّل هو أن نكون قدّيسين على غرار القدّوس الأوحد يسوع المسيح. أجل يجب أن تُعطى الأولوية للقداسة الفردية والجماعية على سائر المشاريع، لأنّ الإهتمام بهذه على حساب القداسة يؤدّي إلى الفراغ الروحي.

 

  • على كلّ الكنائس أن تصلي بعضها لبعض. ما أجمل الصلاة عندما تكون اهتمامًا محبًا بالغير. وما أروع الكنائس عندما تتبنّى بصدق واخوّة ومحبّة، مسيرة القداسة الجماعية هذه، فيملؤها الروح القدس ويجددها بالنعمة، فتحل فيها القداسة بجيمع فضائلها.

 

4ـ خلاصات عملية

 

  • إنّ القداسة هي صفة كنسية جوهرية، تدفعنا إلى الكمال اللامتناهي، الذي به قدّس الابن المتجسّد طبيعتنا البشرية، إذ أسّس كنيسته على الدعوة إلى القداسة. فإذا كان الرأس مقدّسًا بل كلّي القدسة، فجسده كلّه مقدّس، وهذا ما دفع بولس إلى أن يمنح المؤمنين لقب "الإخوة القدّيسين" (رو 1/ 7).

 

  • إنّ الكنيسة ونشاطها هما رهن لتطلّعها إلى مشروع القداسة والسعي الجدّي إلى تنفيذه. هذا يعني أنّ كلّ ما لا يخدم القداسة في البنية الكنسية وحركتها، يجب إلغاؤه لأنّه يعطّل ويشكّك.

 

  • هذه القاعدة تفرض على الكنيسة ممارسة النقد الذاتي البنّاء والمستمرّ، وإلّا سقطت ضحية الخطيئة، وصارت أسيرة العالم، وتحوّلت من حيث لا تدري إلى ما يشبه سائر المؤسّسات الدنيوية التي لا تؤمن إلّا بالعظمة، والمال والجاه، والشرف، والمجد، والسيطرة، والنفوذ، والإنتاج، على حساب قيم الرحمة و الغفران والاحتضان والمحبة والتواضع والقداسة.

 

  • إنّ مهمّة الكنيسة في تعليمها وتأملّها وتتلمذها، يجب أن تظلّ مصوّبة إلى قداسة الله وكماله، اللذين هما ثمرة المحبة المعاشة داخل حياة الثالوث على أساس التبادل والتعاطي، والتفاهم والتناغم والتآخي. أجل إنّ أساس القداسة في الكنيسة هو التواضع أمام الغير، وبذل للذات في سبيله. وفي مطلق الأحوال إنّ الكنيسة لا تتقدّس ولا تقدّس، إلّا في العطاء المجّاني  غير المشروط: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه فداء عن أحبّائه" (يو 15/ 13).

 

  • تحقّق كنائسنا مشروع القداسة في الأمور الآتية

 

ـ عندما تتّضع أمام الله وتصلّي بإلحاح وحرارة لأجل غيرها.

 

ـ عندما تتوب وتكفّر عن غيرها من الكنائس الأخرى.

 

ـ عندما تمارس المحبة المجانية تجاه غيرها وتقف إلى جانبها في العوز.

 

ـ عندما تقبل بمساعدة سواها من الكنائس وخبرتها وصلاتها.

ـ عندما تبتعد الكنائس كل البعد عن روح العالم مخالفة روح القداسة والعمل بموجبها.

 

  • صلاة

ربّنا اقبل صلاتنا، أضئ بوجهك علينا في أزمنة النعمة التي نحياها في شركة كنيستك المقدسة. أرشدنا وإخوتنا المصلّين جميعًا في دروب مرضاتك، لنكون اغصانًا حيّة في كرمة الخلاص. لك المجد إلى الأبد. آمين.

 

الأب يونان عبيد

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية