ختان يسوع الطفل

 

 

 

 

ختان يسوع الطفل

(لو 2/ 21)

 

لَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيُخْتَنَ ٱلصَّبِيّ، سُمِّيَ «يَسُوع»، كمَا سَمَّاهُ المَلاكُ قَبلَ أَنْ يُحْبَلَ بِهِ في البَطْن.

 

إسم من السماء

 

 

عيد ذكرى ختان يسوع بحسب الشريعة ورأس السنة، صار عيد السلام، بناء على تعميم من قداسة البابا بولس السادس سنة 1968.

 

1ـ التسمية

 

كانت العائلات اليهودية تقيم عدّة احتفالات بعد ولادة طفل لها، وأبرزها الختان، فيُختن كل طفل ذكر في اليوم الثامن لمولده، ويسمّى باسمه في ذلك اليوم أيضًا (لا 12 / 3). ويرمز الختان إلى انفصال اليهود عن الأمم غير اليهودية، وإلى علاقتهم الفريدة بالله، بحيث أنّ الله أمر بالختان في بداية إعداده لشعب بني اسرائيل، وعاد فأكّد عليه ثانية من خلال موسى. ولا زال الختان ساريًا إلى اليوم بين اليهود، حيث تحتفل العائلة بدخول الطفل الذكر إلى عهد الله مع بني اسرائيل.

إنّ الإشارة إلى الختان تذكّرنا بانّ مريم ويوسف أتمّا كلّ برّ (متى 3/ 15)، وعملا إرادة الله تجاه يسوع: إنّه ابن حقيقي لشعب اسرائيل.

 خضع للشريعة وأراد أن يتقبّل في لحمه (بشريته) علامة العهد، قبل أن يقيم العهد الجديد والنهائي في دمه.

 

 غير أنّ إعطاء اسم يسوع يبدو أكثر أهمية. فالاسم لا يدل فقط على الشخص، بل على الرسالة أيضًا. في الماضي أعطى الله اسمًا لعدد من الأشخاص العظام: أبرام صار ابراهيم، ساراي صارت سارة، يعقوب صار اسرائيل، وسمعان صار بطرس.

إذا كان اسم بعض الأشخاص في الكتاب المقدّس، يشير إلى حدث في حياتهم، فهناك آخرون يشير اسمهم إلى مصيرهم، وإلى دورهم في مخطّط الخلاص، وأبرزهم يسوع. فالله "لم يرسل ابنه إلى العالم ليحكم على العالم (بالموت) بل ليخلّص به العالم" (يو 3/ 17). فإنّ كان الإيمان المسيحي كلّه يتلخّص في شخص يسوع، فإسم يسوع عينه (أي الله يخلّص) يستحقّ أن نتوقّف عنده ونتامّل به، كونه يحمي الخلاص.

منذ قديم الزمان، والناس ينتظرون مخلّصًا. فالابتعاد عن الله في بريّة هذا العالم أوقع الإنسان تحت مظالم وشدائد عديدة لا يقدر على مواجهتها منفردًا، فابتدأ ينظر إلى من يخلّصه منها. والسؤال هو: من يُخلّص الناس من خطاياهم؟

 

 شغل هذا السؤال اللاهوتيين كما عامّة الناس منذ القدم. بعضهم يظنّ أنّ الخلاص يكون عبر حفظ فرائض وطقوس معيّنة، وبعضهم الآخر يؤمن بأنّ الخلاص يكون في الانضمام إلى جماعته الدينيّة، وعدد لا بأس به مقتنع بأن الخلاص يكون في الإنضمام إلى جماعته الدينيّة، وعدد لا بأس به مقتنع بأنّ الخلاص يكون في الأعمال الصالحة أو عبر الانخراط في التأمّل النفسي والروحيّ أو بواسطة قهر الجسد. لكنّ الكتاب المقدّس يختلف مع هذه الأفكار، إذ يؤكّد أنّ الخلاص هو عمل "شخص مخلّص" يخلّص العالم، إنّه يسوع.

 

المسيح المخلّص

 

أتى "المسيح المخلّص" متمّمًا النبوّات التي بنيت على الوعد بمجيء المخلّص. ولا أحد في العهد الجديد يُعرف بالـ "المخلّص" سوى يسوع. واللقب "يسوع المخلّص" يبقى الأكثر تداولًا بين المؤمنين الذين يُقدّرون عمله الخلاصيّ، فيسوع هو "المخلّص الوحيد" وليس سواه.

لقد تنبّأ زكريا والد المعمدان بأنّ الله أقام لهم مخلّصًا، وطلب الملاك من يوسف ومريم أن يدعو الطفل "يسوع": "فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع. لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم". واعترفت العذراء مريم، عندما عرفت أنّها تحبل بمخلّص العالم، قالت: "تعظّم نفسي الربّ، وتبتهج روحي بالله مخلصي". وفي ليلة الميلاد بشّر الملائكة الرعاة: "أنّه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الربّ ." لقد كان يسوع هو المخلّص الحقيقي الذي اشتاقت إليه الأجيال وتنبّأ عنه الأنبياء.

من الواضح أنّ يسوع هو مخلّص الناس من خطاياهم. وهذا ما علّمه التلاميذ منذ البداية. لكنّ شيئًا لم يمنعهم من أن يطلبوا منه أن يخلّصهم من أمور أخرى تضايقهم. وقد خلّص المسيح المرضى والعميان والبرص. وعندما كان التلاميذ في السفينة التي تلطمها الرياح والأمواج وكان خطر الموت يُحدق بهم، أيقظوه مستغيثين: "يا سيّد نجذنا (خلّصنا) فإنّنا نهلك!". وعندما شكّ بطرس ولم يستطع الاستمرار في المشي على ماء البحر، ابتدأ يغرق، فصرخ مستنجدًا بيسوع: "يا ربّ نجّني!".

 

وهكذ يستمرّ من يعرف قوّة المسيح المخلّص في أن يطلب منه إنقاذه من شدائده. لكن، يجب ألّا ننسى أنّه يخلّصنا من خطايانا أيضًا، وهنا جوهر كونه مخلّصًا. وهذا ما فعله بولس الرسول الذي اتّكل على المسيح ليخلّصه من ضيقاته ومن خطاياه معًا، فسبّح قائلًا: "ولكنّ الربّ وقف معي وقوّاني لكي تتمّ بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقذت من فم الأسد، سينقذني الربّ من كلّ عمل رديء ويخلّصني لملكوته السماوي. الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين". (2 تيموتاوس 4: 17 ـ 18).

 

 يتشجّع الإنسان عندما يعرف أنّ المسيح يخلّصه ليس فقط من خطاياه بل أيضًا من كلّ ما يلازمها من "متمّمات" مثل: الذنب والعار والجهل والعبودية والخوف وعدم الثقة وتأثير الشياطين والأشرار والموت وجهنّم وضغوطات الحياة وخيباتها وآلام الوحدة والحياة الفارغة وضياع الهدف والسلبية والتشاؤم والحزن والكآبة والعلاقات المدمّرة والارتباطات الخاسرة! إنّ خلاص المسيح هو خلاص كامل وشامل يحتاج إليه كلّ إنسان.

من جهته، نادى يوحنّا المعمدان على ضفاف نهر الأدرن قائلًا، إنّ ما جاء في نبوّة إشعيا قد تمّ بالمسيح المخلّص الذي فيه "يبصر كلّ بشر خلاص الله" (لوقا 3: 6).

كثيرون يتحدّثون عن نوال الخلاص كمكافأة لأعمالهم الصالحة، او كنتيجة لسعيهم الديني، لكن الكتاب المقدّس يؤكّد أنّ المسيح  يُعطي الخلاص للذين يؤمنون به، وأنّ لا دور لأعمالنا في اختبارنا للخلاص. فالخلاص ليس عمل الإنسان تجاه الله، بل هو عمل الله تجاه الإنسان، ومن أجله. وهذا ما أكّدته شهادة السماء والأرض. فالخلاص هو في المخلّص وليس في الأعمال الصالحة فقط. قال الملاك ليوسف: "وتدعو اسمه يوسف لأنذه يخلّص شعبه من خطاياهم". (متى 1: 21). وقال عنه بطرس: "لكن بنعمة الربّ يسوع المسيح نؤمن أن نخلص" (أعمال 15: 11). فالمسيح يسوع قد جاء إلى العالم ليخلّص الخطأة من خطاياهم ومن الدينونة عليها.

 

3ـ خلاصات عمليّة

إنّ الله يريد خلاص كلّ إنسان ولو كان خاطئًا. فالخلاص هو من صنع الله وليس من صنع الإنسان. وما على الإنسان إلّا أن يقبل الخلاص المقدّم له من الله بالإيمان. يقول بولس: "لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم بل هو عطية من الله، وليس من أعمال، كي لا يفتخر أحد" (أف 2/ 8 ـ9).

ما زال الله، عبر يسوع ، ينادينا، كما نادى آدم: "أين أنت؟" وذلك ليس لأنه يجهل مكاننا، بل ليوقظ ضمائرنا بخصوص ما فعلنا، وبالتالي لكي نعرف واقعنا الجديد، ونستعدّ للقائه في القربان.

إنّ خلاص المسيح لنا كامل، ولا داعي لأن يكمّله احد بعمل ما. وقد تأكّد بولس من خلاص نفسه بالمسيح، "الذي جاء إلى العالم ليخلّص الخطأة الذين أوّلهم أنا" (1 تيمو 1/ 15 ـ 16). كما أنّ خلاص المسيح لنا هو أبديّ: "خرافي تسمع صوتي... وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يد أبي، أنا والآب واحد" (يو 10/ 27 ـ 30).

 

واليوم عيد رأس السنة فبماذا يمكننا أن نتأمّل أو نفكّر أو نعيّد؟ وما هو الحدث الذي علينا أن نحييه أو نقدّسه؟

 

في يوم كهذا يراجع الإنسان ماضيه ويحلم بمستقبله. إنّه اليوم الذي يختم فيه الإنسان التعديلات في برامجه القديمة ويثبّت برامجه الجديدة. إنّه عيد الأحلام الجديدة، إنه عيد "الرجاء الجديد". ونسأل: هل للمسيحي أحلام؟ إلّا تلك التي تتطابق مع الأحلام الإلهية من أجله؟ وهل هناك من رجاء أجمل من تلك الصلاة "لتكن مشيئتك"؟ عيد رأس السنة هو حدث تطبيق أحلامنا ورجاءنا الإلهي لنا. فالحبّ الإلهي يعرف خيرنا أكثر منّا. وهو يعرف حاجاتنا قبل أن نطلبها كما يقول الرب. بالنتيجة، ليس من رجاء وحلم أجمل لدى المسيحي من اقتدائه بالمسيح الذي تجسّد لنتألّه نحن. هذا هو مثلنا الأعلى الذي نسعى إليه، وعلى أساس ذلك نقيس نجاحنا في الزمن.

صلاة

نبارك اسم يسوع "الله يخلّص"، ونعيّد لاسمه، ومدخلًا لسنتنا الجديدة ومعه نتلو الصلاة التي علّمنا إياها، كي تتّسم بها سنواتنا.

أنظر أيها الرب يسوع مخلصنا إلى عالمنا، بالرأفة والحنان، واجعل السنة الطالعة علينا زمنًا مقبولًا لديك. وليكن اسمك معين بركة ومحبة، عبر الأمكنة والأزمنة، الآن وإلى الأبد. آمين.

 

الأب يونان عبيد

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية