رحمتك خير من الحياة

 

رحمتك خير من الحياة

 

       مزمور 63       

                                                             

2 أَللَّهُمَّ أَنتَ إِلهي إِلَيكَ بكَرتُ إِلَيكَ ظَمِئَت نَفْسي وتاقَ جَسَدي. كأَرضٍ قاحِلةٍ مُجدِبَةٍ لا ماءَ فيها.

3 كذلِكَ في القُدسِ شاهَدتُكَ لِأَرى عِزَّتَكَ ومَجدَكَ.

4 أَطيَبُ مِنَ الحَياةِ رَحمَتُكَ. وإِيَّاكَ تُسبِّحُ شَفَتايَ.

5 وكذلِكَ في حَياتي أُبارِكُكَ وأَرفع كَفَيَ بِاْسمِكَ.

6 كمِن شَحْمٍ ودَسَمٍ تَشبعُ نَفْسي وبِشفاهِ التَّهْليلِ يُشيدُ فَمي.

7 إِذا ذَكَرُتكَ على مَضجَعي تَمتَمتُ بكَ في الهَجَعات

8 لِأنّكَ كُنتَ لي نُصرَةً فأُهَلِّلُ في ظِلًّ جَناحَيكَ

9 عَلِقَت بِكَ نَفْسي ويَمينُكَ سَانَدَتني.

 

سيِّدي! "أنت دائي، وأنت دوائي"، كما يقول المثل اللُّبنانيُّ، حين يَصِفُ حالة روح شخصَين مُتحابَّين، متعلِّقًا الواحد بالآخر، ولا يمكنهما أن يتخيَّلا ابتعاد واحدهما عن حبيبه. منذ الفجر، وأنا أبحث عنك. أنت أوَّل مَن أُفكِّر به. لكنَّك أنت مَن ينتظرني. بينما كنتُ دائمًا، بقيتَ أنت هنا، بقيتَ موجودًا... وفي كلِّ مكان.

 

 يكفيني أن أتأمَّل النُّجوم في ليلةِ صيفٍ يميل سوادها إلى الزُّرقة، أو أن أُذهَل أمام تشابك جبال الوادي المقدَّس، تشابك لا نهاية له، ليكما تبقى شفتاي صامتَتين، ليكما يبقى قلبي معُلَّقًا.

 

 أنت، نوري... المتلألئ والمُشِعُّ لدرجة، بحيث أنّي أشعر وكأنَّك "تغمُرُني بعينك وبقلبك"، في الوقت نفسه.

 

 أتوقُ، ربّي، إلى أن أطير لكي ألقاكَ، فأُمسي أبديًّا ولا متناهيًا فيك أنت، لأنَّك أنت سعادتي.

 

لقد أحسَّ داود فعليًّا بهذا العطش إليك، بهذا الإنتظار، الذي وحده الحبُّ يُثيره. فقد كان موجودًا في الصّحراء حين ألَّف هذه الصّلاة السّامية، حيث دوَّن بأسلوبه المجازيِّ، حالةَ كياننا بأكمله.

 

في صحراء الحياة، يُصبح عطشي إليك مُلِحًّا أكثر فأكثر.

 

في الصّحراء، وأنا بعيد عن ماء الحياة هذه التي تعدني بها لكيما أَروي، نهائيًّا، عطشي إلى الحقِّ وإلى الفرح، هناك... يتآكلني الجفاف.

 

إنّه لصحيح أنّه باستطاعتي أن ألقاك في مَعبَد قلبي. مع أنَّني بحاجةٍ لأن يحملني، هؤلاء الذين يُسبِّحونك ويُمجِّدونك، ولأنْ يدعَموني.

 

 إنَّ التّسابيح التي نُطلقها نحوك في معبدك، تمنحني هذا الإحساس الرَّقيق بحضورك. فحين نهتف لك، معًا، سعادتنا، بالقلب نفسه، بالصَّوت نفسه، بالإيمان نفسه، تكون أنت، عندها، حاضرًا بالنِّسبة إلينا أكثر من أنفسنا.

 

عزاؤنا الوحيد... هو أنت. مَعونتنا الوحيدة... هو أنت. مكان إقامتنا الوحيد... هو أنت. سُكنانا... هو أنت.

 

لذا، من أجل حياتنا كلِّها، هنا على هذه الأرض، ومن أجل حياتنا اللاّحقة التي ستَلي رحلة "حجِّنا" الأرضيّة، سوف نبقى كامِنين بين ذراعيك، نشدُّ أنفسنا إلى قلبك.

سيِّدي، لا تُدِرْ نظرك، أبدًا، عن نظري. وإنْ صدف لِضعفي أن خان، فالتقطني أنت بين يديك لتُشفيني.

 

                                                            الأب منصور لبكي