سرّ اهتداء القدّيس بولس نعمة لقاء المسيح

 

 

سرّ اهتداء القدّيس بولس نعمة لقاء المسيح

 

سرّ اهتداء القدّيس بولس

نعمة لقاء المسيح

 

 

 

مقدّمة

ثمّة صعوبة تواجهنا عندما نحاول التعمّق في روحانيّة القدّيس بولس، وفي الحياة المسيحيّة كما فهمها الرسول معلّمها، وهي تنتج من رسائله. فتلك الرسائل التي تفتقر إلى بساطة الإنجيل وسهولته، تتميّز بصعوبة بالغة لجهة بنيتها ومضمونها على السواء. غير أنّ فهمها يبقى أساسيًّا نظرًا إلى وقعها في حياة الكنيسة عمومًا وفي حياة كلّ المؤمنين.

 

فالرسول يبدو، من خلال رسائله، كمن يعكس جهد الإنسان المؤمن الذي يسعى بكلّ قواه إلى العيش بحسب متطلّبات المعموديّة، في وسط عالم قاسٍ، وفي ضعف جسده. فالرسول جدليّ وسريع الخاطر وعصبيّ، وفي الوقت نفسه، حازم وعاطفيّ، يجمع بين الاعتراف بضعفه حتّى الانسحاق، والافتخار بكونه رسول المسيح، لذا يتردّد في الكلام بسلطة، ويدعو إلى الاقتداء بالمسيح.

 

 

بالإضافة إلى ذلك، إنّ رسائله تؤلّف أوّل تفسيرات مدوّنة لسرّ الخلاص، وهي طالما أغنت حياة الكنيسة، لا سيّما وأنّه دوّنها بهدف الإجابة عن أسئلة إيمانيّة ورعويّة واجهتها الكنائس الأُوَل، ولا يزال قسم كبير من تلك المسائل معاصرًا لنا. لذا تنطوي رسائله على بُعد عمليّ واقعيّ. ولكن، ثمّة شرط أساسيّ لكي نصل إلى فهم روحانيّة تلك الرسائل، ألا وهو قدرتنا على أن نتوصّل إلى إقامة علاقة شخصيّة بها.

 

وفي هذا السياق، يترتّب علينا أوّلًا، أن نكوّن لأنفسنا صورة عن بولس الإنسان، أي فكرة وافية عن حياته وتاريخه. فصحيح أنّ رسائله لا تؤلّف إلّا جزءًا زهيدًا من نشاطاته المتعدّدة، غير أنّها تكشف لنا عن بولس الإنسان. وإن كنّا سنتوقّف الآن على بعض أحداث حياته لكي نفهم تعابيره وأوصافه، فتفسير تلك الأحداث مستمدّ كليًّا من رسائله. وفي الواقع، ليست الأحداث بحدّ ذاتها هي المهمّة، بل المعنى الذي أضفاه عليها مَن اختبرها.

 

 

سرّ اهتداء بولس

إنّ ما يعرفه المؤمنون عن القدّيس بولس، بوجه العموم، هو أنّه ولد في طرسوس بآسية الصغرى، وتتلمذ على يدّ جملائيل الذي كان معلّمًا فرّيسيًّا وعضوًا في مجلس اليهود (رسل 5/ 34)، واضطهد بعنف وحميّة الكنيسة الناشئة، واهتدى فجأة على طريق دمشق، وأنجز أعمالًا رسوليّة جبّارة في رحلاته التي شملت الشرق وبلاد اليونان، واستُشهد في روما العام 67. نستنتج من هذه الصورة الوجيزة أنّ بولس كان رجلًا مفعمًا بالحياة، ويتميّز باندفاع كبير وقناعة راسخة بما يفعله، غير مكترث بالعواقب. غير أنّ هذه الصورة تبقى ناقصة، لذا سَنُكمّلُها بطَرحِ سؤال أساسيّ يتّصل باهتدائه:

 

 ما كان ذلك الاهتداء؟ أو بكلام آخر، كيف كان بولس وماذا أصبح؟

 

نقصد عادةً بعبارة "الاهتداء" تحوّلًا ينتقل فيه الإنسان من حياة خاضعة للخطيئة إلى حياة مطبوعة بالفضيلة، أو من حال الانقطاع عن الله إلى حال الاتّصال به. وقد اعتبر القدّيس بولس حياته قبل حدث اختباره على طريق دمشق حياةً باطلة عديمة الجدوى. ولأنّه اضطهد كنيسة الله، يقول لنا إنّه غير مستحقّ أن يُدعى رسولًا. ففي نظره، هو "كالسقط"، لم تخلّصه إلّا نعمة الله. فلولا هدايته بمعجزة من الله، لكان هلك كما يهلك السقط الذي تلقيه المرأة قبل أن يحين وقت ولادتها (1 قورنتس 15/ 9 ـ 11).

 

ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّه كان قبل اهتدائه، رجلًا صاحب إيمان، ومقتنعًا تمام الاقتناع بأنّه يسلك طريقَه بغيرة شديدة بحسب مشيئة الله. فقد تعلّم مخافة الله منذ صغره، ورأى نفسه طبيعيًّا، واحدًا من أولئك القوم الذين اعتبروا الإيمان أهمّ أمر في الوجود. بل وأكثر من ذلك، كان بولس مثاليًّا، فقد كرّس نفسه كاملةً لخدمةِ الديانة اليهوديّة. لذا عندما اضطهد كنيسة الله بحميّة كبيرة، فذلك لأنّه رأى في المسيحيّة خطرًا مميتًا يتهدّد ما آمن بأنّه الطريق الوحيد الذي يرضي الله، وشاءته العناية الإلهيّة. وهنا نصل إلى السؤال الأساسيّ:

 

 مِمَّ يتألّف اهتداؤه؟ هو من دون شكّ، تحوّله من إنسان إلى إنسان آخر، على نحو مفاجئ لا يمكن شرحه شرحًا وافيًا. ولكنّه كان أيضًا لقاءَ شخصٍ آخر، لقاء يسوع الذي جعل بولس إنسانًا مختلفًا.

 

 

إنّ هذا التحوّل يبقى أمرًا محيّرًا. فمن السهل أن نفهم انتقال إنسان من حزب إلى حزب، أو حتّى تحوّل إنسان من حالة لامبالاة دينيّة إلى حالة الإيمان بقناعة. فمثل هذه التحوّلات لا تدهشنا، وهي تحصل غالبًا. ولكنّها ستدهشنا إذا حصلت من دون تحضير وعلى نحو مفاجئ. وفي الواقع، هذا ما حصل مع بولس. فنحن أمام تحوّل أحدثته معجزة إلهيّة، سمّاها الرسول عمل النعمة. قد لا نجد هذا الجواب كافيًا، غير أنّ بولس لا يجد تعبيرًا آخر ليشرح ما جرى له. فقد "استولى" الربّ عليه فجأة وكليًّا، ولكنّه في الوقت نفسه، تركه حرًّا. يتّضح هذا في رواياته عن الحدث وفي سلوكه كما وردَ في رسل 9/ 1 ـ 19.

 

 

الفرّيسيّة التي نشأ بولس عليها

تُرى، ما أساس تلك القناعة الدينيّة الأخلاقيّة التي حدّدت نمط حياة بولس حتّى لحظة اهتدائه؟

 

كانت، من دون شكّ، الديانة اليهوديّة بشكلها الفرّيسيّ. ولكن علينا ألّا نتسرّع في النظر إلى الفرّيسيّة نظرة مبسّطة، فنعتبر أنّها تقوم على الرياء. صحيح أنّ الإنجيل ينعت الفرّيسيّين بالمُرائيّين بسبب طريقتهم في التديّن. ولكن يُخطئ من يظنّ أنّ ذلك الموقف هو جوهر الفرّيسيّة، وأنّ شخصيّة من وزنِ بولس يمكن اتّهامها بالرّياء قبل اهتدائها.

 

لقد مثّلت الفرّيسيّة نمط حياة جدّيّ. لها صفات تنحصر في زمانها، لكن لها وجه يمكن أن نقول فيه إنّه يدوم. ذلك بأنّها "حالة دينيّة" يمكن أن تحصل في أي اختبار دينيّ. وبالتالي، هي خطر حقيقيّ يتهدّد كلّ ديانة، بما في ذلك المسيحيّة. أمّا في ما يختصّ ببولس، فأهميّة اهتدائه تكمن في أنّه تجاوز هذه الحالة، ومن ثمّ فضحها في رسائله، وحاربها عندما أصبحت خطرًا يتهدّد الكنيسة من الداخل.

 

 

ما هي الفرّيسيّة من الناحية التاريخيّة؟

 

تمثّل الفرّيسيّة تيّارًا سياسيًّا دينيًّا برز طبقةً من طبقات اليهود حوالى القرن الثالث قبل المسيح، وتمتدّ جذوره إلى زمن ما بعد الجلاء إلى بابل، عندما بدأ اليهود يعودون إلى فلسطين في العام 538 ق.م. في ذلك الزمن، لم تعد مملكة إسرائيل إلّا ذكرى، فأسّس مكانها اليهود جماعة هي، في الوقت نفسه، شبه دولة وديانة. وقد تميّزت هذه الجماعة بشعور أعضائِها بتفوّقهم على الشّعوب الوثنيّة الأخرى ودياناتها. وعلّمت ضرورة انفصال اليهود عن جيرانهم. جاء في سفر عزرا : 10 / 11: "فاحمدوا الآن الربَّ إله آبائكم واعملوا ما يُرضيه، وانفصلوا عن شعوب الأرض والنساء الغريبات". إذا كان الزواج أيضًا من نساء غريبات ممنوعًا، وإنّ الكثير من تلك الزيجات التي تمّت في وقت سابق، أُلغيت في أعقاب تشريع عزرا. كانت هذه حالة المجتمع اليهوديّ في القرن الثالث قبل الميلاد، عندما شكّلت الهلّينستيّة تهديدًا حقيقيًّا للديانة اليهوديّة.

 

وقد انصرف بعض المتشدّدين اليهود الذين ميّزوا أنفسهم عن سائر الناس في المجتمع، وسمّوا أنفسهم "الحاسيديم" (أصحاب التقوى)،  إلى تطبيق أفكار عزرا تطبيقًا دقيقًا، لا سيّما في ما يتّصل بالعمل بأحكام الشريعة. وفي أثناء الحوادث الدامية في حرب المكابيّين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهي حرب اندلعت كردّ فعل على محاولة "تهلين" اليهود، أصبح هؤلاء الأتقياء الذين عُرفوا أيضًا بالأطهار اليهود، طبقة مميّزة، وحملوا اسم "الفرّيسيّين"، وهو يعني أولئك الذين فصلوا أنفسهم عن الوثنيّين وكلّ القوى التي تؤثّر سلبًا في اليهوديّة (1 مكابيّين 1/ 11 و 2مكابيّين 4/ 14 وما يتبع).

 

 

وفي أثناء اضطهادات أنطيوخس الرابع (175ـ 164 ق.م.)، الذي دنّس هيكل أورشليم، أصبح الفرّيسيّون من أشدّ المتمسّكين بالديانة اليهوديّة وبالتقاليد. ولهذا السبب استُشهد منهم الكثير (1 مكابيّين 1/ 41 وما يتبع). وكانوا شديدي التمسّك بالشريعة حتّى إنّهم في إحدى المرّات رفضوا أن يدافعوا عن أنفسهم عندما تعرّضوا لهجوم يوم السبت (1 مكابيّين 2/ 42 ، و5/ 3 وما يتبع). وما لبثوا أن اعتبروا تناول الطعام مع الوثنيّين أمرًا بغيضًا، بل رفضوا كلّ علاقة اجتماعيّة بهم. ونظرًا إلى تقواهم البطوليّة، أصبح تأثيرهم في الناس كبيرًا، حتّى إنّ سلطتهم فاقت سلطة الكهنة. إلّا أنّ هذا النفوذ أدّى مع الوقت إلى تكبّر وغرور بالذات وإفساد جوانب متعدّدة من الديانة. وفي غير موضع من الإنجيل، نجد يسوع يحذّر الجموع من الفرّيسيّين بكلمات قاسية (مثلًا: متّى 23/ 1 ـ 8)، ويتّهمهم بالرِّياء والطمع وعمى القلب (المرجع نفسه، آيات 13 ـ 36).

 

 

وفي زمن بولس، أصبحت الفرّيسيّة مرادفة لليهوديّة إلى حدّ  بعيد. وانصرف الكثير من الفرّيسيّين إلى الوعظ والتعليم في المجامع، وحتّى إلى تأسيس إرساليّات بغية تبشير الوثنيّين بوحدانيّة الله كما علّمها الأنبياء. وفي الوقت نفسه، كانت الفرّيسيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقوميّة اليهوديّة Nationalisme juif القائمة على الافتخار بالانتساب إلى إبراهيم، وبعبادة تُولي الأمور الشكليّة عناية مبالغًا فيها، حتّى إنّهم أهملوا الجوهر واهتمّوا بالقشور (متّى 23/ 23 ـ 28). لذا، فعلى الرّغم من أعمال التبشير، لم يكن بإمكانهم أن يتصوّروا ديانة شاملة تضمّ الوثنيّين واليهود على قدم المساواة.

 

إنّ ما يجدر التركيز عليه في هذا الموضع هو أنّ الفرّيسيّة مثلّث اكتفاءً ذاتيًّا في كلّ ما يتّصل بشؤون الدين، ينعكس في نمط حياتيّ معيّن. وثمّة قناعة راسخة في ذهن الفرّيسيّ، وإن كانت أحيانًا غير واعية، هي أنّ مصيره بين يديه، أي هو نفسه يقرّر مصيره الأبديّ. ويمكن أن نكوّن فكرة عن الكبرياء الذي يولّده هذا الموقف عن طريق مطالعتنا لوقا 18، من دون أن نقع في فخّ تعميم الحكم على جميع الفرّسيّين، فمنهم من لم يكن العمل بأحكام الشريعة والتلمود لديهم سبب كبرياء، بل دافع نموّ في تقوى صادقة.

 

 

ومن جهة أخرى، يمكن أن نتصوّر حالة الخوف والقلق التي لا شكّ في أنّها سادت شرائح واسعة من المجتمع اليهوديّ، بسبب التشديد على التقيّد بالشريعة حرفيًّا وبتعاليم الربّانيّين، ما دام ذلك طريق الخلاص. وقد تجاوز عدد الوصايا المتفرّعة من الشريعة في زمن يسوع، الـ 600 وصيّة، كان يفترض على اليهوديّ التقيّ أن يعمل بموجبها. وكما نعرف، حصر يسوع كلّ ذلك بوصيّتَيْ المحبّة، أيْ محبّة الله ومحبّة القريب. فأثبت بذلك موقف بعض معلّمي الشريعة، الذين حاولوا أن يختصروا الشريعة بتعاليم أساسيّة. وهذا ما يدلّ أيضًا على قيام مجادلات في هذا الأمر بين العلماء. ومهما يكن، يبقى أن نسأل:

 

 

هل كان بإمكان المؤمن العاديّ أن يتعرّف إلى الله من خلال ذلك الجوّ الدينيّ؟

 

لقد نسي الفرّيسيّون أو تناسوا أنّ الشريعة ليست هدفًا بحدّ ذاتها، بل وسيلة تؤهّل اليهوديّ لأن يخضع لمشيئة الله حتّى مجيء المشيح، أي حتّى يحين زمن الخلاص.

 

 

منزلة الشريعة

إنّ الطريقة التي فهم بها الربّانيّون منزلة الشريعة تستحقّ الوقوف عليها. ففي نظر الربّانيّ، تمثّل التوراة ذروة الوحي التي لا يمكن أحدًا، ولا حتّى المشيح، أن يعدّل شيئًا فيها، أو أن يُضيفَ شيئًا إليها. فالشريعة هي عطيّة الله التامّة والكاملة يمنحُ شعبَه إيّاها. بل اعتبر بعضهم أنّ الله خلق العالم بواسطة الشريعة، وقال بعضهم الآخر إنّه بفضلها خُلق الإنسان والعالم وإسرائيل. أمّا علاقة الإنسان بالله، فتعتمد كليًّا على علاقة الإنسان بالشريعة، أيْ على حرّيته في التمسّك بها.

 

 

بالطبع، لم يعنِ هذا الموقف نكران أهميّة نعمة الله من أجل تتميم مشيئته. غير أنّ عقيدة الربّانيّين التي تخصّ الإنسان قالت بأنّ الله خلق الإنسان طاهرًا ومقدّسًا، وبأنّ النيّة الصالحة كافية لكبح الشرّ. فحرّية الإنسان كاملة، وهي موجّهة نحو الشريعة.

 

 

وفي الواقع، نمت التعاليم جميعُها التي تتّصل بالسلوك والضمير على هذا الأساس، فأصبحت كلّ طاعة وصيّة وصار كلّ تعليم استحقاقـًا، وكلّ انتهاك عقابًا. فتحوّلت الحياة الدينيّة إلى جهد لتجميع أكبر عدد من الاستحقاقات. وعلى قدر عدد الاستحقاقات، يأتي حكم الله لحظة الموت ووقت الدينونة. فالله يبدو ملزمًا بأن يعلن برّ الإنسان الذي لا غبار عليه لجهة العمل بالشريعة.

 

 

بناءً على هذا النهج، يتّضح أنّه يمكن الفرّيسيّ أن يقول إنّه يؤثّر في تبريره الذاتيّ، عن طريق طاعته وصايا الله وأحكامه، بفضل حرّيته الشخصيّة ومعرفته الدينيّة الكبيرة. ولكنّ هذا ليس بالأمر السّهل، بل يتطلّب أن يعيش حياة تقشّفية قاسية. وطبعًا لم يُمكن الجميع أن يكونوا على المستوى المطلوب، فجموع وفيرة من اليهود افتقرت إلى قوّة الإرادة والمعرفة الكافية.

 

 

كانت الفرّيسيّة، إذًا، نهجًا يقوم على تعاليم أخلاقيّة لها منزلة رائدة، وعلى دور الحريّة والمسؤوليّة الشخصيّة اللّامحدودة، والجهد المتواصل، والانتصار أو الإخفاق، وصدارة التقوى وتجميع الاستحقاقات. ولكنّه نهج انقلب على ذاته: "الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المُراؤون، فإنّكم تؤدّون عشر النعنع والشُّمرة والكمّون، بعدما أهملتم أهمّ ما في الشريعة: العدل والرحمة والأمانة. فهذا ما كان يجب أن تعملوا به دون أن تُهملوا ذاك" (متّى 23/ 23). حتّى في العهد القديم، كان الأساس هو الرحمة لا الذبيحة، وهذا ما لم يعمل به الفرّيسيّون، ولو عملوا به لنقضوا نهجهم.

 

 

إهتداء بولس علاقته الشخصيّة بالمسيح

لقد نشأ بولس في هذا الجوّ الروحيّ وتأثّر به تأثيرًا شديدًا وعاشَه بكلّ قلبه وفكره. "فقد سمعتُم بسيرتي الماضية في ملّة اليهود... وأتقدّمُ في ملّة اليهود كثيرًا من أترابي من بني قومي فأفوقهم حميّةً على سنن آبائي" (غلاطية 1/ 13 ـ 14). "إنّي مختون في اليوم الثامن، وإنّي من بني إسرائيل، من سبط بنيامين، عبرانيّ من العبرانيّين. أمّا في الشريعة فأنا فرّيسيّ، وأمّا في الحميّة فأنا مُضْطَهِد الكنيسة، وأمّا في البرّ الذي يُنال بالشريعة فأنا رجل لا لومَ عليه" (فيلبّي 3/ 5 ـ 6).

 

بالطبع، لم يأتِ يسوع لينقض الشريعة، بل ليكمّلها ويتجاوزها بإعلانه عن تفوّق المحبّة، ولكن هل كان عمله ليُقبل؟ لقد اتّخذ موقف حرّية تامّة تجاه عادات الآباء، ولا سيّما في علاقته بالخطأة والعشّارين، أي بمن لم يحترموا أحكام الشريعة. وكان لدى أتباعه القناعة الراسخة بأنّ مشاركتهم في الخلاص الذي حقّقه معلّمهم بقوّة موته وقيامته تتمُّ عن طريق الإيمان بشخصه، لا عن طريق حفظ الشّريعة. وبعضهم، كإسطفانُس، تكلّموا بجرأة كبيرة عن انتهاء زمن الشّريعة والهيكل.

 

يخبرنا القدّيس متّى، في الفصل الخامس من إنجيله، كيف كان يسوع يذكر قولًا من الشّريعة أو من الآباء، ويضيف إليه تعليمًا من سلطانه الشّخصيّ: "سمعتم أنّه قيل... أمّا أنا فأقول لكم".  لقد كان للشّريعة، زمن يسوع، شكلان: التوراة المكتوبة المنسوبة إلى موسى، والتوراة الشفهيّة التي يتناقلها حكماء الشّعب، وتُسمّى عادةً "تقاليد الشيوخ"، وتعود، بحسب الاعتقاد، إلى موسى أيضًا. ولكنّ يسوع تكلّم بسلطة شخصيّة تجاوزت الشّريعة، وبالتالي، تخطّت موسى نفسه.

 

إنّ السّلطة التي يكشف عنها يسوع في تعاليمه مسألة خطيرة إذا اعتبرناها في بيئة يسوع الدينيّة. ففي زمانه، عندما كان معلّم الشريعة يعلّم، كان يذكر مراجعه، أي يستشهد بما جاء في التوراة المكتوبة أو الشفهيّة. لذا الكلمة الأخيرة ليست له. أمّا يسوع فقد وضع نفسه مكان التقليد، وأعلن أنّه يكشف بكلامه وحضوره عن مشيئة الله، وهذا شيء بدا وكأنّه تجديف. فهو لا يقدّم نفسه، مثل سائر المعلّمين، مفسّرًا للشريعة، بل تراه يعلن عن شريعة جديدة تقوم على الإيمان به والتتلمذ له، لأنّ الآب سلّمه كلّ شيء: " قد سلّمني أبي كلّ شيء، فما مِن أحد يعرف الابن إلّا الآب، ولا مِن أحد يعرف الآب إلّا الابن ومَن شاء الابنُ أن يكشفه له. تعالوا إليّ جميعًا أيّها المرهَقون والمثقَلون، وأنا أريحُكم. احملوا نيري وتتلمذوا لي فإنّي وديع ومتواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم، لأنّ نيري لطيف وحملي خفيف" (متّى 11/ 27 ـ 30).

 

فلا عجب إذًا في أن نرى أنّ بولس، ما دام قد بقي في عالمه القديم، ونظرًا إلى شخصيّته، لم يكن بإمكانه إلّا أن يضطهد المسيحيّين حتّى الموت. "... أمّا الشهود فخلعوا ثيابهم عند قدمَي شابٍّ يُدعى شاول... أمّا شاول فكان يُفسد في الكنيسة، يدخل البيوت الواحد بعد الآخر، فيجرّ الرجال والنساء، ويلقيهم في السجن" (رسل 7/ 58 ، 8/ 3). ويقول في نفسه: "أنا رجل يهوديّ ولدتُ في طرسوس من قيليقية، على أنّي نشأتُ في هذه المدينة (أورشليم)، وتلقيّت عند قدمَي جملائيل تربية موافقة كلّ الموافقة لشريعة الآباء، وكنتُ ذا حميّةٍ لله، شأنكم جميعًا في هذا اليوم. واضطهدتُ تلك الطريقة (المسيحيّة) حتّى الموت، فأوثقتُ الرجال والنساء منهم وألقيتهم في السجون" (رسل 22/ 3 ـ 4).

 

أمّا في شأن اهتدائه، فيكتب: "ولكن لمّا حسُنَ لدى الله... أن يكشف لي ابنه..." (غلاطية 1 / 15 ـ 16). يتّضح من هنا جُدّة الإيمان المسيحيّ: تقوم المسيحيّة على "شخص حيّ" هو المسيح، لا على "التعليم المثاليّ". بل وأكثر من ذلك، فالطريق للقاء هذا "الشخص" هو كلّ إنسان: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" (رسل 9/ 4). كان بولس يضطهد المسيحيّين، لا يسوع، ومن المحتمل جدًّا ألّا يكون قد عرف يسوع إبّان رسالته في فلسطين.

 

إنّ الحماسة من أجل الديانة قد تقود المرء إلى تعصّب أعمى، تمامًا كما قادت بولس إلى العنف. غير أنّ الشيء الأوّل الذي تعلّمه بولس في اهتدائه هو أنّه في الديانة مكان لعلاقة شخصيّة. لقد أيقن بولس أنّ الأمر لا يتّصل بالشريعة، بل بابن الله، وأنّ الإنسان لا يمكن أن يتبرّر بأعمال الشريعة، بل بالإيمان، أي بفضل علاقته الشخصيّة بالمسيح: "فلذلك لن يُبرَّر عنده أحد من البشر إذا عمل بحسب الشريعة، فما الشريعة إلّا سبيل إلى معرفة الخطيئة. أمّا الآن فقد أُظهر برُّ الله بمعزلٍ عن الشريعة، تشهدُ له الشريعة والأنبياء، هو برّ الله وطريقه الإيمان بيسوع المسيح، لجميع الذين آمنوا، لا فرق" (رومة 3/ 20 ـ 22، أيضًا: غلاطية 2 / 16). إنّ هذا ما يؤلّف، في الواقع، أساسَ حياة بولس الجديدة، التي حصل عليها فجأة على طريق دمشق.

 

وماذا عن الخطايا؟ لقد غُفرت من أجل المسيح الذي أرسله الله ليصالح العالم به على الصليب. وهذا ما كان عليه عمل نعمة الله الكبير، الذي جعل الشريعة القديمة غير ضروريّة، وأنهاها. لقد دعى الله شاول إلى الإيمان بالمسيح وبالخلاص الذي حقّقه. وهو يدعو الجميع، ليس الذين يحفظون الشريعة أو النخبة وحسب، بل اليهود كلّهم والخطأة والعشّارين وحتّى الأمم. وهو بولس نفسه مَنْ أوكل اللهُ إليه أن يعلن اليهود والأمم هذه الرسالة.

 

إنّ "الطريقة" التي كان بولس يحاربها تبدو الآن طريق الخلاص الوحيد الذي أراده الله، وهي تتميم للديانة اليهوديّة، لا نقض لها. وذاك الذي كان يحتقره هو مشيح اليهود ومخلّص العالم. وسيكشف ذلك في وقت لاحق قائلًا: "أوما رأيتُ يسوع ربَّنا؟" (1قورنتس 9/ 1). فهو أيضًا شاهد القيامة، وهو أيضًا رسول. ويقول: "فقد قبض عليّ يسوع المسيح" (فيلبّي 3/ 12). وهو يصف اهتداءه دائمًا بأنّه دخول في علاقة بالمسيح، أو لقاء الربّ. ويبدو أنّ الأمر يتّصل بمشاهدته المسيح مشاهدة جسديّة وروحيّة، والأهمّ هو أنّ المسيح "كشف" له عن نفسه. ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا، رأى الإنسان والعالم والأشياء كلّها من خلال المسيح. وفي الوقت نفسه، كان الاهتداء له فرصة لاكتشاف فَيض نعمة الله وقوّتها. لقد اُعطي بولس الحرّيّة ليكون أسير المحبّة، لا كحالة طبيعيّة مستقرّة، بل كديناميّة تحرّك حياته كلّها (أنظر فيلبّي 3/ 12 وما يتبع).

 

 

خاتمة

من خلال لقاء المسيح، كان اهتداء بولس تجاوزًا لعالمه القديم وجميع قيمه التي اعتبرها الرسول لاحقًا من دون قيمة مُقارنة برِبح المسيح : "إلّا أنّ ما كان في كلّ ذلك من ربح لي عددته خُسرانًا من أجل المسيح، بل أعدُّ كلّ شيء خسرانًا من أجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح ربّي. من أجله خسرتُ كلّ شيء وعددتُ كلّ شيء نفاية لأربح المسيح وأكون فيه، ولا يكون برّي ذلك الذي يأتي من الشريعة، بل البرّ الذي يُنال بالإيمان بالمسيح، أي البرّ الذي يأتي من الله ويعتمدُ على الإيمان" (فيلبيّ 3/ 7 ـ 9).

 

إنّ ما كان يؤلّف غناه الوحيد، أي الفرّيسيّة، أُخذ منه. لم يكن ذلك بالأمر السّهل، فهو لم يتخلَّ عن مالٍ أو عن مكانة اجتماعيّة أو عن حياة في الخطيئة كالقدّيس أوغسطينُس مثلًا، بل عن مثاله الدينيّ كلّه، عن معنى حياته كلّه.

 

غير أنّ لقاء المسيح أضفى على حياته وجهة جديدة. لقد كان اهتداؤه ولادة علاقة شخصيّة بالمعلّم، على نحو لم يكن له مثيل في تاريخ المسيحيّة. وقد أدّى ذلك إلى استخدامه تعابير فريدة في كلامه على علاقة الحبّ الشخصيّة بالمسيح: "قد صُلبت مع المسيح. فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ. وإذا كنتُ أحيا الآن حياةً بشريّة، فإنّي أحياها في الإيمان  بابن الله الذي أحبّني وجاد بنفسه من أجلي" (غلاطية 2/ 19 ـ 20). "فالحياة عندي هي المسيح، والموت ربح" (فيلبيّ 1/ 21). ومن خلال هذه العلاقة الشخصيّة التي هي في صميم اختباره الدينيّ، كان في مأمن من الخطر الكبير الذي كان ليتهدّده طبيعيًّا، وهو التعصّب الأعمى.

 

لقد سبق أن وقع في فخّ التعصّب الأعمى، والنتيجة كانت اضطهاده الكنيسة. ولكن، بصفته مسيحيًّا، لم يسقط في هذا الفخّ ثانية، لأنّه تعلّم من المسيح أنّه لا بدّ من المعاناة قبل المجد في الحياة الآتية، وأنّ الإنسان قد يعاني في سبيل إيمانه، ولكن لا يمكنه أن يستخدم العنف. فالتعرّف إلى المسيح هو في الوقت نفسه اتّباعه؛ هو اتّخاذ سلاح الإنجيل. بالإضافة إلى ذلك، لقد التقى بولس المسيحيّين في شخص يسوع: "شاول لماذا تضطهدني؟". الربّ الذي تراءى له كان واحدًا مع المؤمنين ومعه، ومن خلاله دعا الأمم إلى دخول قطيعه.

 

 

إنّ ما يمكن أن نسميّه "روحانيّة القدّيس بولس"، أي طريقة بولس في نظرته إلى علاقة الإنسان بالله واختباره تلك العلاقة، نجدُها في اهتدائه. إنّ ميزة تلك الروحانيّة تكمن في كونها رفضًا صريحًا للفرّيسيّة بصفتها احتمالًا واردًا في الاختبار الدينيّ. وتتضمّن روحانيّته أيضًا اعترافًا صريحًا بعجزه وضعفه، ولكن اعترافًا أيضًا بنعمة الله ورحمته. وقد انكشفت نعمة الله هذه في تجسّد المسيح وموته على الصّليب. فقد تصالح والعالم بموت المسيح على الصّليب، أي أُرسيَ الأساس الذي عليه يمكن أن يعاد بنيان علاقة الإنسان بالله.

 

 

ومن خلال المسيح الممجّد وروحه القدّوس، نال الإنسان الخلاص حقًّا وتقدّس، إنْ هو  آمن بنعمة الله، أي بالمسيح. لذا، تصبح الحياة المسيحيّة ممكنة، وهي حياة إيمان ومحبّة، حياة تحرّر من الخطيئة ومن الشريعة، وتدخل الإنسان في الكنيسة التي هي جسد المسيح، وتعده بقيامة المجد.

 

 

 

                                                   الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية