سفر النبي حبقوق

 

 

 

 

سفر النبي حبقوق

 

 

نعجب من أناس يريدون أن يقرأوا النبوءات التي قيلت في وقت من الأوقات، كأنَّها تنبئ بالمستقبل، والمستقبل الآتي بعد ثلاثة أو أربعة آلاف سنة. ونعجب من أولئك الذين يريدون أن يفسِّروا الكتب المقدَّسة وهم لا يعرفون التاريخ الذي كُتِبَ فيه هذا النصّ أو ذاك، ومع ذلك يؤكِّدون أنَّهم لا يحتاجون إلى من يشرح لهم ما يقرأون، هم "يعرفون" على مثال نيقوديمس الذي جاء إلى يسوع في تلك الليلة وبدأ يفرض نفسه عليه: "نحن نعرف".

 

وأوَّل عبارة قالها يسوع حول الولادة الجديدة، بان أنَّه لم يفهم شيئًا بل تساءل: كيف يدخل الإنسان إلى بطن أمِّه مرَّة ثانية وهو شيخ. وفي النهاية قال له يسوع: أنت تحسب نفسك معلِّمًا ولكنَّك لا تعرف. أمور الأرض أرفع منك وتريد أن تفهم أمور السماء؟ عندئذٍ مضى نيقوديمس في الليل كما جاء في الليل (يو 3: 1-13).

 

 وسوف يدعوه الإنجيليّ "ذاك الذي ذهب إلى يسوع ليلاً من قبل" (يو 19: 40)، لا "التلميذ" مثل يوسف الرامي (الآية38). ذاك موقف العديدين من قرَّاء الأسفار المقدَّسة، وكم يحتاجون إلى من يفسِّر لهم قبل أن يحكموا على العهد العتيق إجمالاً فيدلُّوا على جهلهم، أو قبل أن يشرحوا على هواهم فيضيع الكتاب ويبقى هواهم حاضرًا ومخيَّلتهم فاعلة.

 

في هذا الإطار نودُّ أن نقرأ نبوءة حبقوق.

 

 واسم هذا النبيّ يرتبط بالحبقة، ذات العرف الطيِّب. هو عاش في أورشليم على ما يبدو، وتنبَّأ في حقبة محدَّدة من التاريخ، نهاية القرن السادس. تحدَّث عن ملكين: واحد بارّ وآخر شرِّير.

 

 وتمنّى بعد الملك الشرِّير أن يأتي من يخلِّصهم منه. فأتى البابليُّون الذين اعتبرهم أداة في يد الله، فإذا هم شرٌّ فوق شرّ. فما بقي لهذا النبيّ سوى أن يطلق الويل بعد الويل. خمس مرَّات، وتطلَّع إلى الأمام: متى يأتي الله نفسه لخلاص المؤمنين. "تأكَّد من ذلك! يأتي من الجنوب، من سيناء.

 

سؤال أوَّل وجواب

 

نبوءة حبقوق رؤيا. هو رأى ما لم يره الآخرون. العنف في كلِّ مكان. الفساد وإفساد الحقّ. هناك قويّ وهناك ضعيف. هناك من يضايق وهناك من يتحمَّل الضيق. إذا كان من دعوى فالجور هو الذي ينتصر.

النبيّ رأى الإثم، أما يراه الله؟

كيف يطيق النظر إلى تمادي الشرّ ولا يخلِّص. الناس تصرخ كما في أيَّام فرعون. والنبيّ يصرخ باسمها "ويستغيث". أصار الله لا يسمع؟ هل شابه الأصنام التي لها عيون ولا ترى ولها آذان ولا تسمع؟

"خصام، نزاع" في كلِّ مكان من المملكة.  وهذا أمام عينيّ النبيّ الذي يرى الأمور بعينيّ الربّ. ومع ذلك، لا تدخُّل من العليّ. أين هي الشريعة؟ تراخت، صارت ضعيفة. أُخفيَتْ في موضع من القصر الملكيّ. جُعلت في القيود. صارت سجينة. فماذا يكون من أمر شعب الله!

كلُّ هذا يدلُّ على عهد ملكين. واحد اسمه يوآحاز. ملك ثلاثة أشهر قبل أن يخلعه الفرعون نخو، سنة 609 ق.م. فالملك المصريّ فرض جزية باهظة جدًّا على مملكة يهوذا. ويبدو أنَّ يوآحاز رفض أن يدفعها مرهقًا شعبه بالضرائب. أُخذ إلى المنفى، إلى مصر وهناك مات. ذاك هو "ص د ي ق" الصدِّيق، الصادق، الذي أراد أن يدافع عن شعبه. فأُبعد عن المُلك.

 

فأين الله لا يتدخَّل؟ ولو تعرفون من حلَّ محلَّه؟

 

يوياقيم الذي دام ملكه إحدى عشرة سنة.

خضع للفرعون "وفرض على الشعب ضريبة" (قاسية). ومن يدفع الضرائب عادة؟ لا الملاّكون الكبار. لا التجّار وأصحاب الثروات، لا الملك والحكّام والممسكون بالسلطة، بل "الصغار" الفلاّحون، العمّال، أهل المهن الوضيعة. ماذا فعلتَ يا ربّ؟

 

جعلت قايين يقتل هابيل! جعلت يوياقيم ابن الخمس والعشرين سنة يزيح أخاه يوآحاز ابن الثلاث وعشرين سنة، يتآمر عليه، ويرسله أسيرًا إلى مصر، بعد أن زايد عليه. وفي أيِّ حال، بعد خضوع لمصر خضع يوياقيم للبابليِّين ودفع الجزية بلا شكّ. ولم يطل به الوقت حتّى ثار على بابل فدفع أخوه يوياكين الثمن، ومضى في الأسر إلى بابل بعد أن ملك ثلاثة أشهر.

 

تألَّم الناس من هذا الوضع وانتظروا الخلاص. أما من موسى جديد؟ ألا يتدخَّل الله؟

 

قال سفر الملوك الثاني: "فأرسل الربُّ غزاة البابليِّين والأراميِّين والموآبيِّين والعمونيِّين على يوياقيم لتخريب يهوذا، حتّى يتمَّ ما قاله الربُّ على ألسنة عبيده الأنبياء: إنَّه يبعد يهوذا من أمام وجهه..." (24: 2).

هكذا كانوا يفكِّرون: الله هو السبب الأوَّل لكلِّ ما يحصل. هناك الحرب فالربُّ هو من أشعلها. هناك اجتياح، فالربُّ سببه. أمّا هنا، فخطيئة منسَّى لا تزال حاضرة مع سفك الدم البريء؟

 

ذاك هو الوضع المؤلم وهو يطول. وجاء السؤال:

 

إلى متى؟ لماذا الأمور معوجَّة، ملتوية؟ أهذا هو الكون الذي خلقه الله وجعله حسنًا؟

 

وها هو الجواب الذي ناله النبيّ من لدن الله: سيأتي البابليُّون ويريحونكم من هذا الملك الشرِّير. في فترة من الفترات، اعتبر حبقوق أنَّ هؤلاء المجتاحين يحوِّلون الأمر من الشرِّ إلى الخير، لأنَّ الربَّ هو من يرسلهم. ولكن تبيَّن للنبيّ أنَّ هذه الأداة جاءت عكس إرادة الله، فأضافت شرًّا على شرّ.

 

جواب مرعب يصف مجيء البابليِّين إلى البلاد حوالي سنة 600 ق.م.: "خيلُها أخفّ من النمر وأشرس من ذئاب المساء. فرسانها ينتشرون، يزحفون من بعيد وينقضُّون كالنسر على فريستهم. يجيئون كلُّهم في عنف والرعبُ يسبقهم فيجمعون الأسرى كالرمل. يسخرون من الملوك، ويهزأون بالحكّام، ويضحكون على كلِّ حصن، ويرمون التراب أمامه ويحتلُّونه. ثمَّ يمرُّون كالريح ويصبرون" (حب 1: 8-11). ذاك ما قاله التاريخ عن هؤلاء الذين اجتاحوا الشرق ووصلوا إلى مصر.

 

من حرَّكهم؟ الله. من آثارهم؟ الربُّ الإله. قال الله بفم النبيّ: "ها أنا أثير البابليِّين، تلك الأمَّة الضاربة المتسارعة فتسير في رحاب الأرض" (آية6). وجاءت ثلاثة أفعال: انظروا، أبصروا، تطلَّعوا (ه ب ي ط و)، تعجَّبوا عجبًا (آية5). عند ذاك لا يمكن أن تصدِّقوا. تلك هي قدرة الله في يد البابليِّين. ولكنَّها حين وصلت إلى هذه الأمَّة، صارت غاشمة وحملت معها العنف.

 

 فهل يرضى النبيّ بهذه الحالة؟ كلاّ. لذلك توجَّه مرَّة ثانية إلى الله. هو "الرائي" باسم الربّ، ولكن يا هول ما يرى!

سؤال ثانٍ وجواب

 

 

بدأ حبقوق وطلب الأمان لكي يستطيع أن يتكلَّم بحرِّيَّة. "منذ الأزل أنت يا ربّ". أمّا البابليُّون فجاؤوا البارحة. ونحن ننتظر أن يزولوا كما زال قبلهم الأشوريِّين. أنت "قدُّوس"، أي تصرُّفك غير تصرُّف البشر. نحن متأكِّدون من ذلك. لهذا نستطيع أن "نحتجّ"، أن نكلِّمك "في وجهك" دون أن نموت. أتسمح؟

طلب ميخا الأمان ليقول ما في قلبه ويعاقب الله. ومثله يفعل إرميا: "أنت يا ربّ أكثر من أن أخاصمك. لكن أكلِّمك من جهة أحكامك (وتصرُّفاتك)" (12: 1). ويحتجُّ إرميا: "لماذا تنجح طريق الأشرار... غرستَهم فتأصَّلوا ونموا وأثمروا إثمارًا". هؤلاء الغادرون يعيشون في اطمئنان. أهذا تصرُّف من عندك؟!

وصاح ميخا: "يا ربّ، أنت اخترت البابليِّين"، أنت. "أنت ثبَّتهم كالصخر" أنت. أنت جعلتهم "لتأديبنا"، أنت (2: 1). أجل، أنت هو السبب! أهذه مشاريعك؟! هل ترى؟

 

هل تنظر وتتطلَّع؟ هل يمنعك طهرُ عينيك من النظر إلى الشرِّ والجور والنهب؟

 

وإذا نظرت، أما لك فم يتكلَّم؟ كيف "تصمت حين يبلع الشرِّير من هو أبرّ منه؟" لا شكّ نحن خطأة. فترسل من هم أكثر خطيئة منّا لتأديبنا؟ ماذا نحن في عينيك؟ بعض السمك! أمّا إله العدوّ فشبكة وشصّ". يذبح الذبائح، يقدِّم لها البخور.

ذاك كان نداء النبيّ من قلب الضيق. لا وجود للرأفة. والقتل دائمٌ لا يتوقَّف. فما هو جواب الربّ؟

 ويثبت النبيّ لا يتحرَّك وهو ينتظر الجواب. هو الرقيب الجامد على مرقبه. هو ينتصب فوق الحصن، يتطلَّع. أو هو ينصت، يصغي: "ماذا يقول لي الربّ؟" (2: 1). وعندئذٍ أنا أجيبه! ما هذه الجرأة القريبة من الوقاحة؟ هو غضب مملوء بالحزن، ولكنَّ النبيّ لا يريد أن يبكي. بل يريد أن يعرف.

 

سؤال ثانٍ وجواب ثانٍ:

 لا تخف يا حبقوق، ولا تعجِّل. فالبارّ ينتصر والشرِّير يمضي إلى الهلاك. وكلُّ هذا سيحدث قريبًا. "فمن يصبر إلى المنتهى فذاك يثبت". صبر النبيّ فنال. هو قول نبويّ هامّ جدًّا، ويشكِّل قلب هذه النبوءة. فالكلام الذي يُقال يطير في الهواء. أمّا الذي يُكتَب فهو باقٍ يقرأه الناس ويقرأونه. ونحن اليوم نقرأه.

الرؤيا تأتي في وقتها. ويخبرنا سفر الجامعة أنَّ لكلِّ شيء أذنًا ولكلِّ أمر تحت السماء وقتًا وميعادًا  من يحدِّد هذا الوقت؟ لا الإنسان، بل الله.

 

وإلاَّ نشبه أهل بيت فلوى في سفر يهوديت: حدِّدوا لله وقتًا لكي يتدخَّل "خمسة أيَّام... وإلاَّ نسلِّم المدينة" (يه 8: 9). وعاقبت هذه الأرملة شعبها: "فمن أنتم حتّى تجرِّبوا الله في هذا اليوم وتحلُّوا محلَّه في تدبير الأمور؟"

 

وفهم حبقوق أنَّ الله هو الذي يحدِّد الوقت الذي فيه يفعل.

 

 فحين يأتي الموعد تجيء الرؤيا ولا تكذب. فالله لا يَغش ولا يُغَشْ. نحن معجَّلون، أمّا الله فينتظر ليخلق في قلب الإنسان جوعًا وعطشًا، لهذا واصل النبيُّ كلامه: "إن أبطأت فانتظرها، فهي لا بدَّ أن تجيء ولا تتأخَّر" (حب 2: 4).

وما هي هذه الرؤيا؟ إنَّها تفتح النبيّ على الدينونة الآتية: الشرِّير لا ينجو من الغضب الإلهيّ. كبرياؤه تحكم عليه ولا تشفق، وعدم استقامته تدينه. فتأتي الأموات من هنا وهناك وتدَّعي عليه بما صنع لأصحابها: "الحجارة تصرخ عليك من الحائط" (2: 11). كانت مبنيَّة، مرصوفة فشكَّلت قصرًا. وها هي الآن منهارة. والخشب الذي يمسك السقف سقط هو أيضًا أو احترق بفعل النيران. الجبل اللبنانيّ، أزره، بهائمه تصرخ في وجه هذا الشرِّير الذي سفك الدماء في كلِّ مكان. الموت ينتظره والناس في كلِّ مكان ينتظرون أن يروا "عورته" بعد أن سكر من الغضب وكشف "عوارات" الناس .

 

حسب المحتلّ البابليّ أنَّه يستطيع أن يملأ الأرض بالدماء فيعيدها إلى العدم كما حصل في زمن نوح. في ذلك الوقت "حزن الربُّ لأنَّه عمل الإنسان في الأرض، وتأسَّف في قلبه" (تك 6: 5) .

 وهنا تأسَّف الربُّ لأنَّه "أثار" البابليِّين على شعوب الشرق فراح كلُّ شيء إلى الباطل، فما بقي له وجود بفعل الدمار والحريق. ولكنَّ الأمور سوف تتبدَّل كما تبدَّلت بعد الطوفان. قال حبقوق: "لكنَّ الأرض ستمتلئ بمعرفة مجد الربِّ كما تغمر المياه البحر" (2: 15). أن يعرف الإنسان الربّ، موضوع يتردَّد مرارًا عند الأنبياء، فتكون النتيجة السلام في الأرض (إش 11: 9) وابتعاد الحروب.

وأعلن المحتلّ إيمانه "بالصنم المنحوت"، "بالتمثال المسبوك" (مي 2: 18)، إله بابل الساميّ (إر 50: 2). واسمه مردوخ. بقوَّته انتصر البابليُّون على "يهوه"، الربُّ الإله حين أخذوا له مدينته وأحرقوا هيكله. ردَّ ميخا أوَّلاً على هذا التجديف: "صنم "أبكم" أيقدر أن يتكلَّم. وإن تكلَّموا باسمه فهو "الكذب". فالصنم لا حياة فيه، فكيف يقيمونه من الموت ويوقظونه من الرقاد". لا روح له، وهو الصامت الأعمى، فكيف يمكن أن يعين الإنسان؟

ويلي هذا الهجوم الذي سيتواصل خصوصًا بعد اتِّصال العبرانيِّين بالبابليِّين والفرس والرومان: الأصنام باطلة. بعدها أطلق ميخا اعترافه بالإله الواحد: هو يقيم في "هيكله المقدَّس" . ويحمي مدينته في خطِّ ما أنشد إشعيا تجاه الخطر الأشوريّ. وإن هو تكلَّم لا يجسر أحد أن يتلفَّظ بكلمة. لا في أرض يهوذا فقط، بل في المسكونة كلِّها؟ قال المرتِّل" "يا ربّ، ما أعظم اسمك في كلِّ الأرض!" (مز 8: 2). وقال أيضًا: "للربِّ الأرض وملؤها، المسكونة وكلُّ المقيمين فيها، لأنَّها على البحار أسَّسها وعلى الأنهار ثبَّتها" (مز 24: 1-2). وقال ميخا: "الربُّ في هيكله المقدَّس فاسكتوا أمام وجهه يا جميع أهل الأرض" (2" 20).

 

فهم النبيُّ ما سوف يحصل للشرِّير، وهتف ينشد معرفة الله التي ملأت الأرض كما المياه تغمر البحار، كما أنشد عظمة الله في المسكونة كلِّها. الشرِّير يزول، والبارُّ يبقى. فقال ميخا: "أمّا البارُّ فبإيمانه يحيا" (2: 4). في الأصل العبريّ نقرأ: "الصدِّيق بأمانته (ا م و ن ت و) يحيا". وقال اليونانيّ: "بالأمانة لي (حرفيًّا: بأمانتي) يحيا". أمّا السريانيّ فتحدَّث عن الإيمان (ه ي م ن و ت ا).

 

 

إذًا نحن أمام نداء إلى الإيمان العميق بالله والاتِّكال عليه. فهو يبقى الأمين بالرغم من خيانة البشر. ثمَّ الأمانة ضروريَّة. فالله هو هو أمسِ واليوم وإلى الأبد. هو الذي خلَّص في الماضي ويخلِّص في كلِّ وقت وآن. فلا بدَّ من الانتظار. هكذا يطمئنُّ المؤمن وهو عالم أنَّ الربَّ يختار هو الوقت الذي فيه يخلِّص أحبَّاءه.

 

 

انتقل هذا القول إلى العهد الجديد. أوَّلاً، في الرسالة إلى رومة: "لأنِّي لا أستحي بإنجيل المسيح، لأنَّه قوَّة الله لخلاص كلِّ من يؤمن، لليهوديّ أوَّلاً ثمَّ لليونانيّ. لأنَّ فيه يعلَنٌ برُّ الله بإيمان لإيمان. كما هو مكتوب: "الذي هو بارّ بالإيمان يحيا". هو نداء شامل للبشر جميعًا: كلُّ إنسان يستطيع أن يأتي إلى الإيمان: اليهوديّ المختون، واليونانيّ اللامختون. فالختان لا يضيف شيئًا ولا الغرلة أو عدم الختان. فالأساس ليس الأعمال، بل برُّ الله الخلاصيّ الذي يُتمُّ، بالنعمة، مواعيده.

ننطلق من الإيمان بالله فنصل إلى الأمانة له. أو من أمانة الله لنا إلى إيماننا بالله واتِّكالنا عليه. ويمكن أن نفهم: من إيمان الواعظ إلى إيمان السامع. وهكذا ينمو الإيمان شيئًا فشيئًا، بعد أن انتقل من العهد القديم إلى العهد الجديد، بحيث نصل إلى الرؤية وجهًا لوجه، بالعيان.

 

وقال بولس الرسول في معرض كلامه عن الوعد لإبراهيم المؤمن، حيث يتبرَّر الوثنيُّون بالإيمان لا بالشريعة اليهوديَّة وممارساتها: "ما هو واضح، هو أنَّه ما من أحد يتبرَّر بالشريعة لأنَّ البارَّ بالإيمان يحيا" (غل 3: 11). فالإيمان يفتح الإنسان على الحياة التي في المسيح، أمّا الشريعة فتسجنه في الخطيئة وتتركه تحت اللعنة (آ10، 12).

أمّا الرسالة إلى العبرانيِّين وقبل كلام موسَّع عن الإيمان (ف 11)، فإنَّها أوردت قول حبقوق مع قول إشعيا في إطار دعوة إلى الصبر والمثابرة : "لأنَّكم تحتاجون إلى الصبر لكي تُتمُّوا مشيئة الله فتنالوا الوعد (أو: تحقيق الوعد). لأنَّه بعد (وقت) قليل جدَّا يكون الآتي هنا ولا يبطئ" (عب 10: 36-37). أوردت الرسالة هنا إش 26: 20 بحسب النسخة اليونانيَّة التي تفترق كثيرًا عن الأصل العبريّ القائل: "هلمَّ يا شعبي، ادخل مخادعك، واغلق أبوابك خلفك. اختبئ نحو لحظة حتَّى يصبر الغضب". نقولها بشكل عابر: إنَّ العهد الجديد عاد إلى النصِّ اليونانيّ، لا إلى العبريّ، فأورد نصوصه التي اتَّخذت معنى آخر أكثر غنى.

 

 

وتواصل نصُّ ميخا في الرسالة إلى العبرانيِّين (10: 38): "أمّا البارّ فبالإيمان يحيا، وإن ارتدَّ لا تُسرُّ به نفسي". تبع صاحب الرسالة هنا أيضًا، النصَّ اليونانيّ في مي 2: 3-4. يدلُّ ترتيب الألفاظ وألغى اللبس الحاضر في الأصل. وتستنتج الرسالة إلى العبرانيِّين فتبرز الإيمان من أجل الخلاص: "أمّا نحن فلسنا أناسًا نرتدُّ ونتراجع لهلاكنا، بل أهل إيمان لخلاص نفوسنا" .

ونعود إلى الشرّ والأشرار في ويلات خمسة تتوجَّه إلى أناس نشجب أعمالهم لأنَّها سيِّئة: الربى، الإفادة الفاسدة، العنف، السكر، عبادة الأصنام.

ويلٌ لمن يُكثر ممّا لا يحقُّ له، وإلى متى يُرهق الشعب بالضرائب؟" (2: 6). أجاب في ويل واحد يوياقيم ونبوخذ نصَّر سوف يأتي الفرس ويسلبونه ما سلبه.

 

"ويل لمن يكسب مكسبًا شرِّيرًا لبيته ويظنُ أنَّه بذلك يجعله كالغشّ في العلاء" (آ9). كلُّ شيء في البيت يثور عليك. الحجارة، الخشب...

 

"ويل لمن يبني مدينة بالدماء ويؤسِّسها بالإثم" (الآية 12). كلُّ هذا ذاهب إلى النار وواصلٌ إلى الباطل. وتحلُّ محلَّه معرفة الله.

 

ويل لمن يسقي جيرانه من كأس غضبه ويُسكرهم لينظر عوراتهم" (الآية 15). الجور الذي حلَّ بالناس سوف ينقلب على الجائر.

 

ويل لمن يقول لصنم من الخشب: "استيقظ" (الآية 19). كم هو جاهل. فالذي لا روح فيه يبقى ملتصقًا بالأرض. وأكثر جهلاً ذاك الذي يقول للحجر الصامت: علِّمنا، أرنا، أعطنا توراة وشريعة. أما ينبغي للفاتح البابليّ أن يأتي إلى هيكل الربّ ويلبث ساكتًا لديه!

 

صلاة حبقوق والظهور الإلهيّ

 

مع الفصل الثالث والأخير من نبوءة حبقوق، ندخل في جوِّ الصلاة والتأمُّل والحضور طلب النبيُّ من الربِّ أن يتدخَّل، وتأكَّد أنَّه آتٍ بدون شكٍّ لكي يعاقب الخائن والوقح (آ5). وطلب أيضًا من الأرض كلِّها أن تصمت وتستعدّ (2: 20). نحن هنا في الواقع أمام تيوفانيا، وأمام ظهور الله، الذي يزعزع الكون ويسحق الشرِّير (3: 13). كلُّ هذا ينظر إليه حبقوق: "سمعتُ هذا فخفقت أحشائي، ورجفت شفتاي عند سماعه. عظامي دخلها المنخر ورجفت قدماي تحتي" (الآية 16). وهكذا اغتبط النبيُّ وسُرَّ بعد أن جاءه الجواب على ما سأل. وهكذا عادت الأمور إلى نصابها.

 

كيف بدت هذه الصلاة؟

 في الآيات 1-2، نجد العنوان والمقدِّمة. أمّا العنوان فهو: صلاة حبقوق النبيّ". هو مزمور يشبه المزامير "الداوديَّة". إنَّه "مرثاة" أو: "اعتراف بالضعف أمام الواقع الذي تعيشه الجماعة. في العبريَّة "ش ج ي ف و ت". هذا ما يقرِّبنا من اللفظ العربيّ "شجن" أو: "شجيّ"، حزن، أحزن. إذًا هو نشيد حزين. ينادي الربَّ أوَّلاً لكي يتذكَّر أفعاله في الماضي. فلماذا بدت هذه الأفعال بدون رجعة: "يا ربّ، سمعتُ بما عملتُ فخفتُ. أعِدْه في أيَّامنا وعرِّفْ به"

 

 مسيرة الخروج هي الأهمّ. ويكفي أن يأتي الله لتظهر عاطفة الخوف والرهبة. مثل هذا الخوف يدعو إلى التأمُّل، كما قالت الترجمة اليونانيَّة. وفي قلب الغضب لا بدَّ من أن تظهر الرحمة.

وتبدأ التيوفانيا في الآية3: "الله يجيء من تيمان، القدُّوس من جبل فاران. غطَّى جلاله السماوات، والأرض امتلأت من مجده". لا بدَّ أنَّ الله يأتي من المنطقة التي فيها حصلت تيوفانيا الخروج. ذاك ما نقرأ في تث 33: 2: "جاء الربُّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير (أرض أدوم)، وتلألأ من جبل فاران". وفي مز 68: 8-9: "اللهمَّ، عند خروجك أمام شعبك، عند صعودك في القفر، الأرض ارتعدت، السماوات أيضًا قطرت (ماء) أمام وجه الله".

يأتي الربُّ وسلاحه معه: الوباء، الموت. ويسبق كلَّ هذا "البرق، النور، القدرة" من بعيد نستطيع أن نراه. كلُّ شيء يتحرَّك أمامه، يرتجف، يتزعزع: الأرض، الأمم، الجبال، التلال. قبائل الجنوب في كوش وفي مديان (3: 6-7).

في الآيات 8-11، نرى الطبيعة كيف ترتجف. في الآيات 12-15 هو الشرِّير يُسحَق والشعب ينال الخلاص. الخليقة كلُّها أصابتها الدهشة: الأنهار، البحار. ثمَّ الأفلاك مع الشمس والقمر.

مع الآية 16، يرد فعل "سمعتُ" ويتكرَّر. عندئذٍ فهم النبيُّ وأفهم الشعب ما يحصل الآن بحيث لا يبقى مجال للحسرة ليقوم مقامه. ولكن هل بقيَ ملك بعد أن جاء البابليُّون واحتلوا أورشليم وأخذ الملك والكبار والقوَّاد إلى السبي؟ لا، لم يبقَ شيء.

 

 

في هذا الجوّ من البكاء والحزن يبقى الإيمان مهما كانت الظروف: التين لا يزهر. الكرم لا يحمل، الزيتون كاذب بالرغم من الظواهر. لا طعام في الحقول، لا غنم في الحظيرة، لا بقر في المذاود (الآية 17). لا شيء يدعو إلى الأمل، بل إلى اليأس. الجوع يهدِّد البلاد والعباد. وبالرغم من كلِّ هذا، تسود البهجة والفرح. على أيِّ اساس؟ لأنَّ الربَّ هو الرب ولا يمكن أن يتبدَّل.

 

 هو اختار شعبه فكيف يتراجع؟ أما تتساءل الأمم عن هذا الأمر عن هذا الإله: أهو قويّ؟ إذًا باع شعبه وتخلَّى عنه. أهو ضعيف؟ إذا ما استطاع أن يفعل شيئًا من أجل المتَّكلين عليه. فماذا يفترق عن آلهة الخشب والحجر؟ هي كرامة الله على المحكّ.

 

والربُّ إله قدير، وبالتالي هو المخلِّص. وما يحسُّ به النبيُّ يجب أن يحسَّ به الشعب كلُّه. طُلب من الكون أن يسكت أمام الله. والآن يُطلَب من الشعب أن يسكت وينظر ماذا يصنع إلهه من أجله. تلك كانت خبرة العبرانيِّين حين هربوا من مصر.

 

 البحر أمامهم يحمل معه الشرَّ والموت. والمصريُّون وراءهم. أدركهم بستّ مئة مركبة وجنود (خر 14: 7ي). صرخ الشعب، تذمَّر: "أما تجد القبور الكافية في مصر حتّى تأتي بنا لنموت في البرِّيَّة؟".

 

كان موسى واثقًا بالربّ. شجَّعهم. "لا تخافوا، قفوا وانظروا خلاص الربّ... الربُّ يقاتل عنكم، فالبثوا صامتين" (. فالربُّ هو النور والخلاص، فلمَ الخوف؟ الربُّ هو حصن حياتنا، فلمَ الفزع؟ (مز 27: 1).

تلك هي الخبرة التي يُدعى حبقوق لأن يعيشها. طرح سؤالين. فلا حاجة بعد للأسئلة بعد أن سمع الله، ورآه آتيًا لخلاص شعبه. هو فعل في الماضي ويفعل الآن. مثله أيُّوب طرح الأسئلة وفي النهاية وضع يده على فمه وجعل ملء ثقته في الربِّ الذي أراه قدرته وحكمته.

 

 

الخاتمة

وقف حبقوق مثل "رقيب" ليرى ماذا سيفعل الله في قلب الضيق الذي يعيشه الشعب، من حكّامه في الداخل، ومن الأعداء في الخارج. الظواهر كلُّها مقلقة، والواقع لا يدعو إلى الاطمئنان. فما تكون النهاية؟

 

 إن كان النبيُّ لا يرى بعينيه فهذا لا يعني شيئًا. فما يُطلب منه ومن شعبه هو الإيمان، أن ينظر إلى الأمور من فوق، من مرقبه. أن يستنير بنور الله ويفهم أنَّه بالإيمان تبقى قدمه ثابتة في الأعالي فلا يصل إليه خطر. هناك يمشي مثل الأيائل ولا يخاف. فبعد كلِّ هذا يبقى الربُّ إله الخلاص وهو يغار على شعبه كما يغار على حدقة عينيه.

 

لهذا تكون الصرخة الأخيرة: مهما حصل، سأظلُّ أغتبط بالربّ وأبتهج بالله مخلِّصي.

 

 

الخوري بولس الفغالي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية