صعود الرب إلى السماء

 

 الصعود

مرقس  16: 15-20

              

ثمّ قال لهم: "اذهبوا إلى العالم كلّه، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها.

فمن آمن واعتمد يخلص، ومن لم يؤمن فسوف يُدان.

وهذه الآيات تتبع المؤمنين: باسمي يُخرجون الشياطين، ويتكلّمون بلغات جديدة،

ويمسكون الحيّات، وإن شربوا سمّا مميتًا فلا يؤذيهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون".

وبعدما كلّمهم يسوع، رُفع إلى السَّماء، وجلس عن يمين الله.

أمّا هم فخرجوا وكرزوا في كلّ مكان، والرَّبّ يعمل معهم ويؤيّد الكلمة بما يصحبها من الآيات.

 

 

أولا- قراءة النص

تندرج الآيات التي نتأمّل فيها، يوم عيد الصّعود، في إطار ظهور يسوع لتلاميذه، وإرساله إيّاهم، ليحملوا البشارة إلى العالم أجمع. بالنسبة إلى غالبيّة الباحثين، زيدت الآيات مر 16: 9-20 في مرحلة ثانية، بعدما انتهى القدّيس مرقس من كتابة إنجيله، في مرحلة أولى، مع الآية 8، حيث خافت النسوة، ومن خوفهنّ لم يقلن لأحد شيئًا... ويعتقد بعض الباحثين أنّ هذه الخاتمة الثانية (مر 16: 9-20)، كانت تنهي الأناجيل كلّها، يوم كان ترتيب الأناجيل كالتالي: متى، لوقا، يوحنّا، مرقس. المهمّ هو أنّ هذه الخاتمة الثانية لإنجيل مرقس، تعلمنا ما حدث بعد القيامة، وبعد أن خافت النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر فجرًا، فوجدنه فارغًا، ووجدن الشابّ جالسًا عن اليمين.

بعد ذلك، تراءى يسوع أوّلا لمريم المجدليّة التي انطلقت وبشّرت اولئك الذين كانوا معه (مر 16: 9-11). ثمّ تراءى بشكل آخر، لإثنين منهم كانا ذاهبين إلى القرية، وهما بلا شكّ تلميذا عمّاوس، وهذان بشّرا الباقين (مر 16: 12-13). وأخيرا تراءى للأحد عشر، وهم يتناولون الطعام، فبكّتهم على عدم إيمانهم، وقساوة قلوبهم (مر 16: 14). ثمّ بدأ كلامه معهم عن رسالتهم قبل أن يصعد إلى السّماء (مر 16: 15-20). وهذا الكلام الأخير، مع حدث الصّعود، هو، بالتحديد، ما سوف نتأمّل فيه اليوم.

 

 

1-قراءة الآيات

الآية 15: ثمّ قال لهم: "اذهبوا إلى العالم كلّه، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها.

يأتي كلام يسوع عن رسالة التلاميذ، في إطار طعام كانوا يتناولونه؛ وهذا ما يلاقي باقي الإنجيليّين الذين يعوّلون أهميّة كبيرة على تعليم يأتي في إطار مأدبة. وقد يستغرب القارئ كيف يبدأ يسوع بإعلان رسالة التلاميذ ومسؤوليتهم، وهو، قبل هنيهات، أنهى تأنيبه لهم على عدم إيمانهم، وعلى قساوة قلوبهم. يوليهم ثقة كبيرة، بالرّغم من أنّهم لم يؤمنوا بشهادة الذين أبصروه بعد أن قام، وبالرّغم من أنّهم، لم يصدّقوا كلامه عن موته وقيامته. هذه شهادة جديدة لعمل الربّ في الإنسان، بالرّغم من عدم أهليّة هذا الأخير. وهذه شهادة أيضًا، أنّ الرّسالة سوف تتمّ، ليس فقط، بقوّة التلاميذ، بل أيضًا، وقبل كلّ شيء، بقوّة الربّ الذي يعضدهم. هذا ما سوف يظهر في الآيات التالية.

يأمرهم يسوع بالذهاب إلى العالم كلّه. وهذا يعني طابع نقل البشارة، بواسطة السّفر من مكان إلى مكان. وهذا ما سوف يفعله التلاميذ لاحقـًا، حين يبشرّون في أورشليم واليهوديّة والسَّامرة ومختلف أصقاع الأرض. وقد سبق فرأينا "تلميذة"، هي مريم المجدليّة، في هذا الفصل الأخير من إنجيل مرقس، تذهب إلى الذين كانوا مع يسوع، فتبشّرهم بالقيامة (مر 16:10).

إنّ يسوع يأمرهم بأن يذهبوا إلى العالم كلّه، ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها. نستنتج أنّ البشرى يجب أن تعُمَّ كلّ الخليقة، أي كلّ إنسان، دون فرق بين لون وعرق ودين أو أي فرق آخر بين النّاس.

وإنّ الطلب إلى الأحد عشر بأن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها، يشير بالتأكيد إلى أنّ المسيح ربّ على كلّ الخليقة. ونجد في الرِّسالة إلى أهل قولسي: "... وقد بُشِّر به (الانجيل) في كلّ الخليقة التي تحت السّماء" (قول 1: 23)، تشابهها مع هذه الآية من إنجيل مرقس. ولكن ماذا على الرّسل أن يعملوا وما هو فحوة الكرازة؟

إن فعل "يكرز" أو "يبشّر" يُخبر، في إنجيل مرقس، أوّلا عن عمل يوحنّا المعمدان الذي كان يكرز بمعموديّة توبة لغفران الخطايا (مر 1: 4، 7)، وثانيًا عن يسوع الذي كان يكرز بإنجيل الله (مر 1: 14)، وثالثًا عن عمل الرّسل، يوم أرسلهم يسوع (مر 6: 12). وها هو الآن يخبر عن عمل الرّسل بعد غياب يسوع عن الأرض. وبذلك تواصل أكيد في تصميم الله الخلاصيّ، على يد النبيّ يوحنّا المعمدان، وعلى يد ابن الله يسوع، وعلى يد الرّسل الذين يجب عليهم أن يكرزوا بالإنجيل.

والإنجيل، بالنسبة إلى مرقس، هو كلّ شيء أورده في كتابه، أيّ كلّ ما يتعلّق بيسوع، وبالتهيئة له وبموته وقيامته وظهوره بعد القيامة. فالآية الأولى من الإنجيل الثاني هي: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مر 1:1). إنّ هذه البداية، تدلّ على أنّ الإنجيل، هو كلّ ما ورد في هذا الكتاب، وكلّ البشارة المسيحيّة اللّاحقة المبنيّة على أحداث هذا الكتاب. وهذا الإنجيل، أي عمل يسوع بكامله، هو تحقيق لملكوت الله، وهو دعوة إلى التوبة وإلى الإيمان به. فمرقس يلخّص عمل يسوع في الجليل بكرازة الإنجيل وبالقول: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".

 (مر 1: 14-15).

فالإيمان بالإنجيل، والتضحية بكلّ شيء، حتى بالذات، من أجله، وسيلة تعطي خلاص (مر 8:35) وتهب مئة ضعف بدلا عمّا ضحّى الإنسان به، في هذا الزمان، وتمنح الحياة الأبديّة في الدّهر الآتي (مر 10: 29-30). فالإنجيل قيمة كبيرة وكنز فائق الوصف، يعود بالخير على كلّ تائب إلى الله ومؤمن به.

ويسوع يعلم مسبقـًا، أنّ الإنجيل سوف يكرز به في العالم كلّه. فعندما سأله الرُّسل الأربعة الأوائل (مر 1: 16-20) عن زمن الخراب (مر 113: 3-4)، ردّ يسوع بخطبة نهيوية، أي عن نهاية الأزمنة، وممّا قال فيها: "ولا بدّ أن يكرز أوّلاً بالإنجيل في كلّ الأمم (مر 13: 10)، أي أنّ البشارة سوف تتمّ قبل نهاية الأزمنة. وفي موضع آخر، تكلّم عن انتشار البشارة بالإنجيل، إذ قال عن المرأة التي دهنته بالطّيب: "الحقّ أقول لكم: حيثما يكرز بالإنجيل في العالم أجمع، يحدّث أيضًا بما عملته هذه المرأة تذكارًا لها" (مر14 :9).

وتبيّن الآية 20، أنّ الرّسل نفذوا مهمّة الكرازة بالإنجيل. لنا عودة إلى تلك الآية، في نهاية تأمّلنا في المقطع الأخير من إنجيل مرقس.

 

الآية 16: فمن آمن واعتمد يخلص، ومن لم يؤمن فسوف يُدان.

ليست المرّة الأولى في الإنجيل، التي يربط فيها يسوع الخلاص بالإيمان، بل إنّ الإيمان هو الطريق الضّرورية لنيل الخلاص. فعندما أتى النّاس من عند رئيس المجمع يائيرس يقولون إنّ ابنته ماتت، فلا داعي لإزعاج المعلّم، لم يبالِ يسوع بل قال: "لا تخف! يكفي أن تؤمن" (مر 5: 35-36). وكان إيمان يائيروس ضروريًا لعودة ابنته إلى الحياة. في الإطار عينه، شفى يسوع المرأة النّازفة والمؤمنة وقال لها: "إيمانك خلّصك" (مر 5: 34). وقال يسوع العبارة ذاتها لأعمى أريحا: "إيمانك خلّصك" (مر 10: 52).

وبالنسبة إلى يسوع، إنّ كلّ شيء مستطاع للمؤمن (مر9: 23). ويؤكّد الربّ على قوّة الإيمان فيقول: "كلّ ما تسألونه في الصّلاة، آمنوا أنّكم نلتموه، فيكون لكم" (مر 11: 24). والإيمان غالٍ لدى الرَّبّ؛ فمن يتعرّض بالشكّ للمؤمنين، خير له أن يطوّق عنقه برحى الحمار، ويُلقى في البحر (مر 9: 42). فالإيمان هو شرط ضروريّ للخلاص، في كلّ روايات الإنجيل، كما في تبشير الرُّسل، بعد صعود الرَّبّ إلى السَّماء. ولكن عنصرًا جديدًا أتى بعد الصّعود، ألا وهو المعموديّة.

فيزيد يسوع على فعل الإيمان، فعل المعموديّة كشرطٍ للخلاص. إنّ المعموديّة، أو فعل "تعمّد"، لا يرد في إنجيل مرقس، إلّا بالنسبة إلى يوحنّا المعمدان، أو عند الكلام على معموديّة يسوع، أي آلامه (مر 10: 38-39). إلاّ انّه، بعد صعود يسوع، أضحت المعمودية، منذ بداية الكنيسة، التجسيد للإيمان بيسوع المسيح وللانتماء إلى جماعة المؤمنين، أي الكنيسة.

ونتيجة الإيمان والمعموديّة هو الخلاص، بكلّ أشكاله، أي الخلاص من الأمراض ومن الخطيئة. وتزيد بعض المخطوطات على هذا النص، صفة "الخلاص الأبديّ".

ويبيّن يسوع أنّ العكس صحيح. فإن لم يكن هناك إيمان، لا يحظى المرء بخلاص، بل إنّ الدينونة نصيبه. ويستعمل الإنجيليّ مرقس هنا المجهول: "يُدان"، وهو المجهول الإلهيّ في الأناجيل، أي أنّ الله يدينه. ومعنى الإدانة هنا هو بالطبع الإقصاء عن الخلاص. ويفسّر آخرون أنّ الإنسان يُقصي نفسه، بعدم قبوله بشارة الرّسل، عن الخلاص، فيكون الإنسان يودي بذاته إلى عدم الخلاص والدينونة.

ممّا لا شكّ فيه، في كلتا الحالتين، هو أنّ رفض الحقيقة، يؤدّي إلى الضّلال والضياع. إنّ رفض حقيقة القيامة، هو نوع من أنواع الموت.

وإنّ الربّ يشاء خلاص كلّ إنسان، ولكن الدينونة هي علامة لاحترامه الإنسان وحريّته، وعلامة لجديّة الخلاص الذي يُبشّر به.

ومن المفيد في هذا الاطار، التذكر أنّ الأحبار والشيوخ والكتبة دانوا يسوع ظلمًا (مر 10: 33؛ 14: 64). أولئك الذين لم يؤمنوا فدانوا ربّ الحياة، سيصبحون هم المدانين لأنّهم لم يؤمنوا. هذا إثبات جديد أنّ الكلمة الأخيرة ليست للظلم بل للحقّ، الذي ينتصر بقيامة الرَّبّ يسوع.

 

الآية 17: وهذه الآيات تتبع المؤمنين: باسمي يخرجون الشياطين، ويتكلّمون بلغات جديدة،

اللافت في الآيتين 17-18، هي أنّ القدرات التي تعوّدنا أن نراها مُعطاة للرُّسل، بشكلٍ خاصّ، تتبع الآن المؤمنين، بشكلٍ عام. ولكن هذا لا يعني بالضّرورة أنّ جميع المؤمنين سوف يقومون بهذه الآيات والعجائب. فرسائل القدِّيس بولس تتكلّم عن تعدّد المواهب.

والجدير أيضا بالذكر، هو أنّ كلّ الآيات تجري باسم يسوع. إنّه الإسم الذي يمنح الخلاص.

فلنعد الآن إلى الرُّسل أنفسهم، وإلى السُّلطان المُعطى لهم.

فليس بالأمر الجديد، بالنسبة إلى قارئ الإنجيل الثاني، أن يعلم أنّ الرُّسل يُخرجون الشّياطين. إذ عندما دعاهم يسوع، أرسلهم ليكرزوا، وأعطاهم سلطانًا ليخرجوا الشّياطين (مر 3: 14-15). وهذا ما يعود فيفعله معهم في هذا الإنجيل. فضلاً عن ذلك، أرسل يسوع الرّسل فخرجوا وكرزوا بالتوبة، وكانوا يطردون شياطين كثيرين (مر 6: 12-13).

ويسوع بذاته طرد الشّياطين (مر 1: 34، 39) وأخرج الشّيطان من إبنة إمرأة وثنيّة من أصل سوريّ فينيقيّ (مر 7: 24-30) وعلى ما يخبرنا النصّ الذي يتبع الآية 8 من هذا الفصل الأخير في الإنجيل، تراءى يسوع أوّلا لمريم المجدليّة، تلك التي طرد منها سبعة شياطين (مر 16: 9). وكلّ طارد للشّياطين باسم يسوع هو معه (مر 9: 39-40).

خلاصة القول في هذا المجال، أنّ يسوع نفسه طرد الشّياطين وذلك كنشاط عاديّ عنده، وأعطى الرّسل هذا السّلطان فقاموا به خلال تدبيره الخلاصيّ على أرضنا. وها هو يؤكّد أنّهم سوف يطردون الشّياطين في رسالتهم بعد صعوده إلى السّماء.

خلافًا لطرد الشّياطين التي مارسها الرّسل خلال وجود يسوع على الأرض، لا يروي الإنجيل خبر التكلّم بلغات عديدة، بل إنّ هذه الحالة ترد فقط هنا ويرويها كتاب أعمال الرّسل (أع 2: 1-11).

 

الآية 18: ويمسكون الحيّات، وإن شربوا سمّا مميتا فلا يؤذيهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون".

نجد يسوع، في إنجيل لوقا، يعطي تلاميذه سلطانًا ليدوسوا الحيّات والعقارب، وكلّ قوّة العدوّ، فلا يؤذيهم شيء (لو 10: 19).  وإنّ كتاب أعمال الرّسل يذكر كيف أنّ القديس بولس سيطر على خطر الأفعى (أع 28: 3-6).

أمّا شفاء المرضى، فقط استطاع الرّسل، بالسّلطان المُعطى لهم من الربّ وهو بعد معهم على الأرض، أن يمسحوا بالزيت مرضى كثيرين ويشفوهم (مر 6: 13). وهذا امتداد لعمل يسوع الشّفائيّ.

والمؤمنون سوف يضعون يدهم على المرضى ليشفوا. هذا ما فعله يسوع مرارًا في الإنجيل (مر1: 41؛ 5: 23؛ 6: 5؛ 7: 32؛ 8: 23، 25). كما بارك يسوع الأطفال إذ وضع يديه عليهم (مر 10: 16). وإنّ عبارة "وضع اليدّ" ترد في العهد القديم، في اللغة اليونانيّة، في رواية شفاء نعمان السّوريّ على يدّ أليشاع النبّي (2 مل 5: 11)، فترتبط هذه الحركة بالشّفاء على يد نبيّ قدير، أيّده الله بأعمال جبّارة. ولا شكّ في أنّ وضع اليد، هو للدّلالة على أن القوّة الخلاصيّة الموجودة في المرء، تنتقل إلى الآخر الموضوعة اليد عليه، ليخلص من حالته أو يبارك. هذا ما تؤكّده حضارات عديدة.

ولنا شهادة القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس، كيف أنّ الشّفاء موهبة في الرّوح القدس (1 قور 12: 9، 28، 30). كذلك، يعلّمنا القدِّيس يعقوب عن الشّفاء كموهبة في الكنيسة (يع 5: 14-15).

ويؤكّد يسوع أنّ المرضى سوف يُشفون. والترجمة المفصّلة للعبارات المستعملة، هي أنّ المرضى يحصلون على ما هو حسن، وربّما في ذلك شموليّة أكثر، أي المرضى ليس فقط سوف ينالون الشّفاء الجسديّ من الأمراض المصابين بها، بل إنّهم سوف يكونون في حالة جيّدة، وربّما يعني ذلك أيضًا، الإيمان بالبشارة المسيحيّة، وهذا ما يأتي في إطار المهمّة التبشيريّة للرّسل.

 

الآية 19: وبعدما كلّمهم يسوع، رُفع إلى السّماء، وجلس عن يمين الله.

كلام يسوع كان إرسالا وتنبؤًا، ويعلم الذين كتبوا كتب العهد الجديد كافّة، إنّ هذا الإرسال وهذه النبوءة قد تحقّقا، أي أنّ الرّسل مضوا يكرزون بالإنجيل، وأنّ الآيات رافقتهم. هذا ما تبيّنه أيضا الآية اللّاحقة، إذ، إنّ كلام يسوع في الإنجيل قد تحقّق إذ قام الربّ من الأموات. وكلامه الذي قاله لرسله بعد القيامة سوف يتحقّق أيضًا. إنّها أمانة كاملة لكلّ ما تلفّظ به الرَّبّ.

بعد هذا الكلام، رُفع يسوع إلى السّماء. إنّ المجهول المستعمل في هذا النصّ، هو مجهول إلهيّ، أي إنّ الله رفعه إلى السّماء. وهذا الفعل بالذات هو الذي يستعمل للحديث عن صعود يسوع إلى السّماء في كتاب أعمال الرّسل (أع 1: 2، 11، 22). والسّماء في مفهوم القدّيس مرقس هي مسكن الله والملائكة. فقد انفتحت السَّموات ونزل الرُّوح القدس على يسوع عند معموديّته، ومن السَّماوات سُمع صوتُ الآب يقول: "أنت ابني الحبيب" (مر1: 10-11). وإلى السَّماوات نظر يسوع حين بارك الخبز (مر6: 41) وعند شفاء أصمّ أخرس (مر 7: 34). ويؤكّد يسوع أنّ الله هو في السَّماوات حين يقول: "وإذا قمتم للصّلاة، وكان لكم على أحد شيء، فاغفروا له لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السّماوات زلاتكم" (مر 11: 25). وإنّ معموديّة يوحنّا هي من السّماء، أي من عند الله (مر 11: 30-31)، وابن الإنسان سوف يأتي على سحب السَّماء (مر 14: 62).

من اللافت  أن أوّل ذِكر للسّماء، هو لنزول الرّوح القدس على يسوع، ولسماع صوت الآب عند معموديّة يسوع، وآخر ذكر للسّماء، هو في إطار صعود يسوع. إنّه بلا شكّ بعدٌ ثالوثيّ لهذه العبارة، التي ارتضت الثقافة الدينيّة اليهوديّة، أن تجعلها مسكنًا لله ولملائكته، فتابع الفكر المسيحيّ هذا المنحى وبيّن أنّها مسكن الله الثالوث.

وتؤكّد هذه الآية التي نتأمّل فيها الآن، أي مر 16: 19، أنّ السّماء مسكن الله، إذ يتابع مرقس فيقول: وجلس عن يمين الله، ولكن ماذا يعني الجلوس عن يمين الله؟

في اليوم الثالث من وجوده في أورشليم (مر 11: 20 وما يتبع)، طرحت على يسوع أسئلة كثيرة (بأي سلطان يعلّم؟ هل يجوز دفع الجزية إلى قيصر؟ لأي رجل تكون المرأة المتزوجة مرّات عديدة، عند قيامة الأموات؟ ما أولى الوصايا كلّها؟)، لكنّ السؤال الأوّل الذي طرحه يسوع نفسه كان عن هويّة المسيح: كيف هو ابن داود وداود نفسه يدعوه ربّا (مر 12: 35-37)؟ في هذا السّؤال الذي طرحه يسوع، استشهد بالمزمور 110: 1، قائلا انّ داود تلفّظ به عن المسيح، بوحي من الرّوح القدس، أي أنّ ما قاله داود هو حقّ: "قال الرَّبُّ لربّي: اجلس عن يميني، حتّى أجعل أعداءك موطئا لقدميكَ!". فالمسيح يُدعى ربّا، تمامًا كما الله، من قبل داود، بوحي من الرُّوح القدس. وهو، أي المسيح، يجلس عن يمين الله بإرادة من الله، إي أنّه ربّ ذو سلطان، كما الله. فالجلوس عن يمين الله مخصّص للمسيح. ولكنّ يسوع ذاته أكّد، ملمّحًا إلى المزمور نفسه، أي مز 110: 1، أنّ ابن الإنسان يجلس عن يمين القدرة، أي عن يمين الله، عندما أجاب على سؤال عظيم الأحبار: "هل أنت المسيح ابن الله المبارك؟" (مر14: 61-62). إذ الجالس عن يمين الله هو المسيح وهو ابن الله.

وتُردّد الرّسائل، في العهد الجديد، أنّ يسوع يجلس عن يمين الله (اف 1: 20؛ قول 3: 1؛ عب 12: 2).

فالجلوس عن يمين الله في مر 16: 19، تعبير واضح عن هويّة يسوع وعن المكانة التي يحتلّها: إنّه المسيح والربّ، الذي له سلطان الله ذاته، إنّه ابن الله. هذه المعتقدات قدّم لها القدّيس مرقس في الآية الأولى من إنجيله، وبيّنها مرارًا في سياق الإنجيل، فرأى فيها كلّ مؤمن صدى لإيمانه، بأنّ يسوع هو المسيح، وهو ابن الله الجالس عن يمين الله.

 

الآية 20:أمّا هم فخرجوا وكرزوا في كلّ مكان، والربّ يعمل معهم ويؤيّد الكلمة بما يصحبها من الآيات.

بعد صعود الربّ يسوع إلى السّماء، حيث جلس عن يمين الله، تطالعنا الآية الأخيرة من هذا النصّ، التي هي في الوقت عينه الآية الأخيرة من إنجيل مرقس القانوني إنّ إرادة الربّ تمّت، وأنّ تنبّؤه عن الآيات والعجائب التي تصحب المؤمنين تمّ أيضًا. ففي هذه الآية، يخبرنا الكاتب أنّ الرّسل نفّذوا ما أمرهم الربّ به، فخرجوا يكرزون في كلّ مكان. فهم خرجوا يكرزون بالإنجيل، إنجيل يسوع المسيح ابن الله، إنجيل الله، إنجيل التوبة لأنّ ملكوت الله أقبل. وكرازتهم تمّت في كلّ مكان، أي أنّهم لم يستثنوا أيّ إنسان، أو أيّ موضوع، كان باستطاعتهم الوصول إليه، وهذا دليل واضح على شموليّة العمل الرّسوليّ التّبشيريّ.

وتُبيِّن هذه الآية بُعدَيّ الرِّسالة المسيحيَّة: كرازة وآيات.

فيقول لنا كاتب الإنجيل إنّ الربّ كان يعمل معهم، ويؤيّد الكلمة بما يصحبها من الآيات. إذا، الرَّبّ هو الفاعل لهذه الأفعال الثلاثة (يعمل، يؤيّد، يصحب) التي تبيّنه هذه الآية الأخيرة من إنجيل مرقس القانونيّ. فتُرك القارئ مع الإنطباع، وهو انطباع صحيح، أنّ الرَّبّ أرسل تلاميذه يكرزون، ولكنّه هو نفسه لا زال يعمل في الكنيسة، بالرّغم من غيابه الجسديّ عنها. إنّه صاحب الأفعال الأخيرة في الإنجيل القانونيّ. هذه قصّة بدأت مذّاك الحين مع الرّسل، وهي تتواصل إلى نهاية الأزمنة. الرَّبّ مع كنيسته، يعمل معها، إلى إنقضاء الدّهور.

 

 

2- نظرة شاملة

يأتي كلام يسوع في إطار الطعام الذي كانوا يتناولونه.

ويأتي هذا الكلام عن رسالة التلاميذ، مباشرة بعد التأنيب الذي وجّهه إليهم، على عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم، وكأنّ الربّ يقول لهم إنّهم سوف يحملون البُشرى بالرّغم من ضعفهم، فهو يعضدهم. هذا ما سوف يبيّنه النصّ بكامله. فهو سوف يعضدهم بالآيات.

يتمّ إعلان البشارة بالسّفر من مكان إلى مكان، لِتَعُمّ هذه البشارة العالم كلّه. من هنا يُراد من كلمات يسوع الأخيرة تبيان شموليّة البشارة المسيحيّة، أي أنّها تعُمُّ كلّ الخليقة، أي كلّ إنسان، دون فرق بين لون وعرق ودين وبلد أو أي فرق آخر بين النّاس.

وإيصال البشارة إلى كلّ الخليقة يعني أنّ يسوع هو ربّ على كلّ الخليقة. إنّ فعل "يكرز"  أو "يبشّر" يخبر، في إنجيل مرقس، أوّلاً عن عمل يوحنّا المعمدان، وثانيًا عن عمل يسوع، وهو يُخبر عن عمل الرُّسل. وبذلك تواصل أكيد في تصميم الله الخلاصيّ على يد النبيّ يوحنّا المعمدان وعلى يد ابن الله يسوع وعلى يد الرُّسل.

والإنجيل هو كلّ ما عمل يسوع وعلّم.

ويسوع يعلم أنّ أمره إلى الرُّسل سوف يتمّ، فقد أنبأ سابقـًا أنّه سيُكرز بالإنجيل في الخليقة كلّها (مر 13: 10؛ 14: 9).

من آمن واعتمد يخلص، يعني أنّ  الإيمان المرفق بالمعموديّة،  هو الطريق الضروريّة للخلاص.

أمّا مَن لا يؤمن، أي من يتعنّت ضدّ الحقّ، فسوف يُدان.

وإنّ الربّ يشاء خلاص كلّ إنسان، ولكن الدينونة هي علامة لاحترامه الإنسان وحريّته، وعلامة لجديّة الخلاص الذي يُبشر به.

الآيات تتبع المؤمنين وليس فقط الرّسل. ولكن هذا لا يعني أنّ جميع المؤمنين سوف يقومون بهذه الآيات، بل إنّ هناك تعدّدًا للمواهب.

وجميع الآيات تجري باسم يسوع.  إنّه الاسم الوحيد الذي يُعطي الخلاص.

طرد الشّياطين هو امتداد لعمل يسوع في تدبيره على الأرض، ولعمل الرّسل أنفسهم، يوم أعطاهم الرَّبّ السُّلطان ليطردوا الشّياطين. ما تمّ خلال حياة يسوع على الأرض يتواصل، في الكنيسة، بواسطة المؤمنين.

كذلك القدرة الشّفائيَّة، هي امتداد لعمل يسوع على الأرض، ولعمل الرُّسُل أيضا، يوم أعطاهم الرَّبّ السُّلطان وهو بعد على الأرض.

التكلّم بلغات جديدة، هي أيضا قدرة معطاة من الربّ، وترد في أعمال الرُّسل.

ووضع اليدّ من أجل الشّفاء، هو للدّلالة على أنّ القوّة الخلاصيّة الموجودة في المرء، تنتقل إلى الآخر الموضوعة اليد عليه، ليخلص من حالته أو يبارك.

بعد جميع هذه الكلمات، رُفع يسوع إلى السّماء. هذا يعني أنّها الكلمات الأخيرة التي تلفّظ بها يسوع، وفقًا لإنجيل مرقس القانونيّ. إنّها كلمات إرسال وكلمات نبوءة سوف تتحقق. بالفعل، تمّت هذه النبوءة، إذ خرج الرّسل يبشّرون وكانت الآيات تتبعهم.

كلام يسوع في الإنجيل تحقّق إذ قام الرَّبّ من الأموات. وكلامه الذي قاله لرسله بعد القيامة، سوف يتحقّق أيضا. إنّها أمانة كاملة لكلّ ما تلفّظ به الرَّبّ.

رُفع يسوع إلى السَّماء، أي إلى مسكن الله. وجلس الربّ عن يمين الله، أي إنّه يشاركه السُّلطان نفسه. إنّه المسيح والرَّبّ.

إنّ أولّ ذكر للسّماء، هو لنزول الرّوح القدس على يسوع، ولسماع صوت الآب عند معموديّة يسوع؛ وآخر ذكر للسّماء، هو في إطار صعود يسوع. إنّه بلا شكّ بُعد ثالوثيّ لهذه العبارة التي ارتضت الثقافة الدينيّة اليهوديّة أن تجعلها مسكنًا لله ولملائكته، فتابع الفكر المسيحيّ هذا المنحى وبيّن أنّها مسكن الله الثالوث.

وتبيّن الآية الأخيرة من هذا النص، التي هي في الوقت عينه الآية الأخيرة من إنجيل مرقس، كيف أنّ الرَّبّ هو الفاعل للأفعال الثلاثة (يعمل، يؤيّد، يصحب) التي تمّت لمصلحة البشارة. فالرَّبّ مع الكنيسة، حتى نهاية الأزمنة.

 

 

ثانيا- خواطر روحيّة

"وصعد إلى السّماء". إنّها عبارة من قانون الإيمان، الذي نتلوه مرارًا، ونعترف من خلاله أنّ يسوع الذي عاش على أرضنا وصلب ومات وقام، صعد إلى السّماء وجلس عن يمين الآب. إنّه ابن الله، إله حقّ وإنسان حقّ. عيد الصّعود، فرصة نتأمّل فيها بحدث، له وقعه على إيماننا وأحداث حياتنا.

 

1-صعود الربّ وإرسال التلاميذ

يدفعنا عيد الصّعود إلى عدم الإنغماس في أمور الأرض، دون التطلع إلى السّماء. وربّما تعطينا رسالة قولسي أمثولة جميلة عن معنى الصّعود، خاصّة وأنّ العبارات تذكّرنا بحدث الصّعود والجلوس عن يمين الله: "إذا إن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما هو فوق، حيث المسيح جالس عن يمين الله" (قو 3: 1). إنّ عيد الصّعود هو إذًا دعوة لنا، لكي نتطلّع إلى السَّماء، لكي نتأمّل في يسوع المنتصر على الموت، الممجّد، الجالس عن يمين الله. فتكون الأنظار إلى العلى، إلى السّماء، مسكن الله. وإنّ هذا ما يجب أن يكون مبدأ حياتيّا لنا، به نعترف بأولويّة الأمور السماويّة والإلهيّة في حياتنا.

وتزيد حاجةَ الإنسان بالنظر إلى العلى، كلُّ الأمور الأرضيّة والنكبات التي يرزح الإنسان تحتها. فيجد بالنظر إلى السّماء سبيلا ينجو من عبثيّة بعض الأمور الحياتيّة. إنّ هذا لأمر حميد أعطاه الرَّبُّ للإنسان، لكي يعلم أنّ عزاءه الحقيقيّ يأتي من السّماء، من عند الله.

ولكنّ كلّ ذلك، لا يعني أنّ المؤمن يجد في الدين وفي العبادة، هروبًا من الحياة اليوميّة والعاديّة. بل إنّ المؤمن الحقيقيّ هو الذي يستقي من النظر إلى السّماء، وعيًا والتزامًا؛ به يطعّم حياته اليوميّة والعاديّة.

في تأمّله في حدث الصّعود، يفهم المؤمن الحقيقيّ أنّ يسوع الذي صعد إلى السّماء، والذي يجلس إلى يمين الله، هو ذاته الذي ثابر في رسالته على الأرض، حتّى البذل على الصّليب. إنّه يسوع الذي ظلّ  باتّحاد كامل مع "ما فوق"، مع "من في السّماء"، مع الله، فأتمّ ما كان عليه أن يتمّ، ولم يتخاذل.

وفكرة إتمام الرّسالة، في علاقة مع حدث الصّعود، نفهمها ممّا أوكل الرَّبّ به التلاميذ. فهو كلّفهم برسالة على الأرض، مباشرة قبل أن يصعد. أوصاهم بحمل البشارة إلى العالم كلّه. وإنّ ما نقرأه في أعمال الرّسل يؤكّد هذا المنحى. فعند صعود يسوع، إذ كان الرّسل شاخصين إلى السّماء، إذا رجلان قد وقفا بهم في ثياب بيضاء، وقالا: "أيّها الرّجال الجليليّون، ما بالكم واقفين تحدّقون إلى السّماء؟" وكأنّ هذين الملاكين كانا يقولان للرّسل: "عودوا الآن إلى الحياة اليوميّة، ونفّذوا ما أمركم به الرَّبّ، أي احملو البشارة إلى ذواتكم أوّلا وإلى العالم كلّه ثانيًا".

إنّ هذه الأمثولة تصلح لكلّ مؤمن حقيقيّ، يودّ التأمّل في حدث الصّعود، في الربّ الجالس إلى اليمين، ويودّ العيش ملتزما بالبشارة المسيحيّة، في حياته اليوميّة.

 

2- الربّ عامل في الكنيسة إلى منتهى الدّهور

في الإنجيل الذي تأمّلنا فيه اليوم، قرأنا أنّ الربّ أرسل تلاميذه، ثمّ صعد إلى السّماء، ثمّ راح يعمل معهم ويؤّيد الكلمة بما يصحبها من الآيات. هذا يعني أنّ الرَّبّ عامل في كنيسته. وهذا يعنينا في حياتنا اليوميّة، نحن كمؤمنين. فلنعلم أنّ الربّ يسوع حاضر يتابع الحياة معنا، يعمل معنا من أجل الخير.

 إنّ هذه مسلّمات إيماني!

يشعر بها الكثيرون، إذ يكتشفون أنّهم لا يقودون حياتهم وحدهم، بل إنّ الربّ فعّال في الحياة، يساعد الإنسان من أجل الخير والمحبّة والطّيبة.

في الوقت عينه، مباشرة قبل الصّعود، طلب الربّ من الرّسل الكرازة وأرسلهم. هذا يعني أيضًا بالنسبة إلينا، أنّ الصُّعود يدفعنا إلى أن نكون عملة مع الربّ في حقل الكنيسة والعالم. الرَّبّ يريد إيصال الإنجيل، أي البُشرى السّارة، بشرى الخلاص والطيبة والمحبّة، إلى كلّ إنسان. فيعمل هو لذلك ويكشف عن ذاته بطرق مختلفة. لكنّه يطلب أيضًا من كلّ مؤمن، أن يكون له دوره الفعّال في حمل الإنجيل وعيشه ونقله إلى الآخرين.

 

3- الكرازة والآيات

إنّ الربّ يعمل في الكنيسة من خلال الكلمة التبشيريّة، وأيضًا من خلال الآيات. فيقول لنا إنجيل اليوم أنّ الربّ كان يعضد بشارة الرّسل بالآيات. فالمهمّ أولا هي الكلمة التبشيريّة، وإذا كانت الأعجوبة تؤيّدها، فلا يعني ذلك أنّنا يجب أن ننتظر الأعجوبة ليأتي الإيمان، هذا مع علّمنا أن الآيات ممكنة. فالله قدير على صنع الأعجوبة.

يكفي التفكير في عمل الخلق الذي يشكّل الأعجوبة الأولى التي عرفها الإنسان. وفي العهد القديم، يلمع حدث خروج شعب الله من أرض العبوديّة إلى أرض الميعاد، كأعجوبة مثلى، تتحدّث عنها مرارًا كتب هذا العهد، لتبيان تدخّل الله الخلاصيّ في تاريخ الشّعب. وفي العهد الجديد، بخبرنا الإنجيل عن عجائب يسوع ابن الله، الذي مشى على أرضنا وأغدق الطيبة والمحبّة على الإنسان. كما يروي كتاب أعمال الرّسل كيف أنّ تلاميذ يسوع قاموا بعجائب مماثلة، فشفوا المريض والمخلّع وأقاموا الموتى، وتمّ كلّ ذلك باسم يسوع. وفي التاريخ الكنسيّ القديم والمعاصر، لا تغيب الأعجوبة عن الكنيسة.

 

ولكنّ أمر الأعجوبة محيّر، فدورها هو أوّلا أن تعضد الكلمة التبشيريّة، لا أن تحتلّ مكانها. من ناحية أخرى، يطرح الكثيرون منّا السؤال، لماذا حدثت الأعجوبة مع هذه السيّدة وليس مع تلك، لماذا شفى هذا الرّجل ولم يُشفِ ذاك، أسئلة محقّة، ولكن في الجواب الصّائب على هذه التساؤلات فرح الإنسان. هناك مجرى طبيعيّ لسير الأمور، وبالطبع، لا يتدخل الله دائما خارقـًا هذا المجرى الطبيعيّ. لكن في بعض الأحيان، تأتي الأعجوبة. يغيّر الله مجرى الأمور إذ يتشفّع قدّيس، إذ يحدث أمر لا أحد منّا يفهمه، قد يكون نصر مظلوم، أو تنبيه للتوبة، أو ما قد يكون. المؤمن الحقيقيّ هو من يقبل بمحدوديّة طبيعة الإنسان، من يقبل الدّخول في تصميم الله الخلاصيّ له وللعالم، دون الإدّعاء أنّ بإمكانه فهم الدّواعي التي بها يتدخل الله في مجرى الأمور أو لا. هذا هو الموقف السَّليم. فعلى الإنسان القول أنّه ليس باستطاعته فهم تصرّف الله وحكمته. ما يستطيع فهمه هو أنّه يجب أن يتوجّه إلى الله قائلا: "لتكن مشيئتك"، مسلّما ذاته له. فهذا الموقف، دلالة على فهم عميق لحيثيّة الإنسان أمام الله، وليس هو تخاذلا وتسليمًا سلبيًّا للذات. فالتمرد أو فرض الأعجوبة على الله، إنّما هي تجارب نبّه عنها الكتاب المقدّس في عهديه القديم والجديد. ألم يقل المجرّب للمسيح، محاولا فرض الأعجوبة عليه: "ألق بنفسك إلى الأسفل، فتحملك الملائكة"؟ أما أجابه يسوع: "لا تجرّب الربّ إلهك"؟ إذا فلنُمِل قلبنا إلى الله ولنترك له خيار الأعجوبة أو لا. إذا سلّمنا بهذا المنطق، تحدث بالطبع أعجوبة تحوُّلنا من الداخل وعيش السّلام، الذي لا يمن لأحد، ولا لأي شيء أن ينزعه منّا، لأنّه سلام يأتي من الله.

 

ما دمنا في معرض التأمّل في الأعجوبة التي ترافق الكلمة التبشيريّة، فلنتنبّه إلى أن نكون واقعيِّين، ولا نجعل كلّ أمر أعجوبة في حياتنا، ولا نصدّق كلّ خبر وكأنّه أعجوبة، مع علمنا الكامل بأنّ الله قادر على الأعجوبة وأنّ شفاعة القدّيسين كبيرة عنده وباستطاعة الرَّبّ فعل الأعجوبة.

خلاصة القول في هذا المجال، هو أنّ الله أعطانا كلمته التي يجب أن نؤمن بها والكافية لإعطائنا الخلاص. يعود إليه، أي إلى الله، أن يحدّد متى يعضد الكلمة بالأعجوبة. موقفنا هو الإيمان في جميع الأحوال.

 

خاتمة

عسانا، في عيد الصّعود المبارك، نتأمّل في الربّ الممجّد الجالس إلى يمين الله، ونلتزم بحياتنا المسيحيّة على الأرض، عالمين أنّ الرَّبّ معنا لا يتركنا أبدًا، يعطينا كلمته ويؤيّدها بالآيات.

 

الأب هادي محفوظ

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية