صورة المربي في العهد القديم

 

 

 

صورة المربي في العهد القديم

 

 

صورة المربي في العهد القديم

 

قد يعتقد البعض أنّنا نختار موضوعًا من المواضيع، ألا وهو "التربية" في الكتاب المقدّس. ولكنّ الحقيقية هي أنّ الكتاب المقدّس كلّه هو كتاب تربية. علينا أن نعرف أنّه في بداية الأمر لم يكن العهد القديم مكتوبًا، بل بقي مئات السنين يُتناقل بشكل شفهيّ من الأب إلى ابنه. كان الجدّ الأكبر في العائلة يجمع كلّ مساء أطفاله وأحفاده الصغار، يتحلّقون حوله، ليخبرهم قصّةً تسلّيهم وتنفعهم. كانت هذه وسيلة الترفيه والتسلية في الليالي. وهكذا كان الجدّ يخبرهم قصّةً من قصص الآباء الأقدمين: إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وهارون وغيرهم. كانت التربية الدينيّة تُعاش في هذه الدائرة العائليّة.

يتمّ اختيار قصّةً عن حياة هؤلاء الآباء الأقدمين لأنّهم تمكّنوا من تحقيق شيء عظيم في أيّامهم؛ لأنّهم ساروا خلف الله، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من نجاح وخلاص. ويريد الجدّ الذي يروي القصّة نقل هذه الخبرة لأولاده حتّى يتّبعوا هم أيضًا المثال نفسه ويصلوا بالتالي إلى السعادة نفسها التي عاشها أسلافهم. من هنا نفهم أنّ اختيار القصّة كان يأتي جوابًا على مشلكة ما تعيشها العائلة أو درس ما يجب أن تتعلمه أو خطوة تقدّم مطلوب منها أن تقوم بها، فيأتي الدرس على شكل قصّة تروى في العشيّات.

إذًا نفهم تمامًا أنّ الكتاب المقدّس ليس كتاب تاريخ بالمعنى الحصريّ، أي أنّه ينقل لنا تفاصيل الأمور بالتواريخ والأحداث، بل هو كتاب العبرة والموعظة. إنّه عربون حبّ أب يخاف على ابنه ويريد أن يورّثه كنزًا، اختبر هو من خلاله السَّعادة الحقّة. إنّه رسالة أو وصيّة من أب إلى أبنائه. نجد مثلاً انّ أغلب المقاطع في سفر الأمثال تبدأ بعبارة: "إسمع يا بنيّ...". هي نصيحة الأب. وأيضًا نجد في العهد القديم عدّة تكرارات للقصّة نفسها. والحقيقة أنّ الهدف من هذه التكرارات هو مساعدة القارئ على الحفظ، تمامًا كما يفعل اليوم الأستاذ في الصفّ أو الأب في البيت إذ يدرّس ولده. حتّى أنّ كلمة توراة نفسها تعني "تعليم". أي أنّ هذا الكتاب هو كتاب التعليم والتربية.

وماذا يقدّم لنا الكتاب المقدّس؟

 نجد فيه صورة الله المربّي بامتياز. من يقرأ الكتاب المقدّس بتمعّن يفهم أنّ الله كان يجب أن ينتهي من عمله في الأسبوع الأوّل من الخلق. ففي اليوم السابع يقول النصّ أنّ الله استراح من كلّ ما عمله. فهو بالتالي من المفروض أنّه أنهى عمله كخالق. يقول النصّ حرفيًّا: "اُكملت السماوات والأرض وكلّ جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل" (تك ٢: ١-٢) إذًا انتهى كلّ شيء وكمل كلّ عمل، بدون أي نقصان. لا بل أيضًا يجب القول أنّ الله نجح في ما فعل، إذ يقول النصّ أنّ الربّ رأى ذلك أنّه حسن، وأنّه حسن جدًّا. للحظة، يعتقد القارئ أنّ الكتاب المقدّس يجب أن ينتهي هنا؛ نجحت المهمّة. يمكننا أن نرتاح.

ولكن، في الفصل الثاني من سفر التكوين، في قصّة الخلق الثانية، نجد أنّ الله توقّف عن العمل، بعد أن خلق جنّة عدن. عندئذ أخذ الإنسان المبادرة وبدأ باتّخاذ قراراته: قرّر الأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ، الشجرة الممنوعة؛ فوقع بالخطيئة. ويُظهر النصّ أنّ خطيئة آدم ليست في حسبان الله، بمعنى أنّه لا يريدها.

 نجد أنّ الله عندما نزل إلى الجنة ليبحث عن آدم المختبئ بسبب خطيئته، لمّا وجده سأله مستهجنًا: "هل أكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا تأكل منها؟". وهكذا نفهم، أنّه عندما أنهى الله عمله الخالق، خرّب الإنسان كلّ شيء حسن بسبب سقطته. ولكن الله، الأب المربّي، لن يدع ابنه الإنسان لمصيره، بل سيعاود التدخّل لكي يُصلح ما تهدّم.

وهذا هو الكتاب المقدّس، سقطات من الإنسان وحلول من قبل الله، ودروس يلقيها عليه ليتعلّم.

 وسيبقى الله مصرًا على التربية ومعالجة كلّ المشاكل المستجدة إلى أن يعيد كلّ شيء إلى مكانه، بل أفضل ممّا كان. نجد أنّ الكتاب المقدّس يبدأ بخسارة جنّة عدن، كما قلنا. ولكنّنا نجد في آخر الكتاب المقدّس، أي في الفصل الأخير من سفر رؤيا يوحنّا، أنّ عدن عادت أجمل ممّا كانت، هبطت من السماء أورشليم الجديدة المدينة الذهبيّة واعمدتها من الأحجار الكريمة. كانت عدن الأولى تتزيّن بالفاكهة أمّا عدن الجديدة فتتزين بالجواهر، كعروسة زُفّت إلى عريسها. ونجد أيضًا أنّ آدم خسر الجنّة بسبب الحيّة عدوّته التي انتصرت عليه. لذلك نجد أنّ الملاك يقتل التنّين، الحيّة القديمة، في سفر الرؤيا، قبل استعادة أورشليم السماويّة.

هذا هو الكتاب المقدّس، إله محبّ ومربٍّ، يعالج كلّ صعوبات الإنسان ويقوده خطوةً خطوةً نحو الملكوت.

تفاعل الله كمربٍّ بشكل خاص من خلال النبيّ. هذه الصورة الأساسيّة في العهد القديم قادت الشعب في أحلك ظروفه الإيمانيّة والتاريخيّة.

فالنبيّ مرسل من الله لإكمال عمله التربويّ، أي لإصلاح ما أفسده الإنسان والخطيئة. نلاحظ في العهد القديم أنّ الأنبياء يظهرون في الفترات التي يتفاقم فيها الشرّ. مثلاً، عند انقسام المملكة سنة، ٩٣٣ ق.م.، انبرى الأنبياء يناضلون ضدّ الإنقسام وضدّ اقتتال الأخوة، مشدّدين إنّ الله أب؛ ولا يمكن لأبٍ أن يفرّق بين أولاده أو أن يقبل بوجود الانشقاق بينهم. ويوم انغمس اليهود في عبادة البعل، استرضاءً لحكام صور وصيدا الأغنياء، وقف الأنبياء، وعلى رأسهم إيليّا، سدًّا منيعًا ضد هذا التيّار، مشدّدين على نقاوة الدين. لم يخف الأنبياء من أحد في إعلان الحقيقة، بل واجهوا الملك يوم استعمل سلطانه السياسيّ لمصلحته الشخصيّة، ووجّهوا أقسى الانتقادات للمتسلّطين والأغنياء يوم استعملوا أموالهم ونفوذهم لمصّ دمّ الضعفاء. جاهد الأنبياء الجهاد الحسن إلى أن ماتوا بغالبيّتهم شهداء الحقّ والحقيقة.

وبهذا، كان النبيّ الصورة الحسيّة لله المربيّ الذي لن يترك ابنه حبيبه أبدًا. ولذلك، يقف الربّ إلى جانب النبيّ في رسالته، فهي كما قلنا رسالة الله نفسه قبل كلّ شيء. ومن هنا نجد أنّ الربّ يقويّ دومًا نبيّه بكلمات التشجيع قائلاً له: لا تخف من وجوههم، لا تقل إنّي صغير، لأنّي أنا معك. والشعب أيضًا علم أنّ النبيّ هو المربّي المرسل من الله من أجلهم وحبًّا بهم، فتعلقوا بالأنبياء وكرّموهم. تحضرني في هذا السياق صورة جميلة من سفر الملوك الثاني حين أتت مركبة نارية لترفع إيليّا إلى السّماء، كيف أنّ تلميذه إليشاع كان يناديه صارخًا: "يا أبي، يا أبي، يا مركبة إسرائيل وفرسانها" (٢ مل ٢: ١٢).

من هنا نفهم أنّ كلّ مربٍّ اليوم هو نبيّ الله، مدعوّ بالتالي أن يستمدّ تربيته من تعاليم الربّ وتعاليم الكنيسة وأن يسير حسب قلب من سلّمه هذه الأمانة، أمانة التربية.

ليس المربّي إذًا حرًا ّ في اختيار المنهج، حتّى ولو كان الأب أو الأمّ نفسيهما. فالإنسان الذي بين أيدينا، ولدنا، الله خلقه، والله هو أبوه، وهو من وضع له نظامًا للكون ليعيش بسلام، كما رأينا في الصفحة الأولى من سفر التكوين، أنّ الله رأى أنّ كلّ ذلك حسن وأنّه أتمّ خلق السماوات والأرض. لن يرتاح الله إلاّ إذا عاد النظام الأوّل إلى السير كما رسم له الخالق أنّ يسير. لذلك،

فالمربّي شريك الله في إعادة الخلق إلى الحالة الأولى.

 

وبالتالي لا يمكنه أنّ يضع مخطّطًا سوى ذلك الموضوع منذ إنشاء العالم؛ وإلاّ فهو يقوم تمامًا بما قامت به الحيّة من قلب النظام وتشويه كلّ شيء، حتّى جنة عدن.

المربّي الذي يتناغم مع مشروع الله يشارك بالتالي في إتمام مشروع الخلاص وبذلك فهو يكتب صفحةً جديدة من الإنجيل المعاش، تحت رعاية ونور الرّوح القدس. وكلّ تربية لا تتناغم مع فكر الله ليست سوى يد شيطانيّة تعبث بأقدس المقدّسات، ألا وهو الإنسان، مشروع الله الأهمّ.

 

المطران جوزف نفاع

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية