ظهور يسوع للتلاميذ وتوما معهم

 

 

 

ظهور يسوع للتلاميذ وتوما معهم

 

 

 ظهور يسوع للتلاميذ وتوما معهم

(يوحنا 20: 26ـ 31)

بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّام، كَانَ تَلامِيذُ يَسُوعَ ثَانِيَةً في البَيْت، وتُومَا مَعَهُم. جَاءَ يَسُوع، والأَبْوَابُ مُغْلَقَة، فَوَقَفَ في الوَسَطِ وقَال: «أَلسَّلامُ لَكُم!». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبَعَكَ إِلى هُنَا، وٱنْظُرْ يَدَيَّ. وهَاتِ يَدَكَ، وضَعْهَا في جَنْبِي. ولا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ كُنْ مُؤْمِنًا!». أَجَابَ تُومَا وقَالَ لَهُ: «رَبِّي وإِلهِي!». قَالَ لَهُ يَسُوع: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي آمَنْت؟ طُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَوا وآمَنُوا!».  وصَنَعَ يَسُوعُ أَمَامَ تَلامِيذِهِ آيَاتٍ أُخْرَى كَثِيرَةً لَمْ تُدَوَّنْ في هذَا الكِتَاب. وإِنَّمَا دُوِّنَتْ هذِهِ لِكَي تُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ ٱبْنُ ٱلله، ولِكَي تَكُونَ لَكُم، إِذَا آمَنْتُم، الحَيَاةُ بِٱسْمِهِ.

 

 

كما كلّ سنة، في الأحد الجديد، أي الأحد الذي يلي أحد القيامة، نقرأ إنجيل ظهور يسوع لتلاميذه وتوما معهم. غريب كيف أنّنا، في حياتنا اليومية، وفي الكثير من الأحيان، نستعمل أسماء بعض الشخصيّات من الكتاب المقدّس ونظلمهم. فعلى سبيل المثل، حين يقول شخص كلامًا لا نفع له، ننظر إليه ونقول: "نطق زكريا"، مع أنّ  الإنجيل يخبرنا أنّ أولى الكلمات التي نطق بها زكريا عند ولادة ابنه يوحنّا، بعد فترة البكم التي فُرضت عليه طيلة حمل زوجته إليصابات، كانت نشيد بركة للربّ يبدأ هكذا: "تبارك الربّ". (لو 1: 68) وحين نرى إنسانًا يركض شمالًا ويمينًا ويقلق لأمور لا نفع لها، ننظر إليه ونقول بلهجة من السخرية: "مرتا مرتا"، وننسى أن مرتا هي التي سجدت عند قدمي يسوع، بعد أن مات أخوها لعازر، وقالت له: "يا ربّ، إنّي أؤمن بأنّك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم". (يو 11: 27) أمّا توما، البطل في إنجيل هذا الأحد، فله حصّته أيضًا من هذا الموضوع، إذا أصبح اسمه على لساننا مرادفًا لكلِّ موقفٍ يرفض فيه المرء أن يثق بالآخر، بل يشترط إثباتًا حسّيًا على كلّ فكرة وقول، وننسى أنّ توما هو أوّل شخص اعترف أنّ المسيح هو الله بالذات حين قال: "ربّي وإلهي!".

 

لا يمكن أن ننكر أنّ توما لم يقبل خبر قيامة المسيح بسهولة، ولكن هذا كان حال جميع الرّسل حين أخبرتهم النسوة أنّ المسيح تراءى لهنّ. ونستطيع أن نفهم صعوبة تصديق هذا الخبر، فهذه المرّة الأولى التي يقوم بها إنسان من الموت. لولا موقف توما لكان خبر حدث القيامة أشبه بحكايات الأطفال أكثر منه إلى البُشرى السَّارة، لولا وجود توما في خبر قيامة الربّ لنقص شخص يشبهنا ونشبهه.

 إنّ اسم "توما" يعني التوأم، فربّما له أخ أو على الأرجح كلّ واحد منّا هو توأمه.

إنّ توما هو شخص يأخذ مسيرته الإيمانية على محمل الجدّ، فهو لا يقبل أن يكون مؤمنًا ساذجًا يقبل كلّ الأمور بدون تمييز، بل يريد أن يختبر اللقاء بالمسيح، وهو على حقّ.

ولكن ما قد يكون مبالغًا به هو حيث يشترط الإنسان أن ترضخ أمور الإيمان لمقاييسه العقليّة والحسيّة. فالإيمان يتخطّى دومًا فكرنا وعقلنا و يشترط منّا فعل ثقة.

من المؤكّد أنّ هذا الأمر ليس سهلًا، فالقدّيس توما يُرينا أنّ الإيمان لا بدّ أن يمرّ أحيانًا بلحظات شكّ وبفترات من الظلمة، ولكن، إن عرف الإنسان كيف يعبر هذه الصعوبات، ينضج إيمانه وينمو.

 فالمحن والتحديات يهذّبان الإيمان، فلا يستسلم المؤمن حين يمرّ بها. الإيمان هو لقاء بالمسيح. هو ليس أوّلًا أفكارًا أو ثقافة دينيّة أو عقائد يردّدها المؤمن أو ممارسات يتمّمها؟

 

 الإيمان هو أوّلًا وآخرًا اللقاء الشخصيّ بالربّ يسوع القائم من الموت. هذا ما عاشه توما حيث رأى المسيح. ولكن نحن لن نرى يسوع كما هو رآه، فالحالات التي يظهر بها يسوع للأشخاص هي ناردة جدًا، ولذلك قال يسوع لتوما: "طوبى لمن لم يروا وآمنوا!" هذه الجملة موجّهة إلينا. إن أردنا أن نؤمن لا بدّ أن نقبل بألّا نبني إيماننا على مشاهدة العين. هذا لا يعني أنّه يجب أن نصدّق كلّ ما نسمع (فهذا ليس إيمانًا بل غباوة)، ولكن، لا يمكن أن نكون أيضًا من الشكّاكين الذين لا يصدّقون إلّا ما تراه أعينهم. فالإيمان هو عمليّة بحث ونضوج وتمييز... وثقة. إلّا أنّه يوجد مكانان بحسب هذا الإنجيل، نستطيع أن نلتقي فيهما بالمسيح بطريقة مميّزة (ولكن، هذا لا يعني  أنّهما المكانان الوحيدان).

المكان الأوّل هو جماعة المؤمنين. أراد توما أن يرى يسوع ويلمسه كي يؤمن بأنّه قام من بين الأموات. كان باستطاعة يسوع أن يتراءى له وحده، ولكنّه ظهر له بينما كان موجودًا مع التلاميذ الآخرين. جماعة الرّسل هي الكنيسة، ولا يمكن أن نلتقي بالمسيح لقاءً شخصيًّا وواعيًا إلّا في الكنيسة ومن خلالها. في الغرب، حين كان يأتي شخص ليطلب العماد، كان الكاهن يسأله: "ماذا تطلب من كنيسة الله؟"، فيجيب الطالب: "أطلب الإيمان". إنّ الكنيسة لا المسؤولين فيها فقط، أي جماعة المؤمنين، هي التي تحمل المسيح إلى البشر.

 

 لولا الكنيسة لما وصلت إلينا بشارة المسيح والإنجيل. قد يكون أعضاؤها ضعفاء، ونحن من بينهم، ولكن ليست هذه المشكلة "فنحن نحمل هذا الكنز بآنية من خزف لتكون القدرة الفائقة لله، لا من عندنا" (2 قور 4: 7)، وقد يكون بعض المؤتمنون عليها خطأة، ولكنّها لا تبشّر بذاتها بل بسيّدها. هذه الكنيسة، المجروحة والشجاعة في الآن عينه هي التي تعطيك المسيح. من المؤكّد أنّ إيمانك هو مسيرة داخليّة  تعيشها في خضم تحدّياتك ونجاحاتك وعواطفك وفكرك ورجائك وحزنك، ولكنّك تعيشها ضمن شعب هو شعب الله وضمن جسد هو جسد المسيح السرّي. لا تعيش هذا الإيمان في الكنيسة وحسب، بل تحتفل  به أيضًا فيها ومعها. يقول الإنجيل إنّ يسوع ظهر "بعد ثمانية أيّام "، وكان هذا اليوم يوم أحد، أي يوم الربّ، يوم الاحتفال بالقيامة.

إنّ المكان الثاني الذي فيه نلتقي بالمسيح هو من خلال جراحات المسيح. لولا توما لما عرفنا أن يدَي المسيح سمّرتا على الصّليب. فالإنجيل يقول إنّ يسوع صُلب. قد يكون الصّلب من خلال ربط اليدين والرّجلين بالحبال، ولكن بفضل توما الذي أصرّ أن يبصر ويضع إصبعه في مكان المسمارين (يو 20: 25) عرفنا أن يدَي المسيح خرقتهما المسامير.

لم يتجرّأ توما أن يلمس  جراحات المسيح بل اكتفى برؤيتها فآمن. لماذا آمن بمجرّد رؤيتها؟

 لأنّ الجروحات عي علامة  حبّ المسيح الذي قَبِلَ الموت محبّة بالإنسان. في الطلبة التي ننشدها في الجمعة العظيمة "أنا الأمّ الحزينة" يقول المسيح في إحدى الجمل: "كأس الموت ذقتها  حبًّا بساقيها".

فاليدان المجروحتان والمثقوبتان هي التي كثّرت الخبز للجمع الجائع، وهي التي أعطت النّور لعينيّ الأعمى، وهي التي لمست الأبرص وشفته، وهي التي احتضنت الخطأة، وهي التي أحبّت حتّى الموت. ما رآه توما في هذه الجروحات هو رحمة الله التي لا حدود لها. إن أردتَ أن تلتقي بالمسيح أنظر إلى جروحات المسيح حيث تفيض محبّته. ليست جروحات المسيح خمسة فقط، بل هي كثيرة في هذا العالم.

 هي في الفقير الذي يقبل الذل كي يجد الطعام لعائلته، هي في الشّاب الذي أصبح أسير المخدرات أو أسير الشّهوة والذي يصارع بصدق كي يستعيد الحريّة الحقيقيّة، هي في المنبوذ بسبب آرائه وشكله والذي لا يزال يفتح باب بيته للجميع، هي في المريض الذي يقبع في سريره ولا من يلتفت إليه ويؤاسيه ولكنّه يحمل أولاده وأصدقاءه في صلاته، هي في الأرملة التي أضحت وحيدة وتعمل بكدّ لتهتمّ بتربية أولادها تربية صالحة. جروحات المسيح كثيرة في هذا العالم، إن لمستَ فيها فيض محبّة ورأيتَ فيها قدرة العطاء تلتقي عندئذٍ بالمسيح.

عندما علم يسوع أنّ صديقه لعازر مات وقرّر أن يأتي إلى بيت عنيا ليُحييه من الموت، إنتصب توما وقال: "فلنمضِ نحن أيضًا لنموت معه!" (يو 11: 16) هكذا قال، ولكن، لم يكن حينها الفعل على قدر القول، فحين سُجن يسوع وصُلب، هرب توما مثل أغلبيّة الرّسل.

 

ولكنّ اليوم تغيّر كلّ شيء، فتوما رأى جروحات المسيح رأى فيها محبّة المسيح ورحمته، فآمن به ربًّا وإلهًا. لم يخبرنا الإنجيل ماذا حصل له فيما بعد، ولكنّ التقليد يقول إنّه ذهب إلى الهند حيث بشّر بالمسيح وحيث مات شهيدًا حبًّا بيسوع، ويوجد قبره، بحسب التقليد، في مدينة مادراس  الهنديّة. حين رأى توما جروحات المسيح أدرك أنّ الحبّ لا يكون حبًّا حقيقيًّا إلّا إذا بلغ الذروة، فأحبّ المسيح حتّى الغاية... حتّى الموت.

 

                              الخوري غي سركيس

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية