ظهور يسوع للرّسل في العليّة

 

 

 

 

ظهور يسوع للرسل في العليّة

 

(لوقا 24: 36 ـ 48)

فِيمَا الرُسُلُ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا، وَقَفَ يَسُوعُ في وَسَطِهِم، وقَالَ لَهُم: «أَلسَّلامُ لَكُم!». فٱرْتَاعُوا، وٱسْتَوْلى عَلَيْهِمِ الخَوْف، وكَانُوا يَظُنُّونَ

 

أَنَّهُم يُشَاهِدُونَ رُوحًا. فقَالَ لَهُم يَسُوع: «مَا بَالُكُم مُضْطَرِبِين؟ وَلِمَاذَا تُخَالِجُ هذِهِ الأَفْكَارُ قُلُوبَكُم؟

 

أُنْظُرُوا إِلى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، فَإِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي، وٱنْظُرُوا، فإِنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ وَلا عِظَامَ كَمَا تَرَوْنَ لِي!».

 

قالَ هذَا وَأَرَاهُم يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه. وَإِذْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَح، وَمُتَعَجِّبِين، قَالَ لَهُم: «هَلْ عِنْدَكُم هُنَا طَعَام؟».

 

فَقَدَّمُوا لَهُ قِطْعَةً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيّ، وَمِنْ شَهْدِ عَسَل. فَأَخَذَهَا وَأَكَلَهَا بِمَرْأًى مِنْهُم،

 

وقَالَ لَهُم: «هذَا هُوَ كَلامِي الَّذي كَلَّمْتُكُم بِهِ، وَأَنا بَعْدُ مَعَكُم. كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا كُتِبَ عَنِّي في تَوْرَاةِ مُوسَى، وَالأَنْبِيَاءِ

 

وَالمَزَامِير». حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب. ثُمَّ قالَ لَهُم: «هكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ المَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ

 

الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث. وبِٱسْمِي  يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم. وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.

 

 

 

 

في كثير من الأحيان، نحسد الرُّسل لأنّهم شاهدوا بأعينهم يسوع يشفي المرضى ويستقبل الخطأة، ولمسوه بأيديهم وسمعوه يخبر الأمثال ويعلن البشارة، وجلسوا معه إلى المائدة وشاركوه الطعام. نحسدهم لأنّهم عاشوا هذه النعمة الكبرى، وجميعنا نحلم بها. فاللقاء  المباشر مع شخص هو دائمًا أجمل ممّا يخبرنا الآخرون عنه، وكيف إذا كان الشخص هو يسوع. من لا يرغب أن يجلس مع يسوع ويلتقي به؟

 

ولكنّنا نحسدهم أيضًا لأنّنا غالبًا ما نمرّ بالتحديّات في حياتنا الرُّوحيَّة وبمسيرتنا الإيمانية، فنضع علامات الإستفهام على الكثير من الأمور ونجد صعوبة أن نصدّق ما يقال لنا عن المسيح. فنعتقد أنّنا لو أُعطينا النعمة بأن نشاهد الأمور مباشرة لأصبح الأمر أسهل لنا.

ولكن، إنجيل اليوم يعاكس رأينا، فيخبرنا أنّ الرُّسل وجدوا صعوبة كي يؤمنوا بحدث قيامة المسيح. كما وأنّ الكثير من الذين التقوا المسيح بحياتهم لم يؤمنوا بالمسيح، بل بالعكس، هم رفضوه ورفضوا بشارته وطلبوا الموت له. فالإيمان لا يرتبط بما نشاهده، بل في الكثير من الأحيان، إنّ ما نشاهده يمنعنا من الذهاب إلى عمق الأمور، فنقف عند الظاهر والسطحيّ، تمامًا كما الأشخاص الذين لم يروا  في أعاجيب  يسوع سوى الأمور الخارقة، ولم يروا في مبادرة المسيح نحو الخطأة سوى رجل يعاكس الشريعة لا إنسان يحبّ ويرفض أن يمنعه شيء من اللقاء بالآخرين.

 الإيمان هو فعل ثقة ينبع من قلب شرّع أبوابه للبشرى السَّارة. ففي إنجيل اليوم مثلًا، نرى الرُّسل خائفين وغير مصدّقين بأنّ الواقف في وسطهم هو المسيح المصلوب والقائم من الموت.

لكن، في ظهوراته، يوجد أمران يساعد من خلالهما يسوع تلاميذه كي يؤمنوا. الأمر الأوّل هو الطعام، ونحن نلتمس فيه الإفخارستيّا حيث منذ ألفي سنة نحتفل، في قلب الجماعة المؤمنة، بالمسيح المعطى لنا في الخبز ونلتقي به.

 

أمّا الأمر الثاني، وهو ما نودّ أن نتحدّث عنه قليلًا، فهو تفسير الكتب المقدّسة. فنتذكّر نص تلميذَي عمّاوس حيث المسيح "فسّر لهما ما يتعلّق به في كلّ الكتب المقدّسة مبتدئًا بموسى وجميع الأنبياء". (لو 24 : 27).

أمّا في إنجيل اليوم، فيقول لنا القدِّيس لوقا إنّ المسيح "فتح آذانهم ليفهموا الكتب" لا يستطيع المؤمن إذًا أن يفهم حدث تجسّد المسيح وموته وقيامته إلّا من خلال الكتب المقدّسة.

 

 من الصحيح أنّنا لسنا دينًا كتابيًّا، فنحن لا نؤلّه النصوص ولا نسجد أمام الحروف، بل نحن نعشق إلهًا تجسّد ونرى فيه كلمة الله.

 

 ولكن لا يمكن أن نلتقي بهذه الكلمة إلّا من خلال الكلمات التي دُوّنت عنه في الكتب المقدّسة. وفي الحروف المكتوبة على صفحات الإنجيل، نحن لا نتوقّف على بلاغة النصوص، بل نحن نكتشف وجهًا محبًّا ورحومًا.

نحن شعب يصلّي ويصوم ويرفع الأناشيد ويقوم بأعمال خير نابعة من قلوب تحبّ حقًّا، ولكن هذه الأمور كلّها تبقى ناقصة إن لم تكن تتغذّى من التعمّق بالكتب المقدّسة. فالصَّلاة التي تنبع من تأمّل في الكتاب المقدّس هي صلاة أكثر نضوجًا من غيرها، والترتيلة التي تستقي من المزامير والأناجيل هي الأكثر عمقًا، وأفعال الخير، إن قرأناها على ضوء تعاليم يسوع، تساعدنا كي نلتقي بالمسيح في وجوه الآخرين.

لذلك، كم من المؤسف حين نلتقي بمؤمنين يقتصر إيمانهم على العواطف والتقويات فقط، ولا يأخذون وقتًا يتأمّلون في الأناجيل على ضوء إلهام الرُّوح القدس كي يغوصوا وفي وجه الله الذي لنا يسوع المسيح.

 

فأكثر المؤمنين تقتصر معرفتهم في الكتاب المقدّس على ما شهدوه من أفلام على شاشات التلفاز أو على أناجيل الآحاد التي تُتلى على مسامعهم في القداديس. أذكر مرّة وُجدنا في بيت لنتشارك في الكتاب المقدّس، وحين فتحنا الكتاب الموجود في البيت لقينا فيه المال.

 كنّا نعلم أنّ كلمة الله تفيض علينا دائمًا بغناها، ولكن لم نكن نتوقّع هذا النوع من الغنى. ولكن كم كانت الصدمة كبيرة حين أخبرتنا ربّة المنزل أنّها تخبّئ مالها فيه لأنّه المخبأ الوحيد الأمين إذ لن يجد أولادها المال لأنّهم لا يفتحونه.

لا يمكن أن نلتقي بالمسيح حقًّا إلّا إذا قرأنا الكتاب المقدّس وفهمناه قدر المستطاع وتأمّلنا فيه. هذا ما قاله القدّيس إيرونيمس حين كتب جملته الشهيرة: "من يجهل الكتب المقدّسة يجهل المسيح".

 

في نصوص الأناجيل، نحن ننمو في إيماننا إذ على ضوئها نقيّم حياتنا وبفضلها نقوّمها. فهي تحزننا أحيانًا لأنّنا لا نرى من خلالها أنّنا لم نقدر أن نعيش بعد محبّة الآخرين والمغفرة من عمق قلبنا والمبادرة للقاء القريب الذي بعدنا عنه، ولكنّها لا تديننا، بل تشجّعنا وتحثّنا على النمو في إيماننا.

وقد تزرع فينا الفرح لأنّنا من خلالها نجد التعزية بأنّ ما صنعناه هو حقّ وخير في نظر الله، وإن سخر منّا الناس لأنّهم اعتبرونا سُذجًا وضعفاء.

 إنجيل اليوم يؤكّد لنا أنّ المسيحيّ هو من يعيش اختبارًا حيًّا وشخصيًّا مع المسيح المصلوب والقائم من الموت، ويتأمّل في وجهه ويصغي إلى صوته. ولكنّه في الوقت عينه ينبّهنا ويقول لنا إنّنا لا نستطيع أن نلتقي بالمسيح إن لم نأخذ الوقت الكافي لنتأمّل في الكتب المقدّسة.

نحن لا نتوقّف على الكلمات، فقيمتها ليست بذاتها، بل من خلالها وعبرها نكتشف وجه يسوع الحقيقيّ الواقف في وسطنا قائلًا لنا: السَّلام لكم.

 

                                      الخوري غي سركيس

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية