قلب يسوع هو يسوع الحبّ!

 

 

قلب يسوع هو يسوع الحبّ!

 

 

من يركِّز على القلب يعلم أنّ القلب يُطلق على عدّة نواحٍ من الحبّ والحنان والرّحمة. فالإنسان الذي كله قلب، هو الإنسان المحبّ والمتّصف بالرّحمة ويشعر مع المتألّم والفقير والمظلوم والذي يعاني.

 

ماذا يعني القلب في الكتاب المقدّس؟

 

القلب في الكتاب المقدّس

 

لمفهوم "القلب" أهميَّة محوريّة في الكتاب المقدّس. لقد ذُكرفي  ستّة محاور

 

1- الشجرة والثمرة، بموجب قوْل يسوع: "لأنَّ من الثمر تُعرَف الشجرة... فإنّه من فضلة القلب يتكلَّم الفم. الإنسان الصّالح من الكنز الصّالح من القلب يُخرج الصّالحات، والإنسان الشرّير من الكنز الشرّير يُخرج الشّرور" (متّى 12/ 33 - 35). وبالتالي: "لا تقدر شجرة جيِّدة أن تصنع ثمارًا رديئة، ولا شجرة رديئة أن تصنع ثمارًا جيِّدة" (متّى 7/ 18).

 

فالقلب هو لبُّ كيان الإنسان، وما يصدر عنه يعبِّر عن كلِّ الإنسان ويحكم عليه برمَّته، أكان خيرًا أم شرًّا. إنَّ كنز القلب يصدر عن الإنسان برمَّته.

 

فالقلب الصّالح ينتج الثّمار الصّالحة، والقلب الشرّير ينتج الثّمار الشرّيرة: "من كلِّ تكبُّر إحفظ قلبك، لأنَّ منه ينابيع الحياة" (أم 4/ 23). وبالتالي: "فالقلب وما يدخل إليه يُحدِّد الثّمار التي تخرج منه". ما هو الكنز الصّالح الملائم لإخراج هذه الثّمار؟

 

 

2- الكلمة والثّمار، تتجلّى أيضًا في العهد القديم: "يا بنيَّ أصغِ إلى كلامي. أَمِلْ أُذنك إلى أقوالي. لا تبرح عن عينيك. إحفظها في وسط قلبك" (أم 4/ 20 - 21). فكلام الله يجب أن نحفظه في وسط قلوبنا. فكلمة الله هي التي تُخرج هذه الثّمار عندما نحفظها في وسط قلبنا، كشجرة الحياة في وسط الجنَّة (تك 2/ 9).

 

القلب هو الإنسان، هو الأرض في مثل الزّارع. فالزّارع يبذر الزّرع الذي يقع في مختلف أنواع الأراضي. "الزّرع هو كلام الله، والذين على الطريق هم الذين يسمعون، ثمَّ يأتي إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلاّ يؤمنوا فيخلصوا (...) والذين في الأرض الجيِّدة، هم الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيِّد صالح، ويثمرون بالصّبر" (لو 8/ 11 - 15).

 فالقلب هو حياة الإنسان بكاملها. تكشف تجارب يسوع المعنى بقوله: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلِّ كلمة تخرج من فم الله" (متّى 4/ 4).

 

 

3- الله ينظر إلى القلب ويريد القلب، ففي سفر صموئيل يرد: "لأنّه ليس كما ينظر الإنسان، لأنَّ الإنسان ينظر إلى العينين، وأمّا الربّ فإنّه ينظر إلى القلب". (1 صمو 16/ 7).

 

لا ينظر الله إلى الظاهر بل إلى حقيقة الإنسان بكلِّ كيانه الصّالح. فيسوع ينتقد الرّياء لدى الكتبة والفرّيسيّين الذين يخفون حقيقة الدّاخل ويتظاهرون بالصّلاح. فقال لهم: "أنتم الذين تبرّرون أنفسكم قدّام النّاس! ولكنَّ الله يعرف قلوبكم". (لو 16/ 15). عندما يأتي الربّ "سيُنير خفايا الظّلام ويُظهر آراء القلوب، حينئذٍ يكون المدح لكلِّ واحد من الله" (1 قور 4/ 5).

 

ما يريده الله هو القلب أي كلّ كيان الإنسان الدّاخلي: "يا بُنيَّ أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي" (أم 23/ 26).

 

 

 

4- "من كلِّ قلبك".

 

 هذه هي الوصيَّة التي تلخِّص الشريعة والنّاموس: "أن تحبّ الربّ إلهك من كلِّ قلبك ومن كلِّ نفسك ومن كلِّ فكرك" (متّى 22/ 37). وهذا يرجع أيضًا إلى تثنية الإشتراع حيث: "من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك" (تث 10/ 12). هنالك تطابق بين القلب والنّفس، أي كلّ كيان الإنسان الدّاخلي.

 

 

5- الخطيئة، تخصّ القلب أيضًا، بحسب قول يسوع: "مَنْ نظر إلى امرأة واشتهاها زنى بها في قلبه" (متّى 5/ 28). هنالك ترابط بين القلب والفكر الإلتزامي المرتبط بالقبول الدّاخلي الذي هو المرحلة السّابقة للفعل، وبالفعل هو المرحلة التحضيريَّة للفعل. وهنا تظهر خطورته. وقد ورد في المزامير: "إنْ راعيْتَ إثْمًا في قلبي، لا يستمع لي الربّ" (مز 66/ 18). هذا يعني أنَّ الخطيئة قد حصلت على صعيد القلب أي كيان الإنسان الدّاخلي.

فالقلب هو باطن الإنسان، هو الشّجرة التي تصدر عنها الثّمرة وتحدّد صلاحها أو شرّها. إن كانت كلمة الله تغذّي القلب يعطي ثمارًا صالحة. فالثّمار هي خلاصة الشّجرة.

 

وبالتالي فللقلب معانٍ كثيرة مرتبطة بكلّ كيان الإنسان الدّاخلي وينتشر حتّى الخارجي بالشهادة والتصرّفات، ومعياره حبّ الربّ وكلمته. "من كلّ قلبك" يعني من كلّ نيّتك وصدق مشاعرك وعواطفك وتحرّكاتك الدّاخليَّة المرتبطة بالحبّ، ومن كلّ إنسانك الدّاخلي الذي تعبِّر عنه سلوكيّته أي ثماره. وفي نصّ آخر: "من القلب تصدر الأفكار الشرّيرة!" يعني من داخل الإنسان الذي يشتمل على نيّته النابعة من فكره الصّادر عن عقله.

 

وحين يقول لنا يسوع: "تعلّموا منّي أنّي وديع ومتواضع القلب تجدوا الرّاحة لنفوسكم". القلب هنا هو كلّ الإنسان في حالته الدّاخليَّة من وداعة في تكوين ذاته وشخصيّته وتواضع بعلاقته مع غيره التي هي وضعيَّة الإنسان مع ذاته وفي نوعيَّة علاقته بغيره بشكلٍ مُشْبع بالحبّ بعيدًا عن الكبرياء. هذا هو يسوع، مدرسة القلب الوديع والمتواضع بدافع الحبّ.

 

 

يقول الكردينال جوزيف راتسنغر عميد مجمع عقيدة الإيمان واصفًا مفهوم القلب في الكتاب المقدَّس بما يلي:

 

 "القلب يعني في لغة الكتاب المقدَّس مِحْوَر الوجود البشري، واندماج العقل والإرادة والمزاج والإحساس". "القلب هو ذلك الواقع الذي يجد فيه الكائن البشري وحدته وتوجّهه الدّاخلي".

 

"ينظرون إلى الذي طعنوه!" (يو 19/ 37)

 

إنَّ قلب يسوع، هو يسوع الحبّ حتّى العطاء المطلق لكلّ ذاته.

 هو حبَّة الحنطة التي تموت لتعطي ثمارًا كثيرة! هو الكلمة الإلهي ثمرة شجرة الحياة في وسط الفردوس لتكون محور الحياة وتعطي الله إلى العالم! لتعطي الحياة الإلهيَّة. هو ثمرة شجرة الصّليب المنتصبة على قمَّة الجلجلة لتعطي الحياة للعالم.

 

من قلبه المطعون بحربة الحبّ على يد الجندي الرّوماني لونجينوس جرى دم وماء ليغسل خطايا العالم بالعماد ومنه تولد الكنيسة ابنة الثالوث الأقدس، ويغذّي العالم ويُحييه بالإفخارستيّا.

 

 إنّه شجرة الحياة في أورشليم السّماويَّة التي تثمر إثنتي عشرة مرَّة وهي مزروعة على نهر الحياة المتدفّق من عرش الله والحمل. هو ثمرة الحبّ المتألّق، ليس فقط على الصّليب، بل أيضًا من القبر نورًا يفيض في مثوى الأموات. ليحيي العالم كلّه.

 

يسوع هو القلب - الحبّ المطعون لتكون به الحياة الإلهيَّة بكاملها للعالم. يسوع القلب هو الكلمة التي تنعش كلّ قلب، لأنّه بكامله قلب يذوب حبًّا ورحمة وحنانًا. من يؤمن به ينل الحياة الأبديَّة. فقلب يسوع هو كلّ كيان يسوع في طبيعتيه الإلهيَّة والإنسانيَّة.

 

فالإله هو ثمرة الآب وقد أخلى ذاته ليكون بمتناول البشر ويودع فيهم الطبيعة الإلهيَّة في الكلمة المُحيية ويسير بهم بكلّ كيانه صوب الملكوت. إنّه الوديع والمتواضع القلب، وجه رحمة الآب، هو الحيّ والمحيي.

 

والإنسان هو ثمرة أحشاء مريم الطاهرة والممتلئة نعمة، والتي صانها الله منذ الحبل بها من كلِّ دنس، وقد أعطته من جسدها الطاهر والنقيّ، والذي لا يعرف الدّنس، الطبيعة البشريَّة المنزّهة عن كلّ عيب.

 

 

 فقلب يسوع البشري الذي هو كيانه الدّاخلي بكماله وكليّته هو يسوع الحبّ الذي أعطانا ذاته على الصّليب برضاه ليفتدينا ويأخذ عنّا نتائج خطايانا ويفيض فينا حياته الإلهيَّة.

 

فكيان يسوع الإنساني، الذي هو قلبه، ينسجم إنسجامًا كليًّا مع قلبه الإلهي الذي هو كيانه بكلّ تألُّقه هو الذي يقول لنا: "مَنْ رآني فقد رأى الآب!" (يو 14/ 9).

 

 إنَّ شخصَ يسوع برمّته يعبّر عن كيانه الدّاخلي. فلا فرق بين إنسانه الدّاخلي وإنسانه الخارجي، هو الذي كان "يتكلَّم كمَنْ له سلطان لا كالكتبة والفرّيسيّين" (متّى 7/ 29). هو لا يعرف الإزدواجيَّة، بل هو الحقيقة. حين يقول لنا الربّ: "يا بُنيَّ أعطني قلبك!" ويقول لنا الربّ يسوع: "تعالوا إليّ أيّها التَّعبين والثَّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم. إحملوا نيري وتعلّموا منّي تجدوا الرّاحة لنفوسكم، فأنا وديع ومتواضع القلب، ونيري هيِّن وحمْلي خفيف" (متّى 11/ 28 - 30). إنَّ كلَّ كيان يسوع وديع ومتواضع.

 

فقلب يسوع، هو يسوع الوديع والمتواضع والمحبّ حتّى الفداء، هو الرّحمة ووجه رحمة الآب.

 

 

إنَّ قلب يسوع هو يسوع القلب. يسوع الحبّ والفداء والرّحمة. هو يعطي ذاته كلّها من دون إستثناء. وإنْ لم نأخذ كلَّ ما يعيطنا ليس لأنّه لا يعطينا بل لأنّنا لا نستطيع أن نأخذ كلّ ما يعطينا إيّاه، يا يسوع الحبّ والحنان، هَبْنا نعمة أنْ نفتح لك كلَّ كياننا لنقبل ما يمكننا أن نقبل، ونوسّع عطاياك بالحبّ.

 

نحن نحبّك يا ربّ من كلّ القلب. أعطيك قلبي يا يسوع لتفعل بي ما تشاء، أي أهبك كلّ ذاتي. إنّك قلب حنان ورحمة يتدفّق منك اللاهوت والنّاسوت بفيضٍ لامحدود. يا يسوع الوديع والمتواضع القلب إجعل قلبنا مثل قلبك، وحبّنا على صورة حبّك. أيّها القلب الفيّاض حبًّا أنت هو القلب "الطريق والحقّ والحياة".

 

 

خلاصة

هيّا يا يسوع القلب والحبّ اللامتناهي، وخذ بقلبي وعلِّمْه أنْ يكون شجرة حياة أمام إخوتي البشر أنت نوره، وصلاحه، وتألُّقه وثمرته!

 

هلمَّ وخُذْ بيدي على طرقات الحياة وعلِّمْني أن أكون سخاء عطاء وصفاء وصدق وفرح دائم. أنت تتألَّق في رضى أبيك، وفي محبَّة البشر لتفيض عليهم ثمارَ الفداء يا فادينا.

 

 أنت تريدنا أن نحبَّك من كلِّ قلبنا وكلّ نفسنا وقوَّتنا وفكرنا، أي بكلّ كياننا. ليس لأنّك بحاجة إلى حبَّنا بل لتدرّبنا على الحبّ والعطاء.

 

 تريدنا أن نُسْعِدَ إخوتنا، لنتدرَّب على زرع الفرح والحبّ حيثما حلَلْنا. أنت القلب المتدفِّق حياةً على الصّليب، من حيث تفيض كلّ ذاتك، ليس لأنّك بحاجة لتعطي وتفرح بأنّك أعطيت لتحقّق ذاتك، بل لتدرّبنا على الحبّ والعطاء ونفرح بإسعاد إخوتنا، ونعيش المحبَّة.

 

 يا قلب يسوع إلهي، أيّها الإله الفيّاض حبًّا لا يُحَدّ، أنت القلبُ الوحيد في الحياة، مع أبيك وروحك القدّوس، تعطي بلا حدّ، وتعطي كلّ شيء، وتحيي ملء الحياة من دون حدّ أيضًا. ولا شيء يمنعك من العطاء وإلاّ لتفجّرت لو لم تأتِ حربة لونجينوس لتطعن قلبك الإلهي المطلق السّخاء!

 

 أحبّك يا ربّ من كلِّ قلبي وفكري وطاقاتي. علّمني أن أحبّك أكثر لأتدرَّب على الحبّ في صفائه المطق. هل كان من الممكن يا قلب يسوع الأقدس ألا تدفّق كلّ اللاّهوت والنّاسوت لتحيي العالم وتفيض عطاء حياة؟

 

 لو لم يبلغ فيك الحبّ الذروة التي لا توصف، لما إكتمل الفداء في هذا القلب الرائع الحبّ والصّفح والسّخاء وقد أحبّ حتّى الغاية.

 

 رحماك يا قلب يسوع، يا يسوع ابن الآب السّماوي، أيّها القلب الحبّ والعطاء المطلق التدفّق، نتوسّل إليك أن تأتي وتعلّمنا كيف نحبّ لنكون لك تلاميذ وشهودًا حقيقيّين!

 

المطران الياس سليمان

 

 

   

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية