لأنَّ إلى الأبد رحمته

 

 

 

المزمور 117

 

"إحمدوا الربَّ لأنّه صالحٌ، وإلى الأبد رحمتُهُ. ليقلْ خائفو الربّ: "إلى الأبد رحمته"... الإحتماء بالربِّ خيرٌ لي من الإتّكال على البشر. الإحتماء بالربِّ خيرٌ لي من الإتّكال على العظماء... الحجرُ الذي رفضه البنَّاؤون صار رأس الزاوية. من عند الربِّ كان ذلك، وهو عجيبٌ في عيوننا... أنت إلهي فأحمدك. أنت إلهي، فأرفعك. إحمدوا الربَّ لأنّه صالحٌ. لأنَّ إلى الأبد رحمته...".

 

 

سيّدي! إنّ هذا المزمور الذي أنشدَه شعبك، وهو يصعد نحو الهيكل الذي أُعيدَ بناؤه بعد المنفى، كنتَ قد أنشدتَه أنت في مناسبة الأعياد الكبيرة للفصح وللمظّال، كما كانت تقول التقاليد. وهو أيضًا نشيدك الأخير، ليلة آخر فصحٍ احتفلتَ به مع تلاميذك، قبل أن تقدِّم ذاتك، كحملِ الذَّبيحة، على الصّليب.

هو نشيدُ فرحٍ وفعل نعمةٍ من أجل أعمال الربِّ الخيريّة، وخصوصًا، من أجل انتصاره على كلِّ أعداء شعبه. أليس هو النّشيد الفصحيُّ بامتياز؟

 

 أليس هو صرخة القلب الذي يتوجَّه إليك أنت، أيا ربَّنا وسيِّدَنا؟

نعم، نحن نسبِّحك ونمجِّدك لأنَّك صالحٌ ولأنَّ محبَّتك دائمة. ألا نراك منذ خُلِق الإنسان، تُسامِح وتَغفر له خياناته، دون انقطاعٍ؟

ألستَ هنا، دومًا، ترصد عودته... وظانًّا أنّه ربَّما يخجل من أن يعود، تذهب أنت بنفسك إلى التّفتيش عنه؟ "آدم، أين أنت؟"... هكذا ناديتَه بعد تلك الغلطة التي جاءَت لتحطِّم العلاقة الحميمة التي خلقتَه فيها؟ ألا نراك تبحث عن الإنسان المستقيم، الذي سيعرف كيف يُصغي لندائك، فيُجيب، بكلِّ ثقةٍ، ليكون مرشِدًا لشعبك؟

... مثلما فعل إبراهيم، وقد ترك بلاده وقام وسار عندما أمرتَه، أو عندما كان مستعدًّا، من أجل إطاعتك، على أن يضحّي بابنه الوحيد الذي كنتَ قد منحتَه إيّاه.

... مثل موسى، الذي لم يؤخَذَ باتّهامات شعبك واعتراضاته، ولا بشكوكه وثوراته... مثل كلِّ الأنبياء الآخرين الذين اخترتهم من أجل أن يحضّروا مجيئك...

إنّ الذين يخشونك، المتواضعون وذوو القلوب الطاهرة، يعرفون جيّدًا أنَّ حبَّكَ لهو بدون ندامة. بخلقك للإنسان حرًّا، خاطرت بأن يتمكَّن يومًا ما من أن ينكرك أو بأن يرغب في جعلِ نفسه متساويًا معك. لكنَّ قلبك يهتزُّ حنانًا وينفعل، حتّى أكثر ممّا ينفعل قلب الأُمِّ. لقد وعدتَنا: "حتّى وإن نَسيَتْ الأُمُّ طفلها، فأنا لن أنساكم". لذا، الأفضل لنا أن نتَّكل عليك بدلاً من أن نتَّكِل على البشر، الذين غالبًا ما يكونون متقلِّبين، غيّورين، أو بكلِّ بساطة، ضعفاء، مرضى، وعاجزين...

عليكَ أنت، سيّدي، يمكنني أن أتَّكل بدون أيِّ تحفُّظٍ، في كلِّ ساعة من ساعات النّهار أو من اللّيل، في ثلاثماية وخمسة وستّين يومًا من السّنة، في أيِّ عمرٍ كان من الحياة، وفي كلِّ الظروف... أنت لن تخيِّب ظنّي أبدًا، حتّى وإنْ لم أكن أفهم كلَّ شيء الآن، - خصوصًا حين يتعلَّق الأمر بمرض الأبرياء أو بموتهم، فأنا لديَّ اليقين بأنَّك لا تريد إلاّ الخير لي والفرح إلى الأبد.

 

 

حتّى الإنسان الأكثر قدرةً، أو الأكثر غنًى على الأرض، لن يستطيع أن يؤمِّن لي هذه الضمانة التي تمنحني إيّاها أنت. معك أنت، أكون مثل طفلٍ بين ذراعيّ والده. فلا أخشى أيَّ شيء. ولا أخاف.

مع أنَّ عبورك على الأرض، بحسب النَّظرة البشريّة، لا يشبه أبدًا مشروعًا فَرِحًا وناجحًا؛ لقد افتُتِح هذا العبور في الفقر وفي الخفاء؛ ومن ثمّ، أتْبِع بالهرب إلى المنفى، ثمَّ بيوميّاتِ حياةٍ عاديّة، حتّى وصل إلى ثلاث سنوات من الحياة العلنيّة، ملؤها الإحتقار من قِبَل خاصَّتك وعدم تفهُّمهم، وليُختَتَم، في النهاية، يرفض الجميع لك في عارِ موتٍ مخزٍ، خارج أورشليم، خارج المدينة المقدّسة.

 

 

لكنَّ هذا الحجر بالذّات، الذي رذله بنّاؤو شعبك، الكهنة والكتبة، والذي رفضوا أن يُقرُّوا به على أنّه هو من ينتظرونه... قد أمسى "حجر الزاوية" الذي عليه سترتكز كنيستك. لقد حاول أعداؤك، جاهدين، وبدون توقُّف، أن يحقّروا حجر الزاوية هذا، ويزدرونه، ويُسقِطوه، لكنّهم لم يُفلحوا بذلك. حتّى أنَّ أمير الشرّ لا يمكنه أيَّ شيء ضدَّه، لأنّك أنت أساسه. وها هي "الرَّوعة" تحت أنظارنا منذ قرون... كنيستك، هي قدُّوسة، حتّى وإنْ ضمَّت خطأةً. أنت لا تهتمُّ بالمظاهر فتختار الضُّعفاء لتُخزي الأقوياء وتُربكهم. أنت إلهي، ولا يستحيل شيء عليك. أسبِّحك ربّي! وسأنشدك دومًا إلى ما لا نهاية.

 

الأب منصور لبكي

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية