موسى هارب من شعبه هارب من الله

 

 

 

موسى هارب من شعبه هارب من الله

 

 

موسى هارب من شعبه هارب من الله

 

هذا الذي نجا من الموت بشكلٍ غريب، لمّا ماتَ الأطفالُ العِبرانيُّون لئلّا يكثُرَ نسلهُم ويُشكّلوا خطرًا على المصريّين. ولو تعرِفون مَن كان سببَ نجاتِهِ: أخت فرعون بالذات. حملتْهُ، تبنَّتْهُ، ربَّتْهُ، ونالَ أعظم العلوم كما قالَ سفرُ الأعمال (7/ 17). وها هو يحسبُ نفسَهُ السيِّدَ في مصر، أرادَ أن يُدافِعَ عن العبرانيِّ فقتلَ المصريّ، وحاوَلَ أن يضَعَ السَّلامَ بينَ شابَّين عِبرانيَّين. واتَّهمَهُ أحدُهما. فأحسَّ بالخطر. ماذا فعل؟ مضى إلى البرِّيَّة وترَكَ إخوتِهِ يعملون في الطين، هذا غير الأشغالِ الشَّاقَّة.

 

موسى في البرِّيَّة بأمان

(سفر الخروج 2/ 11- 25)

لا يسمَعُ أنينَهُم من الضيق الذي يُصيبُهم، أمَّا الله فسمِعَ وأرادَ أن يخلّص هؤلاءِ المظلومين الذين أضحوا عبيدًا. يقول المثل: "بعيد عن العينين بعيد عن القلب" الذي هو مركز الحُبِّ والشّعورِ فيبكي مع الباكين ويحزنُ مع المتألّمين. تركَ مِصرَ وما أرادَ أن ينظرَ إلى الوراء. مضى إلى العين حيثُ تأتي الفتياتُ لتستقيَ ماء وتسقيَ قُطعانها. فوجد ابنتين فساعدَهُما على رفع الغطاء عن البئر. ففرحتا بهذه المساعدة. وكانت الصدفة أنَّ هاتين الصَّبيّتين ابنتا رعوئيل كاهن المكان. تزوَّج، صار عندهُ ولدان، كما أعطاه حَموهُ بعضَ الغنمِ لكي يستقِلَّ بعمله. وهكذا أقامَ في حياةٍ هادئةٍ يعيشُ قربَ رعوئيل وزوجته، لا قُربَ أبيه وأمِّه. نسيَ الوالدةَ التي عملت حيلة لكي لا ترميهِ في النهر، فعملت قفَّةً وجعلتهُ فيها على حافَّةِ النهرِ بين القصب. ونسيَ أختَهُ التي كانت حياتُها مُهدَّدةً بسببه. فهي هنا قربَ الصبيّ وقد تكون أمَّه. لماذا هرَّبت هذا الطفل؟ نسيها موسى، ونسيَ الإخوة والأخوات وهل أحلى من الحياةِ في أرضٍ غريبةٍ عمّا يعيشُهُ أهلهُ وأقاربه.

كم يُشبهُ الكثيرين الذين يهربون من الشرق ويمضون إلى بلدان آمنة، كثيرةُ الخيرات وكلّ شيء مؤمَّن لهم: الطعام، الطبابة، حقوقهم محفوظة فلا ينتهرهم إنسان. يسمعون بما يحصل في بلادهم. ويحزنون بعض الوقت ثمَّ ينسون أو يريدون أن ينسوا .كم تُصبحُ قلوبُهم قاسية!

هكذا كان وضعُ موسى. لا يفكّر بشيء سوى بغنماته. ولكنَّ الربَّ لا يتركنا في هدوئِنا ولامُبالاتِنا وهذا ما سيفعله لموسى.

 

موسى واللقاء بالله

(سفر الخروج 3/ 1-13)

نسيَ موسى شعبَهُ ونسيَ الله. وانغَمَسَ في الأمورِ الماديَّة. لماذا تعبُ الرَّأس! ويا ليت في المكان شجرة يستطيعُ أن يختبِئ وراءها كما فعلَ آدم وحوّاء بعد الخطيئة: ولكن بقيت علّيقة. رآها موسى من بعيد تحترق. فحاوَلَ الهربَ من النّارِ كي يهربَ من الله. هكذا فعل يونان. ركبَ السفينة وراحَ صوبَ الغربِ بعد أن أرسلهُ الربُّ إلى الشّرق، إلى نينوى. ولكنَّ صوتَ اللهِ يمضي إلى البعيد مهما حاوَلَ قايين أن يهرب. ويصلُ الصوتُ إلى عُمقِ الأعماق. أمّا صوتُ الله فمثل صوتِ الرَّعد.

يقول الكتاب: "وكان موسى يرعى غنمَ يترو حميه، كاهن مديان، فساق الغنمَ إلى ما وراءِ البرِّيَّة". لا مجال للهرب، كما نقرأ في مز 139: "يا ربّ، اختبرتني فعرفتني، عرفتَ قعودي ووقوفي، وتبيَّنتَ أفكاري من بعيد. يا ربّ، أنتَ تراقِبُ سفري وإقامتي كما الأمُّ تُراقِبُ حركاتِ ابنِها، لكي تمنعَ الخطرَ وتعرِفَ جميعَ طُرُقي. قبل أن ينطِقَ لِساني بكلمة، أنتَ تعلمُ بها يا ربّ. من ورائي ومن قُدّامي تُحيطُ بي، وتجعلُ عليَّ يدَكَ... أينَ أذهبُ  وروحُكَ هناك؟ وأين أهرُبُ من وَجهِك! إنْ تسلّقتُ السّماء أنتَ فيها، وإن نزلتُ إلى عالمِ الأمواتِ فأنتَ هناك. إن اتّخذتُ أجنحَة النسر، وسكنتُ في أقاصي البحر، فهناكَ أيضًا يدُكَ تهديني ويمينُكَ تُمسِكُني" (مز 139: 1-10).

ها هو موسى، لا في البريَّةِ فقط، بل في ما وراء البريَّة. وهو وحده مع الغنم. لا مُعين له ولا مُساعِد إن أطلَّ عليهِ الخطر. تلكَ هي طريقةُ الله. لا يترُكُ لنا أيَّ سندٍ عالميّ. أنا وحدي سندُك، وأنا وحدي أسكِتُ الرِّيحَ وأهدِّئ الأمواج؟ وهكذا وصل إلى حوريب، إلى جبلِ الله.

 

"فتراءى له ملاكُ الربّ (والملاك يعدُّ الطريق للربّ، وبعد قليل يختفي فلا نعود نسمع سوى صوت الربّ) في لهيبِ نارٍ من وسطِ العلّيقة. ورأى موسى العلّيقة تتوقدُّ بالنارِ ولا تحترق، فقال في قلبه: "أميلُ وأنظرُ هذا المشهدَ العظيم ما بالُ العلّيقة لا تحترق. ورأى الربُّ (غاب الملاك) أنّه أمالَ لينظر. فناداهُ الربُّ من وسطِ العُلّيقة: "موسى، موسى!" قال: "نعم". قال: "لا تقترب إلى هنا. إخلع نعليكَ من رجليك لأنَّ الموضِعَ الذي أنتَ واقفٌ عليه أرضٌ مُقدَّسة". وقال: "أنا إلهُ آبائِكَ، إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوب". فستَرَ موسى وجهَهُ خوفـًا من أن ينظرَ إلى الله.

فقال لهُ الربّ: "نظرتُ إلى مُعاناةِ شعبي الذين في مصرَ وسمعتُ صُراخَهم من ظلمِ مسخّريهم، وعلمتُ بعذابِهم. فنزلتُ لأنقذهم". ها هي الأفعال. نظرتُ، سمعتُ، علمتُ، فنزلت. هذا ما سوف يعملُ الله، وأنتَ، يا موسى.

عرفَ موسى في قلبه: ها هي المهمَّة الصعبة تطلُّ عليه. ونحن نعرفُ أنَّ الله لا يعملُ بيديه، بل بأيدينا. لا يكلّمنا في آذاننا فيرسل مَن يُكلّمنا... وتسارعت دقَّات قلب موسى. "أنا رأيت، فتعالَ أرسلكَ إلى فرعون لتُخرِجَ شعبي من مصر".

هل يقبل موسى بالمهمَّة؟

وفرعون، أي صاحب البيت الكبير: أنا أمضي إليه! أتتخيّل يا ربّ الخطر الذي يحدق بي. فقال موسى لله: "مَن أنا حتى أذهب، وأخرِج بني إسرائيل؟" يا موسى، قال لكَ الربُّ اذهب، وأنتَ تخاف؟ هل أنتَ وحدَكَ؟ وإذا الربُّ يدعوكَ يجبُ أن تفهَمَ أنّهُ يكونُ معك.

أمامَ من ستقفُ يا موسى؟ أمام الفرعون الذي نركعُ أمامه سبعَ مرّات ونقبِّل الأرض، ونتوقّفُ إلى أن يشيرَ إلينا بالعصا فنفهمَ أنّه راضٍ علينا. وأنا ماذا معي؟ الجنود؟ السّلاح، القبائل؟ وجاءَ جوابُ الربِّ صاعِقـًا كالرّعد: "أنا أكونُ  معك!" كرامتُكَ تنازلت إلى مستوى الفرعون،  وإن كان هو صاحبُ البيتِ الكبير، فأنا لي الأرض والسَّماء وما فيها. أما سمعتَ ما قلتُ لنبوخذ نصَّر: ماذا يفعلُ المنشارُ إن لم تُمسكه يد وأعظم منكَ هو منشار وأنا أحرِّكُه بيديّ.

"وهذه علامةٌ لكَ أنّي أنا أرسلك". وقالَ الرب: "إذا أخرجتَ الشعبَ من مصر، فاعبدوا الله على هذا الجبل!".

أوَّلُ صعوبة: من أنا أمام الفرعون الذي تخافُ منه الألوف. والمعوقة الثانية: "لنحسب أنّنا نذهبُ فيسألون عن اسمِك". قال: "أنا هو الذي هو". كلّ إلهٍ عند الشعوب المجاورة له اسم. أمّا إله أبرام وأسحق ويعقوب فليسَ له اسم. "أنا هو!" هل هذا يكفي؟ هناك بعل، مردوك، حور، أوزيريس، ملقارت... وأنتَ أين يقعُ اسمُكَ بين هذه الأسماء؟ من يستطيعُ أن يعرفَ اسمَ الله؟ ومن عرفَ اسمَ فلان سيطر عليه وأخضعه. تتصوَّرون: "أنا هو الذي هو". ضاعَ موسى. ويُمضون ثلاثة أيّام (ونحن نعرف رمز "ثلاثة").

والعائق الثالث: هم لا يصدِّقونني ولا يسمعونني، ويشكّون بأقوالي: الله لم يظهر لكَ. فأعطاهُ الربُّ مُعجـِزتين يعمل مثلهما السحرة في مصر.

والعائق الرابع: "أنا ثقيل اللسان". أجاب الربّ، ثمَّ قال له: "أخوكَ هرون هو يتكلّمُ باسمِكَ".

 

فقال موسى: "يا ربّ! أرسِلْ احدًا غيري، فغضِبَ الربُّ على موسى غضبًا شديدًا". وبالرُّغم من كلِّ هذه العوائقِ والمصاعِب. راحَ إلى حميهِ وقال له: "دعني أرجع إلى بني قومي الذين في مصرَ لأرى هل هم أحياء بعد". ها هو يريدُ أن يرى بانتظارِ أن يسمع: نسيتهم كلّ هذه المدّة. ربَّما ماتوا؟ هل هم بعدُ أحياء. وانتظرَ موسى: ربَّما يقنعه حموهُ فلا يمضي بل يبقى في هذه البريَّةِ عائشًا بدونِ همّ... ولكنَّ حماهُ قال له: "اذهبْ". وأتى هرون. والتقى موسى بالشَّعب والشَّعبُ رأى موسى وموسى سمعَ صوتَ الربّ. وتشجَّعَ الأخوان للقاء فرعون. وبدأت المغامرة، عاد موسى إلى الرَّبّ، سمعَ صوتَهُ واستعدَّ أن يطيعَهُ بعد أن "غلبه" الله بانتظارِ أن يغلب فرعون.

الربُّ معنا. ممنوع التردُّد. ممنوع الهرب. بل ننطلق مهما كانت الصعوبات "لأنّ الربَّ معنا".

 

المونسنيور بولس الفغالي

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية