نوح والطوفان

 

 

 

نوح والطوفان

(تكوين 6/ 9 ـ 9 : 17)

 

قصّة نوح والطوفان هي قصّة شعبيّة قديمة، لا شكّ أنّها تعود لذكرى كارثة تاريخيّة حدثت في بلاد ما بين النهرين، كما تبيّن علوم الجيولوجيا ذلك. من شبه المؤكّد، بالنسبة إلى الحدث التاريخيّ، أنّ هذا الطوفان لم يحصل بالضرورة على مستوى الكرة الأرضيّة بكاملها...

 

نجد هذه القصّة الأسطوريّة في عديد من الكتابات القديمة، خارج الكتاب المقدّس،  وخصوصًا في ملحمة جلجامش الشهيرة، حيث أن نصّ الكتاب المقدّس عن نوح والطوفان قريب جدًّا من قصّة طوفان جلجامش وبطله وأتنافيشتيم الذي خلّصته إحدى الإلهات هو أيضًا من كارثة الطوفان.

 

يحاول نصّ ملحمة جلجامش أن يجيب على أسئلة عن أصل البشر وعلاقتهم بالآلهة؛ ويرغب في أن يقدّم تفسيرًا لموضوع الشرّ الطبيعيّ والكوارث التي تُرعب الإنسان... ولكنّ أجوبته محدودة في الخبرة البشريّة نفسها، مثل الأنانيّة، والخوف، والبحث عن الخلود، والحبّ البشريّ الذي يفاضل أناسًا على أناس، وهو يُسقط كلّ ذلك على من يفترض أنّهم آلهة... ولكنّه  يفتقر أيضًا إلى الكثير من عناصر الإيمان والأخلاق وسموّ الله... ونكتفي هنا بهذا القدر لأنّ هذا ليس موضوعنا الحاليّ. وننتقل إلى قراءة النصّ البيبليّ.

 

1ـ طوفان الخطايا وطوفان الماء

 

 عندما خلق الله الإنسان، بحسب النص البيبليّ، خلقه على صورته كمثاله، أي أنّه خلق عن حبّ، جاعلًا منه ملكًا على الكون وسلطانًا على كلّ الخلائق، وكأنّي به جعله مثيله على الأرض؛ هذا عدا أنّه كان يعتني به، ويشعر معه في وحدته، فخلق حوّاء لتكون شريكته... صحيح أنّ هذه أيضًا تعابير بشريّة تشبيهيّة عن الله، ولكنّ الله هنا لا يخلق  الإنسان لحاجته الخاصّة، بل فيضًا من حبّه. وإذا كان طوفان الماء قرارًا إلهيًّا ليفني البشريّة القديمة، فإنّه قرار بتبيان ما هو مخفيّ، أي أنّ الله لم يقرّر الطوفان غضبًا على البشر أو اقتصاصًا من بعض خطاياهم فقط، لأنّ البشريّة كانت قد غرقت فعلًا في طوفان الخطيئة والفساد، ولم تعد فيها إلّا الحياة الجسديّة، من أكل وشرب وزواج... وبحسب التقاليد اليهوديّة القديمة، فإنّ الله لم يتّخذ هذا القرار وينفّذه فورًا، بل أعطى البشر أكثر من 100 سنة لكي يتوبوا!

 

لأنّه أمر نوحًا بأن يبني السفينة عندما لنوح 500 سنة من العمر (تك 5: 32)، ولمّا حصل الطوفان ودخل نوح السفينة كان عمره 600 سنة (تك 7: 6).  زد على ذلك أنّ الله حدّد عمر الإنسان، بعد أن رأى فساده بـ 120 سنة! (تك 6: 3).

 

فيكون أنّ كلّ البشر، كانت لديهم الفرصة للتوبة، بينما كانوا يرون نوحًا يبني السفينة، واعظًا إيّاهم ومحذّرًا من قرب حدوث الطوفان، فلم يتوبوا (أنظر 1 بط 2: 5).

 

 وكما سيبيّن ذلك يسوع نفسه ندما قال: "وكما حدث في أيّام نوح، فكذلك يحدث في أيّام ابن الإنسان: كان الناس يأكلون ويشربون، الرجال يتزوّجون والنساء يزوّجن، إلى يوم دخل نوح السفينة، فجاء الطوفان وأهلكهم أجمعين"(لو 17: 26).

 

 أي أنّ الناس عاشوا في الخطيئة الأساسيّة التي تعني أنّهم انصرفوا عن الله مصدر حياتهم الحقيقيّ، وحوّلوا جوهر حياتهم إلى مجرّد الحياة الجسديّة من أكل وشرب وزواج... مع ما رافق ذلك من خطايا رهيبة. كما يؤكّد النصّ نفسه على لسان الله عندما قال لنوح: "قد حان أجل كلّ بشر أمامي، فقد امتلأت الأرض عنفًا بسببهم!".

 

ليس هذا الإمتلاء فعلًا رمزيًّا بل حقيقيًّا، أي أن الخطايا قد غمرت الأرض قبل أن تغمرها المياه! وما كان موتًا كيانيًّا وأخلاقيًّا غير ظاهر لمن اعتادوا على موت نفوسهم، واعبتروا أنّ الحياة تأتي من الجسد وتلبية حاجاته، مع ما ينتج من ذلك من صراعات وأنانيّة وعنف وفساد أخلاق... جعله الطوفان المائيّ ظاهرًا من خلال فناء الأجساد بعد "موت نفوس" أصحابها بالخطيئة.

 

 

هذا المعنى العميق للموت الكيانيّ، موت النفس بإفراغها من علاقتها بالله، سبق واختبره آدم وحوّاء بعد الخطيئة الأصليّة، عندما شعرا أنّهما عريانين (أي من دون حماية، ومن دون معنى لحياتهما ووجودهما... وعندما عبّر آدم نفسه عن ذلك بقوله لله الذي أتى يبحث عنه: "كنت خائفًا"! لأنّ الخوف هو نتيجة الانفصال عن الله، والخوف هو في أساس كلّ خطايا الإنسان: لأنّ الإنسان الخائف على حياته، بعد أن فقد حماية الله له، والخائف على مستقبله ومستقبل أولاده... يتحوّل إلى إنسان أنانيّ وزانٍ وعنيف، "لأنّ عليه أن يُقلع شوكه بيده"، و"ما بيخلصك إلّا نفسك"، و"إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب" و"الشاطر بشطارتو"!!

 

وعندما يجد أمامه من يجابهه أو ينافسه، فالمقولة الأبسط التي يرتكز عليها: "يا قاتل، يا مقتول!!".

 

 يختصر نصّنا كلّ هذه الخطايا بكلمتين: فساد وعنف!

وفي الحالتين يقول إنّ الأرض امتلأت منهما، ممّا يؤكّد بأنّ طوفان الخطايا المميتة قد قتل الناس قبل أن يقتلهم طوفان الماء! (أنظر تك 6: 12 ـ 13). هذه هي الحقيقة المريرة التي دفعت الله لأن يسمح بالطوفان، ولأنّ للماء مفعولين: هو يقتل الجسد، ولكنّه أيضًا أداة لتطهير الأرض من فساد الخطايا، ولولادة بشريَّة جديدة. هذا ما سيحقّقه العماد المسيحيّ، حيث أنّ المعمّد يقبل مختارًا بأن يقتل، في مياه المعموديَّة، إنسانه القديم، أي الإنسان الجسديّ على صورة بني جيل نوح الفاسدين، ولكنّه يصعد من هذه المياه نفسها إنسانًا جديدًا مطهّرًا من الخطيئة والفساد، على مثال نوح البار والذين معه، بل على صورة المسيح ابن الله، الذي حقّق الخلق الجديد النهائيّ.

 

2ـ شخصيّة نوح

 

"... كان نوح رجلًا بارًّا كاملًا في بني جيله. وسار نوح مع الله...". هذه هي الصفة الأساسيَّة التي تميّز بها نوح عن كلّ بني جيله، أي أنّه كان بارًّا وكان يسير مع الله.

 

 الرجل البارّ في الكتاب المقدّس هو الذي يسير بحسب  شريعة الربّ؛ في هذه المرحلة من التاريخ لم تكن شريعة سيناء بعد قد أُعطيت على يد موسى، ولكنّ شريعة الربّ ليس في الأساس مجموعة وصايا وأحكام يُفترض أن يعمل بها البارّ، بل هي العلاقة الشخصيّة التي يقبل البارّ أن يبنيها مع الربّ، والتي تقوم أوّلًا على رغبته بسماع كلام الله له، إن بإلهام القلب، أو خصوصًا من خلال أحداث حياته، التي يقرأها دائمًا على ضوء محبّة الله له، حتّى في قلب الأحداث المؤلمة أو المزعجة.

 

البارّ هو الذي يعطي الأولويّة في حياته للتعرّف إلى الربّ والسَّير معه، كما يقول النصّ هنا عن نوح!

 

لم يكن بنو الجيل الذي عاش فيه نوح ملحدين أو غير متديّنين، بل بالعكس، لقد تميّزت الشعوب القديمة كلّها بمظاهر العبادة وتقديم الذبائح والنذورات... ولكنّ الإنسان المتديّن ليس بالضرورة بارًّا! التعبّد والتديّن شيء، والبرارة شيء آخر! قد يجتمعان في شخص واحد، ولكن ليس التديّن هو الذي يقود إلى البرارة، بل هو أحد مظاهرها عندما يعبّر عنها!

 

 أمّا التديّن وحده، فهو في الغالب تديّن مزيّف حتى ولو كان المتديّن يمارس العبادات بنيّة طيّبة، ولكن تديّنه لا يقوده بالضرورة إلى وضع حياته أمام الله، والطاعة لكلمته ومشيئته والعمل بها كأساس لحياته. بل يبقى المقام الأوّل في حياته هو الأكل والشرب والتسلية والبحث عن تأمين حياته وأمواله ووظيفته وممتلكاته وأصحابه والأشخاص الأقوياء الذين يمكنه أن يتّكل عليهم...

 

 بالنسبة إلى المتديّن، الله ينفع في بعض الأوقات، خصوصًا في وقت المرض والشدّة والفشل؛ ولذا فإنّ لسان حاله هو هذه المقولة المَقيتة: "ساعة إلك، وساعة لربّك!!!". فهو يعطي ساعة للربّ (أي أقلّ من 60 دقيقة في الأسبوع)، ويترك الساعة الأخرى لنفسه ومشاغله؛ وهذه الساعة الأخرى هي في الحقيقة 24 ساعة في اليوم و7 أيّام في الأسبوع. إنّها "ساعته" التي تأخذ بكلّ أفكاره وهمومه ومشاغله وانتظاراته...هي في الحقيقة 167 ساعة في الأسبوع له ولهمومه وحاجاته... وساعة واحدة فقط للذهاب إلى المعبد أو الهيكل للصلاة وتقدمة الذبائح، حتى لا "يزعل" الربّ منه، أو يقاصصه... وعندما تسأله عن السبب يجيبك: أنا لست راهبًا أو كاهنًا أو ناسكًا!

 

ليس الإنسان البارّ عاطلًا عن العمل، أو غير متزوّج، أو ليس له عائلة يهتمّ بها، أو إنسانًا لا يأكل ولا يشرب، أو لا يسمح لنفسه بالراحة أو التسلية...

 

ما يميّز الإنسان البارّ هو أنّه "يسير دائمًا مع الربّ" حتّى في أكله وشربه وعمله واستفادته من الخيرات وفي كلّ صراعات حياته، والتي لا بدّ منها، طالما أنّ الله دعاه إليها لخيره وخير الإنسان، كلّ إنسان...

 

وهو يعمل كلّ ذلك بحسب إرادة الربّ، ولذا فهو يكون مع الربّ 24 ساعة في اليوم، و7 أيّام في الأسبوع!

 

معبد الرجل البارّ وهيكله ليسا فقط في مكان معيّن يذهب إليه من وقت إلى آخر، بل هو أيضًا هيكل جسده وقلبه وأعماله: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا، فافعلوا كلّ شيء لمجد الله" (1 قور 10: 31)، "وكلّ ما عملتم بقول أو فعل، فاعملوا الكلّ باسم الربّ يسوع، شاكرين الله والآب به" (قول 3: 17). هذا ما سيقوله القدّيس بولس للجماعات المسيحيَّة التي بشّرها، بمثابة قاعدة أساسيّة للحياة المسيحيّة البارّة!

لذلك نرى أنّ نوح يعمل بكلّ ما يأمره به الربّ، حتى ولو كان منافيًا لثقافة عصره المنحطّ، وحتّى لو تعرّض لاستهزاء بني جيله، الذين كانوا يرونه "يضيّع وقته" في هذا الأمر السخيف بالنسبة إليهم، أي بناء السفينة التي أمره الربّ أن يبنيها! هذا هو معنى عبارة: "... كان نوح رجلًا بارًّا كاملًا في بني جيله. وسار نوح مع الله...".

 

3ـ قراءة مسيحيّة

 

في التقليد المسيحيّ، يرمز نوح وسفينته إلى المسيح والعذراء التي هي صورة الكنيسة!

 ولقد دخلت هذه الصورة في الليتورجيَّات المتعدّدة، حيث تنشد الصلوات للعذراء بأنّها السفينة التي حملت في أحشائها المسيح المتجسّد منها، والذي خلّص البشريّة من طوفان الخطيئة والموت.

 

ولذا فنوح هو رمز للمسيح الذي هو البرارة بعينها، وسفينة نوح ترمز، بعد العذراء، إلى الكنيسة التي بناها المسيح ببشارته، والتي جمعت مؤمنين من كلّ المسكونة في داخلها (هذا ما ترمز إليه كلّ أصناف الحيوانات التي أدخلها نوح إلى السفينة)، فسارت فوق أمواج طوفان الخطايا، وخلّصت  بمياه المعموديَّة  كلّ الذين آمنوا ببشارة رسل المسيح وتلامذته.

 

ويفسّر آباء الكنيسة إرسال الربّ للريح التي أنهت الطوفان، بكونه رمزًا للرُّوح القدس الذي كان حاضرًا في الخلق الأوّل "مرفرفًا" على وجه المياه.

 

ويرى بعض الآباء بأنّ الحمامة نفسها التي أرسلها نوح، ترمز إلى الرُّوح القدس أيضًا، ويربطون الأمر بمشهد عماد يسوع وحلول الرُّوح القدس عليه بشكل حمامة.

 

ويقول بعض الآباء الآخرين أنّ غصن الزيتون الذي كان في فمِّ الحمامة، يرمز هو أيضًا للرُّوح القدس الذي يحلّ على المؤمنين لدى عمادهم، عندما يُمسحون بالزيت، وميرون التثبيت!

 

أمّا الذبيحة المرضيَّة التي قدّمها نوح لله على جبل آرارت، فهي رمز لذبيحة المسيح على جبل الجلجلة، والتي استحقّت لنا عهدًا جديدًا دائمًا وأبديًّا، ووعدًا للبشريَّة كلّها، من خلال الكنيسة، بأنّ الخطيئة والموت قد غُلبا، وأنّ الربّ الذي مات عنّا جميعنا، لن يسمح أبدًا بأن يتغلّب الشرّ في العالم، مهما عتى واستشرس عنفًا؛ لأنّ الكنيسة نفسها التي تضمّ ألوانًا عديدة من كلّ جنس وأمّة، والتي يرمز إليها أيضًا قوس الغمام بألوانه المتعدّدة، ستتشفّع مع المسيح إلى الله الآب لكي يعيد الحياة إلى كلّ إنسان يؤمن  بالبشارة ويقبل المعموديّة وينضمّ إلى جماعة المخلّصين.

 

الكنيسة هي السفينة التي تحمل في داخلها كلّ الأبرار في كلّ الأجيال، والذين بفضلهم ومن خلالهم، ستبقى حياة الله حاضرة في كلّ العالم! ولقد قال المسيح هذا وأكّد بأنّ "أبواب الجحيم لن تقوى عليها!"

 

 

خاتمة

... ورأى الربّ أنّ شرّ الإنسان قد كثُر على الأرض وأنّ كلّ ما يتصوّره قلبه من أفكار إنّما هو شرّ طوال يومه...

 

 هذه الملاحظة الإلهيّة موجودة أيضًا في أيّامنا، وما أكثر الشرور والمعاصي التي تُرتكب من بني جيلنا. ولكنّ السفينة وقوس الغمام حاضرَيْن أيضًا في هذا الجيل!

 

الكنيسة هي سفينة الخلاص وعلامته الدائمة، ولذا فالعالم يحتاج إلى أن تكون الكنيسة بأبنائها جميعًا هذه السفينة التي تحمل المسيح المخلّص وهذه العلامة التي تشير إلى حبّه الفادي.

 

والويل لنا، نحن الذين دُعينا لنكون هذا النور، إن أصبحنا نحن أنفسنا ظلامًا!

 

والطوبى كلّ الطوبى لمن لا ينجرفون إلى ثقافة "الأكل والشرب..." بكلّ ما ترمز إليه من خطايا وفقدان حضور الله في العالم، ويبقون حقًا علامة رجاء لعالم يزداد تعاسة كلّما انغمس في دهريّته وماديّته وابتعد عن خالقه وفاديه!

 

 

                                                       الخوري جان عزّام

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية