يا امرأة، أفيقي من سكرك

 

 

 

يا امرأة، أفيقي من سكرك

( 1 صم 1/ 14)

 

بهذا الكلام توجَّه الكاهن عالي إلى تلك التي ستكون أُمّ صموئيل النبيّ: هناك سكر وسكر. سكر بالخمر وسكر بالله.

يا امرأة، أفيقي من سكرك. هي طريقة إحتقار وعدم فهم.

 

 

توقَّف الكاهن عالي عند سكر أوَّل، سكر الخمر الذي يقول فيه الكتاب أقسى الكلمات. فنقرأ عند النبيّ إرميا: "فقال لي الربّ: "الأنبياء يتنبّأون باسمي زورًا، فما أنا أرسلتهم ولا أمرتهم ولا كلَّمتهم" (إر 13/ 13) هم يبدون كالسكارى. ويا أقسى ما يقول: "حتّى النبيّ والكاهن يطوفان في الأرض ولا يعرفان ماذا يفعلان" (إر 13/ 18).

أمّا أشعيا فيعلن الويل على العظماء، فيقول: "ويل للمبكّرين صباحًا في طلب المسكر، والسّاهرين اللّيل كلَّه والخمر تلهبهم" (أش 5/ 11).

 

من أجل هذا، قالت المرأة للكاهن عالي: "لا، يا سيِّدي، أنا امرأة حزينة النّفس، لم أشرب مسكرًا، بل أكشف نفسي أمام الربّ" فلا تحسب أمتك سكرى فأنا أطلب الصلاة من شدَّة الحزن والغمّ" (1 صم 1/ 15 - 18).

 

 هي طلبتْ عطف عالي، وماذا ينفعها إن هو عطف عليها هو يبدو وكأنّه لا يعرف صلاة القلب، أمّا حنّة، أُمّ صموئيل، فعاشت صلاة القلب.

وإمتدَّت هذه الصّلاة أبعد من صلاة الكاهن، وقد إستجاب الله لها. ونقرأ (1 صم): "ومضت في طريقها (طريق الربّ) "فأكلت. وزال الحزن عن وجهها" (1 صم 1/ 18).

هذا ما نجده مرارًا في المزامير يطلب المؤمن ويمضي ويعرف أنَّ الربَّ إستجاب له، في أعماق قلبه. والمثال على ذلك ما نقرأ في المزمور 25. فالمؤمن مضطهد فيأتي الربُّ ويعزّيه ويحميه من الشرّير، ويعلِّمه كيف يتصرَّف: "يا ربّ، يا إلهي، إليك أبتهل، عليك توكَّلتُ فلا أخزى" (مز 25/ 1). وينتهي المزمور: "الربُّ صالح ومستقيم ويرشد الخاطئين في الطريق، يهدي الودعاء بأحكامه، ويعلِّم المساكين طرقه... من خاف الربّ، أراه الربّ أيَّ طريق يختار، فتنعم نفسه بالخير، ونسله يرث الأرض (مز 25/ 8 - 13).

 

 مضت حنّة في طريقها والربُّ علَّمها طريقه، وأعاد الرّجاء إلى قلبها. والله يدلّها في الأعماق وكأنّه أمسكها بيدها. وفي (مز 42/ 22): "يا نفسي، لماذا تئنّين في داخلي؟ إرتجي الله، فهو مخلّصي وهو إلهي".

 

 

ونعود إلى الخبر في بداية سفر صموئيل الأوَّل: "رجل من قبيلة أفرائيم اسمه ألقانة، أي الله يُقني، يعطي، كما قالت حوّاء حين ولدت قايين: "إقتنيت ولدًا من عند الربّ". وكانت له امرأتان: "حنّة" تلك التي تنحني على طفلها وترفعه، كما يقول سفر هوشع حيث الله هو أب وأُمّ: "وكنتُ لهم كأب يرفع طفلاً على ذراعه ويحنو (مثل حنّة) عليه ويطعمه" (هو 11/ 4) وتعني "فنَّنة" جوهرة.

 

وكما كان الأمر بالنسبة إلى راحيل: هي المرأة المحبوبة، وليئة أختها الكبرى التي رزقت بالبنين كانت مرفوضة بعد حيلة والدها وعذرها أنّه يزوّج الكبرى ثمَّ الصّغرى. "وأمّا حنّة، شأنها شأن راحيل فلم يكن لها بنون" (هو 1/ 2).

 

 يقوم الرّجل ويعطي صاحبة البنين العديدين حصصًا على عدد أبنائها. أمّا حنّة، فيعطيها حصَّة واحدة مع أنّه كان يحبُّها، لأنَّ الربَّ جعلها "عاقرًا" أو "ربط رحمها": لماذا فعل الربُّ كذلك؟ لأنَّ لديه مشروعًا خاصًّا بالنسبة إلى الولد الآتي. أمّا ضرَّتها "فكانت تغضبها وتهينها بسبب ذلك" (هو 1/ 6) أي لأنَّ لا أولاد لها.

هكذا في التاريخ المقدَّس، الصّغير قبل الكبير، كما كان الأمر بالنسبة إلى داود، أصغر إخوته مع أنَّ البكر "منظره جميل وهو طويل القامة" (1 صم 25/ 7).

 

والجواب: "الإنسان ينظر إلى المنظر، وأمّا الربُّ فينظر إلى القلب". ثمَّ، حين تتمُّ الولادة المتأخّرة، يفهم القارئ الفرق. يقابل بولس الرّسول بين الذين يولدون بحسب الشريعة، بحسب اللّحم والدمّ: إسماعيل هو البكر، وإسحق هو الثاني الذي إنتظره والده طويلاً، ولكنّه وُلد بفضل وعد الله" (غل 4/ 21 - 23).

 

ويشبّه بولس أورشليم "بالعاقر" التي هي أُمّنا، فينشدها الرّسول بفم أشعيا: "إفرحي أيّتها العاقر التي لا وَلد لها، إهتفي وتهلَّلي يا من لم تعرف آلام الولادة، فأبناء المهجورة أكثر عددًا من التي عندها زوج" (غل 4/ 27 - 28). ذاك ما يقول (المزمور 113/ 9): "يجعل العاقر في بيتها أُمَّ بنين فرحانة".

 

أمّا ما يقوله سفر الحكمة فيعارض الشرق ماشيًا وحاضرًا: كثرة البنين هي يد عاملة لا تكلِّف كثيرًا "خير لإنسان أن يكون بلا أبناء، لكنّه يمتلك الفضيلة، لأن ذكرها خالد، ولأنّها مكرَّمة عند الله والإنسان" (حك 4/ 1) أفضل أن لا يكون للأُمِّ أولاد من أن يكون لها أولاد الكاهن عالي.

 

 ونقرأ في سفر صموئيل الأوَّل: "وكان الأكبر من بنوبنيعال (الحقيرين)، لا يعرف الربّ ولا حقَّ الكهنة على الشّعب، يأخذ حصَّته من الذبيحة قبل أن يُعطى الشّحم للذبيحة... ويُنهي... وكانت خطيئة بني عالي عظيمة جدًّا أمام الربّ، لأنّهم إحتقروا ذبيحته، وجاء من نبَّه عالي، ولكنَّ عالي لم يهتمَّ للأمر. إذا لم يكن الكاهن المثال هو وأولاده، فلماذا الكاهن ولماذا مثل هؤلاء الأولاد وآخرتهم آتية سريعًا. وإذا كانوا لا يؤمنون بالقيامة، في ذلك الزّمان، جاء العقاب وهم على الأرض. ففي المعركة مع الفلسطيّين "قُتل إبنا عالي حفني وفنحاس" وإنقلب الكاهن عن كرسيِّه إلى الوراء، وإنكسرت رقبته، حين سمع أنَّ العدوَّ أخذ تابوت العهد (1 صم 4/ 18 - 19).

 

سكر بالخمر. هذا كلّ واحد قادر عليه، ولكنَّ السّكر بالله محفوظ لعدد قليل من النّاس: هم الرّسل في العليَّة حيث حسبهم النّاس "سكارى"، أجل، يشبهون السّكارى لأنَّ الرّوح يحملهم. يعطيهم الشجاعة ويعلّمهم.

 

وهذا ما قلنا عن أُمّ صموئيل. أجابت! "أطلتُ الصّلآة من شدَّة الحزن" (1 صم 1/ 26). أمّا الرّسل فتكلَّم بطرس باسمهم: "ما هؤلاء سكارى كما تظنُّون، فنحن الآن بعدُ في السّاعة التاسعة صباحًا" وأطلق نبوءة يوئيل" (أع 2/ 17ي). وأنهى كلامه: "ومن دعا باسم الربّ يخلص".

 

أمّا صموئيل فمكرَّس للربّ قبل أن تحبل به أُمُّه. سبق ونذرت: "أيُّها الربّ القدير، إذا نظرت إلى شقاء أمتك وذكرتني وما نسيتني، بل رزقتني ولدًا ذكرًا، فأنا أُكرِّسه لك كلّ حياته، دون أن يقصّ شعر رأسه" (1 صم 1/ 10 - 13).

 

هكذا يكون النّذر، عكس الكهنة والفرعون. حين يكونون في الخدمة هم يحلقون شعر رأسهم، لأنَّ الشّعر رمز القوَّة. أمّا الخادم فيجب أن يقدِّم ضعفه للربّ. وفي العالم السّريانيّ والكلدانيّ، فالحبيس الذي كرَّس نفسه للربّ لا يقصّ شعره، إلاّ إذا خان نذره. فيترك محبسته ويعيش في الدّير، مثل هذا وغيره فيكونون بعيدين جدًّا عن القدّيس شربل... الصّمت التامّ هو ميزة الحبيس. وهكذا كان صموئيل ساهرًا مع الله الذي يرمز إليه تابوت العهد.

 

كلّ سنة تحمل إليه أُمّه جبَّة، فهو من يسهر بحيث لا ينطفئ الضّوء وكأنَّ الله ترك المكان.

ويتواصل الكلام في سفر صموئيل الأوَّل: "أمّا صموئيل النبيّ فكان يخدم الربّ بإشراف عالي. وكانت كلمة الربّ نادرة والرّؤى قليلة في ذلك الزّمان" يا للضّعيف، يا للضحالة! الله لا يُرى. كأنّه أخفى وجهه لئلاّ يرى الحالة التي وصل إليها الكاهن وسائر خدم الهيكل. والأسوأ: الله لا يتكلَّم، وهذا ما إكتشفناه عند عالي. وسوف نكتشفه أكثر في هذا المشهد، حيث الكاهن لا يعرف أن يميِّز صوت الربّ من صوت بشريّ.

 

دعا الربُّ صموئيل خلال اللّيل، فتطلَّع أوَّل ما تطلَّع إلى المصباح المشتعل عند تابوت العهد. فاعتبر أنَّ الكاهن دعاه. ولكنَّ هذا الكاهن إعتبر أنَّ ما يحصل لصموئيل أضغاث أحلام. وسمع صموئيل مرَّة ثانية الصّوت. فمضى إلى الكاهن. وهكذا في المرَّة الثانية لم يعرف أنَّ الصّوت صوت الله. فالكتاب سبق وقال: كانت الكلمة الآتية من عند الربّ نادرة. فوجب على الله أن يدعو صموئيل مرَّة ثالثة. عندئذٍ فهم عالي أنَّ الله هو من يدعو الصّبيّ فأفهمه ماذا يفعل. "وإن دعاك صوت، فقلْ: تكلَّم يا ربّ فعبدك سامع" (1 صم 3/ 9). "صموئيل، صموئيل" وحين يتكرَّر النّداء فهذا يعني أنَّ الأمر خطير جدًّا. وهو ينفَّذ بسرعة كبيرة. وهكذا كان. وبعد أن أخفى الله وجهه "عاد يتراءى لأنّه تجلّى لصموئيل هناك وكلَّمه" (1 صم 3/ 21). ولمّا سأل الكاهنُ صموئيل "أخبره وما أخفى عنه شيئًا". فسلَّم الكاهن نفسه لمشيئة الله. "هو الربُّ تكلَّم، ليفعل بي ما حسن في عينيه" ( 1 صم 3/ 18).

 

"وكبر صموئيل، وكان الربُّ معه".

 

هو الربُّ معنا، يرافقنا، يمسك بيدنا، كما سبق وكان مع يوسف بن يعقوب، كعبد لدى فوطيفار، وسجين في اقسى سجن في مصر، بإنتظار أن يرتفع فيغدو الشّخص الثاني بعد الملك. وهكذا صموئيل: جعل كلَّ إتّكاله على الربِّ وما إستند إلى قواه الشّخصيَّة. ومع أنَّ خطر الأعداء قريب والأعداء أخذوا تابوت العهد، كان مرتاح القلب. فالربُّ يعرف أن يدافع عن نفسه ولا يسمح أن يداس اسمه.

 

 

 فهذا الذي قضى صباه قرب تابوت العهد، ممّا يعني حضور الله بقربه، لا يخاف. لأنَّ الذي بدأ فينا الأعمال الصّألحة يتمِّمها إلى يوم ربّنا". وهذا عاد تابوت العهد بعد أن صار وبالاً على الفسلطيّين "ثقلت يد الربّ على الفلسطيّين". فحضوره لدى الشرِّ يجعله يفعل لكي يخلِّص أتقياءه، وما كان صموئيل يخطو خطوة دون أن يسأل الربّ. ويقول البعض: لماذا لا يكلِّمنا الله؟ أمّا نحن أولاده؟ بلى.

 

 

 هو يتكلَّم. وأنت هل تسمع كما سمع صموئيل وهو في المعبد. ونحن نصمت فنسمع صوت الربّ. فهو لا يتكلَّم في ضجيج العالم، بل يفعل كما فعل مع إيليّا على الجبل. مرَّ نسيم عليل. هذا من لدن الله. ومن لدن إيليّا كان صمت عميق مثل صمت القدّيسين. 

 

لا صمت الأموات، بل صوت الأحياء، لأنّه قال للذين "ينكرون قيامة الموتى. أجابهم: أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب. فأنا لست إله أموات، بل إله أحياء. وحتّى الذين نراهم أمامنا مسجّين على سرير الأموات. فنحن نخطئ إن إعتبرنا أنَّ هذا الذي توفِّيَ لن يعود إلينا. فالقبر مغلق عليه. في القبر لا يكون سوى اللّحم والدمّ والعظام. أمّا أنا، أنت، أنتِ، فبكلّيّتنا في حضن الآب الذي يستقبلنا كما يستقبل الأب (والأُمّ) ابنه (وابنته) الآتي من البعيد، على مثال ما فعل مع الابن الضالّ.

 

 

وهكذا عاش صموئيل الذي دُعي النبيّ، لأنّه دخل في سرِّ الله وعرف أنَّ إختياره لشاول لم يكن كما يريد الله. فضَّل صوت الشّعب، صوت الجيش على صوت الله، فكانت الهزيمة كاملة.

 

هؤلاء هم "القدّيسون" كانوا قبل مجيء المسيح على الأرض أو بعد مجيئه لأنّه ذلك الآتي دومًا إلينا.

 

خاف، ولا شكَّ، لأنّه إنسان ضعيف وهو في خطر لأنّه نبيّ. مثله كان المعمدان. كان بالإمكان أن يمالق الملك فرفض.

 

وفضَّل السِّجن وقطع الرّأس ولبث يقول لهيرودس لا يحقُّ لك أن تأخذ امرأة أخيك. وكذا نقول عن صموئيل الذي أرسله الربُّ لكي يختار من يخلف شاول، قال الربّ: "أخاف من شاول، ولكن في الصّلاة والإتّحاد بالربّ عرف كيف يتصرَّف، والكتاب يقول لنا ما قاله له الربّ في قلبه: إمضِ إلى بيت لحم وكأنّك ماض لتذبح ذبيحة. وفي صلاته عرف من يختار. لا من يختاره الله لجمال منظره وسواد عينيه، بل لمن يعمل مشيئته، من يجعل قلبه -

 

والقلب هو موضع القرار - في يد اله، كما قال سفر الحكمة: "أمّا نفوس الأبرار فهي بيد الله فلا يمسّها عذاب. ولكنَّ الجهلاء يعتقدون خطأ أنَّ الاتقياء حين يموتون يعانون الموت في شقاء عظيم" (حك 3/ 1). فالأشرار يريدون أن يرتاحوا منهم لأنَّ سلوكهم يوبّخهم.

 

وما أجمل رجل الصّلاة صموئيل الذي هو المثال لكلّ ملك ورئيس وحاكم ولكلّ من في يده سلطة.

 

قام بفحص ضمير أمام الشّعب "أنا قدتكم منذ صباي إلى اليوم وها أنا أمامكم، فاشهدوا عليَّ أمام الربّ وأمام الرّجل الذي مسحه الربّ ملكًا عليكم. هل أخذت ثور أحد أو حمار أحد؟ هل أسأت إلى واحد أو ظلمتُ أحدًا؟ هل إرتشيتُ من أحد لأغضَّ عنه النّظر فأردَّ الرّشوة لكم؟" يا ليت كلَّ مسؤول مهما كانت درجة مسؤوليّته يطرح هذه الأسئلة على نفسه كلَّ يوم ولا ينتظر ساعة الدينونة.

 

 

لكلِّ إنسان دعوة من لدن الله. فإن إكتنفتها المحبَّة، يقول له الربّ: يا لك عبدًا صالحًا وأمينًا. وإلاّ: أيُّها العبد الشرّير الكسلان... وهكذا يبقى صموئيل الرّجل الذي "رأى" الربّ و "سمع" صوته، فهكذا كان نجاحه ما يرضي الله أطيب رضى.

 

المونسنيور بولس الفغالي

 

            

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية