يسوع ابن الله في الأناجيل الإزائية

 

 

 

 

يسوع ابن الله في الأناجيل الإزائية

 

لا شكّ في أنّ الأناجيل الإزائية الأولى آمنت بألوهية المسيح. فمتّى ولوقا يتحدّثان عن الولادة يسوع العجائبية بعد تدخّل مباشر من الروح القدس. ثمّ إنّ الثلاثة يعطون يسوع لقب المسيح ولقب ابن الله.

 

لقد انطلق الإنجيليون من واقع حياة يسوع وأعماله وأقواله، قرأوها على ضوء القيامة وحياتهم في الكنيسة وقدّموها لنا بكل هذا الغنى.

ونحن نعلن إيماننا انطلاقًا من الأناجيل الإزائية الثلاثة، أي متّى ومرقس ولوقا، نعلن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله.

 نتوقّف أوّلًا عند المعجزات التي تهتمّ اوّلًا بإظهار حنان يسوع ومحبّته ولا تريد أن تظهر قدرته، مع أنّها ظاهرة لا سيما عندما يشفي المرضى ويقيم الموتى ويغفر الخطايا.

 

 ونتعرّف ثانيًا إلى لقبين اثنين: يسوع المسيح، يسوع ابن الله.

 

1ـ المعجزات في الأناجيل

 

ما اكتفى يسوع بأن يتكلّم، بل فعل فثبّت كلامه بأفعاله. هو يقدّم  نفسه كشخص عظيم،  فما الذي يسند "إدّعاءته"؟ المعجزات.

 هو يطلب من الناس أن يتعلّقوا به تعلّقًا لا شرط فيه ولا قيد، أن يتركوا كل شيء ويتبعوه؛ تساءل الناس: "ما هذا؟ أتعليم جديد يلقى بسلطان" (مر 1: 27)؟

سلطانه أعظم من سلطان  بشري وهو الذي  يطرد الشياطين. وسوف يطرح  التلاميذ  سؤالًا آخر بعد سير يسوع على المياه: "من هذا"؟ من هذا الذي تطيعه البحر والرياح" (مر 4: 41)؟ لقد قيل عن الربّ في العهد القديم: "أنت تتسلّط على طغيان البحر، أنت تسكّن أمواجها حين ارتفاعها" (مز 89: 10). وها هو يسوع يفعل أمرًا محفوظًا الله. فمن هو إذن؟

 

إذا قرأنا نصوص الأناجيل نشعر بالأهميّة الحاسمة التي ارتدتها أعمال يسوع العجيبة بالنسبة إلى الذين آمنوا به. دلّ على سلطان سامٍ على الطبيعة، ولا سيّما على الأجساد المريضة والميتة. دلّ على قدرة تجاه الأرواح النجسة، فرأى فيه التلاميذ شخصًا فريدًا بفرادة مطلقة. قال إنّه يغفر الخطايا وغفر. قال إنّه يشفي المرضى وشفى. قال إنّ الله أباه فدلّ على هذه الأبوّة التي أشركنا فيها حين علّمنا الصلاة الربية: أبانا الذي في السماوات.

قد لا تكون المعجزة في حدّ ذاتها "برهانًا" على لاهوت ذاك الذي يتمّها. ففي العهد القديم تحدّث الكتاب مثلًا عن معجزات إيليا واليشاع. كانا يعملان بقدرة الله، وهذا ما تدلّ عليه صلاة إيليا  حين أقام إبن أرملة صرفت صيدا (1 مل 17: 20 ـ 22). وفي زمن المسيح تحدّث الناس عن "شفّائيين" في العالم اليهودي وفي العالم اليوناني.

إنّ معجزات يسوع تبدو طبيعية جدًا. وهي تتطلّب تدخّل سلطة فائقة الطبيعة لا يستطيع أن ينكرها ذوو الإرادة الحسنة. وهذه السلطة يمارسها يسوع بقدرته الإلهية. بواسطة فِعلة أو حركة. بواسطة كلمة بسيطة. والنتيجة تأتي حالًا. مرضت حامة بطرس، "دنا منها يسوع وأمسك يدها وأنهضها. فتركتها الحمى وأخذت تخدمهم" (مر 1: 31). جاء أبرص إلى يسوع. وما إن لمسه حتى "زال عنه البرص في الحال وطهر" (مر 1: 41 ـ 42). قال يسوع للرجل اليابس اليد: "مد يدك". فمدها. فعادت صحيحة كالأخرى (مر 3: 5).

كان الأقدمون يطلبون الأمور المذهلة، والتي تبهر العين. أمّا يسوع فيعمل في الخفية. كما قال النبي أشعيا عنه: "لا يماحك ولا يصيح، ولا يسمع أحد صوته في الشوارع". علّمنا أن لا تعرف شمالنا ما تفعله يميننا، فعمل كذلك. قال للأبرص بعد أن شفاه: "إيّاك أن تخبر أحدًا بشيء" (مر 1: 44). وهل يستطيع من نال نعمة الشفاء أن يسكت؟

فما دفع يسوع إلى اجتراح المعجزات ليس طلب الشهرة. قال له إخوته أن يذهب إلى أورشليم حتى يرى التلاميذ أعماله. "فلا أحد يعمل في الخفية إذا أراد أن يعرفه الناس" (يو 7: 3 ـ 4). ولكن ليس هذا منطق يسوع.

 

بعد أن صعد إخوته إلى العيد، "صعد بعدهم في الخفية لا في العلانية" (يو 7: 10). وحين كان يصنع يسوع المعجزات، كانت تدفعه إلى ذلك عاطفة  إيمان الطالبين أو حنان يحرّكه في قلبه.

 

جاءه  الأبرص فأشفق عليه. رأى أرملة نائين وقد فقدت وحيدها، "رآها الرب فأشفق عليها  وقال لها لا تبكي" (لو 7: 13). وأقام لها وحيدها. وإنّ يسوع سوف يرفض  اجتراح  المعجزات حين لا يرى الاستعدادات المطلوبة. لم يصنع معجزة في الناصرة بسبب قلّة الإيمان عند أهلها. رفض أن يردّ على هيرودس الذي انتظر منه "شيئًا عجيبًا". كما رفض طلب الفرّيسيّين الذين طلبوا آية. وحين فرح التلاميذ بالسلطان المعطى لهم، قال: "إفرحوا بالأحرى لأن أسماءكم مكتوبة في السماء" (لو 10: 20).

فأهداف يسوع سامية حين يقبل بأن يعمل معجزة أو حين يتّخذ المبادرة إلى ذلك. فهو يريد أن يبيّن صدق رسالته أو يدلّ على قوّة كلمته. غفر الخطايا للمخلّع، فظنّ بعض الحاضرين أنّه يجدّف، أنّه يستحقّ عقاب الله، أنّ الله لن يسمح له. أمّا هو فأجاب: "لتعلموا أن لابن الإنسان سلطان بأن يغفر الخطايا على الأرض"... قال  للمخلّع: "إحمل فراشك واذهب إلى بيتك". فقام من ساعته.

 

فالمعجزة الخارجية تدلّ  عند يسوع على سلطان هو سلطان الله نفسه. فاليهود يعرفون أنّ الله وحده يقدر أن يغفر الخطايا؛ يسوع غفر، إذن هو الله وابن الله. وكما نقول: إنّه يشارك الله الآب في الطبيعة الإلهية. إنّه مساوٍ للآب في الجوهر. إنّه والآب جوهر واحد.

 

 

الاستعداد الأساسي الذي يطلبه يسوع لصنع معجزة هو الإيمان.

وليس الإيمان بالله الذي هو سيّد الطبيعة. فهذا أمر عادي في محيطه اليهودي حيث يصلّي الأتقياء إلى الله من أجل المرضى. بل الإيمان بشخصه، الإيمان برسالته. نذكر هنا تطهير البرص العشرة في (لو 17: 11 ـ 19) . أرسلهم إلى الكهنة، لكنهم طهروا في الطريق وتابعوا الطريق. غير أنّ واحدًا منهم (كان غريبًا عن العالم اليهودي) عاد يشكر يسوع. فقال يسوع: "أما كان فيهم من يرجع ليمجّد الله سوى هذا الغريب"؟ من أراد أن يمجّد الله عند اليهود يذهب إلى الهيكل.

 

ولكن المسيح هو الهيكل الجديد، هو حضور الله على الأرض. وهذا الغريب كان أفضل من التسعة  الباقين الذين لم يعرفوا أن يعودوا إلى يسوع.

 

حين يجترح يسوع معجزة، فهو لا يطلب أن يُعرف كذاك الذي يحمل الشفاء. ولهذا كان يختفي بعض المرّات عن الناس. بل أن يقدّم نفسه على أنّه المسيح.

 

على أنّه ابن الله وابن الإنسان. وهذا ما كان على يوحنا  أن يفهمه حين أرسل وفدًا إلى يسوع. "العميان يبصرون والصمّ يسمعون... وطوبى لمن لا يشكّ فيّ". أجل، المسيح هو هنا. فكان على يوحنا وغيره من اليهود أن يعرفوه.

2ـ يسوع المسيح

 

ليس يسوع "رابي" بين الرابانيين، وليس معلّمًا يشبه سائر المعلّمين في أرض إسرائيل، وليس أوّلًا صانع معجزات تبهر  السامعين فتجعلهم يتعجّبون ثمّ لا يتحرّكون. إن علّم يسوع فهو لا يفعل  مثل "المعلّمين" الذين يتمسّكون بتقاليد الشيوخ ولا يحيدون عنها قيد أنملة. إنّه يعلّم كمن له سلطان، "لا مثل معلّمي الشريعة" (مت 7: 29).

 

فيسوع يتصرّف بسلطة سامية تجاه الشريعة والتقليد. يفسّرها، يتعمّق فيها، يصحّحها إذا اقتضت الحاجة. "قيل لكم... أما أنا فأقول لكم". قيل لا تقتل، أمّا أنا فأقول لكم من غضب على أخيه... قيل لا تزنِ أمّا أنا فأقول لكم من نظر إلى امرأة ليشتهيها  فقد زنى بها في قلبه (مت 5: 21 ـ 30).

 

وقد سمح لنفسه أن يتعدّى شريعة السبت ليخدم أهداف الله في حبّه لأبنائه. وقال: " ربّ السبت هو ابن الإنسان". أي: ربّ الشريعة هو يسوع ابن الإنسان. الله وضع الشريعة، ولا يفسّرها إلّا الله هذا التفسير المطلق. كان موسى قد راعى الضعف البشري فسمح للرجال بأن يطلّقوا نساءهم، أمّا كلام يسوع فجاء قاطعًا: من طلّق امرأته جعلها تزني. ومن تزوّج مطلّقة زنى (مر 10: 11 ـ 12). لم يقبل التلاميذ بهذا الكلام القاسي فأجاب يسوع: "لا يقبل هذا الكلام إلّا الذي أعطي (أي : أعطاهم الله) أن يقبلوه" (مت 19: 11).

لا مساومة ممكنة. فيسوع يحمل الخمرة الجديدة. فلا حاجة بعد إلى الأوعية العتيقة (مر 2: 22). لقد جاء يدشّن عهدًا جديدًا، عهد ملكوت الله، كما أعلنه الأنبياء في القديم، وتحقّقت الآن في شخص يسوع. هاجمه الفرّيسيّون بأنّه يطرد الشياطين برئيس الشياطين، فأجابهم: "أمّا إذا كنتُ بروح الله أطرد الشياطين، فملكوت الله حلّ بينكم". فالمعجزات التي يجترحها ترافق مجيء الملكوت المسيحاني وتدلّ عليه.

 

لقد سمّى يسوع نفسه المسيح. واعتبر أنّه يدشّن المملكة المسيحانية في شخصه. هذا هو جوهر الإنجيل. وحين يفهم الرسل، ولا سيما في إنجيل مرقس، أنّ يسوع هو المسيح، أنّه ذاك الذي يتألّم قبل أن يمجّد، يستطيع الإنجيل أن ينتهي.

 

من هو المسيح في نظر العالم اليهودي؟

 

 إنسان، ملك من نسل داود، منحه الله سلطات استثنائية وغمره بالانتصارات. ولكنّه ظلّ إنسانًا، ولم يكن فيه "عنصر إلهي".

 

 أخذ يسوع الإسم ولكنّه أعطاه بعدًا جديدًا. المسيح هو الذي يختاره الله. فهذا الاختيار قد تمّ بشكل احتفالي  في العماد. أنت ابني. أنا جعلتك الملك المسيح. والإنسان الذي جاء  يدشّن ملكوت الله، ويتصرّف بالشريعة بشكل متعالٍ، ويجترح المعجزات العظيمة، ويطلب تعلّقًا به لا مشروط، مثل هذا الإنسان هو أكثر من "ابن داود" كما ناداه الناس (مر 10: 47 ـ 48)، هو أكثر من مسيح منتصر يقود شعبه ضد الأمم الغريبة التي تحتلّ أرض فلسطين. هو المسيح بمعنى سنكتشفه بشكل خاص على ضوء القيامة: المسيح، ابن الله الحيّ.

 

وهكذا سيرتفع التلاميذ شيئًا فشيئًا إلى الإيمان بألوهية معلّمهم. نحن لا نستطيع أن نقول إنّ القيامة أحدثت فيهم انقلابًا جذريًّا. فقد كانت هناك استعدادات في كلمات يسوع وسلوكه جعلتهم يكتشفون هذا الشخص الذي نذروا حياتهم له.

 

هناك إشارات واضحة تدلّ على أنّ يسوع اعتبر نفسه أكثر "من مسيح عادي". عارض أوّلًا بين حلم مادي عن مسيحانية حربية وسياسية، وبين نظرة روحية وأدبية إلى ملكوت الله الذي سينمو على مهل في التواضع والوداعة (مثل حبة قمح في الأرض). ثمّ نسب إلى نفسه سلطات وألقابًا تتجاوز صلاحيات المسيح التقليدي.

طالب بسلطان غفران الخطايا، كما قلنا. فكيف يمكن للتلاميذ، الذين كانوا من أصل يهودي، أن يقبلوا بهذا الوضع؟ لقد فكّروا وفهموا أنّ يسوع يمتلك صلاحيات إلهية. ربما لم يفهموا على مستوى العقل والفهم، ولكنّهم فهموا في قلوبهم أنّهم أمام شخص يستطيع أن يطلب منهم أن يتركوا كلّ شيء ويتبعوه وحده.

 

لن ننتظر في الأناجيل الإزائية تعليمًا مجرّدًا كذلك الذي تحدّده الكنيسة في مجامعها. ولن نجد تعابير واضحة كتلك التي نجدها عند القديس بولس أو عند القديس يوحنا. بل نستطيع أن نقول: لو لم يكن المسيح ابن الله بالذات لبدا "مجنونًا" حين يعتبر نفسه ما يعتبر، وحين يطلب من نفسه ما يطلب. لهذا لم يفهمه الناس، بل حسبوه آتيًا من عالم الشياطين، أو مجدّفًا "فاستحقّ" الموت (في نظرهم) بسبب تجديفه.

 

 أمّا التلاميذ فقال لهم "إنّ ابن الإنسان جاء ليخلّص الهالكين". ثمّ زاد: "لا يريد أبوكم أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار" (مت 10: 42). وقال: "من يريد أن يخلّص حياته يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي وفي سبيل الإنجيل يخلّصها... من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الرديء الشرير يستحي به ابن الإنسان (أي أنا يسوع المسيح) متى جاء في مجد أبيه (إذن، يسوع هو ابن الله الآب) مع الملائكة الأطهار" (مر 8: 35 ـ 38).

 

 

3ـ يسوع "ابن الله"

 

نبدأ فنشير أوّلًا أنّ ليس لهذا اللقب المعنى الدقيق والمتسامي الذي اكتشفه إيماننا بفضل أسفار العهد الجديد والتفكير اللاهوتي الذي تحدّث عن العقائد؛ بالنسبة إلينا "ابن الله" يدلّ على بنوّة كائن يتمتّع بالطبيعة الإلهية بفضل ولادته الأزلية من حضن الآب. ولكن قبل أن تصل العبارة إلى هذا المستوى، فقد عرفت تاريخًا طويلًا.

 

 كانت البنوّة على المستوى الأدبي لا الميتافيزيقي والكياني. فالملائكة هم "أبناء الله" (مز 29: 1 ؛ 39: 7 ؛ أي 1: 6 ؛ 2: 1). وهذا لا يعني المشاركة في الطبيعة الإلهية بل حياة حميمة بين هذه الكائنات السماوية والله. ويقول يهوه: اسرائيل هو ابني البكر (خر 4: 22). ويقول المصريون الشيء عينه (حك 18: 38). نحن هنا أمام بنوّة على مستوى التبنّي. نقرأ في تث 14: 1 : "أنتم أبناء للربّ إلهكم". وفي هو 1: 10: "يدعونهم أبناء الله الحيّ".

 

 

تقف هذه البنوّة عند القداسة. عند حياة من التقوى على مستوى العبادة والأخلاق. فمن كان صالحًا مع الأيتام سمّي "ابن العلي" (سي 4: 10) والبار الذي يعرف الله ويحفظ شريعته هو ابن الربّ ويستطيع أن يفتخر  بأنّ الله أبوه (حك 2: 13، 16). والملك هو مسيح الربّ وممثّله لدى الشعب  يستحقّ قبل الكلّ أن يسمّى "ابن الله". هذا ما قاله النبي ناتان لداود، وهو يتكلّم باسم الربّ: "أكون له أبًا ويكون لي ابنًا" (2 صم 7: 14 ؛ أخ 17 : 13).

 

 ولقد توجّه الله إلى الملك في المزمور الثاني : "أنت ابني. أنا اليوم (في يوم اعتلائك العرش) ولدتك". ونجد تفسيرًا لهذا الكلام في مز 89: "يناديني: أنت أبي وإلهي وخالقي (لا صخرتي كما تقول الترجمات) ومخلّصي. وأنا أجعله بكرًا عليًا فوق ملوك الأرض" (آ 27 ـ 28).

إنّ عبارة "ابن الله" هي أوسع من عبارة مسيحانية لأنّها تنطبق أيضًا على أشخاص غير المسيح. وهي أدقّ لأنّها تدلّ على حياة حميمة وخاصّة مع الله. أمّا ينبوع هذه الحياة فعلاقة خدمة أو معرفة أو طاعة مفعمة بالحبّ.

 

 

يسوع هو ابن الله، لكنه بالطبيعة ابن الله. أخذ ما وجد في التقليد البيبلي ولكنه تجاوزه إلى حدود التجاوز.

 

 فعبارة "ابن الله" عبارة مفتوحة على العالم المتسامي، وتستطيع أن تنطبق على "الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس" ساعة يتمّ الزمن.

 

لا شكّ في أنّ فكرة ابن الله بالطبيعة غير مقبولة إطلاقًا في العالم اليهودي الذي يشدّد على وحدانية الله المطلقة. والشيع التي تنطلق من العهد القديم لا تستطيع أن ترتفع إلى بنوّة الله كما ينادي بها العهد الجديد. وإلّا فما هو الجديد الذي حمله يسوع المسيح؟

 

والذين يتحدّثون عن بنوّة  على مستوى مادي ولحمي، يذكّروننا بهرطقات نبتت منذ بداية المسيحية فاعتبرت أنّ الله لا يمكنه أن يتجسّد، أن يتّحد بالمادة (والجسد) لأنّها تحمل الشرّ في ذاتها.

 

كما اعتبرت ولادة "ابن الله" على مثال الآلهة الوثنية، بواسطة المجامعة بين رجل (هو الإله) وامرأة من نسل البشر!!

 

 

الوحدانية في المسيحية مفتوحة على الثالوث، على الإله الذي هو في ثلاثة أقانيم، الآب والابن والروح القدس. وولادة الابن من الآب تشبه خروج كلمة من العقل والفم. وخروج النور من الشمس.

 

 وحين نشدّد على الثالوث، فلأنّنا نعتبر أنّ الله محبّة، وأن لا وجود للمحبّة إلّا حيث توجد عائلة، عائلة الآب والابن والروح القدس. الآب يحبّ الابن ويعطيه كل ما له. والابن يحبّ الآب ويعطيه كلّ ما له. والروح القدس هو الحبّ الجامع بين الآب والابن، هو شخص يحمل عمل الآب والابن إلى العالم، فيزرع كل حب لا بين البشر وحسب، بل بين الخلائق.

إذا عدنا إلى الأناجيل الإزائية نسمع الأرواح النجسة تسمّي يسوع "ابن الله" (مر 3: 13 ؛ 5: 7). فقد تكون اكتشفت فيه أكثر من المسيح والملك الذي يرسله الله. ونقرأ في لو 4: 41 ـ 48: "وخرجت الشياطين من مرضى كثيرين وهي تصرخ : أنت ابن الله. فكان يسوع ينتهرها ويمنعها من الكلام، لأنّها عرفت أنّه المسيح". وحين يقول  الشيطان ليسوع في ساعة التجربة: "إن كنت ابن الله" فهو يعود إلى الصوت السماوي الذي سُمع في تيوفانية (الظهور الإلهي) العماد (مر 1: 11؛ مت 3: 17؛ لو 3 : 22).

في مت 14: 33 ، وبعد أن سار يسوع على المياه، سجدوا له وقالوا: "بالحقيقة أنت ابن الله". هذا يعني أنّنا تجاوزنا الإطار المسيحاني. وفي مت 16: 16 ، أعلن بطرس: أنت المسيح ابن الله الحيّ. فهنّأه يسوع على كلامه: "لا لحم ولا دم (أي: ليست الطبيعة البشرية) أوحى لك بذلك، بل أبي الذي في السماوات". قال بطرس ما قال. ولا شكّ أنّه سيفهمه في كلّ عمقه بعد القيامة. ولكن كلامه  في إنجيل متى وفي جوّ الكنيسة الأولى يعني أنّ يسوع هو المسيح المنتظر. أنّه إبن الله الحي. وأنّ الله هو أبوه، وهو الذي جعل بطرس يتلفّظ بهذه الأقوال السامية التي مازالت الكنيسة تردّدها وتتعمّق في معناها.

 

لم يقل يسوع عن نفسه "أنا ابن الله"! فلو قالها، لما فهمها أبناء عصره. ولكنه فعل أفضل من ذلك: دلّ على اتّحاد مع الله أبيه، وهو اتحاد ذو طابع فريد ومتسامٍ، اتحاد جعله على مستوى الله نفسه.

 

في هذا الإطار تتخّذ بعض الأقوال كامل معناها. فيسوع  لا يقول عن نفسه "ابن" بل هو "الابن" وليس سواه.

 

هنا نتذكّر مثل الكرّامين القتلة. الكرّامون هم عبيد الله وخدّامه. في آخر الأمر أرسل إليهم ابنه وقال: سيهابون ابني. فلمّا رأى الكرّامون الابن قالوا فيما بينهم: "ها هو الوارث! تعالوا نقتله". هذه هي قصّة الله مع شعبه. أرسل إليهم الأنبياء، وفي النهاية أرسل ابنه الحبيب (راجع عماد يسوع في مر 1: 11). فقتلوه. هذا ما فهمه التلاميذ بدقّة بعد موت يسوع على الصليب. وسيقول بطرس في خطبته بعد العنصرة:

 

 "فليعلم بنو اسرائيل كلهم علم اليقين أنّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا" (أع 2: 36).

 

وهناك قول شهير اعتبره الشرّاح مرتبطًا بالإنجيل الرابع. إنّه يدلّ على علاقة حميمة من المعرفة والمحبّة بين الآب والابن.

 

يتوجّه يسوع إلى الآب السماوي، إلى الله، ويسمّي نفسه الابن (بشكل فريد) فيقول: "أحمدك يا أبي، يا ربّ السماء والأرض، لأنّك أظهرت للبسطاء ما أخفيته عن الحكماء والفهماء. نعم، يا أبي، هذه مشيئتك. أبي أعطاني كلّ شيء. ما من أحد يعرف الابن إلّا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلّا الابن ومن شاء الابن أن يظهره له" (مت 11: 25 ـ 27).

 

البسطاء والصغار هم التلاميذ (مت 10: 42) وقد نالوا وحيًا خاصًا، سرّ ملكوت السماوات (مت 13: 11). أمّا مشيئة الله ورضاه فيعودان بنا إلى صوت الآب في العماد.

 

وبهذا القول (آ28) يعلن يسوع بشكل غير مباشر أن علاقته فريدة مع الله الآب. هنا نتذكّر أوّل كلمة تفوّه بها يسوع في إنجيل لوقا. حدّثته أمّه قالت: "أنا وأبوك تعذّبنا كثيرًا ونحن نبحث عنك". فأجاب: "أما تعرفان أنّه يجب أن أكون لأبي" (2: 48 ـ 49).

 

 هكذا  ذكر يسوع أباه في بداية رسالته، وسيذكره (عند لوقا) في نهاية هذه الرسالة: "يا أبتِ، في يديك أستودع روحي" (لو 23: 46). لقد صلّى يسوع وبدأ صلاته بدعاء إلى الآب. إنّه الابن الذي يبدأ صلاته دومًا بالتفاتة إلى الآب. نقرأ في لو 10: 21 ما يقابل نصّ متى: "أحمدك أيها الآب..." وفي ساعة النزاع: "يا أبي، إن شئت فأبعد عني هذه الكأس" (22: 42). وينتهي إنجيل لوقا: "وسأرسل إليكم ما وعد به أبي" (24: 49). نحن قريبون من إنجيل يوحنا حيث يأخذ الابن من الآب، حيث يرسل الابن الروح القدس الذي هو "قوة من العلى".

 

وإذا عدنا إلى مرقس وجدنا لفظة فريدة، يتفوّه بها الأطفال مع أبيهم. لفظة لم ترد في أيّ نصّ سابق في التوراة أو العالم اليهودي. هي لفظة "أبّا".

 

وقد قالها يسوع في أحلك ساعات حياته، ساعة كان ينازع في البستان: "أبّا، أيّها الآب. أنت قادر على كلّ شيء. أبعد عني هذه الكأس".

 

لفظة "أبّا" لفظة آرامية تدلّ على علاقة خاصة بشخص من الأشخاص. لسنا أمام المعنى المجازي أو الذي يقال عن طريق الاستعارة. لا أب ليسوع إلّا الآب السماوي وهو الابن الحبيب لهذا الآب.

 

 أعلنه الآب  من السماء: "أنت ابني الحبيب الذي به رضيت" (مر 1: 11). أجل، يسوع هو ابن الله، هو حبيب الله، هو موضوع رضاه. ونقرأ في لو 3: 22: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". نحن هنا أمام سرّ يسوع في أعمق معانيه كما نادى به الملاك. "يكون المولود قدوسًا وابن الله يُدعى" (لو 1: 35). هذا المولود هو المسيح في معنى أوّل (لو 4: 34 ؛ 41، أع 9: 20 ،22). وهو يدلّ أيضًا على العلاقة السرية التي تربط يسوع بالله.

قال الناس في المحكمة متسائلين "أنت ابن الله؟" أجاب يسوع بما لا يقبل الشكّ . فهتف الشيوخ: "أنحتاج بعد إلى شهود؟ نحن بأنفسنا سمعنا كلامه من فمه" (لو22: 70) . فلو لم يكن يسوع ابن الله، لكن أوضح أمره لليهود. لكان قال لهم: أنتم تفهمونني خطأ. ولكنه اعتبر أنّهم فهموه. وهم سيقتلونه لأنّه الابن كما قرأنا في مثل الكرّامين القتلة.

 

 تساءل اليهود عن هوية يسوع: هل هو ابن الله؟ أمّا الوثني فلم يتوقّف عند التساؤل، بل أعلن عند الصليب وحين أسلم الروح: "بالحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (مر 15: 39). هذا هو فعل إيمان المسيحيين في رومة، وقائد المئة يمثّلهم جميعًا.

 

 

إنّ لقب "إبن الله" الذي تلفّظ به الشيوخ في محاكمة يسوع (لو 22: 70) هو تعميق للقب المسيح (آية 67: إن كنت المسيح، فقل لنا). أمّا النصين الموازيين في مت 26: 63 وفي مر 14: 61، فلقب المسيح يوازي لقب ابن الله. قال عظيم الكهنة ليسوع (في إنجيل متى): "أستحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله"؟ وفي مر 14: 61 سأل عظيم الكهنة يسوع: "هل أنت المسيح ابن المبارك"، أي ابن الله المبارك؟ فاليهود لا يتجرّأون على التلفّظ باسم الله.

هذا التمييز المسيح وابن الله قد وجدناه في لو 1: 32، 35، وسنجده عند يو 10: 24، 36 (هل أنت المسيح؟... قلت إني ابن الله). إنّه يدل على ملء سرّ يسوع.

جاءت عبارة "ابن الله" بلسان البشر (رج مت 14: 33؛ 16: 16 27: 40؛ 54؛ مر 15: 39). وجاءت بصورة خاصة في فم الآب. ساعة العماد (لو 3: 22) وساعة التجلي (9: 35): "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا".

 

 

 وجاء بلسان الملاك جبرائيل حين يبشّر مريم بالحبل الإلهي. وأخيرًا ورد في فم يسوع (لو 20: 13؛ رج 10: 22). في مشهد البشارة تأتي عبارة ثانية فتغني العبارة الأولى. كان قد قال الملاك في تحيّته لمريم : "يكون عظيمًا وابن العليّ يدعى" (1: 32).

 

فعبارة ابن العليّ دلّت في العالم الهليني على الله، ولا تذكر في العهد الجديد إلّا عند لوقا (1: 35: 76؛ 6: 35؛ رج مر 5: 7؛ عب 7: 1). ثمّ قال الملاك بعد "اعتراض مريم". لذلك يكون المولود قدّوسًا وابن العليّ يُدعى" (1: 30).

 

 نحن نعلم أنّنا في إنجيل الطفولة أمام تعليم لاهوتي هو خلاصة تأمّل الكنيسة في سرّ يسوع، في حياته وأقواله وأعماله. نحن أمام تعليم هو ذروة التعليم الإنجيلي لأنّه تأمّل في شخص يسوع على ضوء القيامة. وهذا التعليم يعلن يوضوح أنّ يسوع هو ابن الله.

 

 

خاتمة

 

حين رافق التلاميذ يسوع خلال حياته على الأرض، استشفّوا أنّه ليس إنسانًا مثل سائرالناس. أنّه ليس نبيًّا مثل سائر الأنبياء، ولا صانع معجزات فقط. إنّه المسيح في معنى سامٍ جدًا.

 

 

فسلطة أقواله وقدرة أعماله وإشعاع شخصه، كلّ هذا يدلّ على لاهوته. دلّ على انّه أكثر من إنسان بارّ وقريب من الله. كلّ هذا دلّ على أنّه ابن الله.

 

لا شكّ في أنّهم تأخّروا في اكتشاف هذا السرّ العميق، وانتظروا أن يكون يسوع ذاك الملك المنتصر والممجّد. ولكن الآلام والموت أفهمتهم أنّ يسوع هو عبد الله الله المتألّم الذي يخلّص البشرية. أفهمتم انّه ابن الانسان بشكل فريد كما يقول عنه دا 7: 14. فهم التلاميذ أكثر من الناس ما تعني ههذ العبارات التي استعملت للحديث عن يسوع. ولكن بشرية يسوع ظلّت حجابًا يخفي حقيقة يسوع. فلما جاءت القيامة وحلول الروح القدس، استنار إيمانهم وفهموا أنّ يسوع ينتمي إلى عالم الله.

 

وبعد أن تيقنوا أنّ صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، استعادوا قراءة حياة يسوع وأعماله فوصلوا في تأمّله إلى سرّ التجسّد، سرّ الله الذي صار انسانًا، سرّ ابن الله الذي صار ابن البشر لكي يرفع البشر إلى مستوى أبناء الله.

 

 هذا هو السرّ الفريد الذي كان بولس أوّل من كتب عنه بطريقة لاهوتية "مجرّدة". وجاءت الأناجيل الإزائية فأعادتنا إلى يسوع الإنسان فاكتشفنا معها تدريجًا من هو ابن الله.

 

ومع يوحنا سنصل إلى قمة التأمّل في علاقة الآب بالابن، داخل الثالوث الأقدس الذي باسمه يتعمّد المؤمنون. أجل، لقد اعتمدنا باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد له المجد إلى الأبد. آمين.

                                                                   الخوري بولس الفغالي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية