يسوع يبتهج بالروح القدس

 

 

 

 

يسوع يبتهج بالرُّوح القدس

(لوقا 10: 21 ـ 24)

 

بَعدَ عَودَة الإثنَين وَالسَّبعينَ تِلميذًا بِفَرَحٍ  ٱبْتَهَجَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ القُدُس، فَقَال: "أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْض، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ الأُمُورَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالفُهَمَاء، وَأَظْهَرْتَها لِلأَطْفَال.

 

نَعَم، أَيُّهَا الآب، لأَنَّكَ هكذَا ٱرْتَضَيْت. لَقَدْ سَلَّمَنِي أَبي كُلَّ شَيء، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ ٱلٱبْنُ إِلاَّ ٱلآب، وَلا مَنْ هُوَ ٱلآبُ إِلاَّ ٱلٱبْن، وَمَنْ يُريدُ ٱلٱبْنُ أَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ".

 

ثُمَّ ٱلتَفَتَ إِلى تَلامِيذِهِ، وقَالَ لَهُم عَلى ٱنْفِرَاد: "طُوبَى لِلْعُيونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا أَنْتُم تَنْظُرُون!

 

فَإِنِّي أَقُولُ لَكُم: إِنَّ أَنْبِياءَ وَمُلُوكًا كَثِيرِينَ أَرادُوا أَنْ يَرَوا مَا أَنْتُم تَنْظُرُون، فَلَمْ يَرَوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا تَسْمَعُون، فَلَمْ يَسْمَعُوا".

 

 

 

كالمعتاد، إنّ تصرّف يسوع غريب عن منطقنا وآراءه تعاكس فكرنا وعقلنا، فهو يمدح الأطفال لأنّ الربّ أظهر لهم أموره وأخفاها عن الحكماء والفهماء.

 

أمّا نحن، فمنذ صغرنا نحلم بأن نصبح كبارًا، لنا عملنا وبيتنا ومستقلّون عن أهلنا في عيشنا وفي نمط حياتنا. كما وأنّ عندما نكون أطفالًا يراود عقلنا الكثير من الأحلام ويسكن قلبنا الكثير من الطموحات،  فننتظر بلوغ سن الرشد كي نبدأ بتحقيق هذه الأحلام وهذه الطموحات.

 

أضف إلى ذلك، في صغرنا، لا يأخذ أحد أحاديثنا ومداخلاتنا على محمل الجدّ، فنحن لا نفهم بأمور الحياة بعد، أمّا حين نكبر، فإن تحدّثنا، يصغي إلينا الآخرون بانتباه، حتّى ولو كنّا نقول الأفكار نفسها قبل عدّة سنوات. لذلك نمضي فترة من العمر نصبو خلالها دخول عالم الكبار... وها يسوع يؤكّد لنا أنّ عالم الأطفال هو الأفضل.

 

ولكن، في الواقع، يسوع لا يُريدنا أن نبقى أولادًا ولا أن تكون تصرّفاتنا ولّادية، بل هو يُريدنا أن نكبر وننمو كما هو كبر ونما "في القامة والحكمة والنعمة" (لو 2: 52)، إنّما أن نحافظ، في الوقت عينه، على روح الطفولة، أو بالأحرى على الطفولة الرُّوحيَّة.

 

 فهو لا ينبذ الحكمة والفهم، وإثناهما من المواهب التي عدّدها النبّي أشعيا حين تحدّث عن عطايا الرُّوح القدس، ولكن أيّ حكمة وأيّ فهم؟

إذا نظرنا إلى حياة يسوع، نرى أنّ الذين قبلوه هم الذين يسمّيهم يسوع الصِّغار وهم الرُّعاة والتلاميذ والخطأة المحتاجون إلى رحمة الله وغفرانه، أمّا الذين نبذوه فهم الذين ادّعوا معرفة الله وقرّروا كيف يجب على المسيح أن يتصرّف... فرفضوا مسيحًا يعاكس آراءهم وانتظاراتهم وتصوّراتهم.

إن أردنا التكلّم على الطفولة الروحيَّة فلها صفات كثيرة، إنّما نستطيع أن نتحدّث عن اثنتين منها، وهما الثقة بالله والبساطة في الإيمان.

 

 في حياتنا، مع مرور السنوات، نختبر الفشل والألم وخيانة الأصدقاء لنا، فنمرّ بخيبات أمل كثيرة. من منّا لم يتوجّع يومًا، لا من الأعداء والغرباء فقط، بل من الأصدقاء والأقارب أوّلًا؟

ولذلك مع مرور الأيّام، نتعلّم الحذر ونأخذ احتياطاتنا في كلّ مرّة نريد أن ندخل في خضمّ مشروع. أمّا حين كنّا أطفالًا، فكنّا نرمي بذواتنا في أحضان الأهل والأصدقاء بثقة عمياء. وإن أخبرنا والدنا أنّه يأخذنا بنزهة، نصعد إلى السيارة دون أن نسأله أين يذهب بنا. وإن طلبت منّا الوالدة أن نكفّ عن اللعب لندرس، كنّا نفعل، ولو على مضد لأنّنا نفضّل التسلية على فروض المدرسة، إنّما في داخلنا كنّا على ثقة بأنّها تريد خيرنا.

من الصَّعب أن نبقى على هذه العقليّة مع اختباراتنا في الحياة، ولكن دون أن ندري ودون أن ننتبه، قد نتصرّف مع الله كما نتصرّف مع من حولنا، فتصبح اختباراتنا الفاشلة والناقصة هي المقياس في علاقتنا مع لله ونظرتنا إليه.

فنظنّ أنّ الحكمة هي أن يبني الإنسان حياته بقوّته ومجهوده الخاص، وينسى أنّ في الحياة يوجد شيء مهمّ جدًّا هو نعمة الله في حياتنا.

هذه هي الحكمة التي تخفي عنّا أمور الله. عندما كنّا صغارًا، رغم سلوكنا السيِّئ  في الكثير من الأحيان ـ وبدون هذا السُّلوك المشاكس تفقد الطفولة جمالها ورونقها ـ إلّا أنّنا كنّا نتصرّف ببساطة أكبر. لا نختار حينها أصدقائنا بحسب عرقهم أو لونهم أو دينهم، ولا نميّز بين فقير وغنيّ، بين جميل وقبيح، فالمهمّ أن نلعب سويًّا ونفرح معًا. وإن تشاجرنا مع أحد أو رفع أهلنا صوتهم بوجهنا لسبب معيّن، حين نستيقظ في الصباح لا نأخذ موقفًا منهم  بحجّة أنّ كرامتنا انداست وشرفنا جُرح، بل نسلّم عليهم نفرح معهم من جديد وكأنّ شيئًا لم يكن.

 

وفي علاقتنا مع الله كنّا نصلّي بعفويّة ونبارك الله على الطعام دون أن نخجل من نظرة الآخرين، ونتحدّث عن محبّتنا ليسوع دون الخوف بأن نبدو سذّجًا.

 

 أمّا مع مرور السنوات، فيفقد الإنسان بعض الشيء من هذه البساطة، فلا نقبل أن ندخل أيّ مشروع قبل أن ندقّق في جيمع زواياه، ونميّز في علاقاتنا بين غنيّ وفقير، بين مثقّف وأمّي، بين صاحب نفوذ والمواطن البسيط، ونهتمّ  للصورة التي نعكسها للآخرين عن ذواتنا، ولا نصدّق إلّا الأمور التي تخضع لعقلنا ولفكرنا ولمنطقنا، ونستحي بإيماننا إن وُجدنا في مكان لا يؤمن فيه أكثريَّة الأشخاص، فنخاف من رأي الآخرين ومن نظرتهم لنا.

 

لا بدّ  للإنسان أن يفكّر في ما يسمع ويقول كي يقتنع. ولكن، إن اعتبر أنّ كلّ شيء يخضع للمقاييس التي يضعها وللعقليّة التي يتمتّع بها، فهو يحدّ ذاته ويمنع ذاته من أمور كثيرة. يظنّ الإنسان أحيانًا أنّ الفهم الحقيقيّ هو حين يكون هو المرجع الأوّل والوحيد، ولكن هذا الفهم هو الذي يخفي عنّا أمور الله. "ابتهج يسوع بالرُّوح القدس، فقال: "أعترف لك، يا أبتِ، ربّ السَّماء والأرض، لأنّك أخفيت هذه الأمور عن الحكماء والفهماء، وأظهرتها للأطفال".

 

لقد عُرف الكثير من القدِّيسين والمفكّرين بعمقهم وببساطتهم وبحكمتهم وبثقتهم بالله. ولعلّ أشهرهم هو القدّيس فرنسيس الأسيزي. فهو كلّما كبر في السنّ كلّما عرف أن يكون طفلًا يحبّ الخليقة ويخدم إخوته البشر ويعبد الله ببساطة وثقة. عرف الله حقًا لأنّه حافظ على طفولته الروحيَّة التي بفضلها أبصر أمور الله. قد كتب الكثير من الأناشيد، ومن بينها نشيد السَّلام (يا ربّ استعملني لسلامك)، ونشيد المخلوقات يسبّح فيه الله على جميع المخلوقات. في نهاية حياته تعذّب كثيرًا، لا بسبب جروحات المسيح التي انطبعت في يديه وحسب، بل لأنّه أصيب بمرض يمنعه من أن يبصر النور لأنّه إذا رأى النّور يصيبه صداع قويّ وأليم في رأسه. وما هو مدهش، وفي الوقت عينه معبّرًا عن قداسة هذا الرَّجل البسيط، أنّه في وقت هذا الألم بالذات، كتب نشيد المخلوقات يشكر فيه الله أوّلًا على الشمس وأشعّتها فيقول:

 

"أيّها الربّ العليّ، والكليّ القدرة، والصّالح، لك التسابيح والمجد والإكرام وكلّ بركة، فهي بك وحدك تليق، أيّها العليّ، وما من إنسان يستحقّ أن يدعوك. كن مسبّحًا، يا ربّي بجيمع مخلوقاتك، ولا سيّما السيّدة الأخت الشمس، التي هي النهار وبها أنت تنيرنا. وهي جميلة، ومشعّة ببهاء عظيم، وتحمل إشارة إليك، أيّها العليّ".

 

يشكر الله على نور الشمس في وقت لا يستطيع فيه، ولو للحظة، أن يحتمل أشعّة هذه الشمس. ثمّ يكمل النشيد ويمجّد الله على جميع الأشياء، حتّى على الموت لأنّه الباب الذي به يدخل ملكوت الله:

"كن مسبّحًا، يا ربّي، بالأخ القمر والنجوم، في السَّماء كوّتنها نيّرة، ثمينة جميلة. كن مسبّحًا، يا ربّي، بالأخت الرِّيح، وبالهواء والسُّحب والسَّماء الصَّافية، وبجميع الفصول، التي بها تساند مخلوقاتك. كن مسبّحًا، يا ربّي، بالأخ الماء، الذي هو جزيل الفائدة، ووضيع وثمين، وعفيف. كن مسبّحًا، يا ربّي، بالأخت النّار التي بها تنير لنا اللّيل، فهي جميلة، فرحة، صلبة، قويَّة. كن مسبّحًا، يا ربّي، بأختنا وأمّنا الأرض التي تساعدنا وتدبّرنا، وتنتج الثمار المتنوّعة، مع الأزهار الملوّنة، والأعشاب. كن مسبّحًا، يا ربّي، بأولئك الذين يصفحون حبًّا بك، ويحتملون الأسقام، والشدائد.

 

طوبى للذين يحتملونها بسلام لأنّها منك، أيّها العلي سيُكلّلون. كن مسبّحًا، يا ربّي ، بأخينا الموت الجسديّ، الذي لا يقدر أن يُفلت منه إنسان حيّ.

 

 والويل لمن يموتون في الخطايا المميتة، وطوبى لمن يجدهم في إرادتك الكليّة القداسة، لأنّ الموت الثاني لن يُلحق بهم سوءًا.

سبّحوا ربّي وباركوه واشكروه واخدموه بتواضع كبير".

 

"طوبى للعيون التي تنظر ما أنتم تنظرون! فإنّي أقول لكم: إنّ الأنبياء وملوكًا كثيرين أرادوا أن يروا ما أنتم تنظرون، فلم يروا، وأن يسمعوا ما تسمعون، فلم يسمعوا".

 

 

الخوري غي سركيس

                                                           

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية