يعقوب القويّ مع الله

 

 

 

 

 

يعقوب القويّ مع الله

 

 

يعقوب هو الأب المباشر لِما سيُعرف بـ"شعب إسرائيل". سنتوقَّف هنا عند ثلاثة مراحل من حياته، تُساعدنا على فهم عمل الله في تاريخه، والتي حوَّلته من إنسان "محتال" إلى إنسان جديد، ونقطة التحوُّل الأساسيَّة هي في نهاية المرحلة الثانية وبداية الثالثة، أي على نهر يبُّوق، حيث صارع الله يعقوب من اللّيل إلى الفجر، وغيَّر اسمه من يعقوب إلى إسرائيل، "القويِّ مع الله".

 

1- يعقوب وعيسو

 

عيسو ويعقوب توأمان وعيسو هو المولود البكر الذي يعود إليه حقَّ البكريَّة بحسب التّقاليد القبليَّة والعائليَّة القديمة. وفي قصَّة الخلاص، لم يكن الميراث الذي إنتقل من إبراهيم إلى إسحق ميراثًا ماديًّا فقط، بل ميراثًا إيمانيًّا، أساسه الوعد الإلهي بأرض ونسل مبارك يكون بركة للشّعوب الأخرى، (تك 12).

 

إذًا، فإنَّ عيسو هو الذي كان مدعوًّا، في الظاهر، لينال هذا الميراث في الأرض والنَّسل والبركة؛ ولكنَّ عيسو، خرج عن تقاليد الإيمان والبركة يوم تزوَّج بنساء كنعانيَّات، وخاطر بإدخال إيمان غريب في تربية أولاده؛ أمَّا يعقوب، فقد تميَّز بحبِّه الشَّديد لميراث العائلة الإيمانيِّ، وبرغبته في أن يعود إليه حقَّ البكريَّة، ليحصل بالتالي على البركة الإلهيَّة الموعودة!

 

طبعًا، لم تخلُ رغبة يعقوب من طمع بشريِّ بأرض العائلة واسمها؛ وصحيح أيضًا أنَّ يعقوب قد لجأ لاحقًا إلى ضربٍ من الإحتيال، وبتشجيع من رفقا أُمِّه، لينال بركة إسحق أبيه الأعمى! ولكنَّ هذه الخطيئة الكبرى التي إرتكبها عيسو! فبمجرَّد أنْ عَرَضَ عليه يعقوب أن يبيعه حقَّ البكريَّة مقابل "صحن عدس"، لم يتردَّد، وفضَّل أن يُشبِع بطنه الآن"، على أن يُضحِّي قليلاً بتحمُّل الجوع، لينال لاحقًا ما هو أعظم بكثير من "صحن عدس"، أعني ملكوت الله!

 

 لقد ازدرى عيسو حقَّ البكريَّة والحقوق الإلهيَّة المرتبطة بها، وذلك على طريقة: "عصفور باليد ولا عشرة على الشَّجرة!". طبعًا، لهذا القول منطقه الجيِّد، إن تعلَّق الأمر بوعود بشريَّة أو بانتظار ما لا ضمانة لحدوثه! ولكنَّ الوعد المقصود هنا كان وعدًا إلهيًّا أكيدًا!

 

نَعلَم أنَّ رفقا أُمّ عيسو ويعقوب، هي التي دفعَت بيعقوب ليحتال على أبيه ويحصل منه على البركة، مع أنَّ إسحق كان قد قرَّر إعطاءَها لعيسو، جَرْيًا على التِّقليد! ولكنَّ رفقا لم تتصرَّف بدافع من حبِّ الإحتيال، أو برغبة منها في كسر إرادة زوجها، الأعمى! وهي لم تفعل ذلك على الطريقة المكيافليَّة، التي تدَّعي بأنَّ "الغاية تبرِّر الوسيلة"، ويكون أساس "الغاية والوسيلة" تحقيق إرادة بشريَّة وذات مصلحة بشريَّة أنانيَّة؛ بل على طريقة: إذا لم يكن من وسيلة أُخرى إلاّ الإختيار بين شرَّيْن، فلا بُدَّ لنا، ولو مُكرَهين، من أن نختار الشرَّ الأصغر، في سبيل عدم خسارة الخير الأعظم، أي تحقيق إرادة الله.

 

 

 وهذا ما فعلته رفقا، كما يؤكِّد القدِّيس أمبروسيوس، إذ إختارت الإحتيال على إسحق الأعمى جسديًّا وروحيًّا، لإيصال الميراث الإلهيِّ والبركة إلى الابن المؤمن ونسله، بدلاً من ضياع الوعود الإلهيَّة وعطيَّة الإيمان في الولد "المُلحِد" ونسله!

 

2- يعقوب المهاجر

فرَّ يعقوب إلى أرض خاله لابان، بعد غضب عيسو وقراره بقتله، كما فعل قايين، أوَّل القتلة، بأخيه هابيل! وسيكون زمن هجرة يعقوب زمن إذلال وألم كبير له: ولكنَّه سيكون في الوقت عينه زمن نضوج إيمانه وعلاقته بالله! فالإيمان لا يمكن أن ينضج إلاَّ بالصَّليب.

 

ترك يعقوب بيت أبيه متوجِّهًا إلى حاران، ولكنَّ الله كان بانتظاره عند أوَّل محطَّة في طريقه، فاتحًا له، في الحُلم، باب السَّماء ومظهرًا له سلَّمًا ينزل عليه الملائكة ويصعدون، علامة على حضور الربّ نفسه معه. وقد أكَّد له إنتقال ميراث العهد والبركة إليه، مُجدِّدًا معه هذا العهد، لينال ميراث الأرض والبركة، ولينتقل بهذه البركة إلى كلِّ عشائر الأرض. ولذا دعا يعقوب ذلك المكان "بيت إيل" أي بيت الله، وأقسم هو بدوره على أن يتَّخذ الله إلهًا وحيدًا له ولنسله!

 

يعقوب هو صورة مُسبقة ورمزيَّة للمسيح

 

فالحجر الذي وضع يعقوب رأسه عليه عندما نام، يرمز إلى المسيح، "الصَّخرة" و"حجر الزاوية"، بحسب القدّيس إيرونيموس وغيره من الآباء؛ وكذلك السُلَّم الذي رآه يعقوب في الحلم، فهو يرمز، على قول أفراهات وأفرام وغيرهما، إلى "صليب المسيح" الذي ربط الأرض مجدَّدًا بالسّماء (يو 1/ 51).

 

إذًا، هذا اللّقاء بين الله ويعقوب، في قلب المحنة، وهذا السُّلَّم الذي يصل الأرض بالسَّماء، هو ما سيتحقَّق بالكامل في آلام المسيح، وفي صليبه الذي تمَّ عليه العهد الجديد الأبديِّ بين الله وكلّ إنسان مؤمن به.

 لأنَّ الذي يبحث عن الله في الصَّليب، يضحي هذا الصَليب سلَّمًا يفتح له باب السَّماء؛ أمَّا من يبحث عن الرّاحة والإستقرار دون أيِّ صليب، فقد يجد نفسه في الغالب عبدًا لآلهة هذا العالم!

 

تتميَّز حقبة هجرة يعقوب بأمرين: من جهَّة، اللّقاء المؤثِّر بينه وبين راحيل محبوبته على بئر الماء، حيث رفع لها الحجر الذي كان يعجز عن رفعه عدَّة رجال معًا، رمزًا لخطبته عليها؛ وقبَّلها قبلة الزَّواج المقدَّس، على ما يُفسِّر القدّيس أفرام: وفي كلِّ ذلك رمزٌ لزواج المسيح بكنيسته في مياه المعموديَّة.

 

 

 ومن جهَّة أخرى، إستغلال لابان المستمرّ ليعقوب، مجبرًا إيَّاه على العمل لديه بالسّخرة مقابل تزويجه ابنته الكبرى ليّا بالخدعة، ثمَّ راحيل محبوبته، وحارمًا إيَّاه من إقتناء أيَّ شيء! ومن جهَّة ثانية، رغبة يعقوب في أن يؤمِّن مستقبله ومستقبل عائلته باستقلال عن تسلّط خاله!

 

ومع أنَّ يعقوب قبل هذا الإذلال والحرمان بتواضع ووداعة، لمدَّة أربع عشرة سنة وأكثر، إلاَّ أنَّه لجأ مجدَّدًا إلى ذكائه، واستطاع، ببركة الله ونعمته، أن يغتني من المواشي والمقتنيات! وهذا ما أغضب لابان وجعله يُضمر السّوء له، إلى درجة اتِّخاذه القرار بملاحقته، بعد أن هرب يعقوب مع عائلته من وجهه! ومرَّة جديدة يظهر قايين في شخص لابان الذي لم يكتفِ باستغلال ابن أخته لسنوات طويلة، بل حسد يعقوب بسبب بركة الله عليه، وأراد قتله، مثلما فعل عيسو سابقًا.

 

3- يعقوب والله

هرب يعقوب ولاحقه لابان، ومع أنَّه لم يقتله، فقد حذَّره من العودة إلى أرضه، مهدِّدًا بتنفيذ الإعدام بحقِّه. وكان عيسو قد علم بمشاكل أخيه مع خاله، وبعودته إلى أرض كنعان، فقرَّر ملاقاته مع أربعماية رجل، بقصد تنفيذ نيَّته القديمة بقتله! إستعمل يعقوب ذكاءَه المعتاد ليسترضي أخاه، بأن أغدق عليه الكثير من الخيرات التي أنعم بها الله عليه! وكان يعقوب مرتعبًا من خطر الموت الأكيد الذي ينتظره، وفهم أخيرًا بأنَّ ذكاءَه وحيله لا تكفي لتحفظ حياته، فبقي وحيدًا في اللّيل يُفكِّر في كلِّ حياته، ويُحاول أن يفهم معنى الأحداث التي عاشها.

هنا أيضًا، وفي قلب العتمة الماديَّة والرّوحيَّة التي كان يعقوب يتخبَّط فيها، كان الله على موعِدٍ جديد مع مُختاره:

فقد ظهر ليعقوب رجلٌ من قلب ظلمة تلك اللّيلة الدّاكنة، وأخذ يصارعه وكأنَّه يقصد القضاء عليه. ولكنَّ هذا الرّجل، لم يكن سوى الربّ نفسه! ومع أنَّه سمح ليعقوب بأن يصمد في الدّفاع عن نفسه، إلاَّ أنَّه ضربه، عند طلوع الفجر، على وركه، فكسر له حقَّ وركه، مبيِّنًا له ضعفه وهشاشته؛ وفي هذا صورة أيضًا، بحسب القدّيس أمبروسيوس، للمسيح الذي بدا في الظاهر، وكأنَّ الله هو الذي ضربه بلعنة الصَّليب، ولكنَّ صليب المسيح أضحى مجيدًا بقيامته من بين الأموات!

 

 

 إلتصاق يعقوب بالربِّ خلال صراعه معه طيلة اللّيل، هو الذي جعله يعرف أنَّ الذي صارعه طيلة حياته، وسمح بأنْ يُعاني من كلِّ إذلال التَّهجير والإستغلال، هو الربِّ نفسه، الذي أراد أن يفهمه بأنَّ قوَّته الحقيقيَّة ليست في ذكائه وحيله، بل في بركة الربِّ عليه.

 

 ولذا فليس غريبًا أنَّ كثيرًا من الآباء، ومنهم أفرام وأغوسطينوس وغيرهما، رأوا في تمسُّك يعقوب بالرّجل الذي صارعه، صورة لكلِّ مسيحيِّ مؤمن يتمسَّك بالمسيح في أوقات المحنة، ويضع رجاءَه في وُعوده الخلاصيَّة! وينتهي الصّراع بتوسُّل يعقوب إلى الله: "لن أتركك إلاَّ إذا باركتني!". وعندها يسأله الله: "ما هو اسمك؟".

 

لنلاحظ أنَّ المشهد هنا شبيه بمشهد دخول يعقوب على أبيه، الذي سأله في حينه: "من أنت؟"، فأجابه: "عيسو!" وكأنَّه كان يخجل باسمه الخاصّ؛ أمَّا هنا، فعندما سأله الملاك: "ما هو اسمك؟"، لم يتردَّد بالإجابة الصّريحة: "يعقوب!".

صراع يعقوب مع الله هو الحدث الأهمّ في تاريخه، والحدث الذي غيَّر حياته إلى الأبد!

 

إنَّ الصِّراع مع الله هو الذي جعله يتصالح مع اسمه ومع ذاته ومع تاريخه، والذي أفهمه أنَّ البركة الإلهيَّة هي عطيَّة مجّانيَّة، وهي التي تمنحه القوَّة الحقيقيَّة؛ لأنَّ البركة والنِّعمة وكلّ العطايا الإلهيَّة، بما فيها الخيرات الرّوحيَّة والماديَّة، ليست سلاحًا ضدَّ الآخرين، بل وديعة إلهيَّة يسلِّمه إيَّاها الله لكي يعيش منها وفيها، وليُشارك الآخرين بها!

 

ولقد ختم الله هذا التَّغيير الجذري وهذا العبور الذي عاشه يعقوب فقال له: "لن يكون اسمك يعقوب بعد الآن، بل إسرائيل أي "القويّ مع الله!" لقد تحوَّل يعقوب من إنسان يعتمد على ذكائه و"شطارته"، ويجد نفسه دائمًا في خوف وقلق على مصيره، إلى إنسان إختبر الإنتصار على الموت بقوَّة البركة الإلهيَّة، التي نالها عند طلوع الفجر!

 

في تلك اللّيلة، عَبَرَ يعقوب من ظلام الوحدة والقلق والخوف من الموت، إلى فجر البركة والحياة! صارع مع الله إلى أن نال بركته، وهذا رمزٌ لصراع الصَّلاة وصراخ التّوبة إلى الربّ، الذي ينقل الإنسان من الموت إلى الحياة الجديدة!

 

 

المسيح نفسه، الذي لم يكن محتاجًا إلى التّوبة، أكَّد لنا قيمة هذا الصّراع، أعني صراع الصَّلاة ومناجاة أبيه، عندما أمضى ليلة كاملة مصليًّا في بستان الزّيتون، قبَيْلَ آلامه وصلبه!

 

دخل المسيح أيضًا في صراعه البنويّ مرتعبًا من الموت ومتعرِّقًا دمًا وماء؛ وعندما طلع الفجر كان قد صار مهيِّئًا لبذل ذاته لأجل إخوته وأقاربه الذين سيسلمونه إلى الموت، بل لأجل أعدائه ولأجل كلّ الخطأة! ونعلم أنَّ يعقوب أيضًا، توجَّه، بعد صراعه مع الله، إلى ملاقاة أخيه عيسو بتواضع كبير، ممَّا سيؤدِّي إلى تحقيق المصالحة بينهما، في مشهد مؤثِّر.

 

 

خاتمة

يعقوب هو كلمة لحياتنا اليوم، لأنَّه ليس مثالاً للكمال الإنسانيِّ أو للطّهارة من كلِّ عيب أو خطيئة. ولذا، يمكننا أن نجد فيه شخصًا يشبهنا، يعقوب على شرط ألاَّ نتمسَّك بفرِّيسيَّة مرائيَّة تدَّعي "الآدميَّة" والنَّزاهة، ونرفض بالتالي الإعتراف بالضّعف والنَّقص والخطايا، ونستمرّ بالإتِّكال أوَّلاً على "شطارتنا" في الكثير الكثير من جوانب حياتنا.

 

 وإذا إنطلقنا من هذا الواقع، فيمكننا حينئذٍ أن نصل إلى الإيمان الكبير الذي وصل إليه يعقوب، بعدما إلتقى بالرّبِّ على معبر نهر يبُّوق، فنرتاح نحن أيضًا من تعب مصارعتنا لكلِّ النّاس، المصدر الأوَّل لكلِّ ما يُرهقنا ويتعبنا، والسَّبب الأساسيِّ لكلِّ خصوماتنا وعدَم رضانا بواقعنا!

 

 

 نعم، يُمكننا أن نعبر نحن أيضًا من خلال السَّماح لله بأن يكون هو مركز حياتنا. وعندها، يُمكننا أن نستفيد من الواقع الذي نعيش فيه "هنا والآن"، باعتباره "الصَّليب" الذي يُحرِّرنا من تأليه ذواتنا والأشياء، ومن كلِّ الأحمال الثّقيلة التي تُرهقنا وتتعبنا؛ ونقدر بالتالي أن نُسَلِّم "خطايانا... وهمومنا وقلقنا" للمسيح الذي جاءَ ليَرفع عنَّا الهموم ويُعيد لنا الثِّقة بحبِّ الآب! وعندها لا نعود نُصارع لوحدنا، بل مع الذي يُحبُّنا؛ وعندها نتصالَح مع الله، ومع تاريخنا وواقعنا، ومع الآخر، مهما كان عدوًّا أو خصمًا.

وأخيرًا، نصيحة للذين يعجزون عن النّوم، أو يصحون في اللّيل ويقلقون: ليس هذا وقت القلق والتِّفكير فقط في كيف يُمكننا أن ننام، أو في ماذا نعمل لنغفو من جديد! استفيدوا لتصارعوا الربّ في منتصف اللّيل، مثل يعقوب، من خلال المُناجاة والصَّلاة ودُعاء التّوبة، وصلاة القلب أو المسبحة...

 

وإذا نجحتُم في النّوم مجدَّدًا كما يحدث غالبًا، أو لم تنجحوا، فمن المؤكَّد أنَّ الفجر سيشرق عليكم بسلام الربِّ وحبِّه، وسيُمكنكم أن تبدأوا يومًا جديدًا مُشرقًا، وتنتصرون، حتَّى ولو بقيتُم، مثل يعقوب، "تعرجون!".     

     

الخوري جان عزَّام

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية