ٱلوَكِيلُ ٱلأَمِينُ

 

 

 

الوكيل الأمين

(لو 12 / 35 ـ 40)

 

قَالَ الرَّبُّ يِسُوع: «مَنْ تُرَاهُ ٱلوَكِيلُ ٱلأَمِينُ ٱلحَكِيمُ الَّذي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ في حِينِهَا؟
طُوبَى لِذلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً هكذَا!حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.


أَمَّا إِذَا قَالَ ذلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر، يَجِيءُ سَيِّدُ ذلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.


فَذلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا. أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ ٱئْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ بِأَكْثَر.

 

 

 

 

يخصّص التقليد الماروني في آخر زمن الدنح، وقبل الصوم الكبير، ثلاثة آحاد وثلاثة أسابيع لذكر الموتى من الكهنة ومن الأبرار والصديقين ومن الموتى عمومًا. في تذكار الكهنة، اختارت الكنيسة تعليم يسوع عن "الخادم الأمين".

 

1ـ شرح النصّ

إنّ إنجيل اليوم تقرؤه الكنيسة المارونية، لتعبّر عن أنّ المسيح أخلى ذاته وأخذ صورة العبد، فخدَم خليقته أرفع خدمة، إذ قدّم ذاته على الصليب ذبيحة حبّ لها. فأصبح كاهن الآب وأعطانا جسده ودمه. كذلك الكاهن هو عبد أمين وخادم للمسيح الذي أقامه على تدبير أهل بيته وجعله وسيطًا بينه وبين شعبه، يُقدّم له الطلبات والقرابين عنهم ويمنحهم جسد الرب ودمه، وهما طعام الروح. ممّا تقدّم نستنتج أمرَين:

 

 

الكاهن وكيل الوقت

 

 "حان الوقت واقترب اليوم" (حز 7/ 7).

"إسهروا مواظبين على الصلاة... لكي توجدوا أهلًا للثبات لدى ابن الإنسان" (لو 21 / 36). "تبصّروا إذًا تبصّرًا حسنًا في سيرتكم، فلا تسيروا سيرة الجهلاء، بل سيرة العقلاء، منتهزين الوقت الحاضر" (أف 5/ 15 ـ 16).

لا قيمة للوقت إلّا بالالتزام بما يقدّمه من إمكانات للنمو والتقدّم والبناء والتقديس. هذا ما جعل أحد الأدباء يقول : "النجاح سلالم لا تستطيع تسلّقها ويداك في جيبك". أمّا السبب الأكبر في هدر الوقت، فهو لا شكّ العجز العام عن تذوّق طعمه الأبدي.

لقد علّق التقليد المسيحي ومعظم معلّميه  الروحيين أهمية كبرى  على قيمة الوقت من جهة، وعلى نوعية ربط الإنسان مصيره بحسن توظيفه من جهة أخرى.

 ذلك لأنّ الوقت الذي بين أيدينا  يعني زمن العمر، ولأنّه لا يليق بالإنسان أن يعبث  بعمره ويعيشه كيفما اتّفق.

 

وفي أيّامنا تبدو الحاجة إلى حسن استعمال الوقت أكثر إلحاحًا، كوننا نحاصَر  بالمتطلّبات والمطالب، والمشاريع والتطلّعات، والعروض والإغراءات، والمشاكل والتعقيدات، والإمكانات والآفاق المتنوّعة التي لا تحصى.

وبالتالي فإن لم يتدرّب الإنسان على فنّ السيطرة على وقته لمجابهة هذه الأمور التي تحكم عليه الخناق، فلا محالة من وقوعه في سلبيّات الفوضى والهدر والضياع.

أجل نحن في عصر يطحن  الوقت طحنًا، ويبدّده، ويسرّع مروره، يسمّمه، ويعطّل استعماله، ويقتل ديناميّته. أجل  لقد بتنا كلّنا نعاني من عجز إفرادي وجماعي مقلق عن تذوّق طعم الوقت، لأنّنا لم نعد نترك للوقت "الوقت الكافي" حتى يُصرف بحكمة وهناء.

أمّا بالنسبة إلينا المسيحيين والمكرّسين، فعلينا أن ندرك أنّ الوقت هو الميدان الطبيعي لاختبار الأمانة للمسيح.

 

فإمّا أن يُحسَن عيشه وتنظيمه واستثماره، كونه عطية حب ومسؤولية ثمينة، وإمّا ان يُهدر دون جدوى. ولذا مهما كلّف الأمر، لا بدّ من افتداء الوقت لتحريره من الفراغ والهدر. وبحسن تنظيمه، يتمّ التوصل إلى الصلاة الدائمة التي دعانا إليها الرب يسوع. ومن بعده، قال  بولس: "أقيموا كل وقت أنواع الصلاة الدائمة والدعاء في الروح" (أف 6/ 18).

 يقول الأديب الفرنسي "فرانسوا فينيلون": "إنتظار الله في كلّ حين هو الحصول عليه".

 إن كان واجب المسيحي أن يتقدّس، فكم بالحري يتوجّب ذلك على الكاهن. وهذا يتمّ  بالمحافظة على الوقت، وتنظيمه المتقن، وتوزيعه بطريقة منتجة وفق سلّم أولويات، بحيث يراعي في استعماله بناء الذات وخدمة القريب.

 

و يجدر القول إن هناك أوقاتًا محورية في النهار لا يُسمح بالتنازل عنها، كونها أوقاتًا مميّزة لبناء الجماعة، كالإفخارستيا، وإرشاد جماعة الربّ، وتقديم ما تحتاج إليه من خدمات.

 

فيا ليتنا نحن الكهنة، وأبناء رعايانا، الواقعين في دوّامة السرعة وكثرة الأعمال والمشاريع والفوضى الحاصلة بسبب عدم المقدرة  على التنظيم وقتنا والسيطرة عليه والاستفادة منه.

 

ويا ليتنا نترك المجال لحياتنا الروحية تلحق بنا، فنمتلئ من روح الله ونملأ منه أعمالنا.

 

 بكلمة، طوبى للكاهن وللمسيحي الذي يتمكّن من بناء نظام لحياته يستوحيه من شخص المسيح وحياته ومثله.

 

 

الكاهن الوكيل الأمين

 

 إنّ ثبات الكاهن في الجهاد لأجل الفضيلة يجعله عاملًا ينكبّ على العمل والخدمة يوميًّا، بهمّة ورجاء كبيرين، منتقلًا من إنجاز محقّق إلى كمال أفضل. هذا العمل الدائم يجعله وكيلًا أمينًا على الوزنة التي خُصّ بها. كيف لا، وهو بتقبلّه نعمة الكهنوت، قد قرّر أن يكون العامل الصادق لمجيء الملكوت.

 

 لذا عليه أن ينبذ بقوّة كل ما يُلهيه عن هذا الهدف، ويُقاوم بكل طاقاته: الملل والفتور، والتردد والاستسلام، والحسرة، والحزن واليأس.

 

 إنّ فخره بأن يكون الوكيل الأمين، الذي "وضع يده على المحراث، ولا ينظر إلى الوراء". بهذا الأسلوب يوفّر لحياته الروحية والراعوية كل حظوظ النجاح. وخوفًا من الكسل والعودة إلى الوراء، عليه أن يمارس وكالته بفرح المطيع المتهلّل، لو اقتضى ذلك السهر والصوم والصلاة والتأمّل.

عمليًا، على الكاهن بصفته الوكيل الأمين الذي يريده الرب في كرمه، أن يعمل على ما يلي:

ـ توفير الأجواء الشخصية الملائمة لإحقاق روح الإلفة مع الربّ.

 

 

ـ العمل بقوّة على تقوية روابط الأخوة والمحبة مع كل إخوته الكهنة.

ـ مقاومة المغريات الدنيوية التي تشوه الوكالة المؤتمن عليها.

 

ـ تدعيم روح اللطف والتواضع والإمتناع عن إضاعة الوقت والتلهي بما لا فائدة منه.

 

 

نقول ذلك ، لأنّ من الطبيعي أن تكون لكلّ  إنسان  صعوباته ومتاعبه، وأن يجد ذاته أمام  تحديّات كبيرة. هكذا الكاهن الوكيل، كسواه من الناس تتحدّاه الحياة بواقعها وناسها وأحداثها، وأمورها ومفاجآتها الكثيرة والمتنوّعة. وهو بحكم دعوته ودوره ومسؤوليته، ملزم بمجابهتها بالوسائل الحكيمة، والمُحكمة، النافذة والقوية، والتعاطي معها بجدارة وحسن التصرّف، حفاظًا على الأمانة لوكالته.

 

2ـ ميزات الكاهن الوكيل

 

 

ربط الخدمة بالتضحية ونكران الذات

يقول يسوع: "من أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا" (متى 20/ 26). نتعلّم من جواب المسيح هذا، أنّ كاهنه ووكيله يجب أن يكون مثله، مستعدًا لأن يبذل نفسه في خدمة غيره، من دون أن يطلب مقابلًا لنفسه. لقد كان شعار المسيح: "وأنا أضحي بحياتي عن الخراف" (يو 10/ 11). فبقدر ما يرعى الكاهن المؤمنين بالخدمة ويصغي لهم يتحمّل جراحهم، بقدر ذلك يُظهر وجه الراعي الصالح.

 

فباسم الخدمة الموكلة إلى الكاهن، عليه أن يبحث عن الخراف الضالة ويحنو عليها ويرعاها ويخدمها. وهو يعرف خرافه وخرافه تعرفه وذلك دلالة على معرفته الشخصية. إنّه يقود خرافه ويمضي أمامه فتتبعه لأنها تعرف صوته، فيكفي خرافه ويؤمّن لها المراعي ويضحّي بحياته من أجلها.

 

في حياة كلّ منّا، كوننا وكلاء الله على أرض الله، توجد أمورًا لا تتناغم مع روح الإنجيل، ولا يرضى عنها المسيح، سواء في عقليتنا أو في سلوكنا، أو في الاحتفالات الليتورجية.

وما ينقصنا لتصويب وكالتنا الكهنوتية، هو تمكّننا من مجابهة تحديّات المجتمع الاستهلاكي وغيره، بروح الخدمة الكائن في فكر المسيح الخادم.

 

تقديس الواجب من دون توقّع الحصول على أجر.

يعالج يسوع مفهوم الخدمة الملتبس لدى الناس الذين لا يهتمّون إلّا بالعظمة والظهور، وإن خدموا فعلوا ذلك منتظرين مردودًا ما.

 

أمّا المسيح فكان يعلّم تلاميذه أن يخدموا محبّة بالذي يخدمونه وتحمّلًا  لمسؤولياتهم دون توقّع مكافأة: "متى فعلتم كلّ ما أُمرتم به، فقولوا: إنّنا عبيد بطّالون، لأنّنا عملنا ما كان يجب علينا" (لو 7/ 7 ـ 10).

 

استيحاءً من هذا التعليم الذي قدّمه يسوع، علينا نحن الكهنة أن نتذكّر، أنّنا نخصّه بالكامل، جسدًا وروحًا ونفسًا، ولا مبرّر لوجودنا من دونه، ولا قيمة لحياتنا خارج خدمته. مثل هذه الروح، تتطلّب منّا ثلاث ركائز:

 

الغيرة: إنّها سخاء  القلب المفتوح على الدنيا، ودّفْعُ الإيمان الحيّ الملتزم، الذي لا يهمل ولا يتوانى، حتى لكأنّ " مستقبل الله" منوط به وحده.

 

التجرّد: إنّه نزاهة روحية وإخلاص، وانكفاء عمّا هو للأرض، سعيًا وراء ملكوت الله وبرّه.

 

التضحية: هي عطاء الذات بلا حساب، وبذل وتفانٍ إلى الحدّ الأقصى، حسبما رسم الربّ لنفسه لوكلائه: "إبن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم، بل ليَخدُم ويبذل نفسه فدى الكثيرين" (متى 20/ 28).

 

 فالكاهن الوكيل  الذي تزدان نفسه بهذه الفضائل، يدرك أنّه لله يعمل، وأنّ الله يعمل فيه، وأصبحت رسالته، ولو ضاق مجالها، معين قداسة ومورد خلاص بعيد المدى، لنفوس يعرفها الله وحده، ولا يحصيها سواه.

 

تعلّم الخدمة من دون طلب الشهرة

 

الله هو يكافئنا. "نِعِمّا أيّها العبد الصالح والأمين! كنتَ أمينًا على القليل فأقيمك على الكثير. ادخل فرح سيّدك" (متى 25/ 21). لاحقًا يكتب بطرس الرسول إلى الأساقفة أن يتمثّلوا برئيس الرعاة ويخدموا الربّ لا لربح أو سيادة:

 

"أُرعوا رعية الله التي في عنايتكم واحرسوها لا عن اضطرار بل بالاختيار كما يريد الله، لا لربح خسيس بل بنشاط.

 

 ولا تتسلّطوا على الذين هم في عنايتكم، بل كونوا قدوة للرعية. (1 بط 5/ 2 ـ 3).

 

يأتي المسيح الخادم بفكرة عظيمة جديدة وفريدة في آن، وفيها يقول إنّ على الأكبر أن يكون خادمًا للأصغر. وهذا الأمر لم يكن مألوفًا في المجتمعات القديمة، ولا حتى في أيّامنا.

 

3ـ توصيات عملية إلى الكهنة

 

 

يتحدّث الربّ يسوع في نصّ اليوم، عن مجازاة من كان أمينًا للسيّد. وعلى الرغم من أنّنا قد ننال بعض المكافآت المادية الفورية بسبب طاعتنا لله، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك على الدوام. ففي حال كنّا ننال مكافأة مادية على كل عمل صالح نعمله، فإنّنا قد نصاب بتجربة التفاحر بأعمالنا وإنجازاتنا، فنعمل الصلاح مقابل ما نناله.

 

 وقد أفهمنا الرب يسوع، أنّ من يتطلّع نحو المكافآت على الأرض ويكتفي بها، فإنّه سيفقدها فيما بعد (مر 8/ 36). لأنّ مكافأتنا السماويّة ستكون أفضل تعبير عمّا فعلناه على الأرض، وستكون بالتأكيد أعظم ممّا نتخيّله بكثير.

 

أبتِ الكاهن: لقد تشكّلت أصلًا وجوهرًا لتخدم الله من خلال موهبك الروحية وحنان قلبك، وتفعيل قدرتك، واستعمال شخصيتك وخبراتك لمجد الله وخلاص القريب.

 

أبتِ: حاول أن تكون من الوكلاء الحقيقيين البعيدين عن دائرة الأضواء. ولسوء الحظ، إنّ العديد من الوكلاء اليوم، يبدؤون كخدّام، وينتهون كمشاهير، مدمنين على اهتمام الآخرين وغافلين عن أنّ التعرّض الدائم للضوء الكاشف قد يخفّف من قوّة البصر والبصيرة معًا.

 

فيا أبتِ حذار أن تُحبَط إن لم يلاحظ الآخرون خدمتك، أو يقتنعوا بها. واظب على خدمة الله، واعمل لمجده، من خلال النفوس المؤتمن عليها.

 

صلاة

 

أيّها الربّ يسوع، أذكر في ملكوتك السماويّ كهنة كنيستك المقدّسة، الذين أقمتهم  "وكلاء أسرار الله"، وزيّنت خدمتهم بالأمانة والحكمة.

 

واذكر الكهنة الأحياء، وامنحهم نعمة الإخلاص لك وللكنيسة وللشعب الموكول إلى عناية محبّتهم الراعوية، فيقدّموا له بسخاء وتفانٍ طعام كلمة الإنجيل، وخبز جسدك ودمك، ونعمة أسرارك الخلاصيّة، وهبة الروح القدس بوضع يدهم. آمين.

 

                                            

                                               الأب يونان عبيد

 

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية