التجلّي إختراق للزمن

 

 

 

التجلّي إختراق للزّمن

 

إنجيل مرقس 9/ 1 -7 

 

 

قالَ الربُّ يَسوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ بَعْضًا مِنَ القَائِمِينَ هُنا لَنْ يَذُوقُوا المَوْت، حَتَّى يَرَوا مَلَكُوتَ اللهِ وقَدْ أَتَى بِقُوَّة. وبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ ويَعْقُوبَ ويُوحَنَّا، وصَعِدَ بِهِم وَحْدَهُم إِلى جَبَلٍ عالٍ عَلى ٱنْفِرَاد، وتَجَلَّى أَمَامَهُم.


وصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ نَاصِعَة، حَتَّى لَيَعْجُزُ أَيُّ قَصَّارٍ عَلى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَها. وتَرَاءَى لَهُم إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوع.


فقَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوع: رَابِّي، حَسَنٌ لَنَا أَنْ نَكُونَ هُنَا! فَلْنَنْصِبْ ثلاثَ مَظَالّ، لَكَ واحِدَة، وَلِمُوسَى واحِدَة، ولإِيلِيَّا واحِدَة. ولَمْ يَكُنْ يَدْري مَا يَقُول، لأَنَّ الخَوْفَ ٱعْتَرَاهُم.


وظَهَرَتْ غمَامَةٌ تُظَلِّلُهُم، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ الغَمَامَةِ يَقُول: هذَا هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، فلَهُ ٱسْمَعُوا!

 

 

أيّام، يسوع، كان العديدون يعتقدون بأنَّ البشر سوف يتجلّون في نهاية الأزمنة. من خلال سرد حدث تجلّي يسوع، يريد مرقس التأكيد على أنَّ نهاية الأزمنة قد بدأت. كلُّ شيء في الحدث يدلّ على بداية جديدة. إيليّا، الذي من المفترض أن يعود ليقدِّم يسوع للعالم، حاضر. وموسى حاضر أيضًا ليؤكِّد على أنَّ يسوع هو القائد الجديد من خلال الفصح النهائي.

 

 وما الجبل سوى رمز لجبل سيناء. إنّه جبل العهد الجديد بين الله وشعبه، جبل الشريعة الجديدة التي ستحلُّ مكان شريعة سيناء.

 

والغيمة هي أيضًا علامة الحضور الإلهيّ، كما في القديم. والصّوت "الذي إنطلق من الغمام" يدعو يسوع "الابن الحبيب" الذي يجب على الجميع أن "يسمعوا له" وفي ذلك عودة إلى أشعيا (أش 42/ 1).

 إنَّ المسيح، وهو نبيّ وحكيم أيضًا سيمرُّ بالآلام ليحيا رسالته. لكنَّ مجد الله فيه. واللّون الأبيض ميزة الكائنات السماويَّة، هو لمحة عمّا تعني القيامة المنتظرة. إنَّ يسوع هو من عالم الله.

لم يفهم الرّسل الثلاثة شيئًا. فالإيمان، عندما يتدخّل الله في حياة الإنسان، ليس بالأمر السّهل. إنَّ المطلوب هو أن يفتح الإنسان عينيه ويقبل أن يتبع يسوع ولو لم يفهم كلّ شيء.

فإن كان الإنجيليّ قد أخبرنا عن هذه الحادثة فذلك كي نرافق بطرس ويعقوب ويوحنّا، وكي نتأمّل نحن أيضًا بيسوع المتجلّي.

 

في طريق النزول من الجبل، أمر يسوعُ تلاميذه بعدم إخبار أحد عمّا رأوه إلاّ متى قام ابن الإنسان من بين الأموات. بهذا أعطى يسوع معنى حدث التجلّي: إنّه إستباق للقيامة وتحضير التلاميذ (ولنا نحن أيضًا) كي يفهم الجميع هذا الحدث الصّعب. من إعلان يسوع عن آلامه، لم يفهم التلاميذ إلاّ تهديد الآلام والموت. لم يستطيعوا تصوّر القيامة لأنّها تتخطّى العقل البشريّ.

 

لكنّهم، فيما بعد، سيفهمون وسيبشّرون. ولنا في رسالة بطرس الثانية شهادة حيّة عمّا رآه التلاميذ. لقد رأوا بعيونهم وسمعوا بآذانهم، ممّا يعني أنّنا نستطيع الوثوق بهم: "ذاك الصّوت قد سمعناه آتيًا من السّماء، إذ كنّا معه على الجبل المقدَّس" (2 بط 1/ 16 - 18).

 

 ليس التجلّي إذًا حدثًا خرافيًّا. إنّه خبرة كشف الله لذاته أمام شعبه من خلال يسوع ابنه، الخبرة التي عاشها الرّسل. ونحن بمقدورنا أن نعاينها من خلالهم ومعهم.

 

لنترك يسوع يمضي بنا كما مضى بالرّسُل. لسنا مَن يأخذ المبادرة لنتَّحِد بالله بقوّتنا الخاصَّة. يسوع هو مَن يقودنا إلى الله.

 

صحيح أنّنا لا نستطيع أن نقول إنّنا نستحقّ لقاء الله، لكنّنا، من جهّة ثانية، لا نستطيع أن نجزم بأنّنا لا نستحقُّ ذلك، وبأنَّ لقاء الله لا يختصّ إلاّ بالمتصوّفين الكبار. لم يكن بطرس ويعقوب ويوحنّا من الشخصيّات البارزة، ولا رجالاً متميّزين بقداستهم.

يسوع هو الذي حوَّل هؤلاء الصيّادين. فالخطوة الأولى هي إذًا أن ننقاد ليسوع، فلا نصمّ آذاننا عن سماع صوته.

 صحيح أننا لا نعرف إلى أين يقودنا، فالطريق طريقه وهو يعرف الهدف "لا أحد يعرف الآب، إلاّ الابن، ومن يريد الابن أن يكشفه له" (متّى 11/ 27). ليس عند يسوع لقاء أهمّ من لقائنا مع أبيه. إن سمحنا له بقيادتنا فسيقودنا إليه... نقول هذا الكلام وكأنّنا أكيدون، كأنّنا رأينا والتقينا الله. نعم، نحن نعرف الله، لأنّنا نعرف حدث التجلّي، ولأنّنا سمعنا مرارًا عن الآب، ولأنّنا في طريقنا إلى لقائه. ولكن، في الوقت عينه، نحن لا نعرف الله لأنَّ لقاءَنا بالله هو حدث متجدّد دائمًا. من غير الممكن الجزم بأنّنا نعرفه تمامًا.

 

 لقاؤنا بالله شبيه بالغمام الذي ظلّل الرّسل الثلاثة، غمام سرّي ونورانيّ، في الوقت عينه. نور ينير، ويُعمي العيون كما جرى للقدّيس بولس على طريق دمشق، وكما ظهرت العلّيقة المشتعلة في سيناء.

 

كي نستطيع رؤية هذا النّور السّاطع، كما موسى في الصّخرة وإيليّا أمام النّسيم اللّطيف. المطلوب أن ننقاد إلى العزلة، على جبل عالٍ، العزلة عن الأفكار الموروثة، وعن ردّات الفعل التلقائيّة، والعادات والتكهّنات إلخ...

 

المطلوب أن نقبل بالخروج ممّا نعرف ونختبر ونحيا، عادة، فنسمع يسوع يكلّمنا بحكمة الله. إنَّ الجبل هو مكان تجلّي الله ومكان إعلان الله عن ذاته. وللوصول إلى الجبل يكفي أن ننقاد ليسوع.

 

حدث التجلّي في حياتنا هو حدث يهيّئنا لما هو أبعد منه. إنقيادنا ليسوع هو استعداد لمسيرة من نوع آخر، مسيرة الصّعود إلى الجلجلة. وهذا ما أعلنه يسوعُ لتلاميذه قبل التجلّي مباشرة: "مَن أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مر 8/ 34). لكن، عندما حان الوقت لم يكن عند هؤلاء التلاميذ الشجاعة الكافية، فتركوهُ وهربوا.

لكنَّ يسوع لم ينتظر أن يكون تلاميذه قد ساروا طريق الجلجلة ليعرّفهم بالآب. لقد سمعوه يقول: "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا". نحن لا نعرف يسوع إلاّ من خلال علاقته بالآب. لا نعرف إلاّ أنّه "ابن حبيب".

إنّ حدَث التجلّي يقدِّم لنا يسوع لنتأمّله: نتأمّل وجهه المشعَّ كالشّمس وثيابه المتلألئة بالنّور، والغمام والصّوت السّماويّ. نتأمّل السّماءَ المفتوحة الله يكشف لنا ذاته بيسوع.

 

 

عيش الكلمة

في أيّام الحرب والموت، نجدنا وكـأنّنا أمام عالم في وجهه علامات الهزء والسّخريَّة. من يجرؤ على التكلُّم عن "تجلّي" إنسانيّتنا الممزّقة؟ فهل هذا يعني أنَّ المتشائمين المخبرين بأنَّ الإنسان كائن هشّ، وبأنَّ الأُمم تقدِّس الأنانيَّة، وبأنّ السّلطة هي للمال وبأنَّ المتسلّطين الديكتاتوريّين، هم على حقّ؟

 

أمام الحروب التي لا تنتهي، والأخطار التي تهدّد، اليوم غدًا، تنتصب أمامنا صورةٌ متواضعة تعيد إلى عقلنا وقلبنا أيقونة الإنسان الحقّ: تجلّي يسوع. الكلمة اليونانيَّة تعني "التحوّل". نور داخليّ يحوّل الكيان ويُظهر حقيقته الداخليَّة المدفونة ومستقبله المنوَّر، وإنسانيّته الإلهيَّة.

قد يصرخ البعض: ما هذا إلاّ فولكلور، أو أحلام، تصوّرات عقول بسيطة. كلاّ! فتجلّي يسوع هو لمحة مستقبليَّة تمزّق ظلام التاريخ.

 

 إنَّ الصّوت الإلهيّ: "هذا هو ابني الحبيب" ترديد لنشيد عبد الله المتألّم الذي يكشف لنا عن شخصٍ متألّم ومسالم يفتح بآلامه الطريق أمام شعبه.

 بعد لمحة المجد هذه، ستأتي الآلام. لكنَّ يسوع، في طريق العودة من جبل التجلّي، وتكلّم مع تلاميذه عن القيامة دون أن يفهموا. إنّهم يتساءلون: "ما معنى القيامة من بين الأموات". ونحن أيضًا، أمام صورة الموت، في عتمة حاضرنا، نرى أنفسنا غير قادرين على فهم معنى "القيامة". لكن، لنثق بأنَّ بيننا من يعمل للسّلام، مَن هو متعطّش للعدالة، من يقبل الله في حياته، هؤلاء (ونحن من بينهم) سينقلون للعالم قيامة الله وحقيقة صورة الإنسانيَّة المتجليَّة.

 

 

الأخت باسمة الخوري

          

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية