أحبَّهم حتّى الغاية

 

 

 

أحبَّهم حتّى الغاية

 

المحبَّة هي الفضيلة التي بها نودّ الله فوق كلّ شيء، لأجل ذاته، ونودّ القريب كنفسنا لأجل الله. فالمحبَّة صورة كلّ الفضائل، أي المبدأ الذي يعطيها شكلها وقيمتها، هي محور الحياة المسيحيَّة وأساس وحدتها. سواءٌ أتعلَّق الأمر بالعلاقة مع الله أمْ مع سائر الناس.

 

فالمحبَّة هي التي تحرِّك كلّ شيءٍ، ومنها تشعّ كلُّ قوَّةٍ. تملأ كلَّ فكر حسنٍ وكلُّ عملٍ صالحٍ. وكلُّ ما هو إمتيازٌ وخدمةٌ وحتّى فضيلةٌ، من دون محبَّةٍ لا ينفع بشيءٍ (1 كور 13/ 1 - 4) فالمحبَّة هي فوق كلِّ شيءٍ، هي أولى الفضائل الإلهيَّة: "هذه الثلاث تبقى: الإيمان والرّجاء والمحبَّة، وأعظمها المحبَّة" (1 كور 13/ 13) وإذا فقدت المحبَّة، يفقد الإيمان سبب وجوده، والرّجاء هدفه.

 

 إنَّ ممارسة الفضائل جميعها تنتعش بالمحبَّة وتستلْهمها لأنّها "رباط الكمال" (كول 3/ 14) تمنحنا حريّة أبناء الله على ما يقول القدّيس باسيليوس: "إمّا أنْ نهرب من الشرِّ خوفًا من العقاب، فنكون في وضع العبيد، وإمّا أنْ نسعى وراء حبِّ المكافأة فنشابه الأجير، وإمّا أنْ نعيش من أجل الخير ذاته، وحبًّا بالذي أوصانا بالمحبَّة، فنكون إذْ ذاك في وضع البنين".

 

إنَّ المحبَّة المسيحيّة متأصِّلةٌ في محبَّة الله، التي كشفتْ لنا بالإبن الوحيد يسوع المسيح: "كما أنَّ الآب أحبَّني، أنا أيضًا أحببتُكمْ، فاثبتوا في محبَّتي" (يو 15/ 9). فالمحبَّة كلمةٌ عذبةٌ، لكنَّ الأعذبْ منها هو العمل بها، يقول القدّيس أوغسطينوس "حيث المحبَّة هناك يكون الله موجودًا، فإمتلك المحبَّة ليكون الله في قلبك، جالسًا على عرشه... إذا أحببْت الأرض فأنت أرضيٌّ، وإذا أحببت الله فماذا أقول لك؟ إنّك إلهيٌّ".

 

نتأمَّل معًا في مسيرتنا الصَّوميَّة، في مفهوم المحبَّة، فنغوص في تجسُّد الله، وسرّ محبَّته للبشر، هذه المحبَّة المصلوبة والمبذولة حتّى الغاية، محبَّةٌ نعيشها مع الآخر المختلف، وبها نغيِّر وجه العالم.

 

 

المسيح هو تجسُّد المحبَّة في الأرض

 

يقول توما الأكوينيّ: "المحبَّة مودَّةٌ متبادلةٌ بين الله والخليقة، وصداقةٌ حقيقيّةٌ. وتتطلَّب الصّداقة تعهُّدًا متبادلاً على حسب إمكانيّات كلِّ طرفٍ، لأنّنا لا نقدر أنْ نقدِّم لله بقدْر ما يُقدِّم لنا، وإنّما نقدر أنْ نعطيه كلّ إمكانيّاتنا كما أنّه أعطانا فيض حبِّه بشخص إبنه الحبيب".

 

فإذا أبحرْنا في بحر الكتاب المقدَّس، لوجدْنا كيف أنَّ الله بفعل الحبّ، أعدَّ لنا كلَّ شيءٍ. إنّنا نرى في الخليقة بصمة مخطّط محبّة الله الذي دُعينا جميعًا لنساهم في تحقيقه.

 

في الخلق رفع الله لنا السّماء سقفًا، ومهَّد لنا الأرض نمشي عليها، وأعطانا النّور هدايةً لطريقنا ولمّا سقطْنا، أعاد إلينا طريق الخلاص... منْ محبَّته لنا أرسل لنا الأنبياء لإرشادنا وإيقاظ ضمائرنا، لكنَّ ذروة محبَّته كانت بتجسُّد الإبن الوحيد الذي أخذ طبيعتنا فأصبح للمحبَّة إسمٌ: "الله محبَّةٌ".

 

بالتجسُّد، أصبح المستحيل ممكنًا، بالتجسُّد ظهرتْ لنا "إنسانيّة" الله، لأنَّ الله: "ليس إلاَّ محبَّةً". فيسوع "الكلمة" المتجسِّد، قدْ كشف لنا: "حنان الله مخلِّصنا ومحبَّته للبشر" (تي 3/ 4). فالكلمة تأنْسن، أي صار إنسانًا، شاركنا: "في اللَّحم والدمّ" (عب 2/ 14). فتأنْسن الكلمة هو إخلاء الذّات الذي يتحدَّث عنه القدّيس بولس في رسالته إلى أهل فيلبّي، فالتجرُّد الإلهيّ يكمن إذًا في أنَّ الله "الإبن" أصبح إنسانًا ليكشف الله "الآب" للإنسان: "الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يو 1/ 18)، فيسوع قد أتى ليعلن للإنسان من هو الله في سرِّه وحقيقته.

 

والسرّ هو هذا: إنَّ الله محبَّةٌ، وإنَّ الإنسان خليقة الله، جاء من فعل محبَّةٍ، فإنَّ دعوة الإنسان هي التمثُّل بالصّورة الإلهيَّة التي خلق عليها، فيعيش بالمحبَّة ليحيا، وإلاّ فإنّه يختبر الموت.

 

كشفتْ لنا المحبَّة بسرّ التجسُّد. بذلك نفهم أنَّ الله لمْ يكْشف عن ذاته بالقوَّة والجبروت، إذْ إنَّ قوَّته هي حبَّه. فيا لعظمة سرّ تجسُّد الله! الله يظهر قوَّته بحبِّه، وقوَّته تكمن في الحبِّ الذي جعله قريبًا من كلّ إنسانٍ.

 

ونحن نختبر في حياتنا اليوميَّة أنَّ كلّ إنسانٍ أيًّا كان، لا نصل إليه إلاّ من باب إنسانيّته. إنّ نهج الله هو أنْ يقترب من كلِّ إنسانٍ، ويكلِّم كلّ إنسانٍ. القوَّة لا تساعدنا على أنْ يكلِّم بعضنا بعضًا، المحبَّة وحدها، مع كلّ مفاهيمها، هي التي تساعدنا على أنْ نتقرَّب من بعضنا. هذا، هو تلخيصٌ لمنطق الله، منطق المحبَّة، منطق التجسُّد.

يسوع هو الذي أرانا قلب الآب السّماويّ المُحبّ، والذي كشف لنا عمّا في قلب الآب لأنّه قال: "أنا والآب واحدٌ... منْ رآني رأى الآب".

 والمحبَّة عند يسوع ليست فعلاً شكليًّا يقتصر على الكلام اللّطيف والمجاملة تجاه الإنسان، بل هي ركن حياته وأساس تعاليمه.

 

عندما يتحدَّث يسوع في أمثاله عن الرّاعي الذي يذهب بحثًا عن الخروف الضالّ، وعن المرأة الباحثة عن الدّرهم، وعن الأب الذي يخرج لملاقاة الإبن الضالّ ويقبّله، فالمقصود هنا ليس كلامًا فقط، بل شرح لكيانه وذاته ولرسالته وعمله الخلاصيّ...

 

محبَّةٌ في تجسُّده، محبّةٌ في معاملاته... فالمحبَّة قامت بشفاء المرضى، والمحبَّة أشبعت الجياع، والمحبَّة ضمَّت إلى قلبها الخاطئين، المحبَّة مشتْ مبشِّرةً في المدن والقرى تلتقي المرضى والأصحّاء، الكبار والأطفال، النّسوة والرّجال، الكتبة والفرّيسيّين، اليهود والسّامريّين، اليونانيّين والرّومان، محبَّةٌ تجلَّتْ لناكريه وصالبيه... محبّةٌ تستر جمًّا من الخطايا، محبّةٌ ظهرتْ للمرأة الخاطئة وزكّا العشّار والمرأة السامريّة. حكم عليهم الجميع بأنّه لا رجاء فيهم، لكنّ يسوع أحبَّ كلّ شخصٍ منهم كما هو، لا كما يتصوّره الآخرون...

 

 محبَّة الله تتخطّى قبول الخطأة لتذهب إلى أقصى حدود الحبّ، محبَّة الأعداء: "أيّ فضلٍ لكم إذا أحببتم الذين يحبّونكم... أحبّوا أعداءكم وصلّوا من أجل مضطهديكم" (لو 31/ 6).

 

محبَّة المسيح قلبت المقاييس بالتطويبات الإنجيليّة التي هي معيارٌ لسلوك المؤمنين، وبحسب البابا بنيديكتوس السادس عشر هي "كمال المحبَّة الإنجيليلّة التي ما برحتْ حيَّةً على مدى التاريخ الكنسيّ. فيها يشرح المسيح، موسى الجديد، الوصايا العشر وشريعة العهد، مكمِّلاً معناها النهائيّ بوصيّته: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم". وقد أظهر يسوع، بكلّ ذلك وبنوعٍ فائقٍ، رحمة الله ومحبّته كتعبيرٍ حسِّيٍّ عن بدء تحقيق ملكوت الله، الذي هو ملكوت المحبّة والمسامحة والخلاص.

 

 محبّة الله المجّانيّة غير المشروطة للإنسان، تمنحه الثقة وتساعده كي يولد من جديد، فتخرجه من الظلمة إلى النّور، وتنقله من الموت إلى الحياة.

 

المحبّة المسيحيّة مصلوبةٌ ومعطاءٌ

 

إنَّ إنجيل العشاء السريّ وغسل أقدام التّلاميذ، يبدأ بعبارة: "وأحبَّ خاصّته الذين في العالم، أحبَّهم حتّى الغاية". عبارةٌ تعني أنّه أحبَّهم حتّى اللّحظة الأخيرة من حياته. وهي تحمل في طيّاتها معنى ملء المحبَّة وكمالها. وتعني أنّه أحبّهم حبًّا كاملاً، بلغ أقصى درجاته. ففي يومٍ فاق فيه التدريب على المحبّة كلّ التصوّر البشريّ، كما قال المونسنيور ميشال حايك رحمه الله: "قام يسوع في العشاء الأخير وأبان للرّسل لا بالحرْف والصّرْف والنحو، لا بالكلام بل بالجسد المحسوس والواقع الملموس أنّ الله حبٌّ...".

 

أحبّهم حتّى الغاية، تشدّد هذه الآية على أنَّ حياة المسيح كلّها مطبوعةٌ بطابع الحبّ الذي أظهر للبشر بأعماله وأقواله، بموته وقيامته... عبارةٌ "أحبَّهم إلى الغاية" قد تدلُّ على الكمال، أي إنّه أحبّهم إلى النهاية، أعطاهم البرهان الكامل عن حبِّه، وقد تدلُّ على الزّمن، أي أنّه أحبّهم إلى نهاية حياته، إلى غاية المحبّة. فعندما قال على الصّليب: "قد تمَّ كلُّ شيءٍ"، قصد أنّه قد تحقَّق مخطّط الله الخلاصيّ كلّه. وقال أيضًا "أتممت العمل الذي أعطيتني أن أعمله" (يو 4/ 34) أي أوصل مخطّط الخلاص إلى مرحلته الأخيرة، إلى الموت على الصّليب فالقيامة. لقد أحبَّ يسوع أخصّاءه حتّى الغاية، فتضمّن هذا الحبّ أن يبذل حياته من أجلهم: "إنَّ الآب يحبّني لأنّي أبذل نفسي لأنالها ثانيةً، ما من أحدٍ ينتزعها منّي ولكنّي أبذلها برضاي" (يو 10/ 17 - 18).

 

 

ووصل بحبِّه حتّى الصّلب، وعلَّمنا هذا النَّهج أنْ نتشبَّه به، في إنسانيّتنا. المجمع الفاتيكانيّ الثاني، يوسِّع ويقول:

 

 "أصبح المسيح شبيهًا بنا، أغنانا بإنسانيّته وألوهيّته من خلال قربه من كلّ إنسانٍ"، ولم يدخل الكذب يومًا إلى عقله. أحبَّ بقلب إنسان، ولم يحقد يومًا على أحد. ساعد بيد إنسان، وكان عمّانوئيل، أي الله معنا. فعلَّم الإنسان كيف يكون إنسانًا. والغاية من هذا كلّه، أن يغنينا بهذا المنطق، منطق الحبّ؛ منطق البذل بكامل الحريّة، إنّه الحبّ بكلّ ما تحوي الكلمة من مفاهيم. والإنسان أمام هذا المنطق يقول القدّيس أوغسطينوس هو: "أمام طريقين: إمّا أن ينطلق من ذاته ويستغني عن الله ويضيِّع نفسه، وإمّا أن ينطلق من الله ويجد نفسه".

 

 

إذا أردْنا أن نغوص أكثر في محبّة الله علينا أن نذهب إلى الجلجلة.

 

 تُرى هل نستطيع أن نتأمّل مشهد الصّليب ونقول إنّ الله لا يحبّنا؟

 إنّ محبّة الله لم تعلن بوضوحٍ أكثر من ذلك الإعلان الذي تمَّ على الصّليب. ظهرت المحبّة بشكلٍ خاصٍّ في هبة الذات فداءً عن البشريَّة جمعاء. "ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا، أن يبذل الإنسان نفسه لأجل أحبّائه" (يو 13/ 15)، في البذل تتجلّى المحبّة.

 

ولمّا نظر يوحنّا الحبيب إلى الصّليب أشار في رسالته الأولى "بهذا قد عرفْنا المحبّة"... عرفْنا أنّ المحبّة لا تموت، ولا تقوى عليها ظلمة القبر الكئيب... المحبّة تقوم وتشقّ لنا الطريق نحو الملكوت، بيتنا الأبويّ... والرّوح القدس يسكب محبّة الله في حياتنا، كما يقول بولس الرّسول: "لأنّ محبّة الله أُفيضت في قلوبنا بالرّوح القدس الذي وهب لنا" (روم 5 - 5) وثمرة هذه المحبّة هي الحياة الأبديّة، لأنّ المسيح حيٌّ إلى الأبد، ويهبنا الحياة بوفرة، بهذا تصبح المحبّة علامة الإنتقال من الموت إلى الحياة.

 

الرّوح هو القوّة التي تبدّل قلب الإنسان، كي يكون في العالم، شاهدًا لمحبّة الآب، الذي يريد أن يجعل من البشريّة، في إبنه الوحيد، أُسرةً واحدة. فمن هذه الحقيقة الثالوثيّة تتجلّى المحبّة، "فترى الثالوث عندما ترى المحبّة"، بحسب قول القدّيس أوغسطينوس.

 

أيّها الأحبّاء،

إذا كان الهدف من التجسُّد "تأليه الإنسان" وإثباتًا أنَّ قيمة الحياة تكمن بالعطاء والبذل إلى الغاية، أي إلى الموت، وحدها المحبّة الحقيقيّة تعطي معنًى للحياة، ووحدها قيامة المسيح تؤكّد إنتصار الحبّ على الموت. إذا كان الله محبّة، فهذه الأخيرة من طبيعته، ولأنَّ محبّته للإنسان شديدةٌ، سكب في طبيعتنا ملء محبّته، فكان من الطبيعيّ ألاّ يجد الإنسان ذاته إلاّ في الله وفي الآخر. كما يقول القدّيس أوغسطينوس: "إنَّ للقلب صمّامين يعملان معًا، الأوَّل مكتوبٌ عليه تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، والثاني مكتوبٌ عليه تحبّ قريبك كنفسك، ولا يمكن للقلب أن يعمل بصمّامٍ واحدٍ".

 

 

محبّة الإنسان طريقنا إلى الله

 

بعد أنْ تأمّلنا في جوهر الله المحبّة، يبقى أنْ نتوقّف عند موقف الإنسان وتصرّفه أمام الحبّ الإلهيّ والمعبِّر عنه في رسالة يوحنّا الأولى: هل يمكن حقًّا أنْ نحبّ الله، فيما لا نراه؟ "إنْ قال أحدٌ: "إنّي أُحبُّ الله"، وهو يبغض أخاه، فهو كاذبٌ. فمن لا يحبّ أخاه وهو يراه، فلا يستطيع أنْ يحبّ الله وهو لا يراه" (1 يو 4/ 20).

 

هذا الموقف يشدّد على الرّباط الوثيق القائم بين محبّة الله ومحبّة القريب. إنّ محبّة القريب سبيلٌ إلى إلتقاء الله، فإنّ تجاهل الإنسان لقريبه يجعله جاهلاً الله أيضًا. من هنا القول إنّ محبَّة القريب تستمدّ جذورها من محبّة الإنسان لله. إنّ بعد المحبّة في الحياة المسيحيّة بعدٌ أساسيّ، فالآخر الذي نلتقيه على دروب حياتنا بابنا إلى الملكوت.

 

أحبَّنا هو أوَّلاً، وما زال يحبُّنا هو أوّلاً؛ ذلك نحن أيضًا لا يمكننا إلاّ أنْ نتجاوب بالحبّ. محبّة القريب، تقوم، بالطّبع، على أنْ أُحبّ أيضًا، في الله ومع الله، الشخص الذي لا أُقدِّره، أو حتّى الذي لا أعرفه. عندما أنظر وأرى بعيني المسيح، أستطيع أن أُعطي الآخر أكثر بكثيرٍ من الأشياء التي يحتاج إليها خارجيًّا: يمكنني أن أهبه نظرة الحبّ التي يحتاج إليها. ولكن إذا كنت أفتقر كلّيًّا في حياتي إلى معرفة المسيح، وإلى التواصل مع الله، فلن أستطيع أبدًا أن أرى في الآخر إلاّ الآخر، ولن أنجح في أن أتعرَّف فيه على صورة الله. المحبّة الأخويّة والشّراكة الكنسيّة، هما الدّافع للإختبار الشخصيّ: إختبار محبّة الله قوَّةٌ للشهادة ومحبّة الآخر بغضّ النّظر عن وضعه الإجتماعيّ، والسياسيّ، والإقتصاديّ والدينيّ.

 

 فليست المحبّة مجرَّد خيارٍ في الحياة المسيحيّة، بل هي جوهر هذه الحياة وصلبها.

 

 

طبيعتنا البشريّة التي نولد فيها، طبيعةٌ تتمحور حول الذات ومحبّة الذات. فالمحبّة لا تعني إبطال الذات أو نسيانها، إنّما القدرة على تخطّيها.

 

 

المحبّة تتخطّى الذات من أجل ملاقاة الآخر.

 

إنّ العلامة المرئيّة التي يظهرها المسيحيّ ليشهد لمحبّة الله أمام العالم، محبّة الأخوة. ففي هذا الصّدد يقول البابا فرنسيس: "... فقد وضع يسوع هذه الوصيّة في صلب الوصايا كلّها، لأنّه ينبغي أن ينطلق كلّ شيءٍ من القلب ويعود كلّ شيءٍ إلى القلب كنقطةٍ مرجعيّةٍ. وفي ضوء كلمات يسوع هذه، باتت المحبّة مقياس الإيمان، والإيمان هو المحبّة نفسها". إذًا لا يسعنا بعد الآن أن نفصل الحياة الدينيّة عن خدمة الأخوة، أولئك الذين نلتقي بهم. لا يسعنا أن نفصل الصلاة والإلتقاء بالله من خلال الأسرار، عن الإصغاء إلى الآخر والتقرُّب منه ومن معاناته. لأنّه بحسب يوحنّا الصليبيّ "عند غروب شمس حياتنا، الله سيحاسبنا على المحبّة".

شهادة المحبّة تعيد بناء العالم

 

من لا يحبّ يبقى في الموت، في العزلة، في القوقعة، في الأنانيّة. ومن يحبّ فهو قائم، ينتصر كلّ يوم على الموت، لأنّه يجد في المحبّة أسباب الحياة والقيامة، أسباب الشجاعة والتفاؤل والغفران والعطاء. المحبّ لا يخاف من مواجهة صعاب الحياة لأنّه يرتوي من ماء الحياة الذي "يصير فيه عين ماءٍ يتفجَّر حياةً أبديّة" (يو 4/ 14).

 

ومن علامات المحبّة أنّها شراكةٌ. يقول بولس الرّسول: "إذا تألَّم عضوٌ تألَّمت معه سائر الأعضاء" (1 كور 21/ 26). والشراكة تعني التضامن، وبخاصّةٍ في وقت الضّيق والشدّة والألم والمرض. التعبير عن التضامن أمام ضعفنا وهشاشتنا، هو المحبّة! وهذا ما يقوله بولس الرّسول: إنّه أخذ ضعفنا (متّى 8/ 17). وحيث كثرت الخطيئة فاضت النعمة (روم 5/ 20).

 

أمام هذا الواقع نفهم أنّ المحبّة أقوى من الموت. وأمام أزمات عالمنا العربيّ، وأمام زعزعة المحبّة، والثقة بين الشعوب، أمام أزمات العالم الماليّة والإقتصاديّة، وأمام أزمات القيم والأخلاق، وقيم الإيمان، نلجأ إلى المحبّة التي هي حقًّا أقوى من الموت والعنف والدّمار والقتل والإستغلال والتضليل الإقتصاديّ والسياسيّ والإجتماعيّ. إنّها المحبّة التي تغيِّر وجه الأرض، إنّها خلاصنا. شهادتنا شهادةٌ للمسيح القائم، الأقوى من الموت.

 

أمام هذا كلّه، علينا نحن المسيحيّين أن نجد مكاننا، ونكتشف دعوتنا، وما هو تدبير الله الخلاصيّ لنا. نحن مدعوّون إلى أن نكون متضامنين مع هذا الشرق بكلّ مكوناته لأنّه هو عالمنا، وفيه جذورنا، وقد صنعنا الكثير الكثير من تاريخه وأدبه وحضارته... وفي وسطه وجدنا لنشهد ونعيش قيم الملكوت مع إخوةٍ لنا، مسيحيّين وغير مسيحيّين، فنجسِّد معًا عيش المحبّة فوق كلّ شيءٍ: "أحبب وافعل ما تشاء".

 

رسالتنا أن تكون محبّة المسيح التي تأسَّست على بذل الذات، نموذجًا لمحبّتنا المتبادلة. جاء في الدستور الرعويّ في الكنيسة وعالم اليوم:

 

 "ذلك أنّ الرّسالة المسيحيّة لا تبعد الناس عن بناء العالم ولا تحملهم على اللامبالاة في ما يتعلَّق بمصير أمثالهم: إنّما بالعكس تحملهم على إعتبار ذلك واجبًا ملحًّا عليهم"... عالمنا اليوم يواجه أزماتٍ عديدةً تسبّب آلامًا جمَّة، من هنا ضرورة تقديم محبّة ينعشها الرّجاء النابع من المسيح القائم، فالكنيسة مدعوّة إلى أن تكون في العالم علامةً لمحبّة الله وحنانه لكلّ شخص. إنّها علامةٌ لتجسُّد الله الدّائم في قلب العالم.

 

 

خاتمة

عبثًا نحاول تغيير العالم ووجه وطننا، بالتفتيش عن حلولٍ قصيرة الأمد كالسياسة، والمال، والمصالح الشخصيّة، والمراكز الزائلة... إذا لم تكن فينا المحبّة، فباطلٌ سعينا. أمّا إذا كانت فينا هذه المحبّة، أو شعاعٌ من أنوارها يتحوّل المستحيل إلى ممكنٍ، والرّفض إلى قبولٍ، والجهل إلى معرفةٍ، والإنقسام إلى وحدةٍ، والتخاصم إلى مصالحةٍ.

عالمنا اليوم بحاجةٍ إلى المحبّة صانعة المعجزات... عالمنا بحاجةٍ إلى إعادة إكتشاف الله وإختبار محبّته اللامتناهية.

في سنة الشهادة والإستشهاد التي أعلنتها الكنيسة المارونيّة، دعوة لنا جميعًا إلى أن، نتأمّل في وجوهٍ كثيرةٍ سطعتْ في عالمنا، فكانت أيقوناتٍ حيّةً بعيشها وتجسيدها لمحبّة الله والقريب... أشخاصٌ أحبُّوا على مثال المسيح حتّى الغاية، فقدّموا ذواتهم بالشهادة والإستشهاد، فكانوا قرابين حيّةً وعلاماتٍ مضيئةً في قلب العالم.

 

على مثالهم، وعلى خطاهم، ومع الإبن الوحيد الذي عرّفنا وثبّتنا في المحبّة حتّى الغاية، دعونا نسير بهدي الرّوح القدس، صوب ملكوت الحبّ، حضن الآب السّماويّ، ينبوع المحبّة والرّحمة. للثالوث الأقدس المجد والشكر من الآن وإلى الأبد.

 

الخوري بيار أبي صالح

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية