إذا لم يقم المسيح فإيماننا باطل

 

 

 

 

إذا لم يقم المسيح فإيماننا باطل

 

 

إذا كان الإنجيل بشارة جديدة فإنّه كذلك، ليس فقط بسبب حياة المسيح وموته. البشارة الجديدة هي في حقيقتها الرّبط العميق بين المصلوب وبين القيامة، وهذا ما أَدركه الرّسل جيِّدًا، وأمّا لكلِّ الذين آمنوا بالمسيح يسوع وبقيامته، فإنّهم أدركوا حقيقة مَنْ هو ابن الله وما هي مهمَّته الأساسيّة، وهؤلاء أيضًا الذين آمنوا به أدركوا فعلاً أنَّ ابن الله هو حامل خطايا العالم، وفيه تستريح كلّ نفس قلقة ثتئرة وخائفة، وبه يعرف المؤمن قدره الحقيقي وغاية وجوده. والبشارة الجديدة هي هذا المسيح الذي تسكن فيه قوَّة الخلاص وإليه تصبو الأجيال المتعثِّرة واليتيمة.

 

 

أ- "الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا"

 

البشريّة ما فتئت تفتِّش عن إلهها، تسعى إليه لترى وجهه، تبحث عنه في حلمها ويقظتها لترى آفاقه وتتلمَّس نظرته لكي يعطي هذا الإله رجاء ميتًا وفرحًا مفقودًا. الرّجاء الموعود هو المسيح الحالُّ بيننا، هو إنتظار الشعوب ورجاؤها وأملها. فضيحة كلّ موت بشري تأخذ ملامحها وتجد ذاتها من فضيحة أخرى لا تُحتَمَل، بالنسبة إلى كلّ إنسان، وهي فضيحة موت الله.

 

فهل يسمح الله لذاته أنْ يختبر تجربة موتنا "نفسي حزينة حتّى الموت؟"، هذا يعني أنَّ تحدِّي الموت الذي واجهته البشريّة كلُّ إنسان، إستطاع الله ذاته أنْ يقبل هذا التحدّي ويُجيب عليه. وقبول الله لهذا التحدّي هو الذي فتح الباب على الإنتصار، وهذا الإنتصار هو الذي جعل العدم فينا يتحوَّل إلى لحظة يقظة نستطيع من خلالها مراجعة كلِّ حياتنا والسَّيْر وَفْق منطق المسيح المغاير لمنطقنا البشري. ولكن المفارقة الكبرى هي أنَّ الموت ليس هو من أعطانا الله، ولكنَّ الحياة جعلتنا نكتشف قوَّة الله وسحره، وذلك بعد أن أكمل المسار الذي إختبرناه نحن وسار معنا إلى النهاية، متقدِّمًا إلى لحظة الموت ليكشف بعبوره هذا لحظات الأبديّة.

 وموت المسيح وقيامته إلتزام إلهي بصورة الإنسان واحترام كامل لهذا المخلوق كي يردَّ هو بدوره، ومن خلال إلتزامه بطريق الله ونهجه، جميل هذا الخالق المدهش.

 

 

ب- المسيح وسيطنا الأوحد

 

1- "إذا لم يقم المسيح فإيماننا باطل"

 

هل إلتقيْنا حقيقةً بمَنْ جاءَ يدمِّر الموت؟

 لا يمكن للإيمان المسيحي أن يكون صادقًا ونقيًّا إلاّ إنطلاقًا من هذا البُعْد وهذه الحقيقة. لكن إيماننا بهذه الحقيقة لا يلغي كلَّ جهودنا الجبَّارة في تجاوُز الآلام والصّعوبات، إنّه يُبْقيها حيَّة وقويَّة ليكون للإنسان شراكة حقيقيَّة في هذه البشارة الجديدة.

 

مهمَّة المسيح هي إسقاط الحواجز ومواجهة الإنقسام وترميم جسدنا، وإنتصارات المسيح ستكون من دون معنى إذا لم يتحوَّل فعلُ المسيح إلى طاقة جديدة لكلِّ الذين يؤمنون به. في مواجهة الألم واللاّعدالة، وفي مواجهة مواكب الموت، وحين يختزن المسيح كلَّ قوَّة الله وسلطانه وهو الإنسان، فإنَّ ضعفنا البشري يصبح قادرًا على إختزان طاقة الله وقوَّته.

 

وإنطلاقًا من إرادة العيش وقوَّة مواجهة الموت، وإنطلاقًا من قبول سرِّ المسيح، نصبح قادرين على قبول سرِّ الرّجاء الموعود. يدعونا المسيح من على صليبه وعبر يديه المفتوحتين إلى اليمين والشّمال إلى أن نؤسِّس معه سلسلة الرّجاء، لا من خلال العودة إلى جنَّةٍ موعودة تجْري من تحتِها الأنهار ويفيض العسل فيها بوَفْرة، ولا من خلال الإنزواء وإخراج أنفسنا من مصير العالم وآلامه وإنّما على العكس، أن نقف بحَزْم وسط العالم نشارك فيه بجرأة ونضمِّد في ساحاته أوجاع الناس وأتراحهم لنستحقَّ نعمة المسيح.

 

2- إله وإنسان

 

الإيمان بالتجسُّد يفتح أعيننا على سرّ الله ويفتح أذهاننا على سرِّ الإنسان، لأنَّ هذا الإيمان يقودنا حتمًا إلى لقاءٍ مرير ومُدْهش بين الله والإنسان، وهذا ما يشكِّل حقيقة المسيح يسوع.

 

 هذا اللّقاء السرّ هو من يقلِّص المسافة بين العدم وبين الله، ويكشف لنا حدودَنا وإمكانيّة أن نكون آلهة. وبهذا اللّقاء تنفتح الدراما الإنسانيّة لنكتشف في إحدى زواياها المعتمة سرَّ الإنسان وسرَّ تخبُّطه في قفصه المغلق. يقدِّم لنا الإنجيل حياة المسيح على أنّها صراع ومواجهة بدءًا من التجربة في البريّة وانتهاءً بارتفاعه على الصّليب. في هذا الصّراع المرير، لا يمكن لعقل بشري أن يتصوَّر بقاء المسيح على قناعاته وسلامه، وهذا ما يؤكِّد لنا هويّة المسيح على أنّه ابن الله، ففي وفائه المطلق لهذه الهويّة العميقة، إنكشف سرُّ التجسُّد، وظهر للعيان قوّة الرَّدِع الكامنة في هذه الهويّة والتي حقّقت إنتصارات غير متوقّعة على كلّ الإختبارات والصّعوبات الوجوديّة، تاركة للآب الكلمة الأخيرة، وهذا دليل آخر على معدن المسيح ومكانته في الثالوث.

 

"بين يديك أستودع روحي"

 

أي إنَّ السّلطة للآب وحده، يرفض المسيح تجربة القوَّة ويرفض أيضًا كلَّ سلطان لا يأتيه من الآب. سلاطين الأرض كلُّها تآمرت على المسيح لتتخلَّص من هذا الثائر ولكنّه بقي مخلصًا لطاعته للآب، وفي اللّحظة التي أظلمت الأرض فيها وانقطع كلُّ رجاء، واتَّشحت الغيوم فيها بالسّواد وغابت الشمس والأقمار، وفي اللّحظة التي خُيِّلَ فيها أنَّ الآب قد نَسِيَ حبيبه، كان المسيح مخلِّصًا لقسمه ووعده، وفيًّا للعهود التي قطعها على نفسه بأن يكمل لكلّ شيء إلى الغاية. سمعت البشريّة نشيد المسيح الأخير "بين يديك يا ابني أُودِع روحي".

 

 

الخوري إسكندر الهاشم

 

      

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية