الافخارستيا يلخّص كلّ شيء

 

 

 

الإفخارستيّا يلخّص كلّ شيء

 

 

إنّ سِرّ الافخارستيَّا عميق جدًّا ووجوهه مختلفة ومتشعِّبة ذلك بأنّه ملخَّص كلّ شيء والنقطة التي تتباعد منها جميع الخطوط وتتقارب إليها. إنّه وحدة الله والإنسان في المسيح، وحدة الماضي والحاضر والمستقبل، وحدة الطبيعة والتاريخ، وحدة التقبُّل والعطاء، وحدة الموت والحياة إلخ... ولا يسعني إِلاَّ أن اكتفي ببضعة وجوه، تلك التي أفضِّلها.

 

الاتّحاد بالمسيح الذي يبذل نفسه طعامًا

الافخارستيَّا هو سِرّ المسيح الذي يبذل نفسه طعامًا للبشر ليحوِّلهم إلى نفسه ويكوِّن بذلك جسده السرّيّ الذي هو الكنيسة (كلمة "سرِّي" لا تناقض كلمة "واقعيّ"). وإن أردنا أن نفهم ذلك، وجب علينا أن نعود دائمًا إلى أنّ التدبير الإلهيّ الأساسيّ هو توحيد جميع البشر في الله بالمحبّة وإشراكهم في حياته الخاصَّة.

 إنّ الله شاركنا في ناسوتنا لكي نشاركه في لاهوته. وبعبارة أخرى، غاية ناسوتنا هي تأليهنا، والخليقة هي للعهد.

فإنّ العهد هو الحقيقة الكبرى التي تسود الكتاب المقدّس، بمختلف مراحلها، من نوح إلى المسيح الذي قدَّس "كأس العهد الجديد الأبديّ". وليس العهد اتّحادًا شرعيًّا، بل هو اتّحادُ محبّة. ولذلك، يتّسم الكتاب المقدّس، من أوّله إلى آخره، برمزيّة الزواج، ومن قديم الزمان ربط التقليد ربطًا وثيقًا بين سرّ الزواج وسرّ الإفخارستيا.

يخلق الله البشريّة ليقترن بها بالتجسّد، ليقترن بها بالمعنى القويّ، أي ليصبح معها جسدًا واحدًا. يريد الله أن يكون مع البشريّة كلّها جسدًا واحدًا. هذا هو جوهر الأشياء.

 نعلم أنّ أمنية الحُبِّ الزوجيّ العميقة لا تتوقّف عند تعانق جَسَدين يبقيان خارجَين الواحد عن الآخر، بل أمنية الحُبِّ هو الانصهار الخالي من الاختلاط، الذي لا يريد كلّ واحد أن يبقى فيه إِلاَّ ليدع الآخر يستهلكه، بتحوِّله، إذا صحّ التعبير، إلى طعام له وإلى جسدٍ لجسده.

رمزيَّة القبلة بليغة جدًّا. إنّها بداية حركة تناول الطعام. تقول الأمَّهات الفرنسيَّات إنّ أولادهنّ "يُقضَمون قضمًا". يريد الإنسان أن يأكل الآخر وأن يدع الآخر يأكله  ليكون جسده. عبارة "أحبّك" تعني: أريد أن أدعك تُفنيني وتستهلكني، فأنت غاية حياتي. لا يتوصّل الرَّجل والمرأة إلى تحقيق أمنية حبّهما، لأنّ جسدَيهما اللذين هما أداة اتّحادهما هما، في الوقت نفسه، عقبة تحوّل دون اتّحادهما التّام. لا تتمّ أمنيتهما، لأنّها تفترض موتًا عن الطبيعة وعن التاريخ.

 

فلا بدّ من الموت عن تلك الطبيعة التي تُبقينا خارجين بعضنا عن بعض وتحول دون أن تكون لحظات الاتّحاد الحميم نفسها انصهارًا تامًا، بل لا تدوم إِلاَّ لحظة. فالرَّغبة في أن أُصبح في الحقيقيّة جسدَ الآخر، جسد الذي أحبّه، تفترض الموت.

فالدخول في الحبّ هو الدخول في الفرح، ولكنّه دخول في الألم أيضًا. إنّه ألم عدم اكتمال الحبّ ولا مفرَّ منه. لا يمكن أن تُستجاب أمنية الحبّ العظمى على صعيد الوجود الطبيعيّ، لأنّ طبيعة الإنسان تحول دون ذلك.

أَمَّا المسيح، الذي هو إله وبدون خطيئة، فإنّه يستطيع أن يتخلّى عن كيانه الطبيعيّ والتاريخيّ المباشَر، يستطيع أن يموت عن عالم الحدود الجسديّة، وأن يبقى في الوقت نفسه العريس الذي يبذل نفسه في سبيل البشريّة.

ولذلك، يحقّق المسيح، ما بعد الموت، وما بعد الموت فقط، أمنية المحبّة العظمى. فالمسيح الذي يموت ويقوم من الموت يجعل من نفسه طعامًا، ليصبح في الحقيقة جسد  البشريّة، على وجه أعمق من التعانق الذي لا يقرِّب بين جسدَين إِلاَّ لحظةً واحدة. والله في الإفخارستيّا يقترن حقًّا بالإنسان. ففي أساس سرّ الإفخارستيّا، نجد فكرة الطعام، وهي أساسيّة إلى أقصى حدّ.

 

فليس الإفخارستيّا طعامًا نتناوله ونتَّحد فيه بعضنا ببعض. لا شكّ أنّ هذا الوجه وجه هامّ، لكنّه غير كافٍ. والاتِّحاد، قبل أن يكون اتّحاد البشر بعضهم ببعض من طريق الطعام الذي يتقاسمونه، هو أوّلاً اتّحاد كلّ واحد منّا بالمسيح الذي يبذل نفسه طعامًا. وبالتالي يوحّد المسيح بين المتناولين. وإن اكتفينا بالنظر إلى الرَّمزيّة على مستوى الطعام بصفته "كانَ مع"، فهي لا تعبِّر عن الحقيقة الأساسيّة وهي حقيقة انصهار يُكمل الحبّ بين الزوجَين.

ولا نستطيع أن نفهم ذلك، ما لم نقتنع بأن تجسّد الله لا ينتهي إلى المسيح، بل إلى البشريَّة كلّها. وما دمنا نتصوَّر أنّ التجسّد هو اتّحاد الله بإنسان يدعى يسوع، لا نفهم شيئًا.

 

 جوهر الأشياء هو أنّ الله يتَّحد أو يقترن بالبشريّة كلّها بالمسيح. فلقد صار الله إنسانًا لكي يؤلَّه جميع البشر. والإفخارستيَّا هو تعميم عمل المسيح.

ما هو أساسيّ في الإفخارستيَّا ليس هو مجرّد حضور المسيح، إذ ليس المسيح هنا، بل هو هنا ليبذل نفسه طعامًا لنا، فيكون الاتّحاد بينه وبيننا على أتمّ وجه مُمكن. ليس الإفخارستيَّا أوَّلاً حضورًا، بل هو اتّحاد، والاتّحاد يفترض الحضور.

 

 

حضور المسيح في الخبز والخمر

لا شكّ أنّ حضور المسيح في الإفخارستيَّا هو حضور حقيقيّ، لا بل هو أكثر أنواع الحضور حقيقةً، لأنّه حضور يحقّق. فالإفخارستيَّا يحقّق حضور المسيح في أعمالنا الحرَّة: "من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبديّة" (يو 6/ 54)، ما من شيء أكثر حقيقة من هذا!

أذكّركم مرّة أخرى بالتمييز بين صعيد المعنى وصعيد التفسير. فالإيمان هو دائمًا على مستوى المعنى. وسرّ الإفخارستيَّا يعني أنّ المسيح يبذل نفسه طعامًا ليوحِّدنا به بتوحيدنا بعضنا ببعض، بحيث أنّه لا يمكننا أن نتوصَّل إلى ذلك بأنفسنا. وهذه الطاقة الموحِّدة تفترض حضوره الحقيقيّ. لكن هذا المعنى لا يستند إلى شيء غير معقول. إنّ مسألة تفسير أو "كيفيّة" الحضور الحقيقيّ هي من اختصاص الفلسفة، ولا يُمكن تناولها بدون الاستعانة بالمفاهيم الفلسفيّة.

إكتفي بالتذكير بأنْ لا خلاف بين العلامة أو الرمز والحقيقة. قوموا بهذا الاختبار فاطرحوا سؤالَين على أحد الأولاد:

- ما هي المصافحة؟ لن يجيبكم أنّها استهلاك طاقة عضليّة يسبّبه ضغط الكفَّين الواحد على الآخر. بل يجيبكم: أنّها علامة تدلّ على الوفاق والرِّفقة والصَّداقة. فحقيقة المصافحة هي أن تكون علامة.

- ما هو الضَّوء الأحمر؟ يبدأ الولد بالسخر منكم، ثمّ لا يقول لكم إنّها مصباح يضيء من وراء زجاج ملوَّن، بل يقول لكم إنّها مَنع عن المرور. فالعلامة هي حقيقة الضَّوء الأحمر.

بتلك الأمثلة البسيطة، نفهم أنّ العلامة ليست شيئًا خارجًا عن الحقيقة، بل هي الحقيقة نفسها بأعماق ما فيها. فالقول بأنّ الأسرار، وعلى رأسها الإفخارستيَّا الذي هو السرّ المثالي، هي علامات و"علامات فعَّالة" لا يعني على الإطلاق أنّها خارج الحقيقة، بل أنّها أعمق الحقائق.

 

 

العلامة الفعَّالة التي تدلّ على القيام بالمهمّة البشريّة

يُقال أحيانًا إنّ جسد المسيح، في القربانة المقدّسة، يحلّ محل الخبز: أعلموا أنّ هذه بدعة من البِدَع. لو قام أحد الناس، في مختبر، بتحليل كيميائيّ للقربانة المقدّسة، لَمّا وجد فيها غير العناصر التي يُركَّب منها الخبز. هذه الملاحظة بديهيّة، لكنّي أرى أنّها ليست واضحة لجميع الناس. ما ورد قط في الكنيسة أن يؤمن المسيحيُّون بأنّ كلمات التقديس تغيِّر بنية الخبز الطبيعيّة الكيميائيّة. ولذلك نعترف بأنّ العبارة التقليديّة، الصَّادرة عن المجمع التريدنتينيّ، وهي "الاستحالة الجوهريّة"، ومعناها تحوُّل جوهر الخبز إلى جوهر جسد المسيح، لا يُمكن أن تُستعمل من دون أن تُشرح شرحًا طويلًا، لأنّ كلمة جوهر فقدت المعنى الذي كان لها في القرن السَّادس عشر.

من قال بأنّ المسيح يحلّ محلّ الخبز قال بأنّ الله يتجسَّد ليحلّ محلّ الإنسان، كما لو كان يقول لنا: تَنَحَّ من هنا لكي أقيم مكانك، لأنّك غير نافع! فحياتك وعرق جبينك وحَملُكِ وتربية أولادك، كلّ ذلك يكاد أن يكون لا شيئًا: فأنا آتي وآخذ مكانك!

 

لو كان المسيح يأخذ مكان الخبز، لكنَّا أمام أمر فظيع. مثل ذلك الإله الذي يصير إنسانًا ليحلّ محلّ الإنسان لا وجود له، ولو وجب الإيمان بذلك الإله، لا شكّ إنّي لكنتُ ملحدًا.

إنّ المسيح لا يحلّ محلّ الخبز، كما إنّ المرأة لا تحلّ محلّ البنت الصغيرة، فالبنت الصغيرة هي التي تصبح امرأة. وليست الفراشة هي التي تحلّ محلّ الدودة، بل الدودة هي التي تصبح فراشة. لا يأخذ مكاني أحد آخَر، بل أنا أصبح آخَر.

لا أحبّ أنا أن تُستعمل عبارة "العالَم الآخر"، لأنّه، بالمعنى الدقيق، لا وجود لعالم آخر. فإنّ عالم حياتنا الأبديَّة هو العالم بدون زيادة، لكنّه يصبح آخَر. هناك فرق كبير بين أن يحلّ محلّي أحد آخَر وأن أُصبح أنا آخر. وعندما يقول لنا القدِّيس بولس إنّنا "أعضاء المسيح" (1 قور 12/ 27)، لا تُزيل هذه العبارة صفتنا بشرًا وشخصيتنا البشريّة. لا يحلّ عضو المسيح محلّ الإنسان، بل الإنسان يصبح عضو المسيح، أو، بالرُّجوع إلى مفرداتنا، لا يكون الإنسان مؤنَّسًا على وجه تام إلاَّ إن تمَّ تأليهه، إذا صحَّ أنَّ المسيح هو، في آن واحد، إنسان تام وإله تام. وهو لا يستطيع أن يجعلنا ما هو من دون أن يؤنِّسنا ويؤلِّهنا في آن واحد.

 

لا يستبدل المسيح نفسه بالخبز، بل العبارة التي استعملها المجمع التريدنتيني هي "الاستحالة القربانيّة". قد لا يكون من السَّهل أن تُرشح هذه العبارة لسامعين ثقافتهم محدودة، لكن الخبز هو الذي يصبح المسيح، ولا يحلّ المسيح محلَّ الخبز".

فإذا صار الله إنسانًا، فلا ليُزيل الإنسان. يتصوّر بعضهم أنّ يسوع القائم من الموت يهبط من السَّماء في قطعة من الخبز، وإلاَّ لَما وجد مكانًا ليكون في أقرب مكان ممكن. فيؤتي إلى الهيكل بسَنَد من حسناته أنّه يؤكل، فيأكلونه لأنّ المسيح بهذه الطريقة يكون حاضرًا على أعمق وجه... مثل هذا الكلام مخيف... لا نخلطْ بين القُرب والحضور المحوِّل.

 

إن أردنا أن نتخلّص من التجريد، وبالتالي من الأساطير، وجب علينا أن ندرك الإنسان في حقيقته. والحال أنّ الإنسان لا يُدرَك في حقيقته إلاَّ إن أُدرك في قصته. لا وجود للإنسان المجرَّد. أمَّا الإنسان الحقيقيّ، الإنسان الذي يُدركه يسوع المسيح ليحوِّله، فهو الإنسان الذي يعيش قصَّة، سواء أكان رجلاً أم إمرأة، أعزب أم متزوِّجًا، له أولاد أم لا، بطّالاً أم في العمل إلخ...

إنّ قطعة الخبز التي أحملها إلى المذبح، إن لم تكن الإنسان، لا يبقى أيُّ معنى للإفخارستيَّا، إلاَّ مسيح يهبط من السَّماء في قطعة خبز ليصبح طعامنا بمعنى أنّه يعزّينا ويقوّنا ويمكّننا من مقاومة التجارب: فنقع في نظام أخلاقيّ صبيانيّ بكلّ معنى الكلمة، لا يستطيع بنو جيلنا أن يفهموه.

الحقيقة هي أنّ قصّة الإنسان كلّها تصبح جسد المسيح. لا تزال مع ذلك قصّة بشريّة، لكنها تصبّ في ما أبعد من الإنسان وهي دعوته الحقيقيّة.

 ولا يصبح الإنسان إنسانًا على وجه كامل، ما لم يصبح جسد المسيح حقًا.

أوَليس في إمكاننا، أن نصنع، لتربية الأولاد، أفلامًا قصيرة تعرض قصّة القربانة، من الفلاحة إلى المذبح؟ لا وجود للقربانة إلاَّ في ختام تحويل طويل للطبيعة عن يد الإنسان، والمسيح يؤلِّه ما حوَّله الإنسان بقيامه بالمهمّة البشريّة. الإفخارستيّا هو علامة فعَّالة للمهمَّة البشريّة المنجَزة.  

يُروى أنّ الشيوعيِّين دخلوا سَكرستيَّة غُيِّرت جهة استعمالها في ليننغراد، في أثناء ثورة 1917، فرموا بالآنية المقدّسة ووضعوا مكانها، بطريقة رمزيّة، أدوات عملهم. أحسنوا، إذ أتوا بأداوت عملهم، ولكن كان ينبغي  أن يضعوها في الآنية المقدّسة، بدل أن يرموا بها. إن كانت هذه القصّة صحيحة، دلّت بوجه مثالي على سوء تفاهم هائل نشهده اليوم، ونحن المسيحيّين مسؤولون عنه إلى حدّ ما، لأنّنا نسينا أنّ يسوع المسيح إنسان. إذا صار الله إنسانًا، فلا ليتخطّى وساطة الإنسان!

وفي التناول، يبذل المسيح نفسه طعامًا لنا، لكي يكون لنا، لا طاقة بشريّة فقط، بل طاقة إلهيّة حقًّا، للعمل على بناء الجماعة البشريّة الأخويّة. فإنّنا، بدون المسيح، "لا نستطيع أن نعمل أيّ شيء" (يو 15 / 5).

فالمسيح حاضر، لا كمن يهبط من السَّماء، بل بصفته ثمرة التحويل المؤلِّه الذي يجريه في الإفخارستيّا الذي هو مركز إيماننا.

 

الذبيحة والتضحية

ما قلناه يمكِّننا أن نفهم كيف أنّ الإفخارستيا هو سرّ ذبيحة. لقد نقصت قيمة هذه الكلمة وانحرفت عن معناها الأصليّ في اللّغة الشّائعة. يُقال للولد: ضَحِّ بقطعة شوكولاتة. ولقد اعتدنا المطابقة بين الذبيحة والحرمان، ولم نعد نذهب إلى جذور الأشياء.

أصبح صعبًا علينا أن نفهم العمل الذبائحيّ هو العمل الذي نستند به إلى الله. إنّه أسمى شيء في الوجود البشريّ، إنّه ما نوافق به على دعوتنا العميقة وهي أن نزدهر في الله.

ليست الذبيحة حرمانًا قبل كلّ شيء، بل هي توجيه كياننا كلّه وحياتنا كلّها توجيهًا إيجابيًّا نحو الله.

 إن قدّمنا أنفسنا لله، سلكنا  الطريق الوحيد الذي يمكّننا أن نكون أنفسنا. الله محبّة. ولا يكون الإنسان إنسانًا على وجه تام إلّا إن كان من أجل الله.

وهذا يفترض طبعًا حرمانًا، لأنّ الإنسان، في عالم خاطئ، لا يستطيع، في آن واحد، أن يحيا لله ويحيا لنفسه، أن يستند إلى الآخر وأن يستند إلى نفسه. والاستناد المحض إلى الله هو تخلّي الإنسان عن أن يكون مركزًا لنفسه.

 نحن نعرف أنانيتنا ونعلم حقّ العلم بأنّنا، في أسخى أعمالنا، ننطوي على أنفسنا. من منّا يتجاسر أن يقول: أنا لا أحيا إلّا من أجل الله ومن أجل إخوتي البشر؟ هذا يعني، في لغة الكنيسة، إنّي قادر على تقدمة ذبيحة كاملة.

في تاريخ العالم، وبغضّ النظر عمّا يختصّ بمريم العذراء، ليس هناك إلّا إنسان واحد نستطيع أن نقول فيه إنّ نشاطه كلّه وحياته كلّها كانت ذبيحة. إنّ حياة يسوع المسيح هي استناد دائم إلى الله. وفي صميم كيانه ـ ولذلك نؤمن به ونعلم بأنّه مركز كلّ شيء ـ هو الوحيد الذي لم يعمل أيّ عمل حرّ من أجل نفسه، بل كانت جميع أعماله الحرّة محبّة. لم تكن حياته كلّها إلّا محبّة.

 ليس هناك أيّ شيء من الانطواء على النفس، والرَّغبة في النفس، والنظر إلى النفس، وحركة أنانيّة. فكلّ كيان المسيح هو كيان ذبائحي. والمسيح هو الإنسان الكامل بمعنى أنّه استناد محض ومُطلق إلى الله وإلى الآخرين. أقول: إلى الآخرين، لأنّه ليس هناك من تعارض بين الإنسان والله. والله لا يطلب منّا غير العمل على إسعاد إخوتنا البشر. وإن كان ما نعمله من أجل الإنسان من أجل خير الإنسان حقًّا، كان بالتالي من أجل الله.

 

ذروة ذبيحة المسيح هي في موته على الصَّليب، لأنّ الموت وحده يدلّ دليلًا ثابتًا على أنّ الإنسان لا يحيا لنفسه.

 لا يخفى علينا أنّنا عن جُبن إلى حدّ قريب أو بعيد نحاول التخلّص من الموت، وإن لم يكن المقصود الموت النهائيّ التّام، يكون على الأقل ذلك الموت الجزئيّ المعبَّر عنه بالنقص في الرفاهيّة والتخلّي عن بعض الامتيازات، وبكلمة واحدة كلّ ما يفصلنا عن أنانيتنا وكسلنا. ومن هنا القول الرّائع الذي قاله ﭙيغي: "لا توجَد حياة إلّا لتوهَب".

إنّ الإفخارستيّا هو ذبيحة المسيح، إنّه المحبّة التي ليست إلّا محبّة، والتي تسير حتى الموت الذي تنبثق منه الولادة الجديدة والقيامة. نحن أمام أمرين: إمّا أنّ المحبّة هي أقوى من الموت، وإمّا أنّ الموت هو أقوى من المحبّة. يعني سرّ الفصح أنّ المحبّة هي أقوى من الموت.

ينطبق هذا على المسيح وينطبق علينا، إن لم يكن المسيح غريبًا وإنّ كنّا نتمسّك به كما تتمسّك الأعضاء بالجسد.

 يكفي أنّ يكون قلبنا موضوعًا في مكانه لنفهم أنّ الحياة لا تكون أصيلة، إنّ لم تكن حياة مضحّى بها، أي أنّها تتضمّن انتقالًا في الله. وهذا ما يدلّ عليه الإفخارستيّا.

 

 

الشكر

كلمة إفخارستيّا اليونانية مشتقة من فعل شَكَرَ، وليس ذلك بطريق الصدفة. والشُّكر هو الاعتراف بأنّ كلّ شيء هو نعمة. وإذا كان كلّ شيء نعمة، فلا بدّ أن يكون كلّ شيء شكرًا.

يبيّن لنا المسيح في الإنجيل كيف أنّ الطبيعة كلّها هي عطيّة من الآب. يبيّن لنا الإنجيل أنّه يجب علينا أن نعيش المحبّة بشكل تقبُّل. كلّ شيء موهوب. العالم موهوب لنا، ومسلَّم إلى أيدينا: "فلا تهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فهذا كلّه يسعى إليه الوثنيّون، وأبوكم السماويّ يعلم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه" (متى 6/ 31 ـ 32). إنّ الوثنيِّين هم ملّاكو الأشياء، فإنّهم يقتنونها ويملكونها. أمّا المسيحيّون، فهم قيِّمون على الأشياء، فإنّهم ينالونها ويتقبّلونها.

 

ولذلك، نرى الوثنيِّين قلقين، في حين أنّ المسيحيِّين هم أو يجب أن يكونوا هادئين. يشعر العالم العصريّ بالضيق بقدر ما لا يكون إيمانه حيًّا، وبقدر ما ينسى أنّ كلّ شيء يصدر عن الله وأنّه من واجبنا، إذا كان الله أبانا، أن نكون هادئين على مثال الواثقين.

يلقي يسوع على الطبيعة نظرة صافية هادئة، حتّى أمام الجوع وأمام الموت اللذين هما من المواقف القُصوى. عنده يختلط الطلب بالشكر، فهو يطلب بشكل الشكر، من شدّة اقتناعه بأنّ الآب يهتم بأولاده، شرط أن يهتموا هم بملكوت الله: "فاطلبوا أوّلًا ملكوت الله وبرّه، تُزادوا هذا كلّه" (متى 6/ 33). "هذا كلّه"، أي الخبز اليوميّ: "يا ربّ، ليأت ملكوتك، أعطنا خبزنا"، أي كلّ ما نحتاج إليه للعيش، أي ظروف حياتنا.

ما أروع ما قاله يسوع أمام الجوع الذي هو من الأوضاع القصوى. لم يقل: "يا أبتِ، أسألك أن تكثّر الأرغفة في يديّ"، بل: "يا أبتِ، أشكرك" (يو 6/ 11). فقَبْل أنّ تكثَّر الأرغفة، شكر يسوع من شدّة تأكّده من أنّه سيُستجاب، وأمام الموت الذي هو أيضًا من الأوضاع القصوى، قال يسوع عند قبر لعازر: "أشكرك، يا أبتِ، على أنّك استجبتَ لي". ليس هذا صحيحًا، لأنّ لعازر لا يزال جثّة ولم يعد إلى الحياة، لكن يسوع قال: "أشكرك" (يو 11 / 41).

وإذا رفض يسوع الطعام في البريّة، فلأنّ هذا الطعام لم يأتِه من الآب. وهذا هو المعنى العميق لرفضه أن يحوّل الحجارة إلى أرغفة. لا يريد أن يتناول إلّا إن أمكنه أن يشكر.

 

 ولا يعترف لنفسه بحق استعمال أي شيء من الطبيعة، إن لم يأته من الآب. ولو حوّل الحجارة إلى أرغفة سِحرًا، لكان هذا الطعام طعامًا لم ينله من الآب. ولو أجرى يسوع هذه الخارقة، ولا أقول: معجزة، لأنّها ليست معجزة، لَحقَّ لنا أن نشكّ في الإنجيل كلّه.

إنّ القدّيس بولس يشكر كما يتنفّس، ويمكن القول إنّ تنفّس بولس تنفّس شكرًا. يقول: "نشكر الله دائمًا، أشكر الله كلّما ذكرتكم" إلخ... (1 تس 1/ 2 وفل 1/ 3 و 1 قور 1/ 4 وأف 1/ 15 ـ 16 إلخ...). قلب بولس منشرح. على كلّ حال، يرتبط الشكر، في نظره، بالنعمة أو الإيمان. والنعمة هي ما يهبه الله للإنسان. والإيمان هو تقبّل عطيّة الله. "أشكر الله أبدًا على ما أوتيتم  من نعمة" (1 قور 1/ 4) أو "لا نزال نشكر الله (طيموتاوس وأنا) على ما بلغنا من إيمانكم" (قول 1 / 3).

لا بدّ من إدراك الصلة القائمة بين الإفخارستيّا / شكر وإفخارستيّا / طعام: فالطعام هو صلتنا الأساسيَّة بالطبيعة. نحتاج إلى طعام لنعيش، وماذا نأكل؟ اللّحم والفواكه والبقول، كلّ ذلك يأتي من الطبيعة ونحن لسنا منعزلين فيها.

إنّ الخبز هو رمز كلّ ما يعطينا الله لنعيش. والخبز والخمر هما الطعام الأوَّلي في بلاد البحر الأبيض المتوسّط، وفي وطن يسوع نفسه.

وإذا حذفتُ من طعامي قليلًا من الخبز وجرعة من الخمر، عنيتُ أن على الطبيعة كلّها أن تعود إلى الآب. فالإفخارستيّا هو الشكر تحت أشكال الطعام.

وإذا كان كلّ شيء نعمة، وجب أن يكون كلّ شيء شكرًا. وليس هناك، للتعبير عن كلّ شيء هذا، أفضل من الخبز والخمر اللذين بدونهما ما من شيء ممكن. إنّهما من عناصر الحياة نفسها. والله يعطينا لكي نعطي بدورنا ما أُعطينا: "مباركٌ أنتَ أيّها الربّ، إله الكون، يا من جاد علينا بهذا الخبز...).

لاحظوا أنّه علينا، لا أن نعطي، بل أن نعطي ما أعطينا وأن نردّ، لأنّ ما  عندنا هو عطيّة . العطاء هو تملُّك، فالإنسان يعطي ما يملك، ولذلك فإنّ قول  بسكال "يا إلهي، أعطيك كلّ شيء" ليس قولًا مسيحيًّا تمامًا. أمّا القول المسيحيّ، فهو ما كتب القدّيس اغناطيوس دي لويولا في خاتمة الرياضات الرُّوحيّة: "يا إلهي، أردّ لك كلّ شيء". لسنا ملّاكين لأيّ شيء، بل نحن قيّمون. فالمحبّة بدون شكر لا تكون محبّة مسيحيّة حقيقيّة، بل تكون من كرم الملّاك.

إنّ الخبز والخمر المقدَّسين في الإفخارستيَّا هما عودة إلى الله، عودة تلك الطبيعة التي يعطيها الله للإنسان ليحيا.

 

يرى المركسي أنّ صلة الإنسان بالطبيعة هي العمل، أمّا المسيحيّ فإنّه يرى ذلك أيضًا، لكن هذه الرؤية تستند عنده إلى الشكر وتشكّل استعدادًا باطنيًّا عميقًا يعاكس عقليّة الملّاك.

 بدون الإفخارستيّا، تُشوّه حياتنا وتصبح حياة ملّاك. والحال أنّ الحياة الأبديَّة هي غياب التملّك غيابًا تامًا. ليس الله ملّاكًا على الاطلاق. وبفضل الإفخارستيّا تصبح حياتنا حقيقيّة، فهي حياة شكر.

 

سرّ الجماعة البشريّة التي يجب بناؤها

إذا كان المسيح يبذل نفسه طعامًا لنا، فلكي يجمعنا في جماعة أخويّة. لقد شدَّدتُ على أنّ المسيح يجعل من نفسه طعام كلٍّ منّا، فلا يعني هذا أنّي سأهمل رمزيَّة الجلوس إلى المائدة، أي الطعام الذي نتناوله معًا، لا كلّ واحد على حدة. فالوجه الشخصيّ والوجه الجماعيّ كلاهما أساسيَّان. إنّ المسيح أسّس سرّ الإفخارستيّا، علامة العهد الجديد، في السَّاعة التي أصدر فيها البند الوحيد في هذا العهد الجديد: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم". فبند الاتّحاد بالله هو اتّحاد البشر الأخويّ ببعضهم البعض، أي بناء الجماعة المسيحيَّة. لا عهد مع الله، ما لم يكن هناك عهد متبادل بين البشر.

وُضِّحت رمزيَّة الخبز والخمر منذ القرون الأولى، ولقد وصلتنا بقايا من خلال بعض الصَّلوات القربانيَّة: "يا إلهنا، كما أنّ حبوب القمح كانت مبعثرة في السُّهول فطُحنت وأصبحت طحينًا واحدًا، وكما أنّ عناقيد العنب كانت مبعثرة في التلال فعُصرت وأصبحت خمرًا واحدة، لنكن مجمَّعين في جماعة أخويَّة واحدة". وكان القدّيس أوغسطينس يقول: "حين نأكل جسد المسيح، نضمّ إلى أنفسنا البشريَّة كلّها".

 

حين نفهم أنّ قطعة الخبز المقدّس، التي نتناولها، هي جزء صغير من ذلك الخبز الواسع الذي هو البشريَّة كلّها التي ألّهها المسيح، لا تعود لنا رغبة في الضجر. ولذلك يجوز تلبيس الاحتفال القربانيّ بعناصر ثقافيَّة: فلا بدّ أن يكون الإفخارستيّا عيدًا، ولكنّه لن يكون أبدًا مسرح منوَّعات! الإفخارستيّا هو بالأحرى شرط كلّ عيد، لأنّه، لولا الإفخارستيّا، لَما كان هناك رجاء قيامة، ولكان العيد البشريّ مقفلًا على نفسه في دائرة الموت.

 

ليست الجماعة مجرّد مجموعة. فلا وجود لها، إن لم يكن هناك روابط محبّة وصداقة متبادلة، إن لم يكن كلُّ واحدٍ من أجل الآخرين أكثر ممّا هو من أجل نفسه. والذي يجعلنا "واحدًا" هو المسيح. ولذلك لا يعطي جسده إلّا بعد أن يقسَّم. فالخبز القربانيّ هو خبز مكسور، والقدّاس هو "كسر الخبز"، أي بناء الجماعة. حين أتلو الصَّلاة قبل الطعام، أحترس أن أقول: "يا ربّ، بارك هذا الطعام الذي سنتناوله وأعطِ الجائعين خبزًا". أخشى أن يجيبني الله: "عليك أنتَ أن تُعطيهم". فأقول دائمًا: "علّمنا أن نتقاسم".

إن تقاسم الخبز الواحد هو الذي يعني أنّه يجب علينا أن نقاسم سائر الناس ما يمكننا أن نقاسمهم: مالنا ووقتنا وثقافتنا إلخ... بعد أن نكون تقاسمنا الخبز الواحد، قد نتكلّم بسوء على جارنا أو نرفض القيام بخدمة إلخ...، لكن ذلك هو الخطيئة.

 كتب بوسويت: "من تناول القربان وفي قلبه غضب على أخيه، يغتصب جسد المخلّص". "إذا كنتَ تقرّب قربانك إلى المذبح وذكرتَ هناك أنّ لأخيك عليك شيئًا، فدَعْ قربانك هناك عند المذبح، واذهب أوّلًّا فصالح أخاك، ثمّ عُد فقرِّب قربانك" (متى 5/ 23)، وإلّا، لم يكن له أيّ معنى. لو وعينا حقًّا أن تقاسم الخبز هو الدليل على أنّه يجب علينا أن نتقاسم كلّ شيء. لكان للحضارة أساس متين. الإفخارستيّا هو سرّ الوحدة البشريَّة.

هذا ما يجب أن نفهمه حقَّ الفهم: تعجز موائدنا عن التعبير عن بشريَّة صولحت مصالحة تامَّة في المحبَّة. فإن الطعام الذي نتناوله في بيوتنا، مع عائلاتِنا وأصدقائنا، لا يُمكن أن يعني إلّا إخوَّة جزئيَّة إلى حدٍّ بعيد. نحن ثمانية أو اثنا عشر نتقاسم الطعام نفسه، هذا كلّ شيء! على كلّ حال، لا ندعو الأعداء إلى مادئتنا.

والإفخارستيّا هو نَقْد لموائدنا التي هي مشروعة، لكنّها تستبعد أكثر ممّا تجمع. فالطعام يمكن تملّكه. أمّا جسد المسيح القائم من الموت، فهو وحده لا يمكن تملّكه، لأنّه فوق حدود الطبيعة والتاريخ، إنّه هو التخلّي المُطلق عن التملّك والمحبَّة، ذلك الذي لا يعرف أيّ نوع من التملّك.

ليس كلّ جلوس إلى مائدة بشريَّة سوى انتصار موقَّت على العدوانيَّة والبغض والأنانيَّة، وما من جلوس إلى المائدة في إمكانه أن يتباهى بإحراز انتصار نهائيّ. والجلوس الوحيد إلى المائدة، الذي يدلّ على المصالحة الشّاملة، هو تقاسم جسد المسيح. إنّ الإفخارستيّا هو الذي يذكّرنا، يومًا بعد يوم، بأنّ لا أخوّة شاملة ممكنة خارج موت المسيح وقيامته.

وإذا أوجبت الكنيسة على المسيحيِّين، طوال القرون، الاشتراك في الاجتماع القربانيّ مرّة في الأسبوع على الأقلّ، فلم يكن ذلك بدون أسباب، وما ترجوه الكنيسة هو أنّ تقدّم المسيحيِّين في السنين المقبلة يُغنيها عن إصدار الأوامر لكي يشتركوا في إقامة الإفخارستيَّا.

فإنّ الإفخارستيَّا هو السرّ المثالي، إنّه المسيح المذبوح الذي، بصفته إنسانًا، يتّجه بكلّ كيانه نحو الله، وبصفته إلهًا، يتّجه بكلّ كيانه نحو الإنسان.

وفي نهاية كلّ ذلك، ما أُصرّ على تسميته تأليهنا النهائيّ، أي موضوع رجائنا: حريتنا التامة في الفرح. "أريد أن يكونوا معي حيث أكون" (يو 17 / 24) و "سنراه كما هو" (1 يو 3/ 2). هذا ما يأتي به يسوع المسيح، وهو غير قابل للاستبدال.

 

 

الأب فرنسوا اريون اليسوعي

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية