التأكيد على ألوهيّة الرّوح القدس

 

 

 

 

التأكيد على ألوهيّة الرّوح القدس

 

مجمع القسطنطينيّة الأوّل (381)

في تعميقها لنتائج مجمع نيقية (325) الكريستولوجيَّة، كان على الكنيسة أن تواجه، إبتداء من منتصف القرن الرّابع، نتائج الأزمة الأريوسيّة على لاهوت الرّوح القدس.

لأنّه، إلى تلك الفترة، لم يكن هناك بعد تعليم لاهوتيّ رسميّ واضح حول الرّوح القدس. فقوانين الإيمان القديمة كانت بمعظمها ذات تركيبة "ثنائيّة"، أي أنّها كانت تشدّد على الإعتراف بالآب والابن، مع ذكر للرّوح القدس. وقانون إيمان نيقية إكتفى، في ما يخصّ الرّوح القدس، بإستعادة هذا التعليم القديم، فأعلن "ونؤمن بالرّوح القدس". في هذا الإطار، يجب أن نضع سواء ظهور البدعة المقدونيّة، سواء إعتراف الكنيسة النهائي بألوهيّة الرّوح القدس، الذي تمَّ في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينيّة سنة 381.

 

1- من هم المقدونيُّون؟

في رسالته الأولى إلى القدّيس سرابيون (بعد سنة 326)، يسمّي القدّيس أثناسيوس (373) خصومه: "أولئك الذين يحاربون الرّوح" (في اليونانيّة "Pneumatomakoi"). إبتداء من سنة 360، أطلق على هؤلاء لقب "المقدونيّين" ("Macédoniens) أيضًا، نسبة إلى مقدونيوس، أسقف القسطنطينيّة حتّى تلك السّنة.

 

في الواقع، إنّنا نمتلك شهادات عن التيّار المقدوني تعود إلى الفترة الممتدّة من سنة 358 حتّى سنة 425، متعلّقة بجماعات متعدّدة في مصر وآسيا الصغرى والقسطنطينيّة، تجمّعت حول تعاليم مقدونيوس هذا بعد عزله عن كرسي القسطنطينيّة سنة 360.

 

من النّاحية العقائديّة، ينتسب هذا التيّار إلى الفريق الذي نشأ من محاولة توفيقيّة بين الأريوسيّين (الذين كانوا يقولون بعدم مساواة الابن للآب في الجوهر، لأنّه مخلوق) والنّيقاويّين (الذين كانوا يقولون بهذه المساواة، لأنّ الابن مولود من الآب منذ الأزل). سُمّي أتباع هذا الفريق بـ "الهوموسيون"، أو "شبه الأريوسيّين" (من اليونانيّة "Homouosios")، أي الذين يقولون بأنّ الابن هو من جوهر شبيه بجوهر الآب، وبالتالي فهو إله، لكنّهم لم يوضحوا علاقة الرّوح بالآب.

 

في هذا الإطار، نشأ تعليم المقدونيّين الرّافض لألوهيّة الرّوح القدس ولمساواته في الجوهر مع الآب والابن. فهؤلاء، كانوا يشدّدون على تسامي ووحدة الله الآب المطلقة، الذي منه وُلد الابن الإله الحقّ. لكن، في ما يخصّ الرّوح، فهذا، على خلاف الابن، هو أقلّ بالكرامة، هو مجرّد خليقة رفيعة المستوى، رسول أو شارح.

 

يشير هذا النظام اللاهوتي المتميّز إلى واقع أن "أعداء الرّوح القدس" لم يشكّلوا أبدًا بدعة ذات أهميّة ثانويّة. فحوالي سنة 375، إمتلك هؤلاء كلّ الكراسي الأسقفيّة في مدن آسيا الصّغرى الشّماليّة. إلى جانب ميلهم اللاهوتي التقليدي وتمسّكهم المتزمِّت بالكتاب المقدّس (Biblicisme)، إمتاز المقدونيّون بطابع الحياة النّسكي والإختبارات المواهبيّة. وقد برز منهم أوسطاتيوس أسقف سباسطية (بعد سنة 377)، الذي كان من مؤسّسي الحياة الرّهبانيّة في آسيا الصغرى. إعتبر أوسطاتيوس أنّ إمتلاك الرّوح هو في أساس حياة كاملة "في هذا العالم، لكنّها ليست من هذا العالم". الحياة النّسكيّة هي "حياة إنسان روحاني"، والرّوح القدس يوسط كخادم الدخول إلى الله، فهو عطيّة ويجب إكرامه كذلك، وليس كمعطي أو كواهب.

 

أدين المقدونيّون في عدّة سينودوسات، أهمّها في ذلك الذي عُقد برئاسة أثناسيوس في الإسكندريّة سنة 362، ضدّ أولئك الذين يسمّون الرّوح مجرّد خليقة؛ وفي ذلك الذي عُقد في روما سنة 378، ضدّ كلّ أشكال تعليم "أعداء الرّوح القدس"؛ وأخيرًا في مجمع القسطنطينيّة الأوّل سنة 381، الذي حكم بطريقة نهائيّة على المقدونيّين واعتبرهم هراطقة.

 

 

2- تعليم آباء الكنيسة ضدّ المقدونيّين قبل مجمع القسطنطينيّة الأوّل، بداية لاهوت الرّوح القدس.

لم يطل الأمر حتّى بدأت ردود الفعل تظهر على تعليم المقدونيّين، خاصّة من قبل آباء الكنيسة الكبار في تلك الفترة، الذين دافعوا بقوّة عن ألوهيّة الرّوح القدس وعن مساواته في الجوهر الإلهيّ مع الآب والابن.

 

1) كيرللس الأورشليمي، الرّوح القدس، عطيّة إلهيّة.

حوالي سنة 348، شكّل القدّيس كيرلّلس الأورشليمي، في كتابه الشّهير "العظات" (خاصّة في العظتين 16 و 17)، بداية لاهوت حول الرّوح القدس، ضدّ الأريوسيّين. ففيما إعتبر هؤلاء أنّ الرّوح هو مجرّد خليقة، وإنّ الأكثر نبلاً، يعلن كيرلّلس أنّ الرّوح يشارك مع الابن في ألوهيّة الآب، إنّه مساو لهما في الجوهر الإلهي غير الموصوف.

 

بالنسبة إليه، الرّوح هو في مصدر حيويّة ومواهب الكنيسة. إنّه رأس الكنيسة الأعظم وموزّع العطايا المتنوّعة فيها. هو مقدّس الكنيسة، هو العضد والمعلّم والبارقليط. هنا يعمّق كيرلّلس علاقة الرّوح القدس بالنعمة ويطابق بينهما: النعمة هي الرّوح. وفي معرض كلامه عن العنصرة، يصف كيرلّلس نزول الرّوح القدس على أنّه "عظمة النعمة" المعطاة لتفتح للبشر من جديد ملكوت الله.

 

2) أثناسيوس الإسكندري، البرهان الكريستولوجي - الخلاصي

في عظاته ضدّ الأريوسيّين، كان القدّيس أثناسيوس قد دافع عن فكرة أنّ الرّوح القدس يشكّل جزءًا أساسيًّا من الثالوث. فهو يصفه على أنّه روح الابن، روحه الذي أرسله لتقديسنا. بهذه الطريقة، يظهر لاهوت أثناسيوس تفكيرًا حول الإختبار المسيحي الأوّل: نحن - في الرّوح - بالابن - إلى الآب.

يوضح أسقف الإسكندريّة موقفه هذا، وهو في المنفى، خاصّة في رسالته الأولى إلى سرابيون، المذكورة أعلاه. فكما نعلم، كان الجدال يدور حول ألوهيّة الرّوح القدس، الذي كان المقدونيّون، إستنادًا على تفسير رمزي لبعض مقاطع الكتاب المقدّس، يسمّونه خليقة ويصنّفونه بين الملائكة كأرواح خادمة. هذه هي، بالنسبة إليهم، الطريقة التي يمكن للرّوح أن ينبثق بها من الله، بدون أن يكون إبنًا (ثانيًا) ويسيئ بالتالي إلى طابع الكلمة المولود الوحيد.

يدحض أثناسيوس آراء هؤلاء المخترعين، على أساس شهادة الكتاب المقدّس، التي يقرأها على ضوء الإيمان المنقول في الكنيسة. فيميّز بطريقة حاسمة، يتناغم مع تعليم المساواة في الجوهر النيقاوي، بين الخالق والخليقة، ويطبّق هذا التمييز على لاهوت الرّوح القدس، بدون أن يسمّي الرّوح الله بوضوح. تكمن نواة طرحه في القول الجازم بوحدة الثالوث غير المنقسمة، التي تتلاشى بإدخال عنصر مخلوق فيها: "كيف يمكن تسمية الرّوح القدس خليقة، إذا كان يمتلك مع الابن الوحدة نفسها التي يملكها هذا مع الآب... فالرّوح ليس أبدًا خارج الكلمة، بل في الكلمة، ومن خلال الكلمة، في الله".

لكن قوّة برهان أثناسيوس تكمن في تشديده على وحدة العمل الإلهي، الذي يشرحه بطريقة كريستولوجيّة - خلاصيّة: "إذا كان الرّوح مجرّد خليقة فقط، لا تعطى لنا بواسطته أي شراكة مع الله، فنضحي متّحدين بخليقة وبالتالي غريبين عن الطبيعة الإلهيّة، لأنّنا لا نشترك في شيء مع هذه. لكنّنا عندما نقول إنّنا مشاركون في المسيح وفي الله، من الواضح أنّ المسحة والختم فينا لا ينتميان إلى طبيعة الأشياء المخلوقة، بل إلى طبيعة الابن، الذي يوحّدنا بواسطة الرّوح، الذي فيه، مع الآب".

 

ما يريد أثناسيوس قوله هو أنّه لا يمكن للرّوح أن يؤلّهنا إن لم يكن هو إلهي أيضًا.

في نصّ آخر جميل، يخاطب أثناسيوس مجادليه فيقول: "أي رجاء لديكم ومن يوحّدكم مع الله، إن لم يكن عندكم روح الله بذاته، بل روح خليقة؟ أي تهوّر وأي طيش أنتم فيه عندما تُنزلون الآب والابن إلى مستوى الخلائق، جاعلين من هذه الأخيرة مساوية لله؟ لأنّ هذا ما تفعلونه عندما تجعلون من الرّوح خليقة وتربطونها بالآب وبالابن في ثالوث".

لذلك، وفي تناغم كليّ مع أثناسيوس، أدان السينودوس الذي عُقد في الإسكندريّة سنة 362 أولئك الذين "يسمّون الرّوح خليقة ويفصلونه عن جوهر المسيح".

 

3) الآباء الكبادوكيّون: نحو تأكيد مساواة الرّوح القدس في الجوهر

في جدال مع اللاّهوتيّين ذوي الميول الأريوسيّة، يؤكّد باسيليوس أسقف قيصريّة (379)، على مثال أثناسيوس، مبدأ الإستقامة النيقاويّة، التي تقول بعدم وجود وسيط بين الله والخليقة، بين المقدِّس والمقدَّس. ويطبّق هذا المبدأ على لاهوت الرّوح القدس فيعلن بأنّ روح هو كليًّا من جهّة الخالق، وهو بالتالي ربّ وقدّوس.

 

في أيلول سنة 374، إستبدل باسيليوس المجدلة التقليديّة "المجد للآب، بالابن، في الرّوح القدس" بمجدلة جديدة، تضع الرّوح بوضوح أكثر على نفس مستوى الشخصين الإلهيّين الآخرين: "المجد للآب مع الابن مع الرّوح القدس". على إتّهامه باختراع صيغة مشبوهة، يدافع باسيليوس عن إستقامة صيغته، ضدّ المقدونيّين، في كتابه الشّهير "مقالة حول الرّوح القدس"، وفي رسائله. صحيح أنّه لا يسمّي الرّوح القدس "الله"، لكنّه يؤكّد بوضوح طبيعته الإلهيّة. فهو يستعمل، بدلاً من عبارة "المساوي في الجوهر" ("Homousia")، عبارة "المساوي في الكرامة" ("Homotimia")، المعبّر عنها في المجدلة.

 

وهذه المساواة تفترض المساواة في الجوهر: "إنّنا نمجّد الرّوح مع الآب ومع الابن، لأنّنا نؤمن بأنّه ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهيّة". على "أعداء الرّوح القدس"، الذين كانوا ينكرون ألوهيّته بإعتبار أنّ العطيّة هي أدنى درجة من العاطي، يجيب باسيليوس قائلاً: "صحيح أنّ الرّوح هو عطيّة الله، لكنّها عطيّة حياة. بما أنّ الحياة تأتي فقط من الله، فالرّوح إذن هو مساوٍ لله، لأنّه يحيي أيضًا على مثال الله".

 

في كلّ تفكيره اللاهوتي حول الرّوح القدس، إرتكز باسيليوس على إختبار العماد الخلاصي، حيث يعلن المؤمن إيمانه بالثالوث كذلك كما هو في ذاته. في إعتراف الإيمان هذا وفي المجدلة، تظهر بوضوح الشراكة ("Koinonia") غير المنفصمة بين الآب والابن والرّوح القدس، ومساواتهم بالكرامة: "إنّنا نؤمن كما عُمّدنا، ونمجّد كما نؤمن". من ثمار الرّوح نحن نعترف به، لكن جوهره يبقى خفيًّا كجوهر الله. هذا ما يحوّل المعرفة المكتسبة إلى تمجيد.

 

لكنّ غريغوريوس النزينزي (390)، صديق باسيليوس، الذي لم يكن لديه أي تحفّظ حول تسمية الرّوح القدس "الله" و "المساوي في الجوهر" مع الآب والابن، حين يقول: "هل الرّوح هو الله؟ نعم وبدون شكّ.

 

 هل هو مساو في الجوهر؟ طبيعيًّا، لأنّه الله". وفي شرحه ليوحنّا (يو 15/ 26)، يميّز غريغوريوس إنبثاق الرّوح ("Ekporeusis") من ولادة الابن، وهذا هو أكبر دليل على ألوهيّته: "الرّوح القدس، من حيث إنّه ينبثق من الآب، فهو ليس بخليقة، من حيث إنّه غير مولود، فهو ليس إبنًا. لكن، بما أنّه الوسيط بين الغير مولود والمولود، فهو الله".

 

مع غريغوريوس النّيصي (394)، شقيق باسيليوس الأصغر، بلغ لاهوت الرّوح القدس عند آباء الكنيسة ذروته. فالنيصي يعترف بوضوح بمساواة الرّوح في الجوهر، ويُشدّد بقوّة على وساطة الابن في إنبثاق الرّوح. في كتابه "صلاة الأحد"، يطبّق غريغوريوس، على الرّوح القدس، ليس فقط حرف الجرّ "في" ("بواسطة "Dia") في عودة إلى الابن، بل وأيضًا حرف الجرّ "من" ("ek"): "يسمّي الكتاب المقدّس (الابن) المولود الوحيد من الآب، كلمة تشير إلى ما هو عليه، لكنّه يقول أيضًا إن الرّوح يأتي من الآب، ويشهد أنّه يأتي من الابن أيضًا ("ek tou Uiou")، لأنّه يقول "من لم يكن فيه روح المسيح فما هو من خاصّته" (روم 8/ 9). الرّوح، الذي هو من الله، هو إذن روح المسيح. لكنّ الابن، الذي هو من الله، لا يُدعى أبدًا (إبن) الرّوح، فنظام العلاقات هذا ثابت وغير خاضع للتبديل".

بالنسبة إلى النيصي، الآب هو مصدر كلّ قوّة، والابن هو قوّة الآب، والرّوح هو روح قوّة الابن. ولإظهار وحدة الطبيعة والتمايز، يستعمل غريغوريوس صورة المسحة الملكيّة: الآب هو ملك، كذلك كما الابن، والرّوح القدس هو مسحة الابن الوحيد الملكيّة. لهذا السبب تجب تأدية السّجود الكامل ("Proskinésis") للرّوح القدس، كذلك كما للآب وللابن.

 

أخيرًا، وقبل سنة 381 بقليل، ألف الرّاهب الإسكندري ديديموس الأعمى (398) كتابه  "الرّوح القدس"، الذي يعتبر فيه الرّوح، الشخص الثالث، العطيّة الأولى ومصدر كلّ العطايا. مع كونه حاضرًا في كلّ عطاياه، يبقى الرّوح متساميًا. هذا يعني أنّه ليس بخليقة، بل أّنّه من جوهر مختلف عن كلّ الخلائق. وفي جوهره يوجد ملء العطايا الإلهيّة.

 

3- مجمع القسطنطينيّة الأوّل (381)

طريق لاهوت الرّوح القدس الطويل هذا، وبخاصّة عند الآباء الكبّادوكيّين، أوصل إلى قانون إيمان مجمع القسطنطينيّة الأوّل الذي وضع حدًّا نهائيًّا للمسألة المقدونيّة.

 

أ- أسباب عقد المجتمع

لم يكن هدف مجمع القسطنطينيّة الوحيد حلّ المسألة القمدونيّة. فكما تعلن قوانين المجمع، كانت الغاية الأساسيّة من عقده إعادة تأكيد قانون إيمان مجمع نيقية "ضدّ كلّ هرطقة، وبخاصّة ضدّ الأريوسيّين وأشباه الأريوسيّين، كالهوميّين وكالهوموسيّين والمقدونيّين"، و "ضدّ السابليانيّين والمرسليانيّين والأبوليناريّين. يمكننا إختصار هذه الأسباب بالدّفاع عن نقاوة وكمال الإيمان المسيحي، من خلال التأكيد على كمال ألوهيّة وبشريّة المسيح، ومن خلال الدّفاع عن وحدة الثالوث في تمايز أشخاصه ووحدتهم الجوهريّة.

 

للأسف، لم تصلنا أعمال هذا المجمع الذي دعا إليه الأمبراطور تيودوسيوس الكبير (395)، إذ إنّها فُقدت بمرور الأيّام. لكنّنا نعلم أنّه كان من بين الحضور أساقفة ولاهوتيّين كبار أمثال غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصي وملاتيوس الأنطاكي. كما حضره وفد من المقدونيّين يترأسّهم الأسقفين ألوسيوس ومرسيانوس. إنّ مجمع خلقيدونية (451) يشهد على وجود قانون إيمان "الآباء المئة والخمسين" المجتمعين في القسطنطينيّة سنة 381، جاعلاً من هذا المجمع المجمع المسكوني الثاني. وهذا ما أكَّده البابا فيجيليوس (555) برسالة إلى مجمع القسطنطنيّة نفسه على أنّه إعتراف الإيمان النيقاوي، وأصبح يُعرف بـ "قانون إيمان نيقية - القسطنطينيّة". لكنّ الكنيسة الرّومانيّة لم تدخله في كتاب القدّاس إلاّ في القرن الحادي عشر، مضيفة عليه مبدأ "إنبثاق الرّوح من الابن" أيضًا ("Filioque"). إلى جانب قانون الإيمان، نتج من هذا المجمع رسالة عقائديّة تعليميّة ("Tomus") نتعرّف على جوهر مضمونها من الكتاب الذي أرسل، بعد سينودوس الإسكندريّة سنة 382، إلى الأساقفة الشرقيّين.

 

 

ب- قانون إيمان المجمع، التأكيد على ألوهيّة الرّوح القدس وعلى مساواته في الجوهر

على قانون إيمان نيقية، المتمحور أساسًا على ألوهيّة الابن الكاملة، يضيف قانون إيمان القسطنطينيّة القسم الخاصّ بالرّوح القدس. نقرأ:

"نؤمن بيسوع المسيح الذي (...) تجسّد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء و(نؤمن) بالرّوح القدس.

الربّ والمحيي

المنبثق من الآب

ومع الآب والابن يسجد له ويمجّد

النّاطق بالأنبياء".

يشكّل هذا القسم نقطة نضوج كلّ التفكير اللاهوتيّ السّابق حول الرّوح القدس. يعبّر المجمع عن إيمان الكنيسة بالرّوح بواسطة تعابير كتابيّة، وبالإستعانة بالتمجيد.

بعد التذكير بحدث التجسّد العجائبي (متّى 1/ 20؛ لو 1/ 35)، يعطي المجمع الرّوح صفتي "الربّ" (2 قور 3/ 17 - 18) و "المحيي" (1 قور 15/ 45؛ 2 قور 3/ 6؛ يو 6/ 63)؛ يعلن إنبثاقه من الآب (1 قور 2/ 12 وخاصّة يو 15/ 26)، ويجعله في أساس الوحي الكتابي (أع 28/ 25؛ 1 بط 2/ 21).

أمّا عبارتا "المسجود له والممجّد"، فلا أساس كتابيًّا مباشرًا لهما. فالمجمع إستقاهما من لغة التمجيد اللّيتورجيّة، واعتبرهما إمتدادًا للمجد الذي يمنحه العهد الجديد للآب والابن إلى الرّوح القدس أيضًا. كما أنّ الرّوح يُجمع مع الآب والابن في صيغة العماد في (متّى 28/ 19).

 

يعتبر هذا النصّ تطوّرًا هامًّا سبّبته المجادلات مع المقدونيّين. فبينما نجد، في قانون إيمان نيقية، إعلان إيمان بالتجسّد، بدون ذكر الرّوح، يحدّد ويوضح هذا المجمع وضع الرّوح القدس. صحيح أنّ إعلان الإيمان لا يسمّي الرّوح مباشرة "الله"، و "المساوي في الجوهر"، لكنّ التعابير الكتابيّة والتمجيديّة المنسوبة إليه واضحة جدًّا.

 

تؤكّد عبارة "تجسّد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء"، وهي إعتراف إيمان قديم، المساواة في الجوهر الإلهي بين الآب والابن في علاقة مع ألوهيّة الرّوح القدس. في تحديدة لألوهيّة الابن، ترك مجمع نيقية تصوّرًا ثنائيًّا وليس ثالوثيًّا للابن. في إستناده على تعليم الثالوث الشرقي، يعلن المجمع أنّ الابن، المولود من الآب والمساوي له في الجوهر، تجسّد أيضًا من الرّوح القدس. وهذا معطى أساسي في لاهوت الثالوث إلاّ بربطه بالآخرين. لأنّ كلّ شخص هو شرط لأصالة الآخرين الشخصيّة.

 

من حيث إنّه قدّوس، الرّوح هو إلى جانب الله، إلى جانب الخالق والقدّوس، بالتالي يسمّي المجمع الرّوح بحقّ "الربّ" ("to Kyrion" وليس كائنًا خادمًا). كذلك تفعل صفة "المحيي" ("Zooporion")، التي تعترف للرّوح بالعمل الإلهي الكامل، من حيث إنّ الله وحده يمكنه أن يحيي، أن يخلق وأن يعيد الخلق من خلال التوبة والعماد.

 

 هذا يعني أنّ الرّوح ليس فقط عطيّة حياة، بل هو أيضًا مانح هذه العطيّة. أمّا عبارة "المنبثق من الآب"، فلا تعكس بعد إشكاليّة "الإنبثاق من الابن" المتأخّرة زمنيًّا، بل يجب تفسيرها كردّ على تأكيد الأريوسيّة، القائل بأنّ الرّوح هو خليقة الابن. على هذا يجيب المجمع معلنًا إنتماء الرّوح إلى جوهر الله غير المخلوق.

لكن نواة إعلان الإيمان هذا بالرّوح القدس تكمن في تبرير الإيمان بلغة التمجيد والعبادة، بحسب القول التقليدي "قاعدة الصّلاة هي قاعدة الإيمان" ("Lex orandi. Lex credendi"). يشير هذا الفعل إلى حقيقتين ثابتتين في التاريخ المسيحي: دور اللّيتورجيّا الحيوي في إنضاج الإيمان في الكنيسة، وخدمة الخطاب اللاهوتي لإيمان الجماعة والدّفاع عن نقاوته وكماله، ضدّ أيّ تحريف وإنقاص.

 

أمّا صيغة "الناطق بالأنبياء" فتشير بدون شكّ أوّلاً إلى أنبياء العهد القديم، وذلك بهدف التشديد على التواصل في تاريخ الخلاص؛ ومن ثمّ يمكن توسيعها لتشمل أيضًا كتّاب العهد الجديد، الرّسل وأنبياء الكنيسة الحاليّين (يظهر هذا من مقارنة قانون الإيمان هذا مع غيره من قوانين).

 

عمليّة إستكمال الكنيسة لقانون إيمانها في ما يخصّ الرّوح القدس، هدفت إلى تأكيد حقيقة واحدة ثابتة: ألوهيّة الرّوح القدس. فالكنيسة أضافت على إيمان نيقية ما رأته ضروريًّا وكافيًا ككرازة وكإعلان إيمان مسكوني مشترك.

تكمن قيمة هذا القانون في تعبيرها عن العقيدة الثالوثيّة بصيغة وكلام دقيقين:

- وحدة الشخصي، بمعنى أنّ كلّ شخص يمتلك الألوهيّة حسب وجوده الشخصي، الخاصّ، المميّز، غير المخطّط وغير المشارك: الأبوّة هي حصريًّا للآب؛ البنوّة هي حصريًّا للابن؛ والإنبثاق هو حصريًّا للرّوح القدس.

- النظام الذي يثبّت الأفضليّة في الحياة الإلهيّة الداخليّة: الأفضليّة هي للآب على الابن وعلى الرّوح القدس، وللآب وللابن على الرّوح القدس.

على رغم هذا الوضوح، تركت صيغة المجمع بعض المسائل اللاهوتيّة مفتوحة، والتي ستميّز تاريخ العقيدة المسيحيّة اللاحق. نذكر مثالاً على ذلك مسألة التمييز في إنبثاق الابن كولادة ("Ghénesis") وإنبثاق ("Ekporeusis") الرّوح القدس. تستبق هذه المسألة الجدل اللاحق حول "الإنبثاق من الابن" بين الشرق والغرب.

ترك آباء المجمع مدينة القسطنطينيّة في التاسع من تموز سنة 381، بعد أن أرسلوا رسالة إلى الأمبراطور تيودوسيوس، يشرحون فيها نتائج مجمعهم. وفي الثلاثين من تموز، أصدر الأمبراطور أمرًا ملكيًّا يقضي بإعادة الكنائس إلى أصحابها الأرثوذكسيّين من المقدونيّين. أمّا هؤلاء الأخيرون، فرفضوا قبول قانون إيمان المجمع، وتركوا المدينة باكرًا. ظلّ المقدونيّون فاعلين حتّى أواسط القرن الخامس، من بعدها إنطفأ ذكرهم بإنطفاء الأزمة الأريوسيّة في الشرق.

 

خاتمة

لقد قدّم لنا مجمع القسطنطينيّة الأوّل خلاصة حقائق الإيمان الأساسيَّة، خاصّة فيما يتعلّق ببشريّة وألوهيّة المسيح الكاملتين، وبألوهيّة الرّوح القدس الحقّة، مع التمييز الاشخاص الثالوثيّين في وحدة الجوهر الإلهي. وقد أبرز المجمع في ذلك مصدر ومحور الحياة المسيحيّة النابعة من حدث محبّة واحدة: محبّة الله الثالوث الأزليّة، والتي ظهرت تاريخيًّا في طاعة المسيح الخلاصيّة، إبن الله الحقيقي المتجسّد من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا. وفي تذكيره المستمرّ بالحقيقة حول الآب الخالق والابن المخلّص والرّوح القدس المحيي، يظهر قانون الإيمان هذا، ليس كتعليم عقائدي جافّ، بل كقاعدة إيمان للحياة، وقاعدة حياة للإيمان.

نختم كلامنا عن الرّوح القدس بهذا المقطع من غريغوريوس النيصي، حيث يعبّر عن محدوديّة الكلام البشري أمام السرّ الإلهي:

 

"ليس هناك من فكر إستطاع أن يتصوّر جوهر الله، ولا من كلام أدركه كليًّا، بل، على أساس ما يحيط به، نرسم لنا عنه صورة مبهمة، ضيعفة وغير متجانسة. بالنسبة إلينا، ليس اللاهوتي الأفضل من يكتشف شموليّة السرّ، لأنّ السّجن الذي نحن فيه لا يمكّننا من إدراك الشموليّة، بل هو من قبل في ذاته صورة الحقيقة أو ظلّها".

 

الخوري أنطوان مخائيل

 

  

     

           

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية