التجسُّد، قمَّة فيض الرّحمة الإلهيّة

 

 

التجسُّد، قمَّة فيض الرّحمة الإلهيّة

 

التجسُّد، قمَّة فيض الرّحمة الإلهيّة

 

لا تعرف الرّحمة جذريّة إطلاقها وتألُّقها إلاّ في الله المُطلق السموّ والكليّ القدرة ونبع الحبّ اللاّمحدود. فالرّحمة لدَيْه هي التعبير المُطلق عن الحبّ. إنّها تفيض من نبع الألوهة في عطائها المطلق، وتبلغ ذرْوَة فعاليَّتها في الأخذ والقبول المُطلقين. فبما أنّه لا قبول مُطلق إلاّ في كمال العطاء، فيبقى القبول نسبيًّا عندما يكون حقلُ تفعيله هو الإنسان الذي لا طاقة له على الأخذ إلاّ بقدر ما تسمح له طاقته على هذا الأخذ الإستيعابيّ.

 

هنالك، في الله، طاقتان مطلقتان. العطاء والقبول، وهاتان الطاقتان متفاعلتان، تحدِّد إحداهما الأخرى.

 فبقدر العطاء يكون الأخذ مُمْكِنًا، وبقدر الأخذ يصبح العطاء ممكنًا. حين يكون العاطي هو الله والآخذ هو الله، يكون العطاء كاملاً والأخذ كاملاً، من دون حدود، وهذا هو واقع العطاء والأخذ بين الآب والإبن.

 

فالآب يعطي كلَّ ذاته للإبن، والإبن يأخذ كلَّ ذاته الإلهيّة من الآب. وفي هذه الحالة العطاء هو مطلق والأخذ مطلق. وهذا ما يجعل أن يكون الآب والإبن متساويَيْن في الطبيعة وفي التبادل والجوهر والخصائص، وفي كلّ ما هو خاصّ بالله. فمن هذا القبيل، كما أنَّ الآب هو الله كذلك الإبن هو الله في كمال الألوهة. فبطاقة عطائه المطلق الفعاليّة، يعطي الآب كلّ ذاته للإبن، وبطاقة قبوله المطلق الفعاليّة الإستيعابيّة، يقبل الإبن كلّ ذاته من الآب، آتيًا بها إلينا نحن البشر. والآب لا يعطي شيئًا، لأّنّه لا يملك إلاّ ما يتناسب مع طبيعته، أي الألوهة، بل يعطي ذاته لإبنه.

 

 فهل الإبن في قدومه إلى أرض البشر يعطي أقلّ من ذاته التي هي الذّات الإلهيّة للعالم؟ وما هو الهدف من كلّ هذا؟

 

من السّماء إلى الأرض

إنَّ ما تناولناه ممّا يحصل في ذات الله من حبٍّ مطلق تبادلي، ينكشف عبر العطاء والأخذ المطلقَيْن، هو من طبيعة ذات الله الكامنة والكاملة. في جدليّة العطاء والقبول هذه كما هي في فيض تألُّقها، نجد أنفسنا في السّماء، في واقع الذّات الإلهيّة الكامنة، وهذا ما لا نجده على الأرض إلاّ بأشباه وصور نسبيّة تكون في قمَّة تألُّقها على صورة ما في الله كمثاله من عطاء وأخذ حقلهما هو الحبّ. حين يتطلَّع الله من سماء مجده تألّقه، بحسب تعابيرها البشريّة المحدودة والتي لا تقوى على ضبط الحقيقة بكمال تألّقها، تحرّكه الرّحمة المرتبطة بطبيعته في الحبّ بأعمق سرّ كماله. فالحبّ هو واقع العلاقة في الذات الإلهيّة، وفيض هذا الحبّ هو بدافع الرّحمة التي يصبُّ بموجبها الله ذاته الكاملة على البشريّة والكائنات المحدودة ليرفعها إلى المشاركة في تألُّق مجده وكمال الحياة فيه المتدفّقة من الحقيقة.

في ذات الله، الحبّ عطاء، وفي فيض هذا الحبّ الخالق والمخلِّص يكون الحبّ رحمة. ينحني الله على الإنسان ويسكب لاهوته في إنسانيّة هذا الإنسان آخذًا منه ما ليس بطبيعته الإلهيّة ليسكب فيه ما ليس في طبيعة الإنسان البشريّة. في حالة ذات الله الكامنة تكون المبادرة للعطاء، والجواب للأخذ، أمّا في حالة إنحدار الله إلى العالم البشريّ، فتكون المبادرة في الأخذ بغاية العطاء الأسمى، عطاء الطبيعة الإلهيّة، والجواب الذي على الإنسان أن يعطيه هو العطاء في سبيل الأخذ الأسمى، أخْذ الطبيعة الإلهيّة. يأخذ هذا الجواب تجسيده في العذراء حين أتاها الملاك وعرض عليها مشروع الله الخلاصيّ طالبًا تعاوُنها وموافقتها، فأجابت "نعم" على طلب الله أن تعطيه جسدًا، أي الطبيعة البشريّة لإبنه الإلهيّ. لقد أعطت العذراء لله الطبيعة البشريّة باسم الجنس البشريّ، ليأخذ منه الطبيعة الإلهيّة لصالح الجنس البشريّ برمّته وتشفي هذا الجنس البشريّ من جذور طبيعته. إنحنى الله بعميق رحمته المنقطعة النّظير والسّاهرة على تفاصيل حياة الإنسان الذي حمّله مسؤوليّة القداسة والخلاص الكَوْني من خلال تقديس ذاته، وأخذ الضعف البشريّ وضمّه، في كور نار حبّه المذهل، إلى كمال طبيعته الإلهيّة في جسده البشريّ المتَّسِم بالضعف، هو القوي والمطلق القوّة في أُلوهيّته، وسَكْب اللاّهوت في النّاسوت والقوّة في الضّعف ليحمي الإنسان الذي أضعفَتْه الخطيئة، ويضمَّه إلى كمال قوَّته بحبِّه المُطلق ساكبًا فيه ملء الحياة.

 كيف لهذا الإنسان أن يدخلَ إلى أحضان الرّحمة الإلهيّة المنقذة إيّاه والمُعيدة إليه بهاء حياة الله فيه؟

 

 لا يتمّ ذلك إلاّ بالتوبة، طريق المصالحة. التوبة هي العَوْدَة والإلتفات بكلّ كيان المرء إلى الله والتحوُّل الكياني والتبدُّل. في التوبة يخرج الإنسان من ضعفه الذي يسبِّبه إنفصاله عن الله، ويلتجئ إلى الله الذي خرج من يده ليستقرَّ فيه ويعود إلى تسليمه ذاته، ويعود إلى الإستقرار فيه لتصبح الحياة في كيانه هي أساس وحدته الذاتيَّة في الله مصدره، ومصالحته مع إخوته البشر ليتوحَّد معهم في الله مصدر هذه الوحدة. الله يوحِّد الإنسان مع ذاته ومع إخوته كلّ البشر، لأنّه مصدر الوحدة وتألُّقها. ما هي ثمار الرّحمة الإلهيّة على أهل الأرض؟

 

تحويل الأرض لتصبح صورة للسّماء

لقد حمَّل اللهُ الإنسان رسالة الوحدة والمصالحة في الكَوْن حين خلَقَ الكائنات وأَتى بها إليه ليُعْطيَها أسماءَها ويتسلَّط عليها كلَّها. ففي شخصه بالذّات كانت المصالحة بين المادَّة والرّوح، بين المرئي واللامرئيّ، بين السموّ والضِّعة، هي تجسيد المصالحة في سبيل وحدة ذاتيَّة وكَوْنيَّة أعمق.

حين إنْحَنَى الله على الخليقة برحمته الأُموميَّة والأَبويَّة أعطى لهذا الإنسان سرَّ مصدر الحياة حتّى أنَّ الإنسان نفسه بات يعطي الحياة في بُعْدَيْها المرئي واللامرئي للكائنات الجديدة. بات الإنسانُ يعطي لأبناء جنْسِه الطبيعة البشريّة في كلِّ أبعادها.

الإنسان هو حامل المعنى في الكَوْن. هذا المعنى هو البُعد اللامرئي الذي يسمح لهذا الإنسان أن يُعطيَ الحياةَ في بُعْدِها اللامرئي. في كيانه الحسِّي يحمل الإنسانُ سرَّ الكَوْنِ اللاَّحسِّي، وينقله إلى الكائنات المشتركة في جسده الذّاتي حين يقدِّس نفسه. ففي القدّيسين تتمُّ مصالحة السّماء والأرض، والتّراب والرّوح، والمادّة واللامادّة، لأنَّ حضورَ الله فيهم حياة حوَّلَتْهُم، وفي جسدهم صالحوا المادّة مع الرّوح بقيادة الرّوح. فهذا الإنسان يجسِّد على الأرض الحضورَ الإلهي الواعي في كيانه المخلوق على صورة الله كمثاله، لأنَّ الله فيه يقود الإنسان، والرّوح يقود الجسد، واللامرئي يقود المرئي.

حين حلَّ الله على الأرض وسكب لاهوته في ناسوت الإنسان، أَجرى تحوُّلاً نوعيًّا في الأرض وفي الكائنات، وقد تجلَّى هذا التحوُّل في كمال تألُّقه في المسيح يسوع. باتت المحبَّةُ هي الشريعة والأخوَّة هي النّهج والرّوح هو الذي يقود الجسد إلى كمال تألُّقه الإنساني في قمَّة المصالحة. بات الإنسان قدّيسًا، كما كان ذلك في واقع المسيحيّين الأوائل. فصفات القدّيس هي إنفصاله عن العالم، وأكثر من ذلك، هي فصل العالم عن عالميَّته في جسده وفي تعامُله وفي نَهْجِه. إنّه يقود في جسده العالمَ إلى المصالحة مع الرّوح ليقوده هذا الرّوح إلى تحويل الكائنات التي تَحْيا في بُعْدِها التّرابي لتستديرَ إلى طاعة أَصْلِها الرّوحي ويتجلّى حضورُ الله فيها، حتّى في نَهْجِها اليَوْمي تفاصيل حياتها في واقعها المُعاش. يكفُّ العالمُ عن كَوْنِه عالميًّا في إستقراره ليصبح عابرًا في العالم وسائرًا صَوْبَ الملكوت، هدفه الأسمى.

 في المسيح يتحوَّل العالم ويتبدَّل في أعمق كيانه، لكي تطغى النّفس على الجسد ويقود الرّوح النّفس والجسد إلى معبد الإختلاء بالله والعَيْش من وصيَّته: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلِّ كلمة تخرج من فم الله" (متّى 4/ 4)، وهذه الكلمة هي المسيح - الله، الله نفسه. هذا ما كان معاشًا في شخص يسوع المسيح، وقد هيّأَت له مريم "الممتلئة نعمة" بكلّ ما عاشَتْه من حضور إلهي في العالم، وبتواضعها البالغ السموّ. أليسَت مريم التّعبير البشريّ عن رحمة الله الكاملة في المسيح الإله - الإنسان؟

إنَّ الأرضَ من دون الله حفنة تراب مطروحة في التّراب لخُلُوِّها من الرّوح.

 

يا وَيْلَ العالم إن أَفْرَغَ نَفْسَه من الله، يصبح حينئذٍ فريسةً للدّمار والحرب الشاملة، ومقرًّا للمَوْتِ الفنائي.

 وحدها المحبّة تُنْقِذُ العالم حين تسكب فيه الأُخوَّة والتضامن والتعاون على بناء الحياة.

الله هو المعنى المُطلق والذي يسكب المعنى في الإنسان. والإنسان هو الكائن الوحيد حامل المعنى في الكَوْن، لأنّه الكائن العاقل والذي يعقل نفسه، ويعقل الله ويدرك ما لا تدركه الكائنات الأُخرى في بُعْدِه الماورائي والمستقبلي عبر الإيمان والرّجاء. ففي المحبّة يحيا الإنسان ميزته الإنسانيّة في سموِّ مُعْطياتِها.

 

من الأرض إلى السّماء

حين أتى المسيح، "وجه رحمة الآب" كما يسمّيه البابا فرنسيس، وكشف لنا عن سرِّ هذه الرّحمة الإلهيّة وأطلعنا على سرِّ محبَّة الله المُذهلة، أعطانا ذاته كمرجعيّة نقتدي بها فنَسْلك دَرْبه بموجب قوْلَه لبطرس: "إتبعْني!" إتّباع بطرس للمسيح كما يَرِدُ لدى يوحنّا الفصل 21، هو السَّيْر على درب الصّليب، صليب الفداء. ليس التلميذ أفضل من مُعلِّمه ولسنا أفضل من المسيح، لا سيَّما حين نتعرَّض للإضطهاد. لماذا يستغرب المسيحيّون من إضطهاد العالم لهم؟ أَلَمْ يوضح المسيح أنّه "كما إضطهدوني سَوْفَ يضطهدونكم؟" نحن لسنا أبناء هذا العالم التّرابي، بل عابرو سبيل صَوْبَ الهدف. ففي هذه الأرض نحن غرباء، أو حَمَلَة رسالة تحويليَّة لنحوِّل هذا العالم إلى حالة القداسة، فيعبر فينا إلى الآب. إنَّ رسالتنا بالدّرجة الأولى هي تقديس أنفُسِنا في العالم لننقلَ عَدْوَى القداسة من أجسادنا بماديَّتها إلى العالم الذي نتعامل معه. فرسالة الإنسان أنْ يقودَ في جسده الأرض نحو السّماء. أليس هذا معنى قول بولس: "إنَّ الخليقة تنتظر بفارغ الصَّبر تجلّي أبناء الله" (روم 8/ 19)؟ فحين تتجلَّى رحمةُ الله فينا بمحبّة وتحوِّل ذاتي، ننقل العدوى إلى الخليقة التي تتقدَّس فينا وبتقديسنا لذواتنا. هل تحلُّ السّماء على الأرض، أم تصعد الأرض إلى السّماء؟ في الحقيقة إنَّ الأرض مكان العبور، والسّماء هي المقرُّ النّهائي.

 

 من هذا المنطلق، تصعد الأرض إلى السّماء لتشترك بمجد الله وتدخل في أهازيج العرس الأبديّ، وهذا هو دَوْر الإنسان المتحوِّل بالتوبة والإعتراف والخروج من خطيئته، والمتصالح مع الله ومع الخليقة ومع إخوته البشر، ليحقِّق المصالحة مع ذاته. هذا الإنسان هو الصّاعد من  الأرض - الطريق والمعبر، إلى السّماء - الهدف والمقرّ. شاءَت رحمة الله المتناهية أن تكشِفَ لنا هذا السرّ الذي يتخطّى الإنسان وهو سرٌّ إلهيّ مطلق. صار الله إنسانًا ليصبحَ الإنسان إلهًا.

 

رحمة الله الأحشائيّة

تتخطَّى رحمةُ الله مفهومَ البشر. إنّها التعبير المطلق عن حبِّ الله اللامشروط واللاّمحدود. أرى رحمة الله تتدفَّق من جَنْبِ المسيح على الصّليب لتسيلَ الحياةُ من أحشاء هذه الرّحمة وتفيض على البشريّة والكَوْن. فرحمة الله تتدفّق من نَبْعِ حبِّه المذهل والمترافق مع الألم. فطَعنة قلب يسوع التي تُفيض دماءه على الأرض والكَوْن والخليقة كلّها هي التعبير عن الرّحمة الإلهيّة في وَجْهِها النّهائي والمطلق.

أي إله هذا الذي يعطي البشريّة إبنه الوحيد، وفيه يعطينا كلّ ذاته ليُشركنا في لاهوته ومَجْدِه الذي باتَ الحبُّ المُطلق الذي لم تُدْرِكْه الخليقةُ من قبْل. فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله كمثاله، كائن حبٍّ تجلَّى في المسيح بأَبْهى صورةٍ له. المسيح هو صورة وَجْه الآب الرَّحيم برحمةٍ لا نفقه كنْهَها، لأنَّ كلماتنا أَعجَز من أنْ تسبرَ غَوْر هذا الحبّ وتدرك إرتباطه بالحياة العمليّة والواقعيّة والحقيقيّة. إنَّ رحمة الله المتجلِّيَة في المسيح هي حبٌّ بلا حدود. في هذا الحبّ إنفتحت أحشاءُ الله الذي سكب كلّ كيانه وحياته على أهل الأرض ليعطيهم حياته. لم تسمحْ له محبَّتُه بأنْ يكونَ جبّارًا، بطّاشًا، مدمِّرًا، منتقمًا، عنيفـًا... فهذه كلُّها علامات ضعفٍ إخضاعي لا علامات قوّة. فقوَّة القوَّة المطلقة تتجلَّى في الحبِّ المتدفِّق بالرّحمة على المحبوبين البشر.

من أحشاء مريم، حيث تعانقت "نِعَمها" و"نعم الله"، تدفَّقت الرّحمة على التاريخ والبشريّة والخليقة بحبلها بابن الله وبولادتها له للعالم. بات الخلاص بمتناول الإنسان والبشريّة، حين رفع الله الإنسان، في المسيح، إلى الإتّحاد به إتّحادًا عضويًّا، وصار الله جسدًا. ألا يقول بولس الرّسول: "ففيه يحلّ الله بكماله حلولاً جسديًّا" (كول 2/ 9). هذه هي الرّحمة الإلهيّة المؤديّة إلى تأليه الإنسان في المسيح، ومشاركته مع الله في مَجْدِه وفي حياته الأبديّة.

هل نُدْرِك ما معنى أنَّ الله أب؟ وهل ندرك في المسيح أنَّ الله أخٌ لنا؟ وهل ندرك في الرُّوح القدس أنَّ الله روحُ روحِنا؟ وفي الثالوث الأقدس أنَّ الله محبَّة، والمحبّة عطاء الذّات اللامحدود، حتّى إطلاق الغفران؟

 

فمَنْ يحبّ يغفر، والغفران الحقيقيّ يتطلَّب تغيير من نغفر له ليتجدَّد ويحيا وينطلق إنطلاقة حياة إنقاذيّة. ليس الحبُّ عواطف مجرَّدة، بل هو حياة وتغيير وتجديد وسَيْر نحو كمال تحقيق الذّات في أَبْعَدِ مراميها، وهذا ما عَمِلَتِ الرّحمة الإلهيّة المتجلّيّة في المسيح على تحقيقه.

 

خلاصة

إنَّ التجسُّدَ خلاصة حبِّ الله للخليقة وفي قمَّتها الإنسان الذي يلخِّصها في جسده ويقودها في روحه إلى ملْءِ الحياة. ففي المسيح يتَّحد الثالوثُ الأقدس بكامله في مشروع حبِّه المتدفِّق على التاريخ والمجتذب التاريخ صَوْبَ السّماء ليكتملَ في أَسمى وأَبْهى مراميه. في جسد يسوع إحتشدَتْ الخليقة برُمَّتها لتتصالح مع خالقها، لأنَّ المسيحَ يسوع هو الله والإنسان المتصالحان مصالحةً حقيقيّة مطلقة لدرجة أنَّ الإنسان كامل، لا عَيْبَ فيه يحمل في طيّات خلاياه الحضور الإلهيّ المُطلق. ففيه يحلُّ الله حلولاً جسديًّا. هو الله المتأنِّس والإنسان المتألِّه. يعانق الإنسان في إطلاق كماله الألوهة، ويتجلّى الله في كمال صفاء لاهوته في النّاسوت.

هذه المصالحة كشفت عن سرِّ الرّحمة الإلهيّة التي تبتكر ما لا يمكن أن يتصوَّرَه الإنسان. لو كان الإنسان يعي هذا السرَّ على حقيقته لَأَصبَحَ كلُّ النّاس قدّيسين، أو لَماتوا من هَوْلِ الحدث! الله صار إنسانًا لأجلي أنا! لأجل كلِّ واحدٍ منّا! ولأجلنا جميعًا! هل يمكننا أنْ نَعيَ ما حصل؟ يا لها من رحمةٍ بلا حدود، على قياس الحبّ!

 

المطران الياس سليمان

 

 

                

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x