التحقيق التاريخي للوحي

 

 

التحقيق التاريخي للوحي

 

 

التحقيق التاريخي للوحي

 

عندما نتحدّث عن الوحي الإلهيّ، نقصد به كشف الله عن ذاته وعن الإنسان، في اليهوديّة والمسيحيّة. فهذا هو موضوع تحقيق الوحي تحقيقـًا تاريخيًّا. وقد نال البُعد التاريخيّ أهميّة بالغة في الحديث اللاهوتيّ المعاصر.

وقد سبقت الوحيَ التاريخيّ مرحلةُ "الأديان الطبيعيّة" وهي تستدعي شرحًا قبل أن نخوض مراحل "الوحي" التاريخي.

من "الأديان الطبيعيّة" إلى "الوحي التاريخيّ"

1- الأديان الطبيعيّة والتطابق الله/ الطبيعة

ففي الأديان الطبيعيّة، كانت الطبيعة تظهر للإنسان بمثابة الواقع الأسمى، فهي تسيطر عليه، هي تغذّيه وتحفظه، وهي تخيفه وتهدّد حياته. ووهي مهده ولحده. وهي تمنحه الخيرات الماديّة من ثمار الأرض، وهي تخرّبها بالزلازل والعواصف... فوهبها الإنسان صفة الألوهيّة، وألّهها، فألّه الشّمس وبعض الحيوانات...، أو تصوّر الله على صورة الطبيعة التي يعيش فيها. فالله يمنحه الحياة، والله يسحبها منه. الله يهبه الخيرات الأرضيّة، والله يعاقبه من طريق الطبيعة، مسبّبًا العواصف والزلازل والفيضانات ومختلف الكوارث... وبالتالي حاول الإنسان إرضاء الله واستجلابه، خائفـًا منه إذا عصاه وخالفه. كما كان يدعو الله عند الحاجة، ويستغفره عند المعصية. فكان الله يظهر له حاميًا من الكوارث الطبيعيّة، ومعاقبًا إيّاه من خلالها... هكذا نجد أنّ ثمّة تطابقـًا بين الله/ الطبيعة في "الأديان الطبيعيّة".

إلاّ أنّ الوحي الإلهيّ ألغى هذا التطابق وأدخل مفهومًا جديدًا عن الله وعن علاقته بالإنسان وبالطبيعة. هذا ما ندرسه الآن.

 

2- الوحي والتمايز الله/ الطبيعة.

لقد ميّز الوحي اليهوديّ - المسيحيّ تمايزًا واضحًا بين الله والطبيعة.

ففي قصّة الخلق مثلاً، إنّ الطبيعة في منزلة خليقة الله. فلم يعد المؤمن يؤلّه الطبيعة وإنّما الله وحده خالق الطبيعة وخالق الإنسان.

غير أنّ التمايز هذا بين الله/ الطبيعة لم يصل إلى كماله دفعة واحدة بل تدريجيًّا. ففي العقليّة اليهوديّة لم يزل الله يعاقب الإنسان من طريق الطبيعة. فقصّة نوح الرمزيّة هي شاهدة على ذلك، وبالمثل قصّة أصدقاء أيّوب الرمزيّة وقد حاولوا إقناعه بأنّ الله يعاقبه من طريق المرض والألم والموت.

ونجد العقليّة عينها في أيّام حياة يسوع الأرضيّة، عندما سأله اليهود عن الأعمى منذ مولده، إن كان هو خطئ أم والداه (يو 9/ 2 - 4، 13/ 1 - 4). فهذا معناه أنّهم كانوا يظنّون أنّ الله يعاقب الإنسان بالأمراض والمصائب والموت...، أي من خلال الطبيعة. ولم تزل هذه العقليّة حاضرة في بداية المسيحيّة في مثل قصّة عقاب الله لحننيا وسفّيرة بالموت لكذبهما على بطرس (رسل 5/ 1 - 11). ولا تزال هذه العقليّة سائدة اليوم عند العديد من مؤمني جميع الأديان، ولا سيّما في شرقنا.

أمّا يسوع، فقد غيّر المفهوم الخطأ عن الله وعن عقابه للإنسان: "لا هذا خطئ ولا والداه". فالوحي المسيحيّ قد وضع حدًّا فاصلاً ونهائيًّا في التطابق الله/ الطبيعة، إذ يخاطب الله الإنسان "بلسان الابن" - في الوحي المسيحيّ - بعد أن كلّمه قديمًا "بلسان الأنبياء" - في الوحي اليهوديّ - (عب 9/ 1)، عوض أن يظنّ الإنسان أنّ الله يعاقبه من طريق الطبيعة. هذا لا يمنع أنّ مرضًا أو ألمًا أو موتًا، حادثًا مفاجئًا أو كارثة طبيعيّة... قد توقظ الإنسان وتنبّهه أنّه إبتعد عن الله فتقرّبه إليه، غير أنّ الله لا يعاقب الإنسان من خلال الطبيعة.

وهذا التطوّر من الأديان الطبيعيّة إلى الوحي اليهوديّ فالوحي المسيحيّ، قد غيّر مفهوم العلاقة الله/ الإنسان. فالخوف في الأديان الطبيعيّة قد حلّ محلّه في العهد القديم المخافة التي تعني الإحترام والسجود لله باعتباره خالق الإنسان والكون. وأمّا العهد الجديد، فقد كشف أنّ "الله محبّة"، وبالتالي: "لا خوف في المحبّة"، بل المحبّة الكاملة تنفي عنها الخوف، لأنّ الخوف يعني العقاب". (1 يو 4/ 16 - 19).

وظلّ الفكر البشريّ قرونًا وقرونًا، حتى بعد الوحي اليهوديّ - المسيحيّ، يضع تطابقـًا بين الإنسان/ الطبيعة، حتى أكّد الفيلسوف ديكارت (Descartes: 1596 - 1650) الإنفصال بينهما، بعد الإنسجام بينهما، بفضل "الذات" البشريّة التي تمنح الإنسان ميزة على الطبيعة. وأخذت كلمة الفيلسوف اللاهوتيّ باسكال (Pascal: 1623 - 1662) رواجًا إذ قال إنّ الطبيعة تقدر أن تقتل الإنسان ولكنّها لا تعرف أنّها تقتله في حين أنّ الإنسان يعرف أنّ الطبيعة تقتله، فيفوقها هكذا "الوعي" البشريّ.

ولندقّق النظر الآن في الوحي اليهوديّ وفي الوحي المسيحيّ في ثلاث مراحل متكاملة.

 

 

الوحي اليهوديّ بين الخلاص والعهد

1- من "الخروج" إلى "الإختيار" و"العهد".

لقد وعى الشعب اليهوديّ تدخّل الله في تاريخه بفضل حدث "الخروج" من مصر إلى فلسطين بعبوره البحر الأحمر - من هنا تسميته بالشعب "العبرانيّ" - فتمّ الخلاص من أرض العبوديّة. وفي أثناء مسيرته في البريّة، وعى أنّ الله قد وعده بأرض الميعاد وعدًا يعود إلى "اختيار" الله للآباء - إبراهيم وإسحق ويعقوب - وقد قطع معهم "عهدًا" ليصيروا شعبه وهو إلههم، وأعلن لهم عن إسمه: "أنا هو مَن هو" (خر 3/ 13 - 14). وقد أرسل الله إليهم أنبياء ليعلّموهم تعاليمه ووصاياه ويذكّروهم بالعهد الخلاصيّ.

ومن خلال تدخّل الله هذا في تاريخ شعب إسرائيل، يمكن إستنباط بعض ملامح الوحي اليهوديّ.

2- الوحي قصد إلهيّ في التاريخ.

إنّ الله قد بادر في الوحي إذ تدخّل في اختيار شعب وتعاهده معهم وخلاصه لهم، وكذلك في إعلانه عن ذاته لهم. فللَّه قصد في ذلك، قصد لا يتحقّق في الطبيعة بقدر ما يتحقّق في التاريخ، في تاريخ الشعب الذي اختاره فقطع عهدًا معه، ثمّ أخرجه من أرض العبوديّة فوعده بأرض الميعاد وعلّمه حفظ وصاياه، ثمّ ذكّره بكلّ ذلك تذكيرًا مستمرًّا من طريق الأنبياء.

 فهناك خطّ سير وتطوّر ونموّ، هناك أحداث فريدة من نوعها، خلافًا للأديان الطبيعيّة حيث لا أحداث بل تكرار للفصول وللمواسم وحيث التاريخ كالدائرة، والتحديد الدوريّ، وأمّا في الوحي فالتاريخ كالخطّ، له بداية وله نهاية، وفيه وعود من الله يحقّقها في تاريخ الشعب.

إنّ الأديان الطبيعيّة مبنيّة على أساطير غير تاريخيّة، وأمّا الوحي فعلى معاملة تاريخيّة من الله. إنّ الأديان الطبيعيّة لا زمن لها، وأمّا الوحي فمتزمّن في الزمن البشريّ فله ماضٍ وحاضر ومستقبل، فمِن حاضرهم يتذكّر المؤمنون ماضي معاملة الله لصالحهم ويرجون تحقيق وعوده المستقبليّة، وفي حاضرهم يفهمون معنى ماضيهم ومستقبلهم بل ويدركون معنى حاضرهم من ماضيهم ومستقبلهم. والله في كلّ ذلك يتعامل مع شعبه معاملة تربويّة وتدريجيّة بحسب ما يستطيعون أن يتقبّلوه وبحسب ظروفهم الإجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة...، حتى "ملء الأزمنة" (غل 4/ 4) وهي "آخر الأيّام"، (عب 1/ 2).

3- الوحي علاقة شخصيّة بين الله والإنسان

في الأديان الطبيعيّة، لا علاقة شخصيّة بين الله والإنسان. فإله أرسطو مثلاً بعيد كلّ البعد عن الإنسان، وهناك العملاء بينه وبينهم. وأمّا في الوحي اليهوديّ، فالله يختار شعبًا ويعمل لأجلهم ويتعامل معهم ويعتني بهم ويتحاور معهم. والله ينتظر تجاوبهم، وعندما ينحرفون عن عهده يرسل إليهم أنبياء ليذكّروهم بالعهد وبأعماله الخلاصيّة. إنّ الله يرتبط هكذا بشعبه إرتباطًا لا رجعة فيه، إرتباطًا شخصيًّا: هو إلههم وهم شعبه.

هكذا، نرى الإنسان في الأديان الطبيعيّة يتلاشى في الطبيعة، بيد أنّ المؤمنين يكتشفون في الوحي هويّتهم كونهم مخلوقين من الله وشعبًا اختاره الله وقطع عهدًا معه وخلّصه.

وكون الله قد اختار شعب إسرائيل لا شعبًا آخر، يكوّن "عثرة التاريخ" بحسب تعبير أحد مفسّري العهد الجديد (Dodd). إلاّ أنّ الله اختار شعبًا واحدًا من أجل شعوب العالم كلّه، وقد ظهر هذا الإتّجاه الشموليّ بعد سبي إسرائيل إلى بابل عند إحتكاكه بشعوب غير مؤمنة، فوعى أنّ الله يريد خلاص البشر بأجمعهم. وترسّخت هذه النزعة الشموليّة حتى إكتملت في المسيحيّة.

4- الوحي من طريق أقوال الله وأفعاله الخلاصيّة

إنّ العلاقة الشخصيّة بين الله وشعبه ممكنة لأنّ الله يقول أقوالاً لشعبه ويقوم بأفعال لأجله. فللَّه أقوال وأفعال خلاصيّة قد عبّر عنها المجمع الفاتيكانيّ الثاني خير تعبير:

"إنّ تدبير هذا الوحي يقوم في الأفعال والأقوال مرتبطة في ما بينها إرتباطًا جذريًّا. فالأعمال التي أنجزها الله في تاريخ الخلاص توضّح وتدعّم التعاليم والحقائق التي تشير إليها الأقوال. وأمّا الأقوال فتعلن الأعمال وتضيء السرّ الكامن فيها".

فلفظة "دبار" العبريّة - أي "كلمة" العربيّة - هي كلمة الله الفعّالة، فهي تعبّر عن فعل الله، كما أنّها تعلن الله. ففي قصّة الخلق مثلاً، يقول الله: "كن"، "فيكون". إنّ أقوال الله تعلن حقيقته، وإنّ أفعاله تحقّق قصده الخلاصيّ. إنّ أقواله - للأنبياء مثلاً - تفسّر أفعاله الخلاصيّة لتذكّر الشعب بها، كما أنّ أفعاله هذه تجسّد أقواله من وعود، كالذريّة والأرض والعهد الجديد من مجيء المسيح وانسكاب الرّوح.

5- الوحي بين الإختبار والكتاب

إنّ قصد الله في التاريخ، وعلاقته الشخصيّة بالإنسان،  وأقواله وأفعاله الخلاصيّة، إنّما تختصّ بأشخاص: الآباء والأنبياء والملوك... إنّ الديانة اليهوديّة ديانة أشخاص يتعامل الله معهم فيختبرون تدخّله في تاريخهم. فيتبادر سؤال: ما هو دور الكتاب المقدّس في هذا الوحي؟

الحقّ يُقال إنّ الله لم يكشف عن ذاته وعن أقواله وأفعاله في كتاب - خلافًا للإسلام مثلاً - بل من طريق أشخاص إختارهم وقطع معهم عهدًا وأرسلهم ليعلنوه للشعب.

إنّ الله قد كشف عن ذاته من خلال إختبار شعبه له. إنّما الإختبار هو الأساس.

وتلت هذا الإختبار مرحلةُ التدوين في كتاب أصبح الكتاب المقدّس. وقد دوّنه كتّاب مختلفون، كلّ واحد بحسب أسلوبه وطبعه وشخصيّته، وبحسب الجمهور الذي يوجّه إليه كلامه. فالإختبار أولى على الكتاب. والكتاب من صنع البشر ألهمه روح الله. بهذا المعنى لا يمكن إعتبار اليهود - ولا المسيحيّين - "أهل الكتاب"، إذ إنّ الله أعلن ذاته في أقوال وأفعال خلاصيّة لا في كتاب.

وأمّا الكتاب، فإنّه يُدخل عنصرًا ثالثًا على الأقوال والأفعال الإلهيّة، ألا وهو الصور. إنّ الأديان الطبيعيّة تلجأ إلى صور وتشابيه ورموز للتعبير عن الله، إمّا حيوانات وإمّا عناصر من الطبيعة كالشمس مثلاً. كما أنّها تُدخل الآلهة في عالم البشر في الأساطير. وقد استعان الوحي اليهوديّ المدوّن في كتبه المقدّسة بهذه الصور والأساطير للتعبير عن الله. فالعهد القديم مليء بالتشابيه عن الله مقتبسة من الأديان الطبيعيّة، فقوّة الله ثابتة ثبات الجبال الشامخة، وظهوره للبشر مصحوب بالبرق والرعد والزلزال والدخان... وكذلك إستخدم أساطير الخلق والطوفان وبابل... وأضفى عليها معنى لاهوتيًّا يخدم الوحي من تدخّل الله في تاريخ البشر. فالصور والأساطير تعبير مهمّ في الوحي اليهوديّ - وقد أثّرت في الوحي المسيحيّ في سفر الرؤيا مثلاً أو في مشهد العنصرة... - إلاّ أنّها خاضعة للأقوال والأفعال الخلاصيّة على خلاف الأديان الطبيعيّة المبنيّة على الصور والأساطير بدون تدخّل الله التاريخيّ.

 

إكتمال الوحي في يسوع المسيح

"إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا قديمًا... كلّمنا في هذه الأيّام، وهي آخر الأيّام، بلسان الابن..." (عب 1/ 1 - 2).

"أرسل الله إبنه، "الكلمة" الأولى وهو ينير جميع البشر، ليسكن بينهم ويطلعهم على أسرار الله (يو 1/ 1 - 8). فيسوع المسيح... "يتكلّم بكلام الله" (يو 3/ 34) ويتمّم الخلاص الذي كلّفه به الآب (يو 5/ 36، 17/ 4)، ومَن يرى المسيح يرى الآب (يو 14/ 9). فالمسيح أكمل الوحي وتمّمه وثبّته بشهادة إلهيّة...".     

والجديد في هذه المرحلة من الوحي، أنّها "الأزمنة الأخيرة" (1 بط 1/ 20) أو "ملء الأزمنة" (غل 4/ 4)، حيث "أكمل" يسوع العهد القديم (متى 5/ 17). وذلك بأقواله وأفعاله الخلاصيّة.

1- أقوال يسوع "كلمة" الله

إنّ ابن الله المتجسّد هو "الكلمة" (يو 1/ 1 ت)، كلمة الله. كان الأنبياء يتلقّون كلمة الله منه ويعلنونها للشعب، وأمّا يسوع فهو هذه الكلمة الحيّة. لذلك قال: "الكلام الذي كلّمتكم به روح وحياة" (يو 6/ 63).

وإنّ يسوع "الكلمة" قد أعلن الآب إعلانًا خاصًّا إذ إنّه "ابنه الوحيد" (يو 3/ 16)، هو والآب "واحد" (يو 10/ 30)، فما سمعه من الآب قاله للعالم (يو 8/ 26). فمن منطلق كينونته هذه وهويّته، إنّه أعلن الآب إعلانًا اختلف كلّ الإختلاف عن إعلان الأنبياء، فقد كشف أنّ الله الذي اختار وقطع عهدًا وخلّص هو آب.

وقد قال إغناطيوس الأنطاكيّ إنّ يسوع المسيح هو "ظهور" (Epiphania) للآب: "لا يوجد إلاّ إله واحد، وقد "أظهره" يسوع المسيح ابنه، وهو كلمته الذي خرج من الصّمت".

ولمّا كان الابن والآب واحد، فإعلان يسوع للآب إعلان للابن في آن واحد. فلم يكن يسوع المعلِن فحسب، بل المعلَن أيضًا، كان موضوع الوحي. لذلك قال يسوع في صلاته الكهنوتيّة قبل إنتقاله من العالم إلى الآب: "يعرفونك أنت الإله الحقّ وحدك، ويعرفون الذي أرسلته، يسوع المسيح... أظهرتُ اسمك للناس... وعرفوا حقًّا أنّي من لدنك أتيت" (يو 17/ 3، 6 - 8). فبصفته ابن الله، و"الطريق والحقّ والحياة" (يو 14/ 6)، إنّه دعا إليه بسلطان التلاميذ الذين إختارهم (يو 15/ 16) وقد وهبه إيّاهم الآب (يو 17/ 9). فبينما كان الناس يلتفّون حول "الرابيّين" - المعلّمين - ليتعلّموا منهم الكتب والشريعة، كان يسوع هو الذي يدعو أساسًا حول شخصه ولا يفسّر لهم الكتاب، بل يعلن لهم الآب يعلن شخصه الرّوح القدس أيضًا (يو 14 - 16). وقد إستمرّ إعلانه هذا بعد قيامته إذ فتح أذهان تلاميذه ليفهموا الكتب عامّة وما يعنيه خاصّة (لو 24/ 27، 45).

 

 

2- أفعال يسوع "قوّة" الله

لم يعلن يسوع الآب وشخصه والرّوح بكلامه فحسب، بل بأفعاله أيضًا. وبين كلامه وأفعاله تطابق كامل، وبين كلامه وأفعاله من جهة وشخصه وكيانه من جهة تطابق تامّ. فهو نفسه "قوّة" الله الآب (متى 29/ 8). وكان يعمل "بسلطان وقوّة" (لو 4/ 36) ما يرى الآب يفعله (يو 5/ 19 ت). وأفعاله هذه - من معجزات وشفاءات وآيات - هي خلاصيّة، على صورة أفعال الله الخلاصيّة في العهد القديم.

وجدير بالإشارة إلى أنّ أعظم فعل من أفعال يسوع الخلاصيّة - آلامه وصلبه وموته - لم يكن يسوع فيه "فاعلاً"، (Action - Agir) فحسب، بل "مفعولاً به" (Passion  Pâtir -) أيضًا، وهذا ما يجدر الإشادة به. فنرى يسوع "فاعلاً" بتمام معنى الكلمة: "أبذل نفسي لأنالها ثانية. ما من أحد ينتزعها منّي، ولكنّي أبذلها برضاي" (يو 10/ 17 - 18).

ويعبّر يسوع عن هذا الجانب "الفاعل" فعلاً حرًّا عندما يطلق على نفسه إسم "ابن الإنسان"، وهو يذهب بمحض إرادته نحو الموت.

ونرى يسوع "مفعولاً به" عندما يقول: "يجب أن" يتألّم ويُصلب ويموت (متى 16/ 21) أو "لتتمّ الكتب" أو "كما جاء في الكتب"، فيسلّم حينذاك مصيره وحياته لمشيئة الآب الخلاصيّة ولإرادة البشر الشريرة، ويحيا ذلك وهو "مفعول به" أكثر منه "فاعل" ولا يد له على الأحداث.

ويضفي ذلك معنى على آلام البشر، فقد حوّلها يسوع المسيح - بآلامه الشخصيّة - إلى قوّة خلاصيّة، إذ خلّص البشريّة لا بأقواله فحسب، ولا بأفعاله فحسب (تجسّده ومعجزاته وعلاقاته...)، ولا بصلاته فحسب، بل بآلامه بصفة خاصّة.

وإنّ أعظم فعل من أفعاله هو حدث موته على الصّليب وقيامته من بين الأموات. فعلى الصّليب قد أعلن نهائيًّا أنّه ابن الآب (مر 15/ 39)، مطيعًا إيّاه طاعة الابن (عب 5/ 8، فل 2/ 8)، ومنَح الرّوح القدس (يو 19/ 30، 34، 7/ 38 - 39)، كما أنّه أعلن للإنسان خطيئته ومغفرة الآب له (لو 23/ 34) فحقّق المصالحة بين الله والبشر (روم 5/ 10 - 11) إذ إنّه "الوسيط" الوحيد بينهما (عب 8/ 6 ت).

فكما أنّه "جمع ودمج" (أف 1/ 10) في شخصه كلّ ماضي الوحي بأقواله الخلاصيّة، هكذا "جمع ودمج"  على الصّليب كلّ أفعاله الخلاصيّة في أثناء حياته الأرضيّة.

وممّا قام به من أقوال وأفعال، سيتمّمه الرّوح القدس في الكنيسة من بعهده.

 

                                                                    الأب فاضل سيداروس

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x