الروح في قلوبنا

 

 

 

 

الروح في قلوبنا

 

 

 

روح العنصرة يحمل معه دفعة قويّة لالتزام مهمّة الرِّسالة من أجل الشهادة للإنجيل في سُبُل العالم. فكتاب أعمال الرُّسل يخبرنا بالواقع عن سلسلة رسالات قام بها الرُّسل، انطلاقًا من السَّامرة، ثمّ في المنطقة السَّاحلية الفلسطينيِّة، وبعدها نحو سوريا.  لكنّ القدِّيس بولس يخبرنا في رسائله عن الرُّوح القدس من منظور آخر أيضًا، حيث لا يكتفي بإظهار الناحية الديناميّة والفاعلة للأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس، بل يحلّل أيضًا حضوره في حياة المسيحيّ حيث تنطبع به هوّيته. بعبارة أخرى، يتأمّل بولس بالرُّوح ويعتبر أنّ تأثيره لا يقتصر على أداء المسيحيّ فحسب، بل على كيانه أيضًا. فهو الذي يقول أنّ روح الله يقيم فينا (روم 8، 9؛ 1 كور 3، 16) وأنّ "الله أفاض روح ابنه في قلوبنا" (غلا 4، 6).

 

بالنسبة إلى بولس، يسِمُنا الرُّوح القدس حتى في حميميّة أعماقنا الشخصيّة. إليكم في هذا الإطار بعض كلماته ذات الدلالة المعبِّرة: "إنّ شريعة الرُّوح الذي يهب الحياة في المسيح يسوع قد حرّرتك من شريعة الخطيئة والموت... أنتم لم تنالوا روح عبوديّة لتقعوا من جديد في الخوف، بل قبلتم روح أبناءٍ بالتبنّي، به ندعو. أبّا، أيُّها الآب!" (روم 8، 2 و15). ولأننا أبناء، يمكننا أن ندعو الله "أبانا". نرى بوضوح إذًا أنّ المسيحيّ، و قبل أن يقوم بأيّ عمل، يملك عمقًا داخليًّا غنيًّا وخصبًا، وُهِب له عبر أسرار العماد والتثبيت؛ عمقًا داخليًّا ترسّخه في علاقة بنوّةٍ موضوعيّةٍ ومميّزة تجاه الآب.

 

ها هي كرامتنا السامية: إنّنا لسنا فقط على صورة الله، بل نحن أبناؤه. وهذه دعوةٌ إلى عيش بنوّتنا، ووعينا أكثر فأكثر أنَّنا أبناءٌ بالتبنّي في عائلة الله الكبيرة؛ إنَّها دعوة إلى جعل هذه العطيّة الموضوعيّة واقعًا شخصيًّا، حاسمًا لتفكيرنا وعملنا وكياننا. فالله يعتبرنا أبناءه، إذ أنَّه رفعنا إلى كرامة مشابهة - مع أنّها ليست مساوية - لكرامة يسوع نفسه، الذي هو وحده ابن الله بكلِّ ما للكلمة من معنى. وفيه ننال ونستعيد حالة البنوّة والحرّية الواثقة في العلاقة بالآب.



نكتشف هكذا أنّ الرُّوح بالنسبة إلى المسيحيّ ليس فقط "روح الله"، كما يقال عادة في العهد القديم وما يزال يتردّد في تعبير المسيحيِّين (تك 41، 38؛ خر 31، 3؛ 1كور 2، 11. 12؛ فيل 3، 3 ). كما وأنّه ليس فقط "روحًا قدسًا" بالمعنى الإجماليّ، حسب طريقة تعبير العهد القديم (أش 63، 10. 11؛ مز 51، 13) والديانة اليهوديّة نفسها في كتاباتها (قمران ومؤلفات الحاخامين). فمن خصائص الإيمان المسيحيّ الاعتراف بمشاركة أصيلة للمسيح القائم من الموت في هذا الرُّوح، بحيث أصبح المسيح نفسه "روحًا مُحييًا" (1كور 15، 45). ولهذا السبب بالذات يتكلّم بولس عن "روح المسيح" (روم 8، 9)، و "روح الابن" (غلا 4، 6) و"روح يسوع المسيح" (فيل 1، 19). كما لو أنّه يريد القول أنّنا لا نرى في الابن اللهَ الآبَ وحسب (يو 14، 9)، بل أنّ روح الله أيضًا يظهر في حياة وأعمال يسوع المصلوب والقائم!


يعلّمنا بولس أمرًا مهمًّا آخر: فهو يصرّح بعدم وجود صلاةٍ حقّة دون حضور الرُّوح فينا إذ يكتب: "الرُّوح يأتي لمعونة ضعفنا، إذ أنّنا لا نعرف حتّى ما يجوز طلبه – ما أحقّ أنّنا لا نجيد الكلام مع الله! -؛ لكنّ الرُّوح نفسه يشفع باستمرارٍ لأجلنا، بأنّات لا توصف؛ والذي يمحّص القلوب يعرف رغبات الرُّوح، فهو يشفع بالمؤمنين بحسب تدابير الله" (روم 8، 26- 27). كما لو أنّه يقول إنّ الرُّوح القدس، أي روح الآب والابن، قد أصبح نفسَ نفسِنا والجزء الأكثر سرّيّة من كياننا الذي ترتفع منه دون انقطاع صلاتنا للآب، والذي لا نستطيع حتّى تحديده. فالرُّوح الدائم اليقظة فينا يعوّض بالواقع عن نواقصنا ويقدّم للآب عبادتنا وأعمق رغباتنا. يتطلّب هذا، طبعًا، مستوىً من الاتحاد الحيويّ الكبير بالرُّوح. إنَّها دعوةٌ لأن نكونَ أكثر إحساسًا وانتباهًا لحضور الرُّوح فينا، ولتحويله إلى صلاة، وللشُّعور بهذا الحضور فنتعلّم هكذا الصَّلاة في حوار مع الآب كأبناء له بالرُّوح القدس.



إليكم سمة مميّزّة للرُّوح يعلّمنا إيَّاها أيضًا القدِّيس بولس: وهي ارتباطه بالمحبّة، إذ يكتب الرَّسول قائلاً: "الرَّجاء لا يخيّب، لأنّ محبّة الله قد أفيضت في قلوبنا بالرُّوح القدس الذي وهب لنا" (روم 5، 5). لقد استشهدت في رسالتي العامّة "الله محبّة" (Deus caritas est)، بجملة بليغة للقدِّيس أغوسطينس: "إذا رأيتَ المحبّةَ، رأيتَ الثالوث" (عدد 19)، وتابعت شارحًا: "الرُّوح هو تلك القوَّة الداخليَّة التي تناغم قلوب المؤمنين مع قلب المسيح وتحثهم على محبّة الإخوة كما هو أحبّهم" (المرجع نفسه).

 

يُدخلنا الرُّوح في  إيقاع الحياة الإلهيَّة نفسها، التي هي حياة محبّة، مشركًا إيّانا هكذا في العلاقات القائمة بين الآب والابن. من الأهمّية بمكان أنّ بولس يضع المحبّة في المكان الأوّل عندما يعدّد مكوّنات ثمر الرُّوح: "ثمر الرُّوح هو: المحبّة، الفرح، السَّلام، إلخ..." (غلا 5، 22). وبما أنّ المحبّة بتعريفها هي قوَّة اتّحاد، فهذا يعني أوّلاً أنّ الرُّوح هو خالق الشَركِة في قلب الجماعة المسيحيّة، كما نقول في مطلع القدّاس الإلهيّ مستخدمين عبارة بولسيّة: "شركة الرُّوح القدس [أي تلك التي يحقّقها هو] مع جميعكم" (2كور 13، 13). ولكن، من ناحية أخرى، صحيحٌ أيضًا أنّ الرُّوح يحثّنا على إقامة علاقات محبّة مع كلّ الناس. وبما أنّنا عندما نحبّ نفسح مجالاً للرُّوح، فإنَّنا نسمح له بالتعبير بشكلٍ كامل "كونوا حارّين بالرُّوح" و: "لا تردّوا على أحدٍ شرًا بشرّ" (روم 12، 11. 17).

 

وأخيرًا، الرُّوح، بالنسبة إلى بولس، باكورةٌ سخيّة وهبها لنا الله كعربون وضمانة لميراثنا العتيد (2كور 1، 22؛ 5، 5؛ أف 1، 13 -14). فلنتعلّم من بولس أنّ عمل الرُّوح يوجّه حياتنا صوب القيم السامية، قيم المحبّة والفرح والشَّراكة والرّجاء. يعود إلينا أمر اختباره يوميًّا من خلال إطاعة إلهاماته الداخليّة، تعضدنا في سلوكه هداية الرَّسول النيّرة.
 

 

 

البابا بنديكتس السادس عشر -2006

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية