الروح والماء الحي

 

 

 

 

الرُّوح والماء الحيّ

 

 

"إن عطش أحد فليُقبل إليّ. ومن آمن بي فليشرب. ستجري من جوفه أنهارٌ من الماء الحيّ. وأراد بقوله الرُّوح الذي سيناله المؤمنون به". (يوحنا٧ ٣٧ - ٣٩).

 

المسيح لم يقف منزويًا، بل واجه ما واجهه، وذلك في عيد الأكواخ، كما يحدّده العهد القديم (خرو ٢٣⁄ ١٤؛ ٣٤⁄ ١٢) ويقيم اليهود في الأكواخ مدّة العيد أي سبعة أيَّام. يقول يوحنا: "وجعل يسوع يسير بعد ذلك في الجليل، ولم يشأ أن يسير في اليهوديّة، لأنّ اليهود كانوا يريدون قتله، وكان قد اقترب عيد الأكواخ عند اليهود..." وقال له إخوته أي أقاربه: "إصعدوا أنتم الى العيد فأنا أصعد إلى هذا العيد... ولمَّا صعد إخوته صعد هو خفية لا علانية" (٧⁄ ١٠).

 

المسيح لم يثر على التقوى اليهوديّة وقد رسم خطواتها أبوه السَّماويّ الواعد بالخلاص. فإنّه يسير بما أقامه أبوه وعدًا لخلاص يأتي عن يده. فهو يُدرك أنّه غاية هذا العيد ومعناه.

 

 

فالتقوى اليهوديّة التي نشأ فيها لم يرفضها بل أعطاها معناها الخفيّ. وصعد خفية لأنّ ساعة فدائه بالموت والقيامة لم تكن قد حانت. وبقي له ما يبشّر به من قبل أبيه. لنر في العمق أنّ لا شيء خارجيّ عند المسيح، وأن المعنى العميق يسير في خطّه دون انحراف.

 

في آخر أيَّام العيد، وقف يسوع ورفع صوته قبل أن يتوزّع الناس المشرّدون الذين يبدون كمن لا راعي لهم: أحبّ أن يترك لهم كلمة، كي لا ينسوا، وكلمة جريئة، لا ترضي الجميع لكنّها كلمة الحقّ التي لا تمرّ عابرة، بل تبقى في نفوس الناس لا تسمح بالإجابة عليها، دون أن تزيل حيرتهم "حتّامَ تدخل الحَيرة في نفوسنا" (يو ١٠⁄ ٢٤). والحيرة غير السؤال أو التساؤل. فالسؤال هو عادة في طريق الجواب، والحيرة لا استقرار فيها بل ظلمة الجهل تسيطر.

 

هذه الفكرة الثابتة تختصر ما قاله أيّام العيد فتعطيه اندفاعًا وتعبئة للنفس غير عادية: "إن عطش أحد فليقبل إليَّ ومن آمن بي فليشرب" (٧⁄ ٣٧ - ٣٨). العطش الذي يدفعنا إليه لنشرب يذكر بالماء الذي كان الشّعب اليهوديّ يطلبه من الله في عيد الأكواخ وبماء الصَّخرة الذي فجّره موسى (خر ١٧⁄ ١ - ٧). فالمسيح على صلة بعمل الله في العهد القديم. إنّه يكمل الرَّجاء الفاعل في تاريخ الشعب اليهوديّ.

 

وهذا المسيح يروي العطش، إذن يلبّي حاجة حياتيّة لدى الإنسان. والإيمان به هو دعوة إلى الشّرب.

 

 فالإيمان حاجة حياتيّة كالشّرب، تدفع إلى الإقبال إلى المسيح. إنّه في سلسلة أحداث العهد القديم، حيث الله يعد بمستقبل غير فارغ. وفي الوقت نفسه ندخل في التاريخ وفي ما يحقّقه. ليست خطواتنا إلى الأمام بلا هدف. هناك يقين بأنّ الله يدعونا ويقودنا إلى ما يحقّقه من أجلنا.

والإيمان هو هذه الخطوة التي تمشي في السّبيل الذي يفتحه الله لنا. إنّه إيمان يستند إلى وعد الله، في الأحداث التي تحدّد طريقنا إليه. "ستجري من جوفه أنهار الماء الحيّ" هذا ما ينتظرنا، وهو يتجاوز حدود ما وعدنا به الله. لا نشرب فقط. "بل تجري من جوفنا أنهار الماء الحيّ".

وينتقل من الصّورة إلى الحقيقة: وأراد بقوله الرُّوح الذي سيناله المؤمنون فالإيمان وعد بالرُّوح، وسيناله المؤمن فأي تأكيد للمستقبل؟

لأنّ الرُّوح لن يظهر إلّا مع مجد القيامة. بدأنا من العطش، ومررنا بالإيمان الذي هو رجاء لفيض الرُّوح الذي يقودنا إلى القيامة. فكلّ الدور لله وأي دور هذا؟

 

 

مناجاة

إن يقودنا الله إلى تحقيق مواعيده ورأسها الرّوح القدس. هلا فتحنا نفوسنا للفرح بما سمعناه ولغنى الله الذي ينتظرنا، إذا سرنا في اتّجاهه؟ وأيّة مفاجأة آنذاك؟

 

المطران أنطوان حميد موراني

 

                                                    

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية