الرّحمة الإلهيّة

 

 

الرّحمة الإلهيّة

 

 

منذ بدء وعي الإنسان وبحثه الحثيث عمَّن يحميه من كوارث المرض والموت، ما دفعه إلى إقتحام حدوده الماديّة وتخطّيها، والإبحار في إكتشاف إنتمائه الماورائي الذي كان يجهله بسبب طفولته الإدراكيّة، حتّى البحث عن أصوله الماورائيّة لمّا دخل في سنّ التمييز الإنساني والإدراكي، وعن أصوله التي تتخطّى مجرَّد إنتمائه المادّي - التّرابي، راح يستحضر العالم الإلهي على صورة العالم البشريّ.

 

 ولج هذا الإستحضار بدخوله في البعد الرّمزي الإدراكي المُتَّصل بالتجريد الذي دفعه إلى تكوين تصوُّر حسّي لهذا العالم الإلهيّ. لم يكن لديه المقدرة على تصويره إلاّ على ضوء التكوين الإجتماعيّ والتنظيم البشريّ.

 

هنالك، على شبه العالم البشريّ، ملك وحاشية وشعب. وكذلك عن تنظيم العالم الإلهيّ الذي كان يشعر بوجوده، راح يبحث في الأنظمة البشريّة. على رأس الهرم إله ومساعدون وحاشية وجيش وآلهة لخدمته. ولمّا نما في تفكيره واكتشاف طاقات تجريديّة أبعد، راح يشعر بالقيَم اللاماديّة كالخير والعدل والجمال والإعتدال وغيرها.

 

ولمّا بات جاهزًا في ختام هذه المرحلة الأولى، راح الله يرسل إليه الآباء حاملي رسالته السّماويّة على الأرض مع ملكيصادق من جهّة، ومع إبراهيم وإسحق ويعقوب، من جهّة أخرى، وراح يهيِّئ للمبادرة الحرَّة الإلهيّة المتجلّية في الأنبياء، وفي التنظيم السّلالي المتمثِّل باللاويّين والسّلالة الكهنوتيّة.

 

 ولمّا بلغ الإنسان ذروة العلاقة النّاضجة مع الله، كان ملء الزّمان، عندما جاء يوحنّا المعمدان يدعو إلى التوبة ويعدّ الطريق للمخلِّص الآتي.

 

ماذا حصل في ملء الزّمان هذا؟ ومن هو هذا المخلِّص؟

 

 

جدليّة الخصب والعقم، بين قوَّة الإنسان الوهميّة، وضعفه الذي تتجلّى فيه قوَّة الله

 

بلغ نضوج الإنسان النّفسي والرّوحي إلى مستوى المعرفة التجريديّة المتّصلة بالمعرفة الإلتزاميّة الرّوحيّة على صعيد تطبيق المُعطيات الرّوحيّة على الحياة في واقعها المُعاش. في هذه اللّحظة التاريخيّة وصل المُخلِّص المنتظر وعلى مُلتقى مبادرة الآب بالرّوح القدس و"نعم" العذراء.

 

 لقد وصل الإبن المسيح الذي سمّيَ يسوع أي المخلِّص، إلى أرضنا، وراحت الحياة الأبديّة تبرعم من المذود وتنضج على طرقات الأرض المقدَّسة وتتألَّق في الصّلب والقيامة، وتعبر إلى مقرِّها في الصّعود، وتنطلق في تغيير العالم من العنصرة حيث الألسنة الناريّة التغييريّة سارت في الكون وراح روح الربّ يُحرِّر الإنسان ويقرع على بابه ليفتح ويدخل المسيح لعند من يفتح ليفيض فيه السّلام.

 

كلّ المُعطيات التغييريّة باتت في التاريخ كواقع خلاصيّ متوفِّر من قبله في الكنيسة!

 

ومع كلّ هذا تبقى معضلة الإزدواجيّة ما بين قدرة الإنسان على تطبيق المُعطيات الرّوحيّة في الواقع، وبين الإلتزام العمليّ الفعليّ بهذا التطبيق في واقع الحياة المُعاش على ضوء إيمانه بالمسيح.

 

وبالتالي تتجلّى الإزدواجيّة التناقضيّة العمليّة بين الكلمة والفعل.

 

وهذه هي المشكلة التي تقضِ مضجع الأخلاق في مجتمعات اليوم، خاصّة من قبل الكثير من القيّمين على الأنظمة في العالم على مُختلف الأصعدة وفي مختلف المجالات، ويدعمها الكثير من الوسائل الإعلاميّة!

 

هذه الإزدواجيّة التي قضَّت مضجع المسيح في بستان الزيتون حين صرخ نحو الآب: "يا أبتِ إن أمكن أن تجز عنّي هذه الكأس ولكن لا مشيئتي بل مشيئتك!"، راحت تقضي على الإنسان في أسمى ما فيه من حقيقة وحياة وحبّ وتواضع!

 

آلم المسيح أن يرى، بعلمه الإلهيّ المُسبق، هذا العدد الهائل من الناس الذين، بسبب كبريائهم، سوف يعرضون عن الإيمان به وعن الأخلاق المرتبطة بالعمل على الخير العام، وسيتجاهلون الخلاص الذي سيقدّمه؛ الخلاص المتدفِّق من حبِّه المجّاني المُطلق!

 

يقدِّم المسيح مشروعه الخلاصي محترمًا حريّة الإنسان الذي، يستطيع أن يقبل أو أن يرفض، ولكن لقبوله نتائج خلاصيّة خصبة، ولرفضه نتائج هلاكيّة عقيمة.

 

 

 فمن يدّعي تقديم المعنى أو الحياة من دون الله، يخدع نفسه وغيره، ويعمل بكبريائه على القضاء على الإنسان والخليقة. أمّا من يعترف بحدود طاقاته ويلجأ إلى المسيح المرجعيّة الثابتة، يحصل بفضل تواضعه وإعترافه بحدوده الذاتيّة على الحياة من المسيح حين يسلّمه كلّ ذاته.

 

 يقول بولس الرّسول: "في الضّعف تكمن قوّتي"، ثمَّ "أنا قوي بالذي يقوّيني". في الحقيقة يناضل المسيح لإلغاء العقم الكبريائي، ويفيض الخصب من التواضع والوداعة، حتّى من مواطن العقم. هذا ما تجلّى في حدث سرّ تجسُّدِه المُذهل: ولد من عذراء!

 

 

وجه العذراء مريم

بعد ضلال الإنسان الأوَّل وتخطيط الله لخلاصه واتّباعه لإنقاذه، تجلّى أوّل وجه في التاريخ لا يعرف الضّعف والخطيئة، وقد إختاره الله ليؤسِّس الإنسان الجديد بحريّة وقرار مسؤول، كان ذلك الوجه وجه العذراء مريم. كانت إنسانة تنعم بالقوّة التكوينيّة الذاتيّة لحضور الله فيها بشكل طبيعي، أي بتكوين طبيعتها. حين بشَّرها الملاك بإبن الله، بادرها بالكلام: "السّلام عليك يا ممتلئة نعمة!"

 

الممتلئة النّعمة هي التي لا شيء فيها سوى لله وحده الذي يملّيها منذ ما قبل ولادتها. إندهشت مريم من معنى سلام الملاك، فهي لا شيء فيها لغير الله! النّعمة هي أن يعطي إله ذاته.

 

الممتلئة النّعمة هي التي يملأ الله كلّ كيانها. لقد آمنت الكنيسة منذ بداياتها بأنّ العذراء كانت خالية من دنس الخطيئة منذ تكوينها، لأنَّ إبن الله لا يمكن أن يكون يومًا قد دخل تحت نير الخطيئة. بالحقيقة مريم كانت خالية من الخطيئة بتدبير من قبل الله، ولكن لأجل ذاتها، ثمَّ لأجل مشروع الله فيها وهي أُمومتها لإبن الله. هذا ما يعنيه كلام الملاك: ممتلئة نعمة!

 

 

كان هنالك وجهان بشريّان أطلاَّ على التاريخ وهما ناصعا البياض في إطلالتهما:

الإنسان الأوَّل قبل الخطيئة، وقد فقد هذا النّقاء بخطيئة الكبرياء والإنغلاق على الذات في وجه نور الله ومحبّته حين أراد أن يستمدَّ حياته من باب الحواس التّرابيّة لا من الله، فسقط من الفردوس؛ والوجه الثاني هو وجه العذراء مريم التي حافظت على هذا النّقاء حتّى النهاية، لذلك إنتقلت إلى السّماء بالنّفس والجسد. ومنها أخذ المسيح جسدًا بشريًّا وأصبح يسوع المسيح، وهو الله الإنسان.

 

 

لقد أعادت "نعم" مريم البشريّة إلى حالة الوقوف على قدميها ورأسها صوب السّماء، بعد أن كانت حوّاء قلبت رأسه صوب التّراب ورجليه صوب العلى. فبفضل "نعم" مريم، أتى الله الذي أخلى ذاته وصار إنسانًا منها وأخذ الطبيعة البشريّة متغلغلاً بضعف البشر واختبارهم التّرابي، وسكب اللاّهوت في النّاسوت وبات الله إنسانًا مثلنا ما عدا في الخطيئة التي كانت مريم خالية منها منذ بدء تكوينها في الرّحم الأُمومي من أبيها يواكيم وأُمِّها حنّة.

 

فهي مخلوقة، إنسانة، نقيّة، بهيَّة، صافية، فيها كلّ الصّفاء الذي كوَّن الله الإنسان الأوَّل فيه. لم يعرف التاريخ وجهًا بشريًّا مثل وجه مريم سوى وجه يسوع الإنسان إبنها بالطبيعة البشريّة. لمّا خلق الله الإنسان الأوَّل، خلقه بصفاء كامل في طبيعته، ولكن فيما بعد إرتكابه الخطيئة، شوَّهت هذه الخطيئة طبيعته وورث هذا التّشويه لسلالته، وبات بالإنتظار رقيب الفجر حتّى وصول مريم.

 

 

العقم الخصب

كانت مريم عذراء، وبقيت عذراء بعد ولادتها إبن الله وابن الإنسان. كانت على صورة الآب الذي كان منذ الأزل بحالة ولادة لابنه الوحيد المسيح، ومريم في ملء الزّمن ولدت إبنها الوحيد يسوع، الإنسان الذي بدأ بتأسيس السّلالة الجديدة من رحم العماد.

 

كانت مريم إذًا مطلقة الصّفاء والنّقاء، لا عيب فيها وليس لديها أي ميل إلى الخطيئة بحكم كونها ممتلئة نعمة. كان وجهها المُطلق النّقاء والكامل الأوصاف، فريدًا في تاريخ البشريّة، يعدّ لمجيء إبن الله الذي تجسَّد منها. حين أخذ إبن الله منها جسدًا كان جسده الإنساني خاليًا من أيّ إحتكاك بالخطيئة.

 

بتعريفها، إنَّ الخطيئة هي الإنفصال عن الله. فالمسيح هو الله الذي صار إنسانًا مع بقائه الله. إذًا فمنطق الإنفصال عن الله بالنسبة إليه غير وارد كونه لا يمكن أن ينفصل عن ذاته التكوينيّة وبالتالي لم يدخل في منطق طبيعة الخطيئة.

 

 

كان هنالك جدليّة تنافريّة، بدأت في العهد القديم مع إبراهيم، أبي الإيمان، بين الولادة بقوّة الطبيعة البشريّة، أو الولادة بالعهد.

 كان إجمالاً إبن الوعد هو الذي يتسلَّم مشعل السّير بالعهد مع الله. فالوعد كان بإسحق الذي يحافظ على العهد، لا بإسماعيل إبن قوّة الطبيعة الجسديّة. وكذلك بالنّساء اللّواتي كنَّ محاور في العهد القديم كنَّ عواقر، وذلك لتتجلّى فيهنَّ قوَّة الله والوعد والحفاظ على العهد. وكان آخر هؤلاء العواقر والدا يوحنّا المعمدان. لقد كان هذا العقم على صعيد القوّة الطبيعيّة الجسديّة حافزًا لله على إظهار سرّ إرتباط العهد بالله صاحب الوعد ورعاية هذا العهد.

 

 

لذلك تتجلّى قوّة الله في محدوديّة قوّة الإنسان حيث ينشئ الربّ الإنسان على التواضع والبحث والإندهاش الإستكشافي الدّائم بيقظة مستديمة ونامية؛ فيتعلَّم ويحمل سرّ إكتشافاته بالمحبَّة لشكر الربِّ ولخلاص إخوته، ويسلِّم ذاته بقناعة وثقة وفرح وتفاعل لعمل الله. هنا يعمل الله بذراعه القديرة، والإنسان يقول له: رحماك يا ربّ إرحمنا واشفنا وخلِّصنا. إنّنا نسلِّم إليك كلّ ذاتنا ومصيرنا بثقة لا حدَّ لها، ومستقبلنا وعائلاتنا وأولادنا لتعطينا الحكمة على حسن تربيتهم والسّير بهم على طريقك.

 

ليس وجه مريم كالوجوه الأُخرى. إنّه وجه فريد، بالسموّ والتواضع، والعمق والعلو، والغنى وحفظ كلّ ما كانت تسمعه عن يسوع من أيّ كان، والأُمومة والقوَّة. كانت أمام يسوع السّائر على طريق الصّلب قوّية ومتناهية الحنان. كلّ هذا من ثمار عمق الإيمان وعلاقتها العميقة بإبنها ورؤية القيامة في نهاية طريق الصّلب.

 من كان يعرف يسوع بقدر مريم العذراء الأُمّ من دون أن تفقد لا عذريّتها ولا أُمومتها؟

 

 لم يشهد التاريخ إنسانة بخصبها في عقمها. عقمها كونها عذراء، فإبنها هو إبن الله! شيء مذهل! وخصبها كونها بيسوع باتت أُمّ البشريّة المخلّصة كلّها. حين قالت "نعم" كان رضاها بإسم البشريّة كلّها، وقد قالت نعم لله بإسم سلالة الدم لتشفي هذه السّلالة من جذورها، لذلك كانت وتبقى عذراء وليس لها سوى إبن وحيد أعطته كلَّ شيء كما فعل الآب ولم يعد لديها ما تعطيه لسواه!

 لذا فيسوع هو وحيد مريم التي، رحمةً بالبشريّة، قدّمته لها ولكلّ منّا كفادٍ ومخلِّص.

 

 

بين الرّحمة والشريعة

مع أنَّ مريم إبنة العهد القديم، فقد إستقبلت هي العهد الجديد بقبولها مشروع الربّ ومخطّطه الخلاصيّ الذي كان بإنتظار هذا القبول، وإفتتحته بجوابها للملاك، المُرسَل من قبل الله: "ها أنذا أمة الربِّ فليكن لي بحسب قولك!".

 

وبدأ العهد الجديد حين سلَّمت القرار بحياتها بجذريّة لا سابق لها، لله وحده. لذلك تألَّق وجهها بالرّحمة من دون أن تتفلَّت من تدابير الشريعة!

 

لم تستغلّ مريم أُمومتها لله لتركِّز على ذاتها، بل وسَّعت آفاق محبَّتها ودخلت في متطلِّبات المحبّة لكلّ البشريّة حتّى لا محدوديّة الرّحمة.

 ففي نشيدها، "تعظِّم نفسي الربّ"، أظهرت تواضعًا كبيرًا ومذهلاً لمن توَّجها الله "أُمّ الله"، إذ قال لها الملاك إنّ المولود منك يُدعى إبن الله. ما إن تلقَّت مريم البشرى وعلِمت بأنَّ نسيبتها العجوز حامل حتّى ذهبت مجدّة إلى خدمتها. كانت مجبولة بالرّحمة!

 

كانت مريم قد بدأت حياتها في العهد القديم، ولكنّها بالحقيقة كانت إبنة العهد الجديد: الممتلئة نعمة صارت أُمّ الله. من يستطيع تصوُّر هذا الحدث! مريم أعطت الله جسدًا وطبيعة بشريّة وبقي في بطنها تسعة أشهر! الله في الجسد، في بطن مريم لمدَّة تسعة أشهر! ومريم تعي هذا! ثمّ ربَّته هي ويوسف وكانت تحفظ كلّ ما كان يقال عنه!

 

 إذًا واعية على حقيقة ما يحدث! ما هذا الشّعور الذي من الممكن أن يكون قد إنتاب مريم، بل كان يعايشها بإستمرار! الله بعهدة مريم ويوسف! لم تكن الشريعة حدودهما! بل بات الحبّ نهجهما وسِعَة آفاقهما اللامحدودة!

 

 لقد طبَّقت مريم الشريعة، من الختان والذّهاب بيسوع إلى الهيكل وتقديم ذبيحة الفقراء للهيكل كما تقتضيه الشريعة. لا شيء يشير إلى أنّ مريم كانت تخالف الشريعة! ولكن لا يبدو أنَّ الشريعة كانت حدودها.

 

 فتحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل كان على طلبها رحمة بالنّاس، إذ قالت ليسوع إبنها: "ليس عندهم خمر!" ثمَّ للخدم: "إفعلوا كلّ ما يقوله لكم!" وتمَّ تحويل ماء أجران الوضوء التي تمثِّل الشريعة إلى خمر (القدّاس)، وعلى درب الجلجلة كانت ترى ما يحصل لإبنها وتقديمه أمّه لنا من خلال التلميذ الذي كان يحبّه، علامة رحمة من قبله كثمرة لتربيتها له كإنسان على هذه الرّحمة!

 

وهي لم تنفكّ في التاريخ تدعو أولادها في الكنيسة إلى الخلاص والإيمان بيسوع رحمة بهم وبخلاصهم. وعلى صورة مريم كان يسوع الإنسان لتكون مريم على صورته في عمله الإلهيّ على خلاص البشريّة.

 

 

وجه الله في وجه الإنسان

تجلَّت ثمار رحمة مريم في رحمة يسوع اللامحدودة. فيسوع هو الحبّ المتجسِّد وهو وجه رحمة الآب كما يصفه البابا فرنسيس في مرسوم تعيّين سنة الرّحمة. فوجه يسوع هذا هو الوجه البشري الذي، على الرّغم من العداء الذي كان موجّهًا ضدَّه بعنف منقطع النّظير، كان يزرع الخير والمساعدة والمعجزات حيثما حلّ وإلى كلّ مكان كان يرحل إليه.

 

فعلى وجهه تجلّى وجه رحمة الآب في تمام كماله! فمن رأى الإبن قد رأى الآب، وكلّ ما هو للآب هو للإبن. فكلّ رحمة الآب متجلِّية في يسوع المسيح إبنه الوحيد!

 

 

إن أردنا إكتشاف مدى عظم الرّحمة يكفي أن ننظر إلى يسوع، وعلى وجهه نكتشف مدى رحمة الآب. ولكن حدود الطبيعة البشريّة لا يسمح بالتفلُّت من حدود المكان والزّمان ليعيش صاحبه روحيًّا في لامحدوديّة رحمة الله اللامحدودة. إنّ وجه رحمة الآب المتجلّي على وجه يسوع هو إطلاق الرّحمة في أبعد مراميها.

 

 هل نريد فعلاً إكتشاف رحمة الآب؟

 

 علينا أن نعيش مع الإنجيل يوميًّا لنكتشف رحمة يسوع ونعمل على تقليده فيها. ويسوع نفسه يذهب بنا إلى المعيار المطلق في مرجعيّة الرّحمة، ألا وهو الآب السّماوي "الذي يسكب غَيْثَه على الأبرار والفجّار". فرحمة الله لا تميِّز بين النّاس! هذا ما عاشه يسوع! لقد رحم كلّ من إستنجد به وآمن به! وهذا الوجه يعكس الوجه البشري لمريم الأُمّ التي لا تكفّ عن توجيه النّاس إلى يسوع صاحب الرّحمة المطلقة كما فعلت في عرس قانا الجليل!

 

 

خلاصة

إن لم نعش تطبيق رحمة الله في حياتنا تبقى مسألة خارجيّة عن فعاليّة الشهادة الحياتيّة، تبقى نظريّات!

 

 كانت مريم مشبعة بمحبّة الله، وكانت ممتلئة نعمة، أي كانت بإتّحاد عميق مع الله الذي كان يملأ حياتها. تجلَّت الرّحمة في حياتها عبر خدمتها لنسيبتها إليصابات بعد أن بشَّرَها الملاك بأُمومتها لله!

 

ومريم كانت تحفظ كلّ ما كان يُقال عن يسوع منذ ولادته وتتأمّله. فيسوع عاش رحمة الآب بكلّ أبعادها على الأرض، وأعطانا وصيّة أن نعيشها عن قرب.

 

لذلك قد قال لنا: "كونوا رحماء كما أنَّ أباكم السّماوي رحيم هو! فإنّه يشرق شمسه على الأبرار والفجّار، ويسكب غَيْثَه على الصّالحين والأشرار!".

 

 فهل نحن نحيا فعلاً هذه الرّحمة؟ كيف يراها في حياتنا المسيحيّون وغير المسيحيّين؟

 

 

المطران الياس سليمان      

 

    

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية