الرّوح القدس عصب الكنيسة

­­­

 

 

 

 

الرّوح القدس عصب الكنيسة

 

 

إنَّ التقليد المسيحي منذ زمن الآباء فهم الختم الروحي كتعبير ينزل إلى النّفس البشريّة ويطبعها إلى الأبد، بما يحمل من مضامين ومعانٍ وخيرات سماويّة.

 

إنَّ الميرون، وهو إحدى علامات هذا الختم، يرمز إلى رائحة المسيح التي يجب على كلّ مسيحي أن يجسِّدها في حياته، وهذا الميرون لا تستعمله الكنيسة إلاّ في حالتين هما المعموديّة، والكهنوت.

في الأولى يطبع الميرون على جبهة المعمَّد، وفي الثانية على يدي المكرَّس للكهنوت مؤكِّدة بذلك على أنَّ الكاهن أصبح ممثّل المسيح وفي خدمة الكنيسة.

 

بداية الدّخول إلى الجوهر

 

المعموديّة والتثبيت والإفخارستيّا هي بداية الدّخول إلى المسيحيّة، وهي مرتبطة بشكل عضوي، وفي حين أنَّ الإفخارستيّا تتجدَّد كلَّ يوم لأنّها تطعمنا من خبز السّماء وهو حاجة يوميَّة ضروريّة كما نطلب في صلاة الأبانا، يُعطى الميرون لمرة واحدة لا تتكرَّر.

 

لقد أُعطي لنا هذا الوسم وسط عالم معقَّد، خاضع للتجارب والصّراعات الرّوحيّة، هذا يذكّرنا دائمًا أنّنا خُطِبْنا للمسيح وأصبحنا من أتباعه، لأنَّ الوسم الميروني نزل إلى أعماق كياننا ومنه نستطيع طوال أيّام حياتنا طلب القوَّة والعون والنّعمة، الشجاعة والفرح والثقة على الرّغم من ضعفنا وخطايانا.

 

الرّوح القدس يطهِّرنا وينعشنا ويحيينا، تمامًا كما أشار إليه حزقيّال النبي في قوله "سأرسل مياهًا صافية كي تتطهَّروا من كلِّ الأدناس والأوثان، وسأعطيكم قلبًا جديدًا وأضع فيكم روحًا جديدًا".(حز 36/ 25-26)

 

الكنيسة هي السرّ

 

المجمع الفاتيكاني الثاني طوَّر عقيدة الأسرار متجنِّبًا النّظر إليها كعناصر منفصلة لا رابط بينها، وأضاف: "الكنيسة ذاتها هي السرّ" أي أنّها في الوقت عينه العلاقة والوسيلة للوحدة العميقة مع الله ومن أجل وحدة الجنس البشري، وبذلك يردِّد المجمع الفاتيكاني كلمة المسيح "مَن رآني فقد رأى الآب"، فمَن يرى الكنيسة يرى المسيح لأنّها سرّ اللّقاء مع الله، ومَن ينتمي إلى الكنيسة بالعماد والتثبيت يصبح علامة الوحدة مع الله، لأنَّ الله هو مهندس الوحدة بين البشر وفق مخطَّطه.

 نحن إذًا متَّحدون بعضنا ببعض من خلال المسيح الذي يوقظ فينا الشهيَّة الإلهيّة ويعيد صياغتنا من الرّوح القدس.

 

 فهل ندرك هذا الختم الذي فينا؟

 

 وهل نشعر بالدين تجاه كنيسة المسيح التي منها ولدنا؟ و

 

هل نحن شهود للمسيح وصنّاع للوحدة بين الإخوة؟

 

نحن أمام عدد لا يستهان به من المسيحيّين يخاصمون كنيستهم، يتركون مقاعدها وصفوفها، ويرفعون الصّوت إزاءها ويواجهونها على أنّها خصم وعدوّ.

الكنيسة هي مؤسّسة لها تاريخها وشرائعها وتوجهاتها ولاهوتها وقدّيسيها وخطأتها، تعمل في العالم لأنّها أُرِسلت لخلاصه تمامًا كما أوصاها المسيح مؤسّسها.

 

الكنيسة إذًا مؤسّسة إلهيَّة بشريَّة والعالم المتحضِّر يثمِّن قوانينها وشرائعها لأنّها تحافظ على الحريّة وحقوق الإنسان والجماعات، والكنيسة ليست مسرحًا أو ملعبًا أو مكان لهو حيث يجلب كلّ واحد ما يراه مناسبًا من مأكل ومشرب وعادات وقواعد وسلوك.

 

الكنيسة تقدِّم لمؤمنيها إطار حياة وتقليدًا يساعد على وحدتها ويسمح لها بتجاوز الصّعوبات والأزمات.

إذًا الكنيسة هي مؤسّسة في خدمة حياة الإيمان، في كلِّ مستوياته ونحن شهود لرحمتها أي لرحمة الله ولو كنّا نحمل ذلك في آنيةٍ من خزف.

 

الكنيسة جسد المسيح

إنَّ المحبَّة هي التي تمنحنا المفتاح للدّخول إليها، وتذوُّق ثمارها الشهيَّة وإذا كانت الكنيسة مجموعة أعضاء، فإنّها من خلال هؤلاء تملك قلبًا يحترق حبًّا، لأنَّ الحبَّ وحده هو الذي يحرِّك قلوب المؤمنين وإذا ما خبا هذا الحبّ فإنَّ كلَّ شيءٍ سيتوقَّف، لأنَّ الحبَّ يحضن ويحتوي كلَّ المواهب وهو بذلك يدخل سعيدًا في الزّمان والمكان لأنّه أزلي. دعوة الكنيسة هي دعوة كلّ مؤمن وبالتالي دعوة المسيح المؤسِّس، إذًا هي دعوة حبّ وبولس الرّسول استطاع أن يفهم لُبَّ دعوة الكنيسة على أنّها جسد حيّ يعطي القوّة للشهداء والفهم للأنبياء والثّبات للرّسل، إنّه جسد حبّ.

 

الرّوح مدماك العيش والثّبات

"أنتم دعيتم إلى الحريّة"، إنّها كلمة المسيح الذي أرسله الآب طوعًا وحبًّا، واختار بذلك أن يشترك في طبعنا البشري ويعرف عن كثب أوضاعنا المزرية والمؤلمة.

 

 إن ما يضرم حياة المسيح هي تلك الإرادة الطوعيّة الحرَّة القائمة على إرضاء الآب وعمل مشيئته، وبالتالي إرادة إظهارها وإظهار ما فيها من حنان وحبّ، وكلّ ذلك من طريق طاعته وتواضعه. لقد ذهب المسيح بعيدًا في مواجهة عقلانيَّة العالم، بعد أن إختصَّ الفقير ورفع قامته وبعد أن قبل الأبرص وجالس الخطأة.

إنَّ الحريّة هي إمكانيَّة العمل وفق ما نرغب ذاهبين بها إلى أبعد الحدود والآفاق، لكنَّ الحريّة في المسيح هي عكس ذلك تمامًا لأنّها حريّة تعايش الرّغبة العميقة للخالق، وتعيش وتنمو من خلال شبهها بالحريّة الإلهيّة، لأنّنا خلقنا على صورة الله ومثاله وعلى الحريّة أن تواكب وتلتصق بالحريّة الأولى التي خرج العالم منها.

 

الحريّة في اللّغة الفلسفيّة شراكة إرادة تكبر وتنمو عبر الشراكة في الفكر والمشاعر، أي التواطؤ الحرّ بين إرادتنا وإرادة خالقنا، لأنَّ إرادة الله ليست غريبة عنّا ولا هي خارجيّة، لكنّها الإرادة التي يجب أن تسكنني وتسيِّر حياتي، وهكذا يتحوَّل الله فرحًا دائمًا لي لأنّه يرفدني بهذه الإرادة الكاملة وبهذا التّوق إلى التّلاقي والإستسلام المدهش بين يديه الممدودتين فوق العالم وفي قلب العالم، وفي ذهابه إلى الغاية أثبت المسيح يسوع طاعته لإرادة أبيه، وحبّه للبشر تحوَّل حياة لكي يجد كلّ واحد حياته فيه وكأنَّ صليبه الختم الأخير الذي أدخلنا من جديد في خدر الحريّة ونسق الله الأزلي.

 

هذه الحريّة البنويّة حصلنا عليها لحظة العماد التي أشركتنا في حياة المسيح، وهذه الحريّة في المسيح هي طاقة تحرّر لنا من العبوديّات.

 

هذه الحياة التي بدأت فينا بالعماد، يعمل الرّوح القدس على تغذيتها وتاهيلها وصيانتها وبلورتها وتفعيلها لأنَّ الرّوح يعمل فينا بأنّاتٍ لا توصف "أرسل روح ابنه إلى قلوبنا هاتفًا أبّا فما أنت بعد الآن عبدًا بل ابنًا" غلاطية ( 4/ 1-7) .

الجهاد الرّوحي شرط أساس

إنَّ النموَّ في الحريّة يواجه صراعًا روحيًّا، لأنّنا معرَّضون لضغوط الجسد والحواسّ والإغراءات. إنّه الضّعف البشري الموروث الذي هو بحاجة ماسَّة إلى يدٍ إلهيَّة تنقذه ممّا هو فيه، أما العزلة عن الله فتجعلنا نحيا في الكبرياء والعدم والإنطواء على الذّات، هذه هي العبوديّة الحقيقيّة، ومن يرغب في قيادة الرّوح له فإنّه سيخرج من الحدة والصّراع والإنقسامات الداخليّة، لأنَّ السّكينة الإلهيّة ستعود إليه، كذلك الحكمة والرّجاء والفرح والرّحمة، وسيكتشف كم سيكون السّلام الدّاخلي عظيمًا وكذلك السّلام مع الآخرين، وسوف تكون حريّته حريّة خيار لأنّه سيتحوَّل إلى شخص متَّزن طيِّب متواضع حكيم. إنّها قوَّة الثالوث فيه، إنّها عطيّة شخصيّة يحملها الرّوح ويزيِّن بها مراحل حياتنا كلّها.

 

الخوري إسكندر الهاشم   

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية