الرّوح القدس والجماعة المسيحيَّة

 

 

 

الرّوح القدس والجماعة المسيحيَّة

 

نسمع هذا أو ذاك من المؤمنين يقول: "أنا مؤمن وإن كنت غير ممارس ولست ملتزمًا بحياة الكنيسة وأسرارها، فأنا أصلّي "منّي لله" مباشرة ولست بحاجة إلى جماعة لأصلّي".

 من يقول هذا الكلام لا يعرف معنى الحياة المسيحيّة ولا معنى الكنيسة وجوهرها، ولا معنى أن يكون منتميًا إلى رعيَّة وإلى شعب الله. وأزيد وأقول إنّه إنسان لا يصلّي أبدًا. فالمؤمن بحاجة إلى من يعلّمه الصّلاة ويربّيه على عيشها بطريقة صحيحة بعيدًا عن الغلوّ أو التطرّف...

إنّا نشعر يومًا بعد يوم بأهميّة الحياة الرّوحيّة الجماعيّة المسيحيّة، فهي تعطي زخمًا ودفعًا لحياة روحيّة فرديّة. نرى كثيرين يتحدّثون عن الحياة الجماعيّة وأهميّتها وهم يتفرّدون بحياتهم الرّوحيّة. في دير كفيفان، كان الأخ إسطفان نعمه يخدم قدّاسات الآباء جميعها بفرحٍ سماويّ قبل أن ينتقل إلى صلاة شكر طويلة فرديّة...

 

 

 

لقد عاش يسوع حياة صلاة متواصلة مع أبيه السّماويّ ولكنّه كان يشارك أترابه في حياتهم الرّوحيّة أيضًا. وأعطى الكنيسة أسرارًا جماعيّة لتحيا بها وتعيش من خلالها. وختم حياته فأعطى تلاميذه وصيّته الوحيدة: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" (يو 15/ 12).

 

 

1- يسوع والحياة الجماعيّة

أثناء إعتماد يسوع في نهر الأردنّ على يد يوحنّا المعمدان حلّ الرّوح القدس عليه وجاء صوت من السّماء يشهد أنّه الابن الحبيب. بعدئذٍ إقتاده الرّوح إلى البريّة ليجرّبه الشيطان. صام يسوع في البريّة أربعين يومًا بقوّة الرّوح الحالّ فيه، وإستطاع أن يغلب الشيطان الذي حاول أن يُغويه بكلّ الوسائل التي توقع الإنسان الضّعيف في حبائله.

أمّا المسيح فقد إنتصر على مكر الشيطان، مستسلمًا لإرادة الآب القدّوسة. رجع يسوع إلى الجليل وهو ممتلئ بقوّة الرّوح القدس (لو 4/ 14).

إمتازت حياة يسوع الرّوحيّة بتلك العلاقة الحميمة التي كانت تربطه بأبيه، وبصلاته مع الجماعة اليهوديّة. كما إمتازت حياته الجماعيّة بعلاقة فريدة مع كلّ النّاس ولا سيّما تلاميذه.

 

 

أ- صلاة يسوع الجماعيّة

خضع يسوع وهو ابن الله لشريعة موسى منذ ولادته وطوال حياته حتّى موته. لقد خُتن وهو في اليوم الثامن من عمره (لو 2/ 21). وفي اليوم الأربعين لولادته صعد به أبواه إلى الهيكل ليقدّماه لله، بحسب شريعة موسى، إذ "كلّ بكر ذكر فاتح رحم هو نذر للربّ" (لو 2/ 22 - 23). وكان والدا يسوع يذهبان كلّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح (لو 2/ 41). لقد تربّى يسوع في كنف والدين تقيّين من "فقراء يهوه"، يعيشان بحسب وصايا الله وتعاليمه، متمّمين الفرائض بحذافيرها.

 

فعاش يسوع على مثال والديه، حياة ملؤها الصّلاة الجماعيّة أمضاها بين المجمع والهيكل. فكان يدخل كعادته، يوم السّبت إلى المجمع (لو 4/ 16). ويصلّي مع الجماعة اليهوديّة لا بل يشارك في القراءة وفي شرح النصوص الكتابيّة كالرّابينيّين أي معلّمي الشريعة (لو 4/ 16 - 21). وكان يصعد كلّ سنة مع أهله إلى أورشليم للإحتفال بالأعياد الكبرى (يو 7/ 1 - 10). وقبل موته، إحتفل بعشاء الفصح الأخير مع تلاميذه في أورشليم محوّلاً ذاته إلى حمل الفصح الجديد (متّى 26/ 26 - 30). لقد أصبح التلاميذ أهله، وأصحابه الأخصّاء، وعند موته أسلم لهم الرّوح.

 

 

ب- صلاة يسوع الفرديّة

لقد إستَمَدّ يسوع لصلاته الجماعيّة، صلاة كان يعيشها يومًا مع أبيه.

 فهو لم يكتف بحياة الصّلاة مع الجماعة بل كان "يصعد إلى جبل ويمضي اللّيل كلّه في الصّلاة لله". لقد صلّى لأبيه قبل أن يختار الرّسل الإثنيّ عشر (لو 6/ 12 - 16)، وقبل أن يختار بطرس رئيسًا للكنيسة (لو 9/ 18 - 21)، وعند تجلّيه على الجبل (لو 29/ 9)، وعندما علَّم تلاميذه الصّلاة الربيّة (لو 11/ 1 - 4).

 

صلّى صلاة كهنوتيّة طلب فيها من أبيه أن يحفظ من الشرّير جميع من يؤمنون به ومن سيؤمنون به على يدهم، طالبًا أن يكونوا واحدًا كما أنّه وأباه واحد (يو 17).

 

صلّى في جبل الزيتون قبل تألّمه ليبعد أبوه عنه كأس العذاب لكنّه خضع لإرادة أبيه كما كان خاضعًا لها طوال حياته (لو 22/ 39 - 46).

 

حافظ على هذه الحياة الرّوحيّة حتّى على الصّليب. راح يناجي أباه مردّدًا (المزمور 22): إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ تمّم كلام الأنبياء عليه والأنبياء هم لسان حال الله وناقلوا كلامه ولم يمت إلاّ بعد أن أعلن: "ها قد تمَّ كلَّ شيءٍ"، فأسلم الرّوح (يو 19/ 30)، هذا الرّوح الذي رافقه طوال مسيرته البشريّة ولا سيّما في حياته العلنيّة.

 

 

ج- حياة يسوع الجماعيّة

عندما بلغ يسوع الثانية عشرة من عمره، وهو بدء سنّ الشباب، وجده أهله بين العلماء يجادلهم في أمور الدين (لو 2/ 46 - 50). ويوم إلتقى بأندراوس وفيليبُّس (أو يوحنّا) دعاهما ليقيما معه (يو 1/ 35 - 42). بدأ رسالته فإختار أوَّلاً رسلاً يرافقونه في تنقلاّته ويشاركونه في رسالته (إختيار الإثنيّ عشر، والإثنين والسّبعين...) وكان يرسلهم إثنين إثنين، ليتقدّموه إلى كلّ مدينة أزمع أن يمضي إليها.

 

شارك النّاس أفراحهم وأضفى على حياتهم جوًّا من الفرح الرّوحيّ؛ ففي عرس قانا الجليل حوّل الماء إلى خمر بعدما نفد الخمر، فأظهر مجده وآمن به تلاميذه (يو 2/ 1 - 11). شارك اليهود أعيادهم فكان يحضرها جميعها. كان قريبًا من كلّ أحد. شفى المرضى، ردّ الابن الميت إلى الأرملة الثّكلى، جعل العميان يُبصرون والعرج يمشون و... شاطر الجميع أفراحهم وأتراحهم فكان يبلسم قلوب الجميع. كان ممتلئًا من الرّوح القدس ويسير بهدي الرّوح القدس وبقوَّته (لو 4/ 1 - 14).

 

 

لم يشأ المسيح أن يترك تلاميذه يتامى فوعدهم بالرّوح القدس قبل رحيله، وأرسله لهم يوم العنصرة ودعاهم أن ينقلوا قوّة الرّوح تلك إلى كلّ من يؤمن به من خلال الأسرار البيعيَّة. فكان الرّوح يُعطى بالعماد (أع 8/ 17) أو يستقرّ على الذين يسمعون كلام الرّسل (أع 1/ 44) فينالون بعدئذٍ المعموديَّة.

 

لقد وضع يسوع الأسرار الكنسيَّة لتحيا بها الجماعة المسيحيَّة وتتعاظم.

 

 

2- سرّ التّثبيت والحياة الجماعيَّة

تعيش الكنيسة من خلال أسرارها. هذه الأسرار وضعها يسوع أيّام عاش بيننا. بها ننال عطايا من الرّوح تدخلنا في حياة الله وحياة أبنائه. عندما تحتفل الكنيسة بسرّ من أسرارها يتدفّق الرّوح القدس عطايا على المؤمن وعلى المؤمنين جميعًا. تجعل الأسرارُ الكنيسةَ تعيش في حياة جماعيَّة حميمة، تربط المؤمن بأبيه السّماويّ من جهّة، وبأخيه الإنسان، من جهّة أُخرى.

 

في سرّ المعموديّة يصبح المؤمن إبنًا لله أخًا ليسوع وهيكلاً للرّوح القدس. أن يكون المؤمن هيكلاً للرّوح القدس، يعني هذا أنّه أصبح قادرًا على الحصول على نعم الرّوح القدس ومواهبه الفعّالة. يأتي سرّ التّثبيت ليدعم المؤمن روحيًّا فيصبح قادرًا على مجابهة قوى الشرّ منتصرًا عليها بقوّة الرّوح.

 

في التّثبيت ينال المؤمن مواهب الرّوح القدس فيصبح عضوًا فعّالاً داخل الجماعة الكنسيَّة. لم يعد مجرّد إبن رضيع لا يحسن سوى الإغتذاء، بل هو يضحي عاملاً نشيطًا في كرم الربّ. لقد دخل في الحياة المسيحيّة الجماعيّة وأصبح قادرًا أن ينقل بُشرى الخلاص لكلّ إنسان.

 

 

أ- الرّوح والتلاميذ

"سمع الرّسل في أورشليم أنّ السّامريّين قبلوا كلام الله فأرسلوا إليهم بطرس ويوحنّا. فلمّا وصلا إلى السّامرة صلّيا لهم حتّى ينالوا الرّوح القدس، لأنّه ما كان نزل بعد على أحد منهم، إلاّ أنّهم تعمَّدوا باسم الربّ يسوع. فوضعا أيديهما عليهم، فنالوا الرّوح القدس" (أع 8/ 14 - 17).

 

يذكر الإنجيليّ يوحنّا أنّ يسوع كان يعمِّد مع تلاميذه (يو 3/ 22) في بلاد اليهوديّة، ولم يكن الرّوح قد أعطي بعد، لأنَّ يسوع لم يكن قد تمجَّد (يو 7/ 39). لقد تكلَّم يسوع على الرّوح القدس، أنّه سيرسله بعد عودته إلى الآب. هذا الرّوح هو الرّوح المعزّي، روح العلم والفهم، الذي يذكّر المؤمنين بجميع ما قاله يسوع، هو الذي يوحِّد كلّ من يؤمن بيسوع، ويقدّسهم مانحًا إيّاهم مواهبه المتنوّعة.

 

بعد صعود يسوع إلى السّماء، أرسل روحه القدّوس إلى التلاميذ، فحلّ عليهم يوم العنصرة بشبه ألسنة ناريّة (أع 2/ 1 - 13). أعطاهم الرّوح القوّة والشجاعة فما عادوا يخشون شيئًا أو واحدًا. وانطلقوا يبشّرون اليهود والوثنيّين بعظائم الله الذي يحيي الأموات، وقد أقام يسوع من بين الأموات وجعله ربًّا ومسيحًا. هذا الرّوح ثبَّتهم في محبَّة الله وفي الإيمان به، فما عادوا يستطيعون أن يبقوا صامتين بل دفعهم هذا الحبّ وهذا الإيمان أن يعلنوا البُشرى السارّة للعالم أجمع.

 

 

ب- الرّوح وسرّ التثبيت

يُدخل سرُّ التثبيت المؤمن إلى حياة الجماعة المؤمنة والشّاهدة. لقد أصبح المؤمن شاهدًا لمحبّة المسيح وخلاصه. ينال الرّوح القدس ومواهبه المتنوّعة فيصبح قادرًا على عيش الحياة المسيحيّة مع إخوة له، رغم تعدّدهم وتنوّع آرائهم وأفكارهم.

 

يُضحي المؤمن معنيّ بكلّ مسيحيّ أوّلاً وبكلّ إنسان، لأنّ المسيح مات من أجله. "ألسنا جميعًا نأكل خبزًا واحدًا، وجميعًا نشرب دمًا واحدًا، إذًا نحن على تعدّدنا جسد واحد ونشترك في الجسد الواحد. فإن ضلَّ عضو ضلّت معه سائر الأعضاء...". هذا ما يردّده بولس الرّسول، هو الذي عاش المسيح وإختبر قوّته: "حياتي هي المسيح والموت ربح لي".

 

ما الذي يوحّد هذه الجماعة؟

 

 إنّه الرّوح القدس، الرّوح الواحد الذي يناله كلّ مؤمن بسرّ التثبيت. فسرّ التثبيت يجعلنا نتّحد بعضنا ببعض، رباطنا المحبّة وهدفنا المحبّة التي هي الله ذاته.

 

 

هو الرّوح عينه الذي حلّ على التلاميذ يحلّ علينا يوم إعتمادنا ويوم تثبيتنا، فما عدنا نخاف شيئًا، لا الخطيئة ولا الشرّ ولا الموت. نردّد مع بولس الرّسول: "ما من شيء يفصلني عن محبّة المسيح، لا ضيق ولا حبس ولا شدّة...".

 

 

يدخلنا سرّ التثبيت في حياة الجماعة. هذه الجماعة الواحدة التي يتّحد أعضاؤها بعضهم ببعض بقدر ما يدعون الرّوح الواحد يعمل فيهم، وبقدر إشتراكهم في سرّ المسيح الذي صار جسدًا وظلّ معهم وبينهم تحت أشكال الخبز والخمر. إنَّ إتّحادهم هذا يجعلهم قوّة يقهرون بها حيل الشيطان.

 

هذا الإتّحاد يشدّد عزائمهم فيعيشون المحبّة الحقّة التي تشهد لله ولمحبّته للبشر. الرّوح يهبّ حيث يشاء، فإن وجد أرضًا طيّبة عمل فيها وأثمر الثّمار الكثيرة: "ووقع بعض الحبّ في الأرض الخصبة، فأعطى بعضه ثلاثين وبعضه ستّين وبعضه مئة".

 

كيف تكون الحياة الجماعيّة صحيحة؟

وكيف يشهد المؤمن من خلالها على محبّة الله التي لا تعرف حدودًا؟

 أليس هدف المسيحيَّة والحياة المسيحيَّة خلاصَ الإنسان؟

 

 

3- الحياة الجماعيَّة الحقّة

"وكان المؤمنون كلّهم متّحدين، يجعلون كلّ ما عندهم مشتركًا بينهم، يبيعون أملاكهم وخيراتهم ويتقاسمون ثمنها على قدر حاجة كلّ واحد منهم. وكانوا يلتقون كلّ يوم في الهيكل بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب. ويُسبِّحون الله، وينالون رضى النّاس كلّهم" (أع 2/ 43 - 47). دعوتنا إذًا أن نعيش معًا على مثال حياة المؤمنين الأوائل.

 

أ- العيش معًا لأجل بعضنا البعض

نعيش معًا، ليستطيع كلّ واحد أن يصنع خلاصه بطريقة أسهل وأضمن. إنّ مفهوم حياة الجماعة الرّوحيّة ناقص. لا يكفي فقط أن يكون هناك تجمُّع أشخاص، لهم الهدف ذاته، ليكون هناك جماعة. فهذه تفرض إندماجًا ووحدة لا تخلقها علاقة عابرة أو مقابلة سطحيّة.

 

 كلّما كثر عدد الأشخاص المنتمين إلى جماعة معيّنة يصبح بعدها سلبيًّا. فلا يشعر فيها الإنسان بالعقليّة ذاتها.

 

 الكنيسة هي إتّحاد الأعضاء بعضها ببعض، هي تماذج أشخاص هدفهم تحقيق معنى الكنيسة. هناك تجمّع إذًا له غايته. كلّ إنسان يسعى إلى تحقيق قداسته من خلال الجماعة والجماعة تسعى إلى تقديس ذاتها من خلال تقديس أفرادها.

 

 كثير من المؤمنين، الممتلئين نوايا صافية وتضحية، يبقون مدركين أنّ عليهم واجب التضحية في سبيل الآخرين دون أن يكون لديهم أدنى فكرة أنّ لهم الحقّ أن ينالوا هم أيضًا حتّى من الذين قدّموا لهم وضحّوا. عندهم ميل أن يفكّروا أن بتصرّفهم هذا يعيشون مسيحيّتهم بكمالهم.

 

تكون الجماعة حقيقيَّة عندما تجتمع لتكون معًا ولتعيش معًا. يجتمع أشخاص معًا، يكون لدى كلّ واحد منهم وجوده الخاصّ، ومصيره الخاصّ ودعوته الخاصّة، فيكون الواحد في خدمة الآخرين.

 

قرَّر كلّ واحد إعطاء الذات كليًّا، والأخذ من الجماعة كلّ ما تستطيع أن تقدّمه وما يجب أن تهيّئه. يجب علينا أن نقبل الآخرين، دون السّعي إلى القضاء على السرّ الداخلي عند كلّ واحد منهم، ودون البحث في تهميشهم، أو إقصائهم، أو جعلهم على قدر ذكائنا وأحاسيسنا. هذا يتطلّب خروجًا من الذات، ورفض الأنانيّة الناتجة عن إنزوائنا، والقوقعة على ذواتنا.

 

 الحياة الجماعيّة الحقّة هي عمل روحيّ متكامل، لا ينحصر بالأشخاص الذين يؤلّفونها، لا بل هي تتخطّاهم، لتجعل من كلّ عضو شخصًا كاملاً مؤهّلاً للخلاص.

 

 

هو الإتّحاد داخل الحقيقة التّصاعديّة التي تنشئ الجماعة، وتحفظها حيّة وفاعلة. لذا، إنّ الجماعة تستمرّ بقدر ما تصبو إلى الأعلى. فيها الكلّ يعطي والكلّ ينال: فكلّ واحد معنيّ بالجميع بكلّ ما لديه وبكلّ ما هو عليه. كما كلّ واحد يشعر بالفقر الذي يدفعه أن يكون بحاجة للآخرين، كذلك كلّ واحد يقبل أن يتخلّى عن وحدته، ليس فقط بأن يعطي ذاته، بل بأن يقبل التغيير في حياته، مغتنيًا بعمل الآخرين عليه.

 

 

ب- الرّوح يعمل فينا

في الجماعة المسيحيّة، نحن واحد في المسيح، نحن واحد في الرّوح. إنّ هاتين العبارتين تردان دائمًا في الكتاب المقدّس. دون الحقائق الإلهيّة أي النعمة، حياتنا الجماعيّة تضمحلّ عند محدوديّتنا. يجب أن يحرّرنا الحقّ، وعلى المحبّة السرمديّة أن تضاف على المحبّة الخاصّة، لنبلغ كلام المسيح: "ليكونوا واحدًا كما أنا وأنت أيّها الآب، واحد".

 

هو الرّوح، تلك العلاقة التي تربط الآب بالابن، هو وحده القادر أن يجمعنا بهذه الوحدة التي تفوق قدرة الإنسان. هذا الرّوح وحده "الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنّه لا يراه ولا يعرفه" (يو 14/ 17) قادر أن يوحّدنا، رغم طبيعتنا الضّعيفة والخاطئة، في ملكوت الحقّ. "أنت قلت، إنّي ملك، ولدت وأتيت العالم لأشهد للحقّ. فمن كان من أبناء الحقّ يستمع إلى صوتي" (يو 18/ 37). "هو الرّوح القدس الذي يرسله الآب باسمي، يرشدكم إلى الحقّ كلّه، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم" (يو 14/ 26). "عندما يأتي روح الحقّ الذي يرسله الآب، هو يشهد لي" (يو 15/ 26).

 

 

لا يمكننا أن نفصل ملكوت المسيح عن ملكوت الرّوح. من المستحيل أن نفصل دور المسيح الفادي عن دور الرّوح المقدَّس، كما لا يمكننا أن نفصل مواهب الرّوح عن سلطة الكنيسة.

 

 فالرّوح بالنسبة إلى المسيحيّ هو المربّي للشريعة الجديدة، هو المعلّم، والمرشد الجوهريّ الداخليّ. هو الذي ينشئ شعب الله، العالم الجديد، فيجعل كلّ واحد منفتحًا للحقّ، أو بطريقة أصحّ، يعطيه قلبًا جديدًا، قادرًا على قبول الحقّ المحرّر.

 

 إنّه لا يضيف ولا يبدّل شيئًا على إنجيل المسيح، إنّه يغيّر القلوب لا الرّسالة. بعمله المتواصل في النّفوس وفي الكنيسة، يجعل عمل المسيح حيًّا دائمًا، كما يجعله حيًّا، كلُّ من لم يرفض عمل المحبّة في حياته. بفضله، لا يتحوّل الإنجيل إلى إيديولوجيّة صوريّة بل يبقى "نبع ماء يجري للحياة الأبديّة" (يو 4/ 14).

يعرف المسيحيّ أنّ إيمانه، إلى حدّ ما، يجعله ينقطع عن العالم. مستنيرًا بالنّور السّماويّ الإلهيّ، ومنقادًا بروح الحقّ نحو الملكوت الذي ليس من هذا العالم.

 

 يرفض المسيحيّ ما يقبله العالم: يقول لا، عندما يقول العالم: نعم، لكنّ الإيمان ليس فقط هذا الرّفض. هو قبول الله، وبالتالي هو رفض كلّ ما يرفضه الله. وبما أنَّ الإيمان هو عطيّة من الله وقبول لهذه العطيّة، فهو يقود إلى الله الحيّ، الذي هو المحبّة.

 

 فهذا الإيمان موجّه نحو المحبّة. والرّوح الذي هو محبّة أبديّة، عندما يمتلك النّفس، يجعل فيها الحقّ حياة. عندما ينال المؤمن روح الله، يحبّ الله الحيّ، ويحبّ المسيح، ويحبّ كلّ ما يحبّه الله. يستسلم المؤمن إذًا للحقّ المحيي ولا يجعل الحقّ يخضع له. ليقبل المسيحي الحقّ فيه، عليه أن يموت عن نفسه، أن يتخلّى عن ذاته، بشكل قطعيّ، متخليًّا عن أنانيّته.

 

 وراء تعاليم الكنيسة، التي يتقبّلها بأمانة، يرى وجه المصلوب، وينتظر من الرّوح القدس، أن يقوده إلى سعادة الثالوث الأقدس. عندئذٍ تتعدّى محبّة الله إلى محبّة الإنسان، باذلاً ذاته لأجله، لكي يتقاسم معه الرّوح، فيقول مع بولس الرّسول: "لو كنت أنطق بألسنة النّاس والملائكة ولم تكن فيّ المحبّة، ولو كانت لي النبوءة وأعرف جميع الأسرار وكلّ العلوم، ولديّ ملء الإيمان، ولم تكن فيَّ المحبّة، فلست بشيءٍ" (1 قور 13/ 2).

 

 

ج- أصل الإنسان وغايته

يجهل المؤمن أنّ أصله إلهيّ وغايته الألوهة، وما دور الحياة الكنسيّة سوى إظهار هذه الحقيقة له. الكنيسة هي حاضرة لتجعل الحوار بين النّفس والربّ ممكنًا. وإن سعى المسيحيّ أن يبلغ الإتّحاد بالله خارجًا عن الكنيسة فهو، لا محالة، يقضي على علاقته بالربّ ويخسر علاقته بالكنيسة.

 

 تقود الكنيسة المؤمن نحو الباري، كما يقود الأهل أولادهم دون قيد للحريّة، فعليه أن يبرهن عن محبّته للأخوّة، التي تجعله متضامنًا مع جميع إخوته. عليه أخيرًا، أن يجابه الشرّ الذي يترصّد الكنيسة، الأُمّ والمعلّمة.

 

الرّوح يُحرِّر بهذه الحريّة المعطاة من قبل المسيح الذي ينزع المؤمن من عبوديّة الشريعة والجسد. على المؤمن أن يحفظ في آن كإمتياز وواجب، الحريّة التي يعطيه إيّاها المسيح. في المسيح وفي الرّوح، أصبح المؤمن إبنًا محبوبًا لله. بخضوعه لشريعة خارجيّة يحافظ على حريّة داخليّة.

 

لم يعد منذ الآن يعتبر نفسه ملتزمًا بشريعة خارجيّة، بل أصبحت المحبّة غير المتجسّدة شريعته الحيّة: "لم آت لأنقض الشريعة بل لأكمّلها". ليست حريّة الرّوح هي عدم التعرّف إلى معلّم أو وصيّة، بل هي الإستسلام للمعلّم الداخليّ. لم يعد الله مفروضًا عليه، لأنّ لديه السّلطة على العقاب والمكافأة، ولكن لأنّه الخير المُطلق.

 

 

فالمحبّة هي الوصيّة الأولى والوحيدة التي تضمّ بقيّة الوصايا. هي التي تقود المؤمن أن يتصرّف تجاه الله كابن فيقول الله له: "يا بنيّ، كلّ ما هو لي هو لك". فالحياة المسيحيّة لم تعد تتميمًا لفرائض وشرائع بل هي تصرّف بنويّ. هذا التصرّف يقود المؤمن إلى التخلّي عن ذاته في سبيل الآخرين على مثال المعلّم الإلهيّ الذي بذل نفسه في سبيل أحبّائه. "فالذي يبذل نفسه في سبيلي يجدها". في علاقاتنا مع الله بالرّوح لا نبحث عن غنى التسلّط بل عن غنى الشراكة السرّي. يغتني المؤمن بقدر ما يبذل ذاته ويفقدها. ألم يقدّم الأب مكسيمليان كولبي الفرنسيسي ذاته للموت مكان إنسان آخر كان يبكي زوجته وأولاده؟ ألم يجعل منه إنسانًا مؤمنًا يشهد بمحبّة الله من خلال محبّته وتضحيّته بذاته في سبيل خلاصه؟

 

يجب أن نجعل من ذواتنا تقدمة مرضيّة لله باستسلامنا كليًّا في مصائبنا وهفواتنا، في برارتنا وأفراحنا، عارفين أنّ محبّته وحدها تنقذنا. نحن مدعوّون إذًا أن نعيش نداء المحبّة الخالقة الفادية. تصبح حياتنا عندئذٍ رضى دائمًا أمام الله فندعه يخلقنا مرّات عدّة، فنتّحد بهذه المحبّة اللامتناهية ونسعى لكي نكتشف كلّ يوم وفي جميع الأوقات الطريقة الفضلى لقبول محبّة الله فننفتح لعملها فينا.

 

 

فهذا الرّوح عينه، الذي يوحّدنا بسرّ الله، يجعلنا قادرين أن ندرك ونعيش سرّ المحبّة الأخويّة، الذي هو صفة خاصّة بسرّ الله. فالله محبّة ولأنّه محبّة أعطانا ابنه لكي بموته حبًّا بنا، يهبنا الحياة الحقّة، معه وفيه. هنا نجد الشريعة المسيحيّة بتمامها. لنعيش حياة المسيح، المحبّة ضروريّة وكافية، ولكنّ هذه المحبّة يجب أن تكون على مثال المحبّة التي عاشها المسيح وعلّمها: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم".

 

فالوصيّة الجديدة التي أعطانا إيّاها المسيح تتجلّى في هذه الكلمات: "كما أنا أحببتكم". فمحبّة المسيح لنا تجلّت خاصّة أثناء موته على الصّليب وفيه، وقد قبل بهذا الموت ليخلّص الإنسان. أن نحبّ الآخرين كما أحبّ المسيح، هو أن نكون قادرين أن نهب حياتنا، أن نضحّي بذاتنا ليخلّص الآخرون. عندها فقط نحمل السِّمة المسيحيَّة، أن نكون أبناء مع الابن، ومخلّصين مع المخلّص.

 

هذا إذًا سرّ المحبّة المسيحيّة: كلّ شيء متعلّق بـ"كما أنا أحببتكم": حياة المسيحيّ وحياة الكنيسة. هذه هي ميزة المسيحيَّة، التضحية بالذات في سبيل خلاص الآخرين. فلا يعود الإنسان منغلقًا على ذاته بل يصبح كلاًّ في الكلّ على مثال معلّمه.

 

 إن شئنا أن نكون مسيحيّين علينا أن نعيش وأن نموت في سبيل الآخرين.

 

لقد تجلّت محبّة المسيح على الصّليب لا سيّما عندما غفر لقاتليه: "أغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون". محبّته ظهرت شاملة دون تمييز بين شخص وآخر. ما إن تفوّه لصّ اليمين بهذه الكلمات، وقد أمضى حياته في حياة بعيدة عن الله: "يا ربّ، أذكرني متى أتيت في ملكوتك"، حتّى أجابه الربّ: "اليوم تكون معي في الفردوس". لقد قبله في عداد المخلّصين لكونه سأله الرّحمة. فرحمة المسيح تفوق خطايا اللّص وتفوق خطايا العالم أجمع.

 

محبّة المسيح هي مجّانيّة، لا تتطلّب سوى الإنفتاح لإلهاماته. لقد غفر لقاتليه قبل أن يتوبوا. أمّا هم فمن تاب منهم فقد نال الخلاص. قال قائد الحرس: "في الحقيقة كان هذا الرّجل ابن الله"، ومن رفض التوبة نال جزاء الكافرين. يرغب المسيح بشدّة خلاص كلّ إنسان لكنّه يترك له الحريّة. إن شئنا أن نحيا يجب أن نتشبَّه بالمعلّم الذي إنتصر على الموت بموته وقيامته، مقدّمًا ذاته في سبيل الآخرين.

 

نعيش ونموت لأجل الآخرين، لماذا؟

لأنّنا بالمعموديّة إندمجنا في حياة ليست خاصّتنا. هذه الحياة تفرض علينا أن ننقاد إلى هدف سام: حياة المسيح لأجل خلاص العالم. العيش مع المسيح يعني الإتّحاد به على هذه الأرض لبلوغ المجد السّعيد معه في الملكوت. وحدها محبّة الآخرين، إتّحادًا خلاصيًّا، يكون هدفه المسيح.

 

يبقى على المؤمن أن يقبل أن يعيش مع الآخرين ولأجلهم، واضعًا في خدمتهم، ليكونوا مخلّصين ومقدّسين، كلّ ما هو وما لديه من مواهب، إن بالطبيعة أو بالنعمة. هنا تتجلّى معاني الحياة المسيحيّة: أن يتصرّف المؤمن تصرّفًا يقوده إلى خلاص نفسه من خلال خلاص الآخرين.

 

يجب أن نحبّ الآخرين، لا أن نعطف على أشخاص معدمين فقراء نراهم عبر شاشة التلفزيون، بل نحبّ أشخاصًا نلتقي بهم يوميًّا، نعرف مصائبهم، ونواقصهم، وأخطاءهم، وكلّ ما ينجم عنهم من تصرّفات مؤلمة تجاهنا. علينا أن نقبل أن نُصلب لأجلهم، لنبلغ معًا خلاصًا بواسطة المحبّة العلويّة.

 

 فالمسيحيّ الحقيقيّ هو الذي يضحّي بأنانيّته وبمحبّته لذاته، فيضمّ العالم كلّه ويقوده نحو المسيح مقدّمًا له خيرات الخلاص. عليّ أن أنسى كلّ الإهانات وعدم الأمانة من هذا العالم المحيط بي لأتقدّس وأُخلّص ذاتي.

 

 أنا مدعو ليس فقط أن أقبل الألم لأجله أيضًا، بهذا الألم ذاته الذي يتأتّى منه. فالمسيحيّ الذي يتألّم من قريبه، يقدّم هذه الآلام لأجل خلاص هذا القريب، فينال الخلاص معه. فهذا الصّليب الذي يلقيه عليَّ هذا القريب يصبح إذًا أداة خلاص لهذا القريب كما كان صليب المسيح أداة خلاص للّذين صلبوه.

 

أخيرًا يجعل الرّوح من المسيحيّ، مدافعًا في خدمة الكنيسة، لأنَّ عليه دائمًا أن يلتزم في محاربة قوى الشرّ، ليس في داخله فقط بل حيثما يعمل "أكون هذا العالم". المسيحيّ الأمين على روح الحقّ والمحبّة، يعيش وسط العالم، في علاقة صداقة مع الجميع، يشهد لحقوق الله والكنيسة، معلنًا ملك المسيح في عالم يرفض الله والمسيح والكنيسة.

 

لا ينتظر المؤمن أن يلقى ردود فعل إيجابيّة بسهولة، عليه أن يزرع بالدّموع ما سيحصده غيره بالفرح، عالمًا أنَّ الله وحده هو الديّان الذي سيجازي كلّ إنسان حسب أعماله. الله يخلّصنا بفعل الآخرين بواسطة شرائع تبقى مجهولة لدينا في تطبيقاتها الحسيَّة.

 

 

خاتمة

"ما من حبٍّ أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبّائه" (يو 15/ 13). من هم أحبّائي؟ هم أولئك الذين مات المسيح من أجلهم. لقد ضحّى المسيح في سبيل خلاص العالم كلّه. فأنا على مثاله عليّ أن أكون أداة خلاص وسلام لكلّ إنسان فأصلّي مع فرنسيس الأسّيزي: "يا ربّ إجعلني أداة خلاصك وسلامك".

 

"إنَّ الرّوح يعمل فينا بأنّات لا توصف"، هو الذي يقدّسنا ويجعلنا جديرين بكلّ خدمة تؤول إلى تمجيد اسم الله وتقديسنا. فلنتّحد ببعضنا البعض بواسطته ولنجعل من حياتنا كلّها شهادة للحقّ، وتمجيدًا للآب والابن والرّوح.

 

الخوري أنطوان الدَّويهي

 

 

 

                          

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية