السّلام في تعليم الكنيسة الإجتماعي

 

 

 

 

 

السّلام في تعليم الكنيسة الإجتماعي

 

مقدّمة

 

السّلام هو موضوع السّاعة وكلّ ساعة. هو مشتهى جميع الأجيال. التوق إلى السّلام، نزعة إنسانيَّة طبيعيَّة وبديهيَّة فكلّ إنسان يُفتِّش عن العيش في طمأنينة وسلام.

فيا ليت آدم وحوّاء إستمرّا بسلام مع الله! إذُا لبقينا بسلام معًا! ويا ليت قايين أستفسر من أخيه هابيل عن سرّ قبول الله ذبيحة هذا الأخير، لعاشا ثنائيًّا أخويًّا سلاميًّا ولقضيا على الشرِّ من أوَّل تجربته!

يُشير النبي حزقيّال إلى أنَّ الله، بحضوره المقدَّس، يُشدِّد اليهوديَّة والسّامرة، المملكتين المنقسمتين والمتناحرتين، ويُباركهما في معاهدة سلامٍ ووئام.

وقال صاحب المزامير "العدل والسّلام تعانقا" (مز 58/ 11) ولكن السُّبل التي يسلكها الإنسان لإقتناء السّلام ليست هي دائمًا سبل الله. لذا عليه بالتوبة الدائمة إلى الله ليأتي مسعاه إلى السّلام حقيقيًّا، يسوع حامل سلام الله إلى أرض البشر، عبَّر عن رسالة السّلام تعبيرًا عميقًا في التطويبات: "طوبى لفاعلي السّلام، فإنّهم أبناء الله يدعون" (متّى 5/ 9).

 

ويُظهر بولس الرسول إرتباط السّلام بالفداء.

 إنّ المسيح "هو سلامنا"، فقد حقّق السّلام مصالحًا الشعبين (اليهود والوثنيّين) "بإحلاله السّلام بينهما" واتّحادَهما "في جسد واحد" (أف 2/ 14 - 16)، بدمه "على الصّليب" (قول 1/ 20). بواسطة يسوع المسيح يحيا المؤمن في سلام مع الله (روم 5/ 1)، إله السّلام (2 قور 13/ 11).

إنّ السّلام هو ثمر الرّوح (غل 5/ 22). "جاء وبشّرنا بالسّلام". وليتغلَّب في قلوبكم سلام المسيح، والسّلام الذي إليه دعيتم في جسدٍ واحد" (قول 3/ 15). فالعيش مع الآخرين في حقٍّ وسلام، هو تصرّف إنسان "حكيم وفهيم" يعرف الله. لأنّ "الحقّ" و"الحكمة" عطيّة "من علُ". فـ "الحكمة النّازلة من علُ"، هي "مُسالمة". وثمر البرّ يزرع السلام لفاعلي السلام (يع 3/ 13 - 18).

ويرى يوحنّا، مثل بولس، أنّ السّلام هو ثمرة ذبيحة يسوع المسيح (يو 16/ 33). فهو يختلف تمامًا عن السّلام الذي يعطيه العالم. يوضح يوحنّا أنّ في حضور يسوع ينبوع السّلام وجوهره: "السّلام أستودعكم وسلامي أعطيكم" (يو 14/ 27). إنّ كلمات سيِّدنا يسوع المسيح تُشكِّل قاعدة روحيَّة متينة لتأمّل المؤمنين وجهودهم في سعيهم الحثيث نحو العدل والسّلام الذي هو عطيّة الله وحين يتغلّب على الموت يعطي، مع سلامه، الرّوح القدس وسلطة غفران الخطايا (يو 20/ 19 - 23).

 

يقول القدّيس أوغسطينوس (354 - 430): "المدينة الأرضيَّة، التي لا تحيا من الإيمان، تتوق هي أيضًا إلى السّلام الأرضي". وعلى الصّعيد الإجتماعي، فالذين ينتمون في وقت ما إلى المدينة السّماويّة، بقرار حرّ منهم، يجتهدون في تأمين السّلام الخارجيّ، أي السّلآم على الأرض، بشرط أن لا يسيء هذا السّلام إلى الدين الذي يعلّم عبادة الله الواحد الحقيقيّ.

أمام ظاهرة الخلافات بين النّاس والمؤسّسات والدّول في كلّ زمان ومكان، يقول أوغسطينوس: "إذ أراد الأخوة أن يعيشوا في وئام، فعليهم أن يتوبوا إلى تملّك خير لا يتجزّأ".

لاون الثالث عشر وبيوس الحادي عشر وبيوس الثاني عشر ويوحنّا الثالث والعشرون وبولس السادس كانوا صنّاعًا طيِّبين وشجعانًا للسّلام الحقيقيّ.

في جوّ الصّراع بين الأُمم من جهّة ورجاء سلام عادل ودائم من جهّة أُخرى، إتّخذ البابا بيوس الثاني عشر موضوع رسائله الإذاعيَّة إلى العالم المفهوم المسيحي للنّظام الخاصّ في العلاقات بين الدّول.

ولقد نشر، على مدى السّنين العشرين من حبريّته، خمس رسائل عامّة مخصَّصة حصرًا لدعوة المؤمنين في العالم أجمع إلى الصّلاة من أجل السّلام، كما أنّه ألقى ونشر أكثر من عشرين خطابًا إذاعيًّا ورسالة مكرّسة كليًّا لإيضاح فكر الكنيسة في مسألة السّلام. لقد كان شعار بيوس الثاني عشر مدّة حبريّته: "السّلام ثمرة العدالة".

 

ففي رسالة سنة 1939، عرض نقاطًا من أجل سلام عالميّ دائم.

ورسالة سنة 1942 كان موضوعها السّلام والنّظام داخل الدّول ومقتضياته.

ورسالة سنة 1943 أكّدت أنّ السّلام الحقيقيّ لا يمكن أن يُبنى على الإزدهار المادّيّ فقط، بل يجب تركيزه على العدالة والحقّ.

ورسالة سنة 1944 حدَّدت بعض الشروط للمحافظة على السّلام في نهاية الحرب العالميّة الثانية: ضرورة إنشاء منظّمة دوليّة تحافظ على السّلام، ويقرّ لها الجميع بسلطة عليا تمنع التعديّات. 

وحين كان أنجيلو رونكالي (يوحنّا الثالث والعشرون) سفيرًا باباويًّا في فرنسا، قال في خطاب أمام رئيس الجمهوريّة الفرنسيَّة (Vincent Auriot) في 30 كانون الأوّل 1950: "إنَّ قواعد السّلام هي قواعد الحضارة ذاتها".

 

في رسالته الأولى Urbi et Orbi، التي صدرت في 29 تشرين الأوّل 1958، أي في اليوم التالي لإنتخابه، توجّه قداسة البابا يوحنّا الثالث والعشرون إلى مسؤولي الأمم لحضِّهم على الإلتزام بالسّلام المؤسَّس على الحقوق المشروعة لجميع الأطراف والمنفوح بروح المحبَّة.

 

كما أنّ "السّلام" كان أحد موضوعات رسالته العامّة الأولى Cathedram Ad Petri  (29 حزيران 1959). وتمحورت رسالته الميلاديّة الثانية (23 كانون الأوّل 1959) حول السّلام وإنطوَت بشكل معلَّب على بعض المبادئ التي ستوسّعها رسالة "السّلام على الأرض".

 

تشير الرّسالة "أُمّ ومعلّمة"، (15/ 5/ 1961) إلى ما يخيّم على العالم من ظلّ كثيف، هو ظلّ الحرب، أي في أوائل الستّينات. وهو ظلّ يشير إليه التسابق إلى التسلّح، والخوف الدائم من وقوع كوارث.

جاء في رسالة إذاعيّة للبابا يوحنّا الثالث والعشرين، في 11 أيلول 1962 ما يلي:

 

"أيّ إنسان لا يسعى إلى السّلام بجميع قواه؟ وهكذا الكنيسة، أكثر من أيّ أحد، لأنّها أُمّ الجميع. فبصوت باباواتها لا تنفكّ تعلن حبَّها للسّلام، وإرادتها في صنع السّلام، وتعاونها المخلص مع كلّ جهد مخلص لصالح السّلام". وجاء فيها أيضًا : "ثمَّة إشارات أكيدة من التفهّم أنّ دعاء السّلام المتضمِّن في رسالتنا الإذاعيَّة في 25 أكتوبر الماضي (1961)، لم يكن كلامًا ذهب مع الرّيح، بل مسَّ العقول والقلوب وفتح مطلاّت جديدة مع الثّقة الأخويّة وبشائر آفاق هادئة من السّلام الحقيقيّ الإجتماعيّ والدُّوَليّ".   

الأربعاء 25 تشرين الأوّل 1962: في خطاب مختصر أمام ثمانمئة من الحجّاج البرتغاليّين، دسَّ، بشكل شبه إرتجالي، مقطعًا جاء فيه: "إنَّ البابا يتحدَّث دائمًا بشكل جيِّد عن جميع المسؤولين الرّسميّين أيًّا كانت جهّتهم، عندما يسعون إلى التّلاقي لتجنُّب الحرب في الواقع وتوفير شيء من السّلام للبشريّة". وجاء أيضًا ما يلي:

 

"ليس للكنيسة ما هو أعزّ على قلبها من السّلام والأخوّة بين البشر، وستعمل بلا كلل على إرسائهما... تتوسَّل إلى جميع الحكّام أن... يلبّوا كلّ ما في وسعهم من أجل إنقاذ السّلام!".

مساء ذلك اليوم، أبلغ البيت الأبيض أنّ السّفيرَين السّوفياتيّين في لندن وبون قد أبديا إهتمامهما بمناقشة حلّ سلميّ للنّزاع في شأن كوبا. وفي 13 كانون الأوّل 1963، باح الرّئيس السّوفياتي خروتشوف بما يلي: "قد نكون، البابا وأنا، نحتلف في أمور كثيرة، لكنّنا واحد في سعينا إلى السّلام... وفي صدد ما فعله البابا لأجل السّلام، فإنَّ تدخّله كان عملاً إنسانيًّا سيسجّله له التاريخ".

بعد أسبوعين من إنتهاء أزمة كوبا، بدأ يوحنّا يفكِّر جديًّا في جمع تعليم الكنيسة الإجتماعيّ حول السّلام منذ البابا لاون الثالث عشر، من أجل سكبه في رسالة عامّة واحدة. فلقد كان البابا يوحنّا يشعر منذ زمن بغياب نصّ جامع للفكر المسيحيّ حول مسألة السّلام.

 

في الأوّل من آذار 1963، أعلنت اللّجنة المشرفة على جائزة بالتسان (Balzan) العلميَّة للسّلام منح البابا جائزتها السّنويّة تقديرًا لعمله من أجل السّلام "السّلام: بين البشر والشعوب، وحرصه الدّائم على الإسهام في المحافظة على علاقات سلميَّة بين الدّول، إن في نداءاته السّلميّة الموجّهة إلى إرادة البشر الصالحة، أو في مبادراته الديبلوماسيّة الأخيرة. أي دوره في الأزمة الكوبيّة، على ما جاء في براءة الجائزة.

عند التّوقيع الرَّسميّ على النّسخ الخمس الأولى من الرّسالة "السّلام على الأرض" في 9 نيسان 1963، أمام الصّحافة والتلفزة، قال:

"السّلام العميم هو خير يهمّ الجميع دون تمييز، لذا فإنّنا فتحنا قلبنا للجميع".

 

قدّم الرّسالة ونقلها إلى العربيّة الدكتور يوسف كمال الحاج، حركة "عدالة ومحبَّة"، 2004، تعليم الكنيسة الإجتماعي، سلسلة الدراسات، (1، 368 ص). عمل جبّار قام به الدكتور يوسف: بعد التصدير للمطران سمير مظلوم، كان المدخل. وجاءت المقدّمة العامّة في مئة صفحة ونيّف فبدت دراسة شاملة. ثمَّ كان نصّ الرّسالة باللاتينيَّة والعربيَّة.

 بعد ذلك، كان كلام يوحنّا الثالث والعشرين، وأخيرًا "مسرد" للمصطلحات الأساسيَّة وأسماء العلم.

نقطة الإنطلاق للبحث في السّلام هي أن "السّلام على الأرض" هو موضوع الرّغبة التي تختلج في قلب البشريّة عبر الأزمنة جميعها، لا يمكن أن يتأسَّس ويتوطَّد إلاّ على "حفظ النظام الذي رسمه الله غاية الحفظ".

ويُشدّد البابا على إحترام القيم الإجتماعيَّة. قواعد السّلام أربع: الحقيقة، والعدالة، والمحبَّة والحريّة (35 - 36).

 

الحقيقة هي أساس السّلام، في ما كان لو كان كلٌّ من النّاس يعي بصدق، فضلاً عمّا له من حقوق، ما عليه من واجبات تُجاه قريبه. والعدالة تبني السّلام، في ما لو كان كلٌّ من النّاس يحترم حقوق الآخر ويجهد في القيام بواجباته تُجاهه. والمحبّة تكون خميرة السّلام، في ما لو كان النّاس يعتبرون حاجات الآخرين كحاجاتهم، ويتقاسمون معهم ما يملكون، بدءًا بقيم الرّوح. والحريّة تُغذّي السّلام، وتحمله على أن يُثمر في ما لو كان الأفراد، لدى إختيارهم الوسائل المُتَّخذة لبلوغه، ينقادون للعقل ويتحمّلون بشجاعة مسؤوليّة أعمالهم (نصر الله بطرس سفير، عظة الأحد، في الجزء السادس عشر، 2003، ص 8+).

 

ويرفض البابا فكرة تبرير السّلاح بالإدّعاء القاتل إنّ الأوضاع "تجعل صيانة السّلام منوطة بتوازن القوى المسلّحة".

 

تشجّع الرّسالة قيام سلطة عالميَّة تعلو الدّول، دون أن تبتلعها، من أجل التغلّب على تحديّات حفظ السّلام العالميّ.

نقاط مفصليَّة جعلت من هذه الرّسالة "إنجيل السّلام": "مخاطبتها جميع البشر، سمّوها بالإنسان الشخص فوق كلّ قيمة مجتمعيّة أُخرى، إصدارها شرعة كنسيَّة لحقوق الإنسان، إرساؤها مفهوم السّلام على ركائز روحيّة (الحقيقة والعدالة والمحبّة والحريّة)، دعمها الخيار الديمقراطيّ في بناء الدّول، مناداتها بنزع السّلاح وبالتخلّي عن حجّة الحرب، إجهارها بضرورة إنشاء سلطة عامّة أونيفرساليّة" (د. يوسف كمال الحاج).

 

كتبت صحيفة إيطاليّة يساريّة: "لئن سيتذكّر التاريخ يوحنّا الثالث والعشرين من خلال لقب "بابا السّلام"، إلاّ أنّه سيذكر أكثر فضله في جعل سلام الله على مستوى واقع عصرنا".

 

قرَّر المتروبوليت نيقوديم، ميتروبوليت مينسك في روسيّا البيضاء والمسؤول عن العلاقات الدوليّة في بطريركيّة موسكو الأرثوذكسيّة ما بين 1960 و 1972، إن يسجّل تقديره لعمل البابا يوحنّا الثالث والعشرين ولفكره النيّر في موضوعي وحدة الكنائس والسّلام، فأهدى أطروحة الدكتوراه التي أنجزها إلى "يوحنّا الثالث والعشرين أسقف روما".

في آخر رسالة فصحيّة له عشيّة السّبت العظيم، في 13 نيسان 1963، أعلن البابا يوحنّا في راديو الفاتيكان:

 

 "السّلام مع الله في إتمام مشيئته.

السّلام مع البشر في احترام حقّ كلّ واحد، لأنّ كلّ واحد مختوم بوجه العليّ (مز 4/ 7).

 السّلام في الأسر حيث يعاون الأزواجُ الربَّ على ثقل الحياة وحيث ينمو البنون حول المائدة كأغراس الزيتون (مز 128/ 3).

 

السلام في قلب الأُمم، حيث الإرادة السّاهرة على تعزيز النموّ الحسن التنظيم لحياة المواطنين، والسّلام، أخيرًا، في العلاقات بين الشّعوب، بروح من الصّدق ونبذ الإرتياب وسوء الفهم والوعيد".

ومن جهته علّق الأمين العام لمنظّمة الأُمم المتّحدة يوثانت (U Thant)، في مؤتمر صحفيّ في مبنى الأُمم المتّحدة: "ليُسمح لي بالإستفادة من هذه المناسبة لتقديم مشاعر الثّناء لقداسته على... شجاعته في بذل الجهود غير الواهنة من أجل السّلام وبقاء البشريّة".

 

وعلّقت وكالة "تاس" السّوفياتيّة للأنباء على الرّسالة العامّة في سابقة لا مثيل لها إزاء المنشورات الكنسيَّة، بما يلي: "لقيت الرّسالة العامّة الجديدة... صدًى عظيمًا في العالم أجمع، لأنّها كانت مُكرَّسة للمسألة التي تفضُّ مضجع البشريّة، ألا وهي حفظ السّلام".

 

وردًّا على مجلَّة Zarubejom السوفياتيّة، قال راديو الفاتيكان في تعليق بُثَّ في الحادي والعشرين من نيسان 1963:

 

 "قد تكون نقطة الإتّفاق الوحيد والعميقة بين الكاثوليك والشيوعيّين هي بالضّبط هذا التأكيد. يتكلّم الطرفان على السّلام، لكنّ المعنى والقيمة اللذين يضعهما كلّ منهما في هذه الكلمة يعكسان التضادّ الكامل في مفاهيمهما الجوهريّة. فبالنسبة إلى الكنيسة، وبالنسبة إلى يوحنّا الثالث والعشرين لا يُرافق السّلام سوى نعتٍ واحد: السّلام المسيحي، سلام الشّخص الإنساني... أمّا الشيوعيّة فلا تعرف سوى الطّبقة، والدّولة وكفاحهما من أجل مجتمع إشتراكيّ أو أوطوبيّ يحتكر وحده ميزة السّلام. السّلام، بالنسبة إلى المسيحيّ، غايته الشّخص الإنسانيّ، وتنجم عن توازن منشود ومطلوب، ومدرَك، بين الحقوق والواجبات المُعترف بها. أمّا بالنسبة إلى الشيوعيّة، فالسّلام غايته الطبقة والدولة، وهو نتيجة لكفاحٍ دائم ومتعدّد الأشكال".

 

وفي حديث أعطي في 22 نيسان 1963 إلى صحيفة 𝛪l giorno الميلانيّة، علّق خروتشوف على الرّسالة بما يلي: "نصفّق لمواقف البابا يوحنّا الثالث والعشرين من أجل السّلام".

وعلّق الرّئيس كينيدي على الرّسالة العامّة قائلاً في خطاب له في جامعة بوسطن: "نتعلَّم الكلام بلغة الرقيّ والسّلام من فوق حواجز المذاهب والمعتقدات".

وفي مقابلة عامّة أمام المؤمنين والحجّاج في 24 نيسان 1963، تحدَّث البابا يوحنّا عن الرّسالة العامّة قائلاً: "إنّه لعزيز على قلبنا أن ننشر هذا السّلام من حولنا، فالسّلام هو خير يهمّ البشر جميعًا بدون إستثناء. لدى عودتكم إلى بيوتكم وأوطانكم، كونوا سفراء للسّلام أنّى حللتم: السّلام مع الله في حَرَم الضّمير، والسّلام في الأُسرة، والسّلام في المهنة، والسّلام مع جميع النّاس بمقدار ما يكون الأمر رهنًا بكم".

 

كتبت الأوسّرفاتوري رومانو في 8 أيّار 1963 ردًّا على إنتقادات صحيفة: 𝛪l Tempo إنّ هذه الرّسالة تطالبُ "بحريّة القدرة على التعبير عن جميع القيم الطبيعيَّة المشتركة بين البشر من أجل بناء سلام مؤسِّس على الحقيقة إنطلاقًا من الأسفل".

وفي العاشر من أيّار 1963: "السلام هو بيت، بيت الجميع. إنّه القنطرة التي تربط السّماء بالأرض. إنّ التعليم الذي تقدّمه الكنيسة للعالم، إذا ما عرض على أنام اليوم دون تحريف مغرض، لا يسعه إلاّ أن يزيد في العالم من عدد هؤلاء الذين يصحّ تسميتهم، بجدارة وافتخار، بناة السّلام وصانعيه.

 

وتقديرًا لأهميّة الرّسالة رعت منظّمة الأُمم المتّحدة من 17 إلى 20 شباط 1965، لقاءً دوليًّا هامًّا في مركزها في نيويورك جاء تحت عنوان: "ندوة حول قضايا العالميّة في ضوء تعاليم البابا يوحنّا الثالث والعشرين الواردة في الرّسالة العامّة "السّلام على الأرض".

يؤكّد المجمع الفاتيكاني الثاني إيمان المسيحيَّة بأنّ الله يعدّ لنا أرضًا جديدةً "تُشبع سعادتُها جميع رغبات السّلام" (ك ع 39/ 1).

 

 

في الفصل الخامس: صيانة السّلام وبنيان جماعة الأُمم

 

يوضّح المجمع أنّ "السّلام ليس مجرَّد غياب للحرب، ولا هو مجرّد إقامة توازن بين القوى المتناولة، ولا هو ثمرة سيطرة مستبدّة، ولكنّه يُحدّد في حقّ ودقّة بأنّه عمل العدل (أش 32/ 17، 78/ 1).

"وحين تقوم الكنيسة، بفعل رسالتها الإلهيّة، على تبشير جميع النّاس ببشارة الإنجيل وتوزّع عليهم كنوزَ النعمة، فهي تعمل على توطيد السّلام في كلّ مكان" (89). ويُعرب المجمع عن رغبته في إنشاء هيئة في الكنيسة الجامعة من شأنها أن تحضّ جماعة الكاثوليكيّين على تنشيط النموّ في المناطق الفقيرة" (90/ 3).

 

ويرى بولس السادس في "ترقّي الشعوب" (1967)، أنّ "الترقّي هو الإسم الجديد للسّلام". "فالسّلام لا يقوم على غياب الحرب" (76).

وفي كلام البابا بولس السادس شرح لوصيَّة السّلام التي إستودعها يسوع لتلاميذه، إذ يقول: "إنّ فكرة تكريس اليوم الأوّل من العام الجديد ليكون "يوم السّلام"، ليس لها، في نظرنا، صفة محض دينيَّة وكاثوليكيَّة، بل تبغي أن يتبنّاها كلّ محبّ مخلص للسّلام... فتوجّه تاريخ العالم صوب مستقبل سعيد". ويتحدَّث عن ركائز السّلام. ثمَّ يضيف قائلاً:

 

"إنَّ السّلام هو من ميزات الدين المسيحيّ، والمناداة بالسّلام إنّما هي، في نظر المسيحيّ، المناداة بالمسيح: إنّه سلامنا! وإنجيله "إنجيل السّلام!" وقد أتمّ المصالحة العامّة ببذل ذاته على الصّليب؛ ونحن تلاميذه مدعوّون إلى أن نكون فاعلي سلام! وإنّما من الإنجيل، ومنه وحده، في النهاية، ينبع بالفعل السّلام!" (1968؛ زمن الميلاد المجيد، الكسليك).

وحيثما تجاهل النّاس كلّ التجاهل ما بينهم من أخوّة ينهار السّلام من أساسه (يوحنّا بولس الثاني، رسالته في مناسبة اليوم العالمي للسّلام، 1971).

في الرّسالة العامّة "فادي الإنسان" (4 آذار 1979)، يُكرّر البابا يوحنّا بولس الثاني قول البابوات أسلافه والمجمع الفاتيكانيّ الثاني "إنّ السّلام يقوم على احترام حقوق الإنسان التي لا تمسّ، فالسّلام صنيع العدالة (17/ 2).

 

على المسيحيّين، لأنّهم تقبّلوا من المسيح، أمير السّلام، هذه الهبة  التي تبدّلهم في داخلهم، أن يكونوا أوّل شهودٍ للسّلام وفي مقدّمة صانعيه (يوحنّا بولس الثاني، إلى جميع اللبنانيّين، 1/ 5/ 1984). وبرغم تفاقم الأخطار لا تزال الكنيسة "تضع ثقتها في ذلك الرّوح المحبّ، الذي هو أيضًا روحُ السّلام: (يوحنّا بولس الثاني، رسالة عامّة (الرّوح القدس في حياة الكنيسة، 1986، 67).

 

وفي الرّسالة العامّة "الإهتمام بالشأن الإجتماعيّ" (30/ 12/ 1987)، يؤكِّد البابا يوحنّا بولس الثاني على العلاقة بين العدالة في النموّ والسّلام العالميّ بقوله: "النموّ هو الاسم الآخر للسّلام" (10/ 1). ويرى أنّ من الوجوه الإيجابيّة في العالم المعاصر (11 - 26): "الإهتمام بشأن السّلام، وهو بمثابة علامة من علامات إحترام الحياة"، ويتسجّل أيضًا، التنبّه إلى أنّ السّلام لا يتجزّأ: فإمّا أن يكون سلام أحد (26/ 7). ويقرّ بما يبذله الكثيرون ويسعون، "بجميع الوسائل الممكنة، إلى أن يتمكَّن عدد متزايد من الرّجال والنساء من التمتّع بحسنات السّلام" (26/ 87).

ويقول البابا بأنّ القيم الإيجابيّة التي نوّه بها "تدلّ على أنّ هناك إهتمامًا أخلاقيًّا جديدًا في ما له علاقة بالمعضلات الإنسانيّة الكبرى في التنمية والسّلام" (26/ 10). وعلى هذا فإنّ التضامن الذي يطرحه يوحنّا بولس الثاني "هو طريق السّلام". "السّلام ثمرة التضامن" (39/ 9 - 11).

ولذلك ينبغي تعزيز "السّلام الدائم المبني بكلّ صبرٍ وأناة" (يوحنّا بولس الثاني، رسالته حول الوضع في لبنان، 7/ 9/ 1989، 2).

 

وفي ما يُعرف اليوم بـ "النظام الدوليّ الجديد" الذي تبحث عنه الأُسرة الدوليّة، والذي لا يزال قيد المجهول، يأمل بطاركة الشرق الكاثوليك أن تكون الكلمة الأخيرة "كلمة خير تعزّز قواعد العدل والسّلام والنموّ البشريّ أجمعين" (مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، الحضور المسيحيّ في الشرق شهادة ورسالة، الفصح 6، 1992) "لأنّ السّلام وحده بإمكانه أن يكون الينبوع الحقيقي للإنماء والعدالة" (يوحنّا بولس الثاني، رجاء جديد للبنان، 79).

في التاسع من تشرين الأوّل 1997، في مقابلة مع يوحنّا بولس الثاني، قال نصر الله بطرس صفير لقداسته: "إنَّ مسيرة السّلام لا تتقدّم والمؤسف أنّ لبنان لم ينعم بالسّلم ما لم تتقدّم هذه المسيرة".

وبعد أسبوع على عودته من روما، سافر صفير إلى مصر للمشاركة في مؤتمر بطاركة وأساقفة الشّرق الكاثوليك. وخلال إقامته في مصر ترأس بطريرك الموارنة قدّاسًا في دير القدّيسة تريز في الإسكندريّة، وأكّد أنّ "السّلام ليس بالأمر السّهل، ولكنّه ليس بالمستحيل، ولم يكن العنف يومًا سبيلاً إليه".

 

ويرى غبطته أنّه يجب عدم ربط الأمن في لبنان بالسّلام في المنطقة (4 كانون الأوّل 1997).

في مؤتمر الإتّحاد العالمي لقدامى المدارس الكاثوليكيّة، الخميس (24/ 11/ 2005)، في سيِّدة الجبل، قال صفير: "السّلام هو أثمن ما نصبو إليه في عالمنا اليوم، ويكفي الإطّلاع على الصّحافة المكتوبة والمرئيّة للتأكّد من ذلك، فالسّلام أثمن ما نستطيع أن نمتلكه، ولا يسعنا ذلك إلاّ إذا طبّقنا تعاليم السيّد المسيح: كلماتي هي روح الحياة، هو الوحيد الذي يمكنه أن يعطينا السّلام الحقيقيّ، وقد قال: سلامي أعطيكم، أعطيكم سلامي لا كما يعطيه العالم، لا تخافوا لأنّي معكم إلى نهاية العالم" (في النهار، السبت 26/ 11/ 2005).

 

في اليوم الثاني لمؤتمر بطاركة الشرق الكاثوليك، الثلاثاء (29/ 11/ 2005)، في عمّان، أشار البطريرك ميشال صبّاح إلى أنّه "لا يمكن أن يستقرّ سلام ما دام ثمّة أفراد أو شعوب مظلومة". وقال: "في الأرض المقدّسة والعراق بخاصّة، الدّماء كثيرة والطرق تبدو مسدودة في وجه السّلام وفي وجه كرامة الإنسان، وفي وجه الله، فكأنّ الإنسان أصبح في حال عجزٍ غير قادرٍ على استقبال هبة السّلام التي يطلبها من الله" (في النهار، الأربعاء 30/ 11/ 2005).

 

وفي البيان الختماميّ لمؤتمرهم الخامس عشر، في عمّان، لاحظ مجلس البطاركة الكاثوليك في الشّرق "أنَّ شعوبنا تُعاني غياب السّلام وتُحرَم أحيانًا أبسط مقوّمات الحياة الكريمة".

 ولاحظ الأحبار أنّ شعوبنا قادرة على المساهمة في صنع السّلام في بلادنا وفي العالم". والأرض المقدّسة جعل الله الديانات ثلاثًا تتعايش فيها جنبًا إلى جنب، "لتصبح بذلك حقًّا مصدر سلامٍ عادل لشعوبها ولشعوب المنطقة والعالم".

وإنَّ السّلام الذي يَنشُده الأحبار، "وتَنشدُهُ بلادنا لن يتحقّق في تكديس الأسلحة الفتّاكة وخوض المعارك الضّارية وتهديم المدن والقرى وارتكاب المجازر. لا بل نجده في صون العدالة وكرامة المواطنين، وفي معاملة الفقير بالرّفق وإشراك المعوز في ما جاد به الله علينا من خيوره وفي إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه من دون منّة أو تعالٍ أو إستكبار".

ويوصي الأحبار أبناءهم "بنشرهم التسامح والإحترام المتبادل والعدالة والسّلام في المجتمع الواحد". ويطلبون بإلحاح من جماعاتنا ومدارسنا وكلّ مؤسّساتنا التعليميَّة والتربويّة العمل "على ترسيح أسس العدل والسّلام".

 

ويوصي الأحبار "بإنشاء اللّجان للعدالة والسّلام في جميع أبرشيّاتنا وبإنشاء لجنة مركزيّة تابعة لمجلس البطاركة لتنسيق العمل بينها".

ومن جهّته، دعا بيان رؤساء الكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيّة في الشرق الأوسط إلى "ضرورة الحفاظ على علاقات المحبَّة والسّلام بين المسيحيّين والمسلمين في المنطقة العربيّة والعالم كلّه".

وأشار البابا بنديكتس السادس عشر، الإثنين (9/ 1/ 2006)، إلى أنَّ الإرهاب "لا يتردّد في ضرب الأشخاص الأبرياء، من دون تمييز، أو فرض الإبتزاز اللاإنسانيّ، مسبِّبًا الذّعر في مجتمعات بأسرها، من أجل إرغام الزعامات السياسيَّة على دعم مخطّطات الإرهابيّين". ودعا إلى حلّ النّزاعات السّلميّة في أفريقيا والشرق الأوسط، وخصوصًا العراق، مهد الحضارات العريقة، الذي عانى "يوميًّا في السّنوات الأخيرة الأعمال العنيفة للإرهاب".

"فاللّقاءات ضمن مجموعاتٍ صغيرة، والعلاقات والصّداقات على الصّعيد المحليّ تُسهم جميعها في كثيرٍ من الأحيان في إذكاء روح السّلام والمصالحة وتعطيه دفعًا قويًّا. مواجهة الماضي المتأثّر بالضعف البشريّ والخطيئة، "تتطلّب فحصًا للضّمير ووقفة صدقٍ من الأشخاص والجماعات. ولا ريب في أنَّ هذه هي المسيرة التي يريد الله أن يرافقنا فيها حتّى نضحي أكثر فأكثر شعبه وحتّى يستقرّ سلام المسيح في قلوبنا وفي ما بيننا" (أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس، 18 - 25/ 1/ 2006، ص 12 و 20).

 

بعد قدّاس الأحد (30/ 1/ 2006)، قال صفير: عودة الخير وفيضه بين أيدي اللّبنانيّين، "لن يكون مستحيلاً إذا عرفوا كيف يجمعون صفوفهم فلا يتفرّقوا وأن يكونوا يدًا واحدة في مقابل من لا يريد لهم السّلام والطمأنينة والخير" (في النهار، الإثنين 31/ 1/ 2006، ص 4/ 4 - 5).

وأصدر الحبر الأعظم بندكتوس السادس عشر رسالة في مناسبة رأس السّنة، وهي تتحدَّث عن البيئة والسّلام، وعنوانها "العائلة البشريّة، جماعة سلام" وتركّز على السّلام والعائلة البشريّة.

وعقَّب عليها البطريرك صفير قائلاً: "إنَّ من يعرقل مسيرة المؤسَّسة العائليّة، ولو بطريقة غير واعية، يجعل السّلام هشًّا في الجماعة بأسرها والوطنيّة والدوليّة. وأنّ الجماعة الإجتماعيّة، لتعيش في سلام، مدعوّة أيضًا إلى إستلهام القيم التي يقوم عليها أساس الجماعة العائليّة" (2/ 1/ 2008).

 

وسأل المطران بولس مطر:

 هل نحن، أهل لبنان وسكّانه، نعمل بروح نداء البابا؟" من أجل إقامة السّلام في ربوعه".

 

 

 

الخاتمة

"طوبى لفاعلي السّلام، لأنّهم سيُدعون أبناء الله" (متّى 5/ 9).

 

الأب لويس الخوند

 

       

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية