الكلمة والسرّ الكنسيّ

 

 

 

 

 

الكلمة والسرّ الكنسيّ

 

في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله. كان في البدء لدى الله. به كان كلّ شيء وبدونه ما كان شيء ممّا كان. فيه كانت الحياة والحياة نور الناس... والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا.

                (يو 1/ 1 ـ 4 و 14)

 

 

سكن في صميم حياتنا، فإنّ أسرار الكنيسة هي أقوال أساسيّة، لا أقوال إعلام، بل كلمات حيّة تهب لكائنَين أن يبنيا أنفسهما معًا.

 

 

الكلمة والإنسان

إنّ التكلّم يجعلنا نكون، لأنّ الإنسان في كلامه يحدُث. فالكلام المتبادل يُخرج كلّ واحد من شرنقته ويحرّر القدرة على التعبير. فحتّى الأطفال يحتاجون إلى أنّ نكلّمهم، وذلك منذ قبل الولادة، لكي نوقظهم للحياة. فالولد لا يستطيع أن يقول "نعم" إلّا في الحوار حيث سبق لأحد أن قال له "أنت". وهو لا يكتشف نفسه إلّا في اللحظة التي يخاطبه آخر. وتُطلق عليه اسمه لكي يجد نفسه.

 

إنّ التكلّم هو الوقوف أمام آخر والتعبير بكلّ كيانه. إنّه الدخول في حوار مع الآخر بنبرات صوتنا وبتصرّفنا مواقفنا وحتّى بحضورنا، على السواء. إنّ التكلّم هو اكتشاف لغة مشتركة لا تنشأ إلّا بمعاشرة متبادلة. إنّ التكلّم هو القبول بالتلاقي. إنّه السير معًا على جزء من الطريق. إنّه إحداث طريق مشترك.

 

في علاقة بشريّة، يصبح العهد المعطى والعهد المحصول عليه أتمّ تعبير للحوار. هكذا يتمّ الاعتراف بالآخر، لا كجزء فقط من المنظر الذي يحيط بنا، بل ككائن نسميّه لكي نسمّى نحن أيضًا.  إن أراد الله أن يكلّم إنسان، فلا سبيل له، إذا صحّ القول، إلّا أن يقبل بأن ينصهر في لغة الإنسان. إن أراد الله أن يكلّم الإنسان، فهو لا يقدر على ذلك إلّا في حقائق حياتنا اليوميّة.

 

 إن أراد الله أن يكلّم الإنسان، يجب عليه أن يأتي ويسكن عنده: "الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا".

 

 

يسوع كلمة الله

"إنّ الله، بعدما كلّم الآباء قديمًا بالأنبياء مرّات كثيرة بوجوه كثيرة، كلّمنا في آخر الأيّام هذه بابنٍ جعله وارثًا لكلّ شيء وبه أنشأ العالمين" (عب 1 / 1 ـ 2). إنّ يسوع هو الكلمة الحيّة. ليس هو واعظًا ولا معلّمًا. يتكلّم بحياته. وأقواله هي أعماله. أقواله هي لقاء. والمخاطِب، سواء أكان تلميذًا أو خصمًا، وسواء أكان الشخص المنفرد أو الجمع المزدحم، وسواء أكان مُبعدًا عن المجتمع أم رئيس الشعب، الكاتب أو الكاهن العظيم، قائد المئة أو الحاكم الرومانيّ، فإنّ كلّ واحد يعلم بأنّه معروف. فإنّ كلمة يسوع تقتضي الإيمان، وهي موهبة من الإيمان.

كلمته غفران وهي دعوة. تندرج في حياة كلّ واحد. كلمته تشير، فينتصب الإنسان حين جاء مرسلا يوحنّا المعمدان ليسألاه، أجاب يسوع: "إذهبا فأخبرا يوحنّا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون، العرج يمشون مشيًا سويًّا، البُرص يبرأون والصمّ يسمعون، الموتى يقومون، الفقراء يبشّرون" (لو 7/ 22).

 

إنّ كلمة يسوع خضوع لآخَر، وكشف عن هذا الآخر الذي يسمّيه أباه. يسوع هو كلمة الآب، يحبّ أن يردّد: "إنّ الكلام الذي أقوله لكم لا أقوله من عندي" (يو 14/ 10). "لم أتكلّم من عندي، بل الآب الذي أرسلني هو الذي أوصاني بما أقول وأتكّلم ... فما أتكلّم به أنا أتكلّم به كما قاله لي الآب" (يو 12/ 49 ـ 50).

 

 

الكلمة والسرّ الكنسيّ

لم تتوقّف كلمة يسوع في مساء الجمعة العظيمة المأساويّ. ففي صباح الفصح، ها إنّ يسوع في وسط ذويه، وهبهم روحه، وكلمته لا تزال حيّة. فالجماعات المسيحيّة الأولى لم تزعم أنّها تتكلّم باسمها الخاصّ. فحين شفى بطرس ويوحنّا مُقعد الباب الحسن، بعد أن نالا الرّوح القدس يوم العنصرة (رسل 3)، فإنّهما فعلا ذلك "باسم يسوع المسيح".

 

فباسمه أخذوا يغفرون ويعمّدون، وباسمه يتقاسمون الخبز، ويصلّون ويمنحون الأخ المريض مسحة الزيت. هكذا وُلدت أسرار الكنيسة، بدافع من الرّوح القدس. إنّها الحضور الحيّ للربّ القائم من الموت. إنّها "ذكر" كلمته وحركاته. ولا تزال، في زمننا، تكون لقاء الله الحيّ للإنسان، بيسوع المسيح ابنه.

إنّ أسرار الكنيسة هي، ولا شكّ، أقوال، لا أقوال سحريّة حيث نرى أحدًا خارجًا عنّا، كساحر أو ساحرة، يقول علينا كلمات تحوّلنا بمعزل عن مساهمتنا. إنّها حياة بحسب الرّوح القدس. إنّها حوار، نكتشف فيه يسوع الناصريّ، بصفته الذي يدعو، والذي جعل نفسه قريبًا ليلقانا حتّى في وجودنا وفي أحمّ حقائق حياتنا وأشدّها ألفة أيضًا. فهي لا تستنفد حوارنا مع الله، مع أنّها عناصره الجوهريّة.

 

في السرّ الكنسيّ، الله يتكلّم، وكلامه استقبال لما نحن عليه ما نعيشه. في السرّ الكنسيّ، الله يتكلّم وكلمته فعّالة.

 

 

كلمة الله

إنّ الله يتكلّم وكلّ شيء يحدث. كلمته فعّالة. هذا أكّده، منذ الأزمنة القديمة، الفصل الأوّل من سفر الكتاب المقدّس الأوّل: "في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خاوية خالية، وروح إله يرفّ على وجه المياه..."

والعالم وتنظيمه وسكّانه، مع الإنسان في الذروة، كلّ ذلك هو ثمرة عشرة أقوال: إنّ يوحنّا يذكر هذه الصفحة الأولى من الكتاب المقدّس، حين كتب: "في البدء كان الكلمة".

إنّ الله يتكلّم! في صمت الأشياء أو في جلبة العوالم، يتكلّم الله، وكلمته تُحدث الكيان.

مع أنّنا نجد الله كثير الصمت! ومن تلك الكلمة لا نشعر إلّا بالأصداء التي تردّد الصوت في كلمات بشريّة. هكذا كان الأنبياء وجميع كبار مُلهَمي الكتاب المقدّس. فإنّ الروح القدس يوقظ فيهم صدى الكلمة التي سمعوها. ففي فيهم "كنار محرقة قد حُبسَت" (إر 30/ 9). والكلمة تتجسّد في حياتهم لكي نستطيع أن نشعر بها نحن أيضًا.

 

إنّ كلمة الله هي "النور الحقّ الذي ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالم". يُرى النور حين يصطدم بغرض أو يضيء شيئًا. وكذلك، فإنّ كلمة الله لا تُلمَح إلّا حين تأتي على أحداث حياتنا. والسرّ الكنسيّ هو مكان اللقاء بين الكلمة والحياة.

 

 

عَيش الإيمان

لا يختلف المسيحيّون، عن سائر الناس. فإنّ لحمة حياتهم هي لحمة حياة الذين يحيطون بهم. والأحداث اليوميّة، الكبيرة والصغيرة، تدلّ على مراحلها.

لكنّ الحياة قد تصبح مكان حوار خفيّ مع الذي هو مصدرها والذي يصبح أفقها، شرط أن نتعلّم كلماتها.

 

وعلى مثال الولد الذي ينال لغته من أمّه، نحن أيضًا ننال كلمات إيماننا من تلك السلالة الطويلة، سلالة الشهود الذين حملوا إلينا كتاب كلمة الله. إنّهم الكنيسة. وبتعليمهم إيّانا أن نتكلّم على إيماننا، يجعلوننا نكون.

 

إنّ أسرار الكنيسة هي أسرار الإيمان، لا لأنّها تستلزم الإيمان لكي تُعاش في الحقيقة فقط، بل لأنّها أوقات مفضّلة يُقال فيها الإيمان ويعاش.

ليست حوارات نحييها بصفتنا منعزلين، بل في تضامن مع الجماعة المؤمنة. إنّها أسرار إيمان الكنيسة، ولا يوجد إيماننا إلّا في إيمانها.

 

عيش الإيمان هو أن نجعل من حياتنا مكانًا يحدث فيه الملكوت.

 

 

عيش الإيمان هو القبول بأن تصبح الحياة سرّ الخلاص.

 

عيش الإيمان هو عيش أسرار الكنيسة.

 

" أيّها العطاش جميعًا، هلمّوا إلى المياه!

والذين لا فضّة لهم هلّموا واشتروا وكلوا.

لماذا تزِنون فضَّة لما ليس بخبز وتتعبون لما لا شِبع فيه؟

أميلوا آذانكم وهلّموا إليَّ، اسمعوا فتحيا نفوسكم

فإنّي أعاهدكم عهدًا أبديًّا.

التمسوا الربّ ما دام يوجَد، أدعوه ما دام قريبًا.

فإنّ أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي، يقول الربّ

لأنّه كما ينزل المطر والثلج من السماء

ولا يرجع إلى هناك دون أن يُروي الأرض

ويجعلها تُنتج وتُنبت لتُؤتي الزارع زرعًا والآكل طعامًا

فكذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي:

لا ترجع إليّ فارغة، تُتمّ ما شئتُ وتُنجح في ما أرسلتُها له.

                                   (أش 55 / 1 ـ 11)

 

 

                                                     أسرار الكنيسة السبعة

                                                    فيليب بِيغِري

                                                   كلود دُوشِينُو

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية