الله الآب

 

 

الله الآب

 

الله الآب

 

ما هو الفرق بين كلمتيّ الآب والأب؟

الأولى (بالمدّة) تعني الآب السّماويّ، أمّا الثانية (بالهمزة) فنقصد بها الأب الأرضيّ. فأنا أُسمّى الأب بولاد، وكلّ شخص متزوّج وله أولاد اسمه الأب. لكنّ الآب هو مصدر كلّ أبوّة. لذا يقول لنا بولس الرّسول عن الله الآب: "لهذا أجثو على ركبتيَّ للآب، فمنه تستمدّ كلّ أسرة اسمها" (أف 3/ 14 و 15)، وكلّ أبٍ أرضيّ يمثّل الآب السماويّ ويُعطي فكرةً وصورةً عنه، فنحن لا نعرف أبعاد أبوّة الله إلّا من خلال الأبوّة البشريّة. ونحن نقول  في قانون الإيمان: "نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكلّ... إلخ". فكلمة الآب تأتي قبل ضابط الكلّ، ممّا يعني أنّ قدرته وعظمته تأتي بعد أبوّته وحنانه، فهو آب قبل أن يكون قديرًا.

 

لأنّه مصدر حياتي

فكلمة أب تشير إلى مصدر الحياة، والآب السّماويّ هو مانح الحياة، وعلينا أن نتصوّر الأبوّة الإلهيّة كينبوع لا يجفّ ولا ينضب، تراه دائمًا متدفّقًا فيّاضًا. لذا نقول إنّ الله نبع، فمهما أعطى سيظلّ يهب بلا حدود. وأبوّته الإلهيّة لا تنضب يومًا من الأيّام، لذا نصفه بأنّه الحنّان الذي يمنّ ويعطي، كما نقول عنه الكريم، إذ تشير هذه الصفة إلى حبّ عطاء الآخرين. الله يفرح ويسعد حين يُعطي باستمرار مثل النبع.

 

حين أتصوّر الله قد أراه في صورة ثالوث، أو أتصوّره جالسًا على عرش يحكم العالم، لكنّ هذه الصورة لا تُعبِّر عن ذاته الإلهيّة، فالصورة المعبّرة هي مانح الحياة ومصدرها، وقد عبّر أحد ملوك القدماء المصريّين (إخناتون) عن الله، ورمز إليه بقرص الشّمس في صورة دائرة تصدر منها أشعّة، وفي نهاية كلّ شعاع يد ترمز إلى عطاء الإله. والشّمس كما نعلم  تعطينا الضّوء والحرارة، بل والحياة، فلنتخيّل مثلًا أنّها اختفت لمدّة شهر، قد تتحوّل الأرض إلى صحراء خالية من أيّ مظهر للحياة. ونحن نلاحظ أنّ العشب الذي ينمو في ظلّ شجرة ذابل الأوراق لأنّه محروم من ضوء الشّمس، وهذا الضّوء تمتصّه النباتات باستمرار حتّى تنمو وتحيا، وعلى هذا يمكن القول إنّ الضّوء والحرارة هما الحياة.

وما زال يخلقني

يراودنا التفكير كثيرًا في أنّ الله خلقنا وأوجدنا في العالم، ثمّ انسحب من دنيانا، وجلس في سمواته، واضعًا ساقـًا على ساق، والملائكة من حوله تسبّح قدّوس قدّوس. كلّا، الله الذي أوجدنا وخلقنا وجبلنا باستمرار، يمنّ علينا بالمزيد من الضّوء والحرارة والحياة، وماذا أيضًا؟ والحبّ.

 فالضوء والحرارة والحياة كلّها رموز إلى قيمة أعمق هي الحبّ، وكما أنّ العشب لا يعيش بدون أشعّة الشّمس، هكذا الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون هذا المصدر وهو الله. فهو الآب لأنّه خلقنا منذ قديم الزمان، بل لأنّه يخلقنا في كلّ لحظة، وباستمرار يثبّت فينا الحياة. والرّسول بولس في أعمال الرّسل يذكّرنا بهذه الحقيقة حين يقول: "ففيه حياتنا وحركتنا وكياننا" (أع 17/ 28).

وهو يعتني بي

حين أفكّر في الله الآب، لا أفكّر فقط في كائن خلقني ثمّ ألقى بي في الدنيا، وقال لي: تصرّف بمفدرك. كلّا، فهو يعتني بي باستمرار، مثل الأب الأرضيّ الذي لا يكتفي بأن يعطي ابنه الحياة، ثمّ يتركه أو يضعه في ملجأ. كلّا، إنّ الأب الأرضيّ يعطي الحياة، وباستمرار يوفّر الطعام والشراب والمسكن والعناية. وفي إنجيل متّى نقرأ: "لا يهمّكم للعيش ما تأكلون ولا للجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟ أنظروا إلى طيور السّماء كيف لا تزرع ولا تحصد ولا تخزّن في الأهراء، وأبوكم السَّماويّ يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها بكثير؟" (مت 6/ 25 و26).

حتىّ نتصوّر الله الآب، علينا أن نتأمّل في الطبيعة، ونلاحظ كيف تنمو الزهرة بدون أن تتعب، وكيف يتجدّد الزرع كلّ يوم بدون أن يبذل مجهودًا، وكيف تجد الطيور والحيوانات قوتها دائمًا. لذا يقول لنا: إذا كنتُ أعتني بالزرع والزهور والحيوانات والطيور، فكم بالأحرى بكم يا أبنائي.

هذا التأمّل في موضوع الله الآب يجب أن يغرس فينا الثقة والطمأنينة والسّلام الداخليّ والاقتناع بأنّ هناك أبًا لا ينسى أبناءه. فجميل أن نعلن عن إيماننا بتلاوة قانون الإيمان، لكن هذا لا يكفي، إذ علينا أن نشعر به ونعيش كلماته.

 

 يجب أن يمتزج بلحمنا ودمنا وحواسّنا حتّى يصير جزءًا منّا، فهذا الذي يقول: أنا مؤمن بالله الآب، ويعيش في قلق باستمرار، يفكّر في ما سيحدث غدًا وبعد غد، في رزقه، في امتحاناته، في شأن ابنه المريض... إلخ. ثق تمامًا بالذي خلقك، وهو الذي يقول لك: "لا تهتمّ بشأن الغد، فالغد يهتمّ بشأنه ويكفي شرّه" (مت 6/ 34).

ويستجيب لرغباتي

"إسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم. لأنّ كلّ مَن يسأل ينل، ومن يطلب يجد، ومَن يقرع يُفتح له. مَن منكم إذا سأله ابنه رغيفـًا أعطاه حجرًا، أو سأله سمكة أعطاه حيّة؟" (مت 7/ 7 ـ 9). فإذا كنتَ، عزيزي القارئ، أبًا، هل يأتي ابنك ويسألك أن تعطيه قطعة من الخبز فتعطيه حجرًا؟ كلّا، بل تعطيه خبزًا ومربّى ولحمًا. فإذا كان هذا تصرّف الأب الأرضيّ، فكيف يكون الآب السماويّ. لديّ اقتناع كامل بأنّ كلّ ما نطلبه في الصّلاة يستجيب له الله وفوق ما نتخيلّه، وهذا هو الإيمان الحيّ.

"فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصّالحة لأبنائكم، فما أولى أباكم الذي في السموات بأن يعطي ما هو صالح للذين يسألونه" (مت 7/ 11). وأتوقّف على عبارة: يمنح الصّالحات لمَن يسأله، لأنّنا في بعض الأوقات نلاحظ أنّ صلواتنا غير مستجابة، فهل سبب ذلك أنّ الله لا يسمعنا؟ أو لأنّ قلبه لا يستجيب؟ لو لم يستجب الله لنا فلأنّه يُعدّ لنا ما هو أفضل لأنّه "يمنح الصّالحات"، فلا يجوز أن نشكّ فيه، كما أنّ الابن لا يشكّ في أبيه الأرضيّ لأنّه يمنح الصّالحات.، أو كما نقول: "الله يفعل ما فيه الخير"، لأنّي أطلب شيئًا من دون أن أعرف إن هو مصدر خير أم شرّ لي.

علاقته بي هي علاقة أب بابنه

لم تتوقّف علاقة الله بي على كونه خالقي، بل هي علاقة أب بابنه، هذا ما يظهره الفصل الأوّل من إنجيل يوحنّا: "أمّا الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكّنهم أن يصيروا  أبناء الله: فهم الذين لا من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا" (يو 1: 12 و13).

هناك ولادة بشريّة من الوالدين، ومنها اتّخذنا الجسم، لكن هناك ولادة أسبق وأعمق وأحقّ، هي من الآب. وممارسة المعموديّة هي اعتراف بتلك الولادة الرّوحيّة. كلّنا نحتفل بعيد ميلادنا ونقول عيد ميلاد سعيد مع قالب حلوى وفي وجود الأصدقاء، لكن هناك ميلاد آخر، الميلاد الروحيّ الذي يجعلنا نعترف بأبوّة أبعد من الأبوّة البشريّة، لذلك يقول القدّيس يوحنّا في الفصل نفسه: "فمن ملئه نلنا بأجمعنا وقد نلنا نعمة على نعمة" (يو 1/ 16).

وحين أعطاني أن أكون ابنًا له أعطاني بالتبعيّة أن أكون وريثًا له، فما هو هذا الإرث الذي اكتسبته؟ لقد ورثت الطبيعة كلّها، وحين خلق العالم بكلّ ما فيه قال لي: هذا العالم كلّه ملك لك، والقدّيس بولس الرّسول يقول: "فإذا كنّا أبناء الله فنحن ورثة: ورثة الله" (روم 8/ 17).

دم إلهيّ يجري في عروقي

وبما أنّي مولود من الله، فما يجري في عروقي من دم هو دم إلهي، وكما أحمل في جسمي كروموسومات وجينات من أبويَّ، هكذا أحمل في داخلي دمّ الله، خُلقتُ من لحمه ودمه. لهذا يقول لي: "أمّا أنتم فإنّكم ذريّة مختارة وجماعة الملك الكهنوتيّة وأمّة مقدّسة وشعب اقتناه الله..." (1 بط 2/ 9). وكما أنّه قدّوس، أنا بالتبعيّة مقدّس: "أنظروا أيّ محبّة خصّنا بها الآب لنُدعى أبناء الله، وإنّنا نحن كذلك" (1 يو 3/ 1). ليس فقط نُدعى، بل ونكون أبناء الله. وكأنّنا لم نفهم ما يقوله يوحنّا فيضطرّ إلى أن يكرّرها ويوضّح ما سبق وقال كما يفعل المدرّس فيقول: "أيّها الأحبّاء نحن منذ الآن أبناء الله، وما أُظهر بعد ما سنصير إليه" (1 يو 3/ 2). صفة البنوّة الإلهيّة لم تظهر بعد، فهي على شكل بذرة تنمو الآن، وبقدر ما يعي الإنسان ويدرك ويتعمّق في هذا المفهوم، بالقدر الذي تزداد وتزدهر هذه البنوّة في قلبه وتؤتي ثمارها.

هو يحبّني حبًّا أبويًّا

ممّا يؤسَف عليه أنّنا نشأنا في مجتمعاتنا على الرّعب من الله، فنردّد على مسامع أطفالنا: كن حذرًا، إن لم تفعل هذا أو ذاك سوف يحدث لك... الله سبحانه وتعالى سوف يجازيك ويعاقبك بكلّ مصائب الدنيا. وكانت النتيجة أنّنا تربّينا منذ الطفولة على الخوف من عقاب الله ومن انتقامه ومن عذاب النار، وهذا غير صحيح. فعلينا أن نغرس في كلّ من حولنا الثقة بالله، وأن نتجنّب الخطأ، لا خوفًا من النار، بل حبًّا لله.

فالدافع لا يجوز أن يكون الخوف، بل الحبّ، حتّى لا أُغضب الله، لا خوفًا من عقابه: "لا خوف من المحبّة بل المحبّة الكاملة تنفي عنها الخوف، لأنّ الخوف يعني العقاب ومَن يخف لم يكن كاملًا في المحبّة" (1 يو 4/ 18).

هذا هو قمّة الشّعور بالأبوّة الإلهيّة. أنا ابن الله، ولا أخاف من والدي لأنّه يمسك العصا في يده، بل لأنّي أعيش معه في جوّ حبّ.

نسرتجع  يوم تعميد المسيح في الأردنّ، حين سمع الموجودون صوتًا من السّماء يقول: "... هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (مت 3/ 17). قالها الآب مخاطبًا الابن يسوع المسيح، لكن هل من الممكن أن يخاطبني أنا بهذه العبارة؟

 

 نعم، فهو ينادي كلًّا منّا ويقول له:  أنت ابني الحبيب الذي به سُررت. هناك مَن يعترض ويقول: كلّا، غير معقول، فهذا ينطبق على المسيح الابن الوحيد. وأنا أؤكّد انّني أيضًا الابن الوحيد، وسرّ المعموديّة كشف لنا عن هذه النعمة، والعبارة التي خاطب الله بها الابن في أثناء العماد يقولها لي، وكما أحبّ يسوع ابنه الوحيد هو يحبّني كإبن وحيد له، كأنّي مركز اهتمامه. فأنا في نظره أمثّل كلّ شيء، والصّلاة ليست كلمات جوفاء نردّدها، بل هي وقت نخصّصه للإحساس بهذه الحقيقة وإدراكها، الإحساس بأنّ لي أبًا سماويًّا يحبّني حبًّا أبويًّا مميّزًا.

 

لو تصفّحت سفر أشعيا بدايةً من الفصل الأربعين، وهو ما يُطلق عليه سفر تعزية إسرائيل، ستجد التعابير نفسها، فالله يقول لي: "لأنّي أنا الربّ إلهك، قدّوس إسرائيل مخلّصك، وقد جعلتُ مصر فدية عنك، وكوش وسبأ بدلًا منك، إذ  قد صرتَ كريمًا في عينيَّ...، وأُسلِمُ أناسًا بدلًا منك، وشعوبًا بدل نفسك" (أش 43 / 3 و4). حبّذا لو تاملّتَ في سفر أشعيا، الفصل الأربعين وما بعده، للتوقّف الآيات التي تتحدّث عن أبوّة الله.

 

                                       الأب هنري بولاد اليسوعي

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x