المسيح بكر الخليقة كلّها

 

 

المسيح بكر الخليقة كلّها

 

المسيح  بكر الخليقة كلّها

 

لقد اعتَدنا أن نرى في القدّيس يوحنّا أجرأ مفكّري العهد الجديد. وقد أظهره التقليد على صورة نسر، ذلك الطائر الخليق، على قول الأسطورة، بأن يُحدِّق في عين الشمس بنظره، وهو يُحلِّق على علوّ فوق الجمال، بدون أن تَتْلَف عَيناه. ولكن عندما ننصرف طويلاً إلى بولس، نتساءل أحيانًا: ألا يكون بولس أكثر المترجمين عمقـًا، وأكثر الكتبة بلاغة وقدرة؟ وأنّنا لنزداد به إعجابًا عندما نذكر أنّه كتب ما كتب قبل يوحنّا بوقت طويل. وقد حاولنا إلى الآن بأن ندرك الصورة التي رسمها بولس للمسيح وللمسيحيّ الذي يؤمن به. وبقي علينا أن نقول عنه آخر ما بلغ في المسيح من "العرض، والطول، والعلو، والعمق". (أفسس 3/ 18).

 

"المسيح بكر الخلائق كلّها"

وتتابع الرِّسالة الآنفة الذكر: "أفاض الله علينا نعمته الوافرة، بكلّ ما فيها من حكمة وبصيرة، فأطلعنا على سرّ مشيئته، أي ذلك التدبير الذي ارتضى قضاءه في المسيح ليُحقّقه عندما تتمّ الأزمنة، فيجمع في المسيح كلّ شيء ممّا في السَّماوات وفي الأرض، وفيه أيضًا قدَّر لنا ما قضاه بتدبير سابق ذاك الذي يفعل كلّ شيء على ما ترضى مشيئته، فاصطفانا لنسبّح بمجده، نحن الذين جعلوا رجاءَهم منذ القدم في المسيح". (أفسس 1/ 8 - 12). وكذلك الرسالة إلى الكولوسيِّين: "فهو الذي نجّانا من سلطان الظلمات ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب، فكان بدمه الفداء وغفران الخطايا. إنّه صورة الله الذي لا يُرى، وبكر الخلائق كلّها. ففيه خُلق كلّ شيء ممّا في السَّماوات وممّا في الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، أأصحاب عرش كانوا، أم رئاسة، أم سلطة. كلّ شيء خُلق به وله. وكان قبل كلّ شيء وبه قُوام كلّ شيء، وهو أيضًا رأس الجسد، أي رأس الكنيسة. هو البدء وبكر من قام من بين الأموات، لتكون له الأوليّة في كلّ شيء. فقد شاء الله أن يحُلّ به الكمال كلّه، وبه شاء أن يُصالح كلَّ موجود سواءٌ من الأرض وفي السماوات. فهو الذي حقّق السَّلام بدمه على الصَّليب" (كول 1/ 3 - 20). ويقول بعد قليل: "إيّاكم وأن يخلبكم أحد بالفلسفة، بذلك الغرور الباطل القائم على سنَّة الناس وأركان العالم، لا على المسيح. ففيه يحلّ جميع كمال الألوهيّة حلولاً جسديًّا، وفيه تُدركون الكمال. إنّه رأس كلّ صاحب رئاسة وسلطة". (كول 2/ 8 - 10). يدور الكلام هنا على المسيح، لكن قامته كبرت، متجاوزة كلّ الحدود والآفاق، حتى لتتَّسِع إلى سعة العالم، بل أكثر من سعة العالم بما لا قياس، إذ فيها قدرة خلاَّقة تجبل العالم، حتى لتنبثق منها كلّ معرفة. إنّها كائنة قبل الزمان وقبل كلّ بدء.

 

"رأينا مجده مجد الابن الواحد"

إنّ هذه النصوص لتذكرنا بأشباهها في مقدّمة إنجيل يوحنّا: "في البدء كانت الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله. كان منذ البدء لدى الله. به كان كلّ شيء وبغيره ما كان شيء. هو الحياة لكلّ موجود. والحياة نور العالم، والنّور يُشرِق في الظلمات، ولم تُدركه الظلمات... الكلمة هو النّور الحقّ الذي يُنيرُ كلَّ إنسان. كان قادِمًا إلى العالم، وكان في العالم، وبه كان العالم، ولم يعرفه العالم. جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته. أمّا الذين قبلوه فقد أولاهم أن يصيروا أبناء الله. هم الذين آمنوا باسمه. وهو ليس من دم، ولا من رغبة ذي لحم، ولا من رغبة رجل، بل الله ولده. والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا، فرأينا مجده، مجد الابن الواحد الذي أتى من لدن الآب، ملؤه النعمة والحقّ". (يوحنّا 1/ 1 - 5؛ 9 - 14).

 

 

إنّنا نلتقي، في هذه النصوص أيضًا، ذاك الذي هو قبل الزمان، وذاك الذي يعطي لكلّ شيء معناه، ذلك الذي يعمل فينا عمله. إلاّ أنّنا نستفقد هنا شيئًا يجعل مقاطع بولس مُفعمة بالسريّة. فيوحنّا يتكلّم عن الكلمة Logos، عن كلمة الله، الذي لا يصمت. نعرف معرفة خبرة عمّا تقوم به الكلمة: إنّها تقوم بأن نُخرج، عن طريق الكلام، ما هو كامِن فينا، وما نفهم به أنفسنا إذ نقوله. ذلك ما يجري مع الله، على ما يعلّمنا يوحنّا. فالله لا يحتفظ في ذاته، صامتًا، الملءَ من كيانه، ومن عقله، ومن غناه، ومن سعادته، بل يلفظه بالكلمة؛ والكلمة التي تلفظه هي موجّهة لا للآخرين، بل له نفسه، لتبقى فيه كلّ عمقها المُفعم معنى وحقيقة وموضوعيّة. كلامنا البشريّ ضعيف؛ إنّه قوي بمعناه، لكن ضعيف في جوهره. وجوهره نفحة عابرة، وصورة تنبعث منّا في روح السَّامع ثمّ تغيب. لكن الكلمة التي يلفظها الله هي حقيقة، جوهريّة؛ هي شخص. والله، إذ يلفظ كلمته، يصير اللافظ والملفوظ معًا، الآب والابن. فالكلمة التي لفظها الآب منذ الأزل، ووجهها إليه نفسه منذ الأزل، على حدّ قول يوحنّا، تتضمّن كلّ شيء: تتضمّن لا نهاية الله، والخليقة كلّها، بل وما وراءها، إذ فيها تلمع النماذج المثاليّة لكلّ ما يمكن أن يكون. ومن يُدرك هذه الكلمة يُدرك كلّ شيء. وقد اشتغل الفكر اليوناني زهاء ستّة قرون في خدمة التاريخ المقدّس، لكي يغدو تصوّر لوغوس Logos (الكلمة) جاهزًا عند اللزوم للتعبير به عن شخص المسيح. وكان اليونان يبغون الوضوح في كلّ شيء، ولهم من القوّة ما يَجِدُون معه صورة للكيان برغم السّديم السائد، ويتصوّرون الحقائق الأوليّة على أنّها صورة أزليّة؛ وبذلك أعدَّ اليونان تصوّر "الكلمة" Logos على أنّه تصوّر الفكرة ومنبع كلّ التصوّرات. ولمّا جاء يوحنّا وفي ركابه الفكر المسيحيّ، أخذا على حسابهما هذه التصورات واستخدماها لإنارة العلم المسيحيّ وتوضيحه... هذه الفكرة هي إذًا جريئة، لكن فكرة بولس هي بحدّ ذاتها أجرأ. ذلك لأنّ يوحنّا يتكلّم عن ابن الله الأزليّ، عن الكلمة ذاتًا، فيما بولس يتكلّم عن ابن الله المُتأنِّس؛ وهو ابن الله هذا وضعه الآب قبل كلّ بدء للأشياء، وفيه وضع كلّ شيء.

وما يعني ذلك؟ أوَلم يصر الكلمة إنسانًا في الزمان؟ لا أدري. وعلى كلّ فذلك يعني أنّ الإنسان والبشرى ليسا في نظر الله على ما نفتكر!

 

"به كان كلّ شيء"

هو إذًا البكر قبل كلّ خليقة، وفيه توجد قواعد ونماذج كلّ الصور، وكلّ الكائنات، وكلّ القيم. وكما يحتوي الضوء الأبيض كلّ الألوان، كذلك يحتوي الكلمة، بالقوّة، كلّ ما انتثر في الكون الفسيح، وعلى مدى الأزمنة، في أعماق العقل، وفي أعالي المثاليّة. لا يحتوي الكلمة كلّ ذلك على أنّه صورة قائمة، بل على أنّه قدرة خلاَّقة، إذ به كان كلّ شيء. فالمسيح هو يد الله الفاعلة.

وفي الكلمة أيضًا يوجد كلّ تمثيل مُسبق لكلّ المصاير؛ فكلّ ما يجب أن يحدث في هذا العالم من تشابك الأسباب والنتائج، ومن طرق تسلكها الكائنات بأسرها، ومن مسارات تقوم بها أقدار البشر أجمع؛ وكلّ مسارة بذاتها، وكلّ مجموعة معقّدة النسيج، كلّ ذلك سبق تمثيله في الكلمة. وكذلك فيه أيضًا قرارات النعَم والمواهب، كما وتلك الحقيقة الخفيّة التي هي التاريخ المقدّس: مجموعة الإيحاءات، والنبوءات، والتوعدات، وأحداث العناية، وعلامات الزمان، وأخيرًا الشبكة اللامتناهية لما يجب أن يؤول إلى خير الذين يحبّون الله؛ كلّ شيءٍ له المسيح كسببٍ فعلي وسببٍ أقصى؛ فإنّما هو المسيح يعطي لكلّ الأشياء معنى أصلها وغايتها. يا لها من فكرة!

 

هو الذي دخل التاريخ إنسانًا متواضعًا

ذلك هو الذي دخل التاريخ، وعاش فيه إنسانًا متواضعًا، وحمل فيه مع ذلك الأشياء كلّها... لقد تكلّمنا آنفًا عن باطنيّة المسيح، على ما كشف يوحنّا عنها النّقاب، لاسيّما في الخطابات الكبرى في أورشليم. وقد رأينا فيها كيف كان المسيح على وعي من قدرة كيانه الباطنيّ، وكيف كان وعيه الأزليّ يظهر في وعيه الزمني. فلنذكر مثلاً العبارات التالية: "كنت قبل أن يكون إبراهيم" (يوحنّا 8/ 58)، وهذه مثلها: "مجّدني الآن، يا أبتِ، ممّا كان لي من المجد عندك قبل أن يكون العالم" (يوحنّا 17/ 5). لا يخلو بولس ممّا كان يوجد عند المسيح من مثل هذا الوعي.

هنا تبلغ قامة المسيح وسع العالم كلّه. فهو لم يعد يكتفي بتعليم حقيقة ما، أو بفتح إحدى الطرق، أو بإعلان نظام للأشياء. وأنّنا لنشعر الآن بكلّ ما لمثل الكلمات التالية من معنى ومدى: "أنا هو الطريق، والحقّ، والحياة" (يوحنّا 14/ 6). فالحقيقة، أنّه لا يعلنها إعلانًا، فهو الحقيقة بالذات. إنّه لا يقول كيف هي الأشياء، لكنّه جدير بأن يجذب إليه ويحتوي الناس والأشياء جميعًا. ففي المسيح يوجد مكان للعالم، ليس فقط، كما يوجد له مكان في الفكر الواسع، بل كما لكائن موجود يحتويه كائن أكبر هو فوق كلّ وجود. فالمسيح يحتوي العالم ليس فقط في فكره بل في كيانه. وكلّ ما هو محدود يأخذ منه جوهره... وهذه الإفخارستيّا أيضًا تأخذ منه كلّ معناها في هذا المَنحى. فالكلمات "مَن أكل جسدي وشربَ دمي أقام فيَّ وأَقَمْتُ فيه" (يوحنّا 6/ 56) لا تصف فقط الصِلات النفسانيّة، ونوعًا من المحبّة الخالصة والشعور بالثقة، بل - إن كان لنا أن نجرؤ على القول - الصِلات الكونيّة. فالناس، ومعهم العالم، عليهم أن يكونوا، حقًّا وواقعًا، في المسيح، لأنّه، وهو الكلمة الذي صار إنسانًا، يضمّ الكلّ إلى صدره.

وقد يجيب مُجيب: إنّ كلُّ ذلك هو تَخَيُّل هواوي لأفلاطون وبلوطون. إنّ هذا الإعتراض لا يخيفنا. فقد فكَّر أفلاطون ما فكَّر ليتيح للمسيحيّ أن يجد، في الوقت اللازم، ما هو جاهز من التصوّرات الضروريّة ليفهم ربّه ويفهم نفسه، في الإيمان بهذا الربّ. إلاّ أنّ ما هو مُعلَن هنا ليفوق كلّ ما تجرأ أي فيلسوف من فلاسفة المثاليّة أن يعلنه يومًا: إنّ بولس يعلّم أنّ المسيح هو حقًّا الفضاء، والنظام، والصورة، والقدرة؛ وهي كلّها تستقبل المؤمن وتحوِّله؛ والخبرة تثبت هذا التعليم. فممّ يتألّف، مثلاً، تكوين الفكر المسيحي؟ يعيش الإنسان مع أفكاره أوّلاً في العالم بوجهٍ عامّ، ويستخدم كقاعدة لفكره الخبرة والمَنطق؛ وبموجب ذلك يحكم عمّا هو موجود وعمّا هو قابل للوجود. وعندما يصل إلى المسيح تجابهه مشكلة حاسمة: هل يُطبّق عليها وجهات النظر العامّة؟ سيحاول أوّلاً، ولا شكّ، أن يفعل ذلك. لكنّه لا يلبث أن يُلاحظ أنّ هناك شيئًا خاصًّا. ويشعر بدافع يدفعه إلى أن يقلب نظام الأشياء ويجعل من المسيح نقطة إنطلاق لا يكون المسيح فيها موضوع بحث، بل قاعدة تفكير، وأن لا يطبق عليه فيما بعد القوانين العامّة للفكر والخبرة، بل ينظر إليه على أنّه المقياس للواقع والمُمكن. إلاّ أنّ الفكر الذي يريد أن يبقى سيّد أمره يُمانِع في ذلك؛ فهو يراه تنازلاً عن إستقلاله ضمن العالم، واستسلامًا بين يدي الله الناطق في الوحي. سيكون له ذلك خيارًا حاسمًا: فإمّا أن يصير مسيحيًّا، أو لا يصيره.

 

المسيح هو المقياس للواقع والمُمكن

فإن اختار اختيارًا إيجابيًّا، فإنّه سيبدأ معاناةً من التحوّل عميقة جدًّا قد تكون له سبب قلق، لا بل سبب غمّ وجزع شديدين، كالمرور عبر الحيرة، أو عبر رواق مُظلم: فما كان يقينًا إلى الآن يوضع على بساط البحث، وكلّ التصوّر للواقع، كما وكلّ الكيان المفكِّر يُعاد إنشاؤهما على مُخطّط آخر. ونتساءَل دائمًا بإلحاح إذا ما كان المسيح حقًّا من العظمة بحيث يمكن أن يكون مقياسنا للكلّ؟ وإذا ما كان هذا الكلّ يدخل حقًّا في باطنيّة يسوع؟ وعلى كلّ، إذا كان التفكير في شأن المسيح ليس سوى شكل - مُفضّل ولا شكّ - من الإكرام يصير الإنسان المُكرَّم معه قاعدةً لكلّ الأشياء؟ وعندئذ يحدث هناك حادث من المحبّة خاصّ يجعل المرء أعمى وبصيرًا في آن. ولكن، بقدر ما سيتابع الفكر تفكيره، بقدر ذلك سيدرك أنّ المحبّة للمسيح تختلف إختلافًا جوهريًّا عن كلّ محبّة سواها؛ سيدرك - وليتكرّم القارئ بأن يقبل هنا بالمصطلحات الفلسفيّة فهي وحدها الملائمة - أنّ المسيح هو المقولة التي تقوم أساسًا لكلّ الأشياء، إذ هي النظام الجامع لكلّ وجوه الفكر، حتى ليعطي للكلّ حقيقته. ذلك هو التحقيق الإختباري الذي ذكرناه أعلاه. ومهما كان فكر المسيحيّ المُنفرد محدودًا وضعيفًا، وبقدر ما يخضع حتى النهاية لهذا التحوّل، فإنّه سيرى في ذاته من السعة، وقوّة التأليف، وتفوّق التفكير ما ليس بوسع أي صفاء ذهن أن يعطيه إيّاه.

وإذا بصورة المسيح قد كبرت إلى ما لا يُقاس، فليس لها من مقياس لأنّها هي المقياس كلّه ذاتًا.

والمسيح هو، لهذا السبب ربّ الكائنات، وحاكمها جميعًا، والقانون بالذات لكلّ حكم. وكلّ ما يفعله إنسان لأجل المسيح أو ضدّه يُحاكم عليه. وفي وجهة النظر هذه يوجد كلّ الباقي، حتى مقاييس الخير والعدل. وفي ذلك يقول بولس في الفصل الثامن من رسالته إلى الرومانيِّين: "ورأى أنّ آلام هذه الدنيا لا تُوازي المجد الذي سيتجلّى فينا". فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله. فقد أُخضعت للباطل بسلطان الذي أخضعها، لا طوعًا منها. ومع ذلك لم تقطع الرَّجاء، لأنّها هي أيضًا ستُعتق من عبوديّة الفساد لتشارك أبناء الله حريّتهم ومجدهم. فإنّا نعلم أنّ الخليقة جمعاء تئنّ إلى اليوم من آلام المخاض، وليست وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الرّوح تئنّ في الباطن منتظرين التبنّي وافتداء أجسادنا، لأنّنا نلنا الخلاص، ولكن في الرّجاء، فإذا شوهد ما يُرجى بطلَ الرّجاء، وكيف يرجو المرءُ ما يشاهده؟ ولكن إذا كنّا نرجو ما لا نشاهده فالصبر ننتظره. وإنّ الرّوح أيضًا يأتي لنجدة ضعفنا، لأنّا لا نُحسن الصلاة كما يجب، ولكن الرّوح يشفع لنا بأنّاتٍ لا تُوصف. والذي يفحص عن القلوب يعلم ما هي رغبة الرّوح، وكيف أنّه يشفع للقدِّيسين بما يوافق مشيئة الله. وإنّا نعلم أنّ الله يُسخِّر كلّ شيء لخير الذين يحبّونه، أولئك الذين دُعُوا بسابق تدبيره. فالذين اختارهم بسابق إختياره أعدَّهم قديمًا لأن يكونوا على مثال صورة إبنه ليكون هذا بكرًا لإخوة كثيرين. فالذين أعدَّهم قديمًا دعاهم أيضًا، والذين دعاهم برَّهم أيضًا، والذين برَّهم مجَّدهم أيضًا.

"فماذا نضيف إلى ذلك؟ إذا كان الله معنا فمن يكون علينا؟ الله الذي لم يضنَّ بابنه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعًا، فكيف لا يهبُ لنا معه كلّ شيء؟ فمن يتَّهم الذين اختارهم الله، والله يبرّهم؟ ومن يحكم عليهم؟ مات يسوع المسيح، بل قام، وهو عن يمين الله يشفع لنا. فمن يفصلنا عن محبّة المسيح؟ أشدَّة أم ضيق أم إضطهاد أم جوع أم عُريٌ أم خطرٌ أم سيف؟ فكما ورد في الكتاب: "إنّنا من أجلك نعاني الموت طوال النهار، ونُعَدُّ كأنّنا غنم للذبح". ولكنّا في ذلك فزنا فوزًا مبينًا، ويعود الفضل إلى الذي أحبّنا. وإنّي واثق بأنّه لا الموت ولا الحياة، ولا رؤساء الملائكة، ولا الحاضر ولا المستقبل، ولا أصحاب القدرة العُلويّة ولا السُّفليّة، ولا خليقة أخرى، ولا شيء بوسعه أن يفصلنا عن محبّة الله لنا في ربّنا يسوع المسيح". (روم 8/ 18 - 39).

 

على هذا المسيح يقوم سرّ الإختيار، وقد تكلّمنا عنه أعلاه. أنّه لسرّ مُخيف وسرّ محبّة معًا. ويختم الرّسول: "ما أبعد غور غنى الله وحكمته وعلمه! وما أعسر إدراك أحكامه وتبيّن طرقه! "فمن الذي عرف فكرَ الربّ، أو من الذي كان له مُشيرًا؟ ومن الذي تقدَّمه بالعطاء فيكافأ عليه؟". فكلّ شيء منه وبه وإليه. فله المجد أبد الدهور. آمين". (روم 11/ 33 - 36).

 

                                                                         رومانو كوارديني

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية