المعمودية ولادة جديدة واشتراك في حياة الله

 

 

 

 

المعمودية ولادة جديدة واشتراك في حياة الله

 

 

الولادة الجديدة "من فوق"

 

 

يؤكّد السيّد المسيح في حديثه مع نيقوديموس أنّ المعمودية هي "ولادة جديدة". يبدأ بتأكيد ضرورة الولادة الجديدة لدخول ملكوت الله: "الحق الحق أقول لك: ليس أحد يقدر أن يعاين ملكوت الله ما لم يولَد من فوق". فيسأله نيقوديموس عن كيفيّة تلك الولادة: "كيف يستطيع إنسان أن يولد، إذا كان شيخًا؟ أوَيقدر أن يلج بطن أمّه ثانية ويولد؟" فيجيبه يسوع عن الولادة بالماء والروح: " الحق الحق أقول لك: ليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت السماوات، ما لم يولد من الماء والروح". مشيرًا إلى المعمودية.

ثمّ يضيف السبب الذي لأجله يجب أن يولد الإنسان ولادة جديدة بالماء والروح: "المولود من الجسد إنّما هو جسد، والمولود من الروح إنّما هو روح". ثمّ يردف: "لم يصعد أحد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء" (يو 3: 3 ـ 6، 13).

 

إنّ مجيء السيّد المسيح من السماء، أي من عند الله، قد أحدث تغييرًا جذريًا في العالم، إذ أدخل فيه مبدأ حياة جديدة هي حياة "ملكوت الله" أعني حياة الله نفسه. وتلك الحياة يستحيل على الإنسان "المولود من الجسد" الحصول عليها، فوجب عليه، ليتاح له أن "يعاين ملكوت الله" ويحيا حياة الله، أن يولد من جديد.

التألّه

 

إنّ الولادة الجديدة "بالروح" تؤلّه الإنسان إذ تملأه من روح الله: إنّه "مولود من الله، وزرع الله حالّ فيه" (1 يو 3: 9). وزرع الله هو الروح القدس، روح الله نفسه الذي يقيم فيه عندما "يولد من جديد بالماء والروح" (راجع أيضًا يو 1: 13).

 

هذا هو التألّه الذي فيه رأى آباء الكنيسة الشرقية المفعول الأساسي للمعمودية. "فالله يثبت فينا بالروح الذي أعطانا" (1 يو 3: 24).

وعندما يثبت فينا الله يصير هو مبدأ أعمالنا. وقد شبّه آباء الكنيسة حالة الإنسان المعتمد والمؤلَّه بالحديد في النار، يبقى على طبيعته، حديدًا، ولكنّه يأخذ من طبيعة النار احمرارها ومفعولها، فيصير بدوره نارًا محرقة. وهذا ما يعنيه بطرس الرسول بقوله إنّنا "نصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة" (2 بط 1: 4).

في هذا القول يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:

 

"نزل الروح القدس ليُلبِس الرسل القوّة ويعمّدهم، لأنّ الرب قال: أمّا أنتم فستمَّدون في الروح القدس بعد أيّام قليلة (أع 1: 5). ليست هذه نعمة جزئية بل هي القدرة بأكملها، لأنّه كما أنّ الذي يغطس في الماء ويُعمَّد يغمره الماء من كل جانب، كذلك هم تعمَّدوا في الروح القدس كاملًا. ولكن فيما الماء يغمر الجسم من الخارج، الروح القدس يعمّد النفس من الداخل دون أن يترك فراغًا. ولماذا نستغرب؟ خُذ مثلًا ماديًا متواضعًا، مفيدًا للناس البسطاء: إذا اخترقت النار صفاقة الحديد حتى باطنه حوَّلت الكل إلى نار. فما كان باردًا يصير محرقًا، وما كان قاتمًا يصير لامعًا. فإذا كانت النار، وهي جسم، باختراقها جسم الحديد، قامت بهذا العمل دون عائق، فلماذا تستغرب قدرة الروح القدس على الدخول إلى باطن النفس؟".

وعن هذه الولادة الجديدة بالماء والروح يقول ثيودوروس المصيصي:

 

"حينئذٍ تنزل إلى المياه المقدّسة ببركة الكاهن، لأنّك لا تعتمد في مياه عاديّة بل في مياه الولادة الجديدة التي لا تستطيع أن تصير هكذا إلّا بمجيء الروح القدس. فيجب على الكاهن  أن يطلب إلى الله أن يرسل نعمة الروح القدس على المياه لتصير قادرة على أن تلد تلك الولادة المذهلة، وتكون حشًا للميلاد السرّي... في المعمودية تصير المياه حشًا للذي يولد. لأنّ نعمة الروح القدس تجبُل المعتمد لميلاد ثانٍ، وتجعل منه شخصًا آخر... فعندما يعتمد وينال النعمة الإلهية الروحانية، يتحوّل كليًّا إلى شخص آخر، بحسب سلطان من يجبله هكذا... كل من ينزل في المياه التي حلّت عليها نعمة الروح القدس تجبله نعمة الروح القدس جبلة جديدة فيولد ثانية في طبيعة بشرية أخرى سامية".

 

الخلق الجديد

 

إنّ مياه المعمودية صورة للمياه الأولى التي منها خرجت الخليقة.

والروح القدس الذي يحلّ فيها ويقدّسها يجعلها حشا للخليقة الجديدة. ينزل الإنسان في تلك المياه المطهِّرة، فيذوب كلّ ما تكدّس في نفسه من أقذار، وقلبه المتحجّر يصير على ما يقول حزقيال النبيّ، "قلبًا من لحم" (مز 36: 26) طيّعًا لعمل الله. وكلّ ما فيه من ظلمة يزول بدخول النور السماوي الذي يملأ كيانه كلّه: قلبه، وعقله، وقواه النفسية، وحتى حواسّه:

"لقد كنتم أمواتًا بزلّاتكم وخطاياكم... غير أنّ الله أحيانا مع المسيح" (أف 2: 1 ـ 6)؛ "لقد كنتم من قبل ظلمة، أمّا الآن فأنتم نور في الرب" (أف 5: 8)؛ "إنّكم جميعًا أبناء النور، وأبناء النهار" (1 تسا 5: 4).

التبنّي

 

بهذه الولادة الجديدة يصير الإنسان ابن الله ووارثًا مع المسيح، ويستطيع أن يدعو الله كما كان يدعوه المسيح: أبّا! أيّها الآب" (رو 8: 15، راجع أيضًا غلا 4: 5؛ أف 1: 5).

بهذه الولادة الجديدة لا يعود الإنسان غريبًا عن الله وعن أبناء الله: "لستم بعد غرباء، ولا نزلاء، بل أنتم مواطنوا القدّيسين، وأهل بيت الله" (أف 2: 19)، بل دخل في عائلة الله، ويقدر أن يقول مع جميع أبناء الله: "أبانا".

 الولادة الجديدة تعطي المعمَّدين أبًا يخلِّصهم ويبرّرهم ويقدّسهم وإخوة وأخوات قدّيسين.

 لذلك درج التقليد الليتورجي في الكنيسة الأولى على أن تكون الصلاة الأولى التي يتلوها المعتمد بعد معموديته الصلاة الربية: "أبانا الذي في السماوات".

 

الإسم والختم

من يصير ابن الله يحمل اسمه ويُختَم أو يوسَم بختمه.

 

لذلك، فيما كان الختان في العهد القديم يتمّ عند اليهود "باسم العهد" وعند السامريّين "باسم جبل جريزيم"، تُمنَح المعمودية في أسفار أعمال الرسل "باسم يسوع المسيح"، وبحسب إنجيل متّى "باسم الآب والابن والروح القدس" (متّى 28: 19).

 

الاسم يعني حضور الشخص والتكرّس له.

فالعماد "باسم يسوع المسيح" يعني الانضمام إلى شخص المسيح والتكرّس له والدخول في عهد معه. وكذلك العماد "باسم الآب والابن والروح القدس" هو دخول في حياة الإله الثالوث والتكرّس له: "فالمعموديّة التي تتمّ بالمسيح وتمنحنا الروح تدخلنا في بيت الآب. وبها نحصل على حال وجود ثالوثية".

في هذا الإطار دعا الآباء المعمودية "الختم"، تارة "ختم الإيمان" وتارة "ختم الروح". يقول القديس باسيليوس الكبير:

"يقول الرب: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. فالمعمودية هي ختم الإيمان، والإيمان هو اعتناق الألوهة. فيجب إذن أن يؤمن المرء أوّلًا، ثم يوسَم بالمعمودية".

وغريغوريوس  النزينزي يرى في المعمودية "ختم الروح". ويوضح "أنّ هذا الختم يحمي ويعني ملكية الله المطلقة". إنّه علامة تشير إلى أنّ المعتمد أصبح خاصة الله.

والختم هو أيضًا ختم صورة المسيح أو صورة الروح أو صورة الثالوث في نفس المعتمد. ففي صلاة تقديس المياه في إفجولويون سيرابيون الذي كُتب في مصر في القرن الرابع، نقرأ العبارة التالية: "هب لجميع الذين سيولدون من جديد أن يكونوا على صورة جمالك الإلهي الفائق الوصف، وأن يخلصوا ويصيروا أهلًا لملكوتك".

 

ويوحنا الدمشقي في تعليق له على أفسس 1: 13 يقول:

"أنتم أيضًا، بحسب قول الرسول، من عِداد أولئك الذين سبق الله فاصطفاهم، أنتم الذين اتحدوا بالمسيح بالطاعة، بالإيمان برسالته، وبالختم الذي يختم الإيمان، والذي هو مشابهة المسيح بالاشتراك في الروح القدس".

فالختم هو تعبير رمزي للإشارة إلى الصورة الجديدة التي يلتزم المسيحي أن يحملها طول حياته في كيانه وفي أعماله، ويحرص على ألّا يشوّهها بالخطيئة.

وعلى غرار الجنود الذين كانوا في القديم يوسَمون على ذراعهم باسم قائدهم، جرت العادة قديمًا لدى المسيحيين الشرقيين أن يوسَموا على ذراعهم بوسم لا يمحى يمثّل شكل الصليب.

 

وهذا العلامة هي علامة الانضمام إلى شعب الله الجديد المسمّى باسم الله الثالوث والذي نذكر اسمه كلّ مرة نرسم على وجوهنا وصدورنا إشارة الصليب.

وهذا الختم هو علامة قبول الله لنا قبولًا نهائيًا لا عودة عنه. لذلك كل معمودية تتم بشكل صحيح، أي بالماء و"باسم الآب والابن والروح القدس"، لا يجوز أن تُعاد.

 

 

                            

                                      الأب سليم بسترس

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية