"تألّم على عهد بيلاطس البنطيّ، وصُلب، وقُبر"

 

 

 

"تألّم على عهد بيلاطس البنطيّ، وصُلب، وقُبر"

 

 

أ) عدالة ونعمة

 

أيّة مكانة على وجه التحديد، يحتلّها الصّليب في الإيمان بيسوع المعترف به مسيحًا؟ هنا تكمن المشكلة التي يواجهنا بها، مرّةً أخرى، هذا البند من قانون الإيمان. 

 

فبعضُ نصوصِ العبادة يوحي بأنّ الإيمان المسيحيّ بالصّليب يمثّل إلهًا فرضَتْ عدالتُه القاسية، البعيدة من الرّحمة، تضحيةً بشريّةً ألا وهي التضحية بابنه هو - وإنّنا لنستفظع عدالةً إنتزع سخطُها الأسود كلّ مصداقيّة في رسالة المحبّة.

وبقدْر ما تنتشر هذه الصّورة بقدْر ما هي مغلوطة زائفة. فالكتاب المقدّس لا يعرض لنا الصّليب كجزء من تركيبةِ (آليّة) حقٍّ جريح؛ بل يظهره على عكس ذلك تمامًا: إنّه تعبير عن حبّ أصيل أساسيّ يعطي ذاته كليًّا.

 

 

وهو حدَث يتمثَّل فيه الإنسان بما يفعل وبما هو عليه. إنّه تعبير عن حياة مكرّسة للآخرين. وإذا نظرنا إلى ذلك عن كثب، نجد أنّ اللاّهوت التوراتيّ المفسِّر للصّليب ينمّ عن ثورةٍ حقيقيّة في ما يتعلّق بفكرة التكفير والفداء في تاريخ الأديان، خارج المسيحيّة.

 

ومع هذا، فمن الواجب الإعتراف بأنّ هذه الثورة، في الضمير المسيحي المتأخّر، قد حُيّدت، من جديد، تحييدًا واسعًا، ولم يُعتَرف بها إلاّ نادرًا، على الرغم من عظمة اتّساعها. ويعني التكفير، عامّةً، في الأديان الكبرى أن يعيد البشر مع الله، وبأعمال تكفيريّةٍ اسغفاريّة، العلائق التي عُكّرت.

فالأديان كلّها، تقريبًا، تدور حول مشكلة التكفير؛ وهي تنجمُ عن ضمير الإنسان الذي شعر بخطأه أمام الله، وتشكّل محاولةً لوضع حدّ لهذا الشعور بالخطأ، ثمّ للتجاوز عنه بأعمال تكفيريّة تُقدَّم لله تعالى. فعمل التكفير، الذي يحاول به النّاسُ تهدئة العزّةِ الإلهيّة وكسْبَ عطفها ورضاها لهو في قلب تاريخ الأديان.

إنّ الأمور في العهد الجديد تختلف عمّا كانت عليه في العهد القديم.

 

 

 فليس الإنسان هو الذي يُبادر إلى التقرّب من الله لكي يقدّم له قرابين التكفير، إنّما هو الله الذي يأتي إلى الإنسان ليعطيَه من هباته.

فبمبادرةٍ من عظمة حبّه يشفي الله الحقّ الجريح إذ يبرّر برحمتِه المبدعة تعسّف الإنسان، ويحيي ما كان ميتًا. فعدالتُه رحمةٌ، وهي عدالة فاعلة تقوّمُ احْدِيدَابَ الإنسان وتعيده مستقيمًا. هذه هي الثورة التي أدخلتها المسيحيّة في تاريخ الأديان.

 

 

لا يقول العهد الجديد بأنّ الناس صالحوا الله، كما يُظن، ما داموا هم الّذين ارتكبوا الخطأ، وليس هو جلّ جلالُه. إنّه يؤكّد العكس، إذ إنّ الله قد صالحَ العالمَ بالمسيح (2 كور 5/ 9) وهذا في الحقيقة شيء طريفٌ فريد، وهو نقطة إنطلاق الوجود المسيحيّ وقُطب لاهوتِ الصّليب في العهد الجديد.

إنّ الله لا ينتظر أن يأتيه المذنبون من تلقاء أنفسهم ليصالحوه ولكنّه يذهب إليهم بنفسه ليصالحهم وبهذا يبرزُ الإتّجاه الحقيقيّ لحركة التجسُّد، لحركة الصّليب.

 

وهكذا، وقبل كلّ شيء، يظهر الصّليب في العهد الجديد، كحركة من أعلى إلى أسفل وليست عملَ مصالحةٍ تقدّمه الإنسانيّة إلى إلهٍ ساخط ولكنّها تعبير عن حبّ لا يطوله الإدراك، عند الله الذي يُعطي نفسَه ويتواضع ليخلّص الإنسان.

 

 إنّها مجيئُه إلينا، وليست العكس. وإنطلاقًا من هذه الثّورة في فكرة التكفير، وفي القطب ذاته للواقع الديني، فإنّ العبادة المسيحيّة، والوجودَ المسيحيّ كلّه، يخضعان، هما أيضًا، لاتّجاه جديد. فالتعبّد في المسيحيّة ينحصر أوّلاً، في أن نستقبل بعرفان كلّي عملَ الله الخلاصيّ لهذا فإنّ التعبير الأساسيّ عن العبادة المسيحيّة دُعيَ بحقٍّ الإفخارستيّا أي عمَلَ الشُّكر.

 

ففي هذه الشعائر (العبادة) لا تُقدَّم إلى الله أعمالٌ بشريّة إنّما يتعلّق الأمر بما يسبغه الله على البشر، إنّنا لا نعظّم الله عندما نقدّم له ممّا هو مفترضٌ أنّه لنا - علمًا أنّ كلّ ما لنا يخصّه وحده - ولكن عندما نقبل عطاياه، فنعترف به، هكذا، ربّنا الأوحد. نحن نعبده عندما نكفر بالوهم الذي يدفعنا إلى التصرّف كشركاء له مستقلّين، بينما لا وجود لنا في الواقع، إلاّ فيه وبه.

 

إنّ التضحية المسيحيّة لا تقوم على أن نعطيَ الله شيئًا لا يمتلكه بدوننا، ولكن أن نكون متقلّبين كليًّا أن يمتلكنا تعالى كلّنا فالتضحية المسيحيّة هي أن نجعلَ الله فاعلاً فينا.

 

 

ب) الصّليب سجود وذبيحة

 

 

تفرض علينا الحقيقةُ أن نعترف بأنّنا لم نقُل، في ما قدّمنا، كلَّ ما يجب أن يُقال. ففي قراءة للعهد الجديد، من بدايته إلى نهايته، ترانا نسأل أنفسَنا هل يصف هذا العهد عمل التكفير، عند يسوع، كقربان قُدِّمَ لله الآب، وهل الصّليب يُعرَض وكأنّه ذبيحة الطّاعة قدّمها المسيح لأبيه.

 

وفي سلسلة من النّصوص كاملة يظهر الصّليب وبوضوح كحركة إنسانيّة (تترقّى) تتسامى نحو الله في خطّ تصاعديّ حتّى لنرى أنّ كلّ ما نحاولُ استبعاده يعود فيبرز أمامنا من جديد.

 

 وبالحقيقة، فإنّ معطياتِ العهد الجديد لا يمكن أن تُدرك بخطّ الإنحدار وحده. ولكن كيف يمكننا، إذًا، أن نفهم العلاقة بين الخطّين: خطّ التّصاعد وخطّ الإنحدار؟

وهل يجب أن نلغي واحدًا، من هذين الخطّين، على حساب الآخر؟

 وإذا فعلنا فما هو المبدأ أو المستند الذي يبرّر إختيارنا؟

 من الواضح أنّنا لن نعرف حُسنَ الإختيار، إذ يكون ذلك إنحيازًا لرأينا الشّخصيّ الذي جعلناه قياسًا للإيمان.

 

ولكي نتقدّم، علينا أن نتوسّع في المسألة، ونحاول إيجاد نقطة إنطلاقٍ تفسير العهد الجديد للصّليب - فنبدأ بالقول إنّ صليب المسيح في أوّل إنطلاقته ظهر للرّسل وكأنّه النهاية، أو كأنّه فشلٌ لمشروعه. فلقد آمنوا أنّهم وجدوا فيه الملك الذي لا يستطيع أحد أن يقهره أو ينال منه.

 

 وها هم قد أضحوا، رغم طولِ انتظارهم، وعكس ما توقّعوا، أصحاب رجلٍ نُفّذ فيه حُكم الموت.

 

إنّ القيامة أكّدت لهم، فعلاً، أنّ يسوع ملك رغم كلّ ما حدث، ولكنّهم مكثوا زمنًا طويلاً قبل أن يفقهوا ما الفائدة من الصّليب.

 

إنّ مفتاحَ الجواب عن هذا كان في الكتاب، في التوراة، حيث تقصّوا الصّور، واستخلصوا المفاهيم ليحاولوا شرح ذلك الحدث. كما لجأوا إلى النّصوص، وإلى وقائع الطقسيّات، في العهد القديم، مقتنعين بأنّ كلّ ما قيل فيها يكتمل بيسوع. وأنّه إنطلاقًا من يسوع فقط يُستطاع حقًّا فهمُ ما تعنيه تلك النصوص، في الواقع.

وهكذا نجد، في العهد الجديد، أكثر من تفسير، إنطلاقًا من فكرة لاهوت العقائد في العهد القديم.

إنّ التحقيق الأصحّ قياسًا لهذه المحاولة يتجلّى في الرسالة إلى العبرانيّين حيثُ ربطَ موت المسيح على الصّليب بطقسِ عيدِ المصالحة عند اليهود وبلاهوته، وحيث هو ممثّل وكأنّه العيد الكونيّ الحقّ للمصالحة.

 

وباستطاعتنا إختصار فكرة الرسالة هذه بالآتي:

 

 

 كلّ جهوز القرابين عند البشريّة، وكلّ الجهود التي يعضّ بها العالم ليصالح الله بالتعبّد والطقوس كان محكومًا عليها أن تبقى أعمالاً بشريّة لا جدوى منها ولا فعّاليّة لها، لأنّ ما يريده الله ليس كباشًا ولا ثيرانًا، ولا أيّة تقدمة أخرى طقسيّة، فنحن نستطيع أن نقدّم للربّ مئاتِ الذبائح من الحيوانات، على سطح الكرة الأرضيّة كلّها، غير أنّ الربّ ليس في حاجة غلى ذلك ما دام يملك كلّ شيء، ونحن لا نقدّم شيئًا لسيّد الكون عندما نُحرق هذه القرابين كلّها أمام عظمته:

 

"لن آخذ من بيتك ثورًا، ولا من حظائرك نعاجًا لأنّ لي وحش الغابات كلّها، والحيوانات على جبالي بالآلاف. أعرف طير السماء جميعًا، وكلّ حيوان الحقول مِلكي. إن جعتُ فلن أذهب إليك لأطلب طعامًا، لأنّ العالم بما يحتويه، هو لي. هل آكل لحم الثيران أم أشرب دم الكباش؟ قدّم إلى الربّ قربانَ الشّكر. (مز 50 (49)/ 9 - 14).

 

إنّ صاحب الرسالة إلى العبرانيّين يقف في الخطّ الرّوحيّ لهذا النصّ ولغيره من النصوص المشابهة، وهو يشير بشكل أساسيّ، وأكثر دقّة إلى عدم جدوى هذه المحاولات الطقسيّة. فالله لا يهتمّ بالكباش والثيران بل بالإنسان.

وإنّ فعل التعبّد الحقيقيّ ليس سوى هذه الـ "نعم" غير المشروطة التي يتفوّه بها الإنسان مختارًا كلّ شيء لله، ولكنّه ترك للإنسان الحريّة في أن يحبّ أو أن يرفض.

 

إنّ الشيء الوحيد الذي ينتظره الله منّا لهو الرّضى الحرّ في المحبّة وهذا الرّضى هو العبادة و"القربان" اللّذان لهما، وحدهما، معنى وقيمة.

 

إذًا، فهذه "النعم" المقدّمةُ للربّ والتي يردّ بها الإنسانُ نفسَه إلى الله تعالى لا يمكن أن تُعَوَّضَ بدم الكباش والثيران. ألم يقل الإنجيل: "وماذا يمكن أن يعطيَ الإنسان بدلَ حياته؟ (مر 8/ 37).

 

وعن هذا السؤال هناك جواب واحد فقط: ما من عطيّة تفوقُ عطيّة الإنسان ذاته. إذًا، فكما أنّ كلّ عبادة سابقة للمسيحيّة ترتكز على فكرة التعويض والتمثيل، محاولةً أن تستبدل ما لا يمكن أن يُستبدل لهي بالضرورة، باطلةٌ ودون جدوى.

 

يمكن للرسالة إلى العبرانيّين، وعلى ضوء الإيمان بالمسيح، أن تخاطر في إقامة ميزانٍ مغاير كليًّا لتاريخ الأديان، وأن تُعلنه في عالم مليء بالقرابين. ممّا يجعل الأمرَ يبدو وكأنّه كفران يفوق كلّ حدّ.

 

وبوسع الرسالة، أيضًا، السّماحُ لنفسها أن تعلن، من دون مراعاة، فشلَ الأديان الكليّ، لأنّها تعرف أنّ فكرة التّعويض والتمثيل، في المسيح، بات لها معنى جديد.

فقد كان، من موقعه الدّيني والشّرعيّ، علمانيًّا بسيطًا، ولم تكن له أيّة وظيفة بين خدمة الطّقوس الإسرائيليّة. وعلى الرغم من ذلك تقول الرسالة، كان الكاهن الحقيقي الوحيد، في العالم.

 

 

فموته الذي يكوّن، من الزاوية التاريخيّة، حَدَثًا دنيويًّا محضًا - تنفيذ الإعدام بإنسان محكوم كمجرم سياسيّ - كان هذا الموت، في الواقع، الليتورجيّا الوحيدة لتاريخ العالم، الليتورجيّا الكونيّة، وليس في الإطار المرسوم للعبة الليتورجيّة في الهيكل.

ولكن علنًا، أمام العالم بأجمعه، إذ دخل يسوع الهيكل الحقيقيّ مارًّا بحجاب الموت، وأمام الله ذاته، لا ليقدّم له أشياء كدمِ الحيوانات أو غيرها من القرابين المشابهة، إنّما ليقدّم له شخصَه ذاته. (عب 9/ 13).

 

علين أن نسجّل هذا الإنقلاب الأساسيّ الذي يتعلّق بموضوع الرسالة المركزيّ: فما كان، في نظر البشر، عمل دنيويّ كليًّا لهو في الواقع العبادة الحقيقيّة للإنسانيّة، لأنّ من قرّبها حطّم إطار اللّعبة الليتورجيّة، وجعل منها حقيقةً وواقعًا. لقد قدّم نفسه، وأزال قرابين البشر ليضع مكانها شخصه، ذاته هو، قربانَ تقدمة.

 

وإذا كان النصّ يؤكّد أنّ المسيح، على الرغم من كلّ شيء، قد أتمّ فعل المصالحة بدمه 0عب 19/ 20)، فيجب ألاّ يُفهم هذا من الزاوية الماديّة كوسيلة تكفير تُقاس بكميّتها لأنّه ليس سوى تعبير محسوس عن حبّ قيل عنه لامتناه (يو 13/ 1) تعبير عن أصالة عطائه وبذْلِه. إنّه يوضح عمل المسيح الذي لم يقدّم سوى نفسه لا أكثر ولا أقلّ.

 

وهو بادرةُ حبّ يعطي ذاته كليًّا. وهذا ما يكوّن، بحسب الرسالة إلى العبرانيّين، مصالحة العالم الحقيقيّة.

لذا، "فساعة" الصّليب هي يوم المصالحة الكونيّة، المصالحة الحقّ والنهائيّة. لقد امّحت كلّ عبادة، وزال كلّ كاهنٍ سوى هذا الذي يقدّم هذه العبادة: يسوع المسيح.

 

 

ج) خلاصة العبادة المسيحيّة

 

إنّ جوهر العبادة المسيحيّة لا يقوم، إذًا، على تقدمة الأشياء، ولا على أيّ نقض أو تهديم آخر، كما هو دائم التكرار في نظريّات ذبيحة القدّاس منذ القرن السادس عشر. فبمقتضى هذه النظريّات يكون النقض الطريقة الصحيحة للإعتراف بسيادة الله على الكائنات كلّها. هذه التخمينات جميعها تجاوزها، بكلّ بساطة، حدَثُ المسيح والتفسير الذي يعطيه عنه الكتابُ المقدّس.

 

تقوم العبادة المسيحيّة على الحبّ الخالص الذي يستطيع تقديمه ذاك الذي صار فيه حبّ الله ذاته حبًّا إنسانيًّا.

 

 

 إنّه يقوم على الشّكل الجديد لطريقة العرض، هذا الشّكل الذي يتضمّنه هذا الحبّ، علمًا أنّ المسيح أحبّ من أجلنا، وأنّنا إرتضينا أن يستولي علينا. تعني هذه العبادة، إذًا، أنّنا نطّرح جانبًا، محاولاتنا الخاصّة لتبرير ذاتنا فهذه المحاولات ليست، في الأساس، سوى ذرائع تُثيرنا بعضنا ضدّ بعضنا الآخر إذ نُنحي باللائمة على غيرنا، فنلصق به الخطأ، محاولين، في النهاية، اتّهام الله ذاته: "إنّها المرأة التي وضعتها إلى جانبي... فهي التي أعطتني من الشجرة..." (تك 3/ 12).

 

إنّه يفرض علينا - بدل أن نفني بعضنا بعضًا باستمرار، محاولين تبرير أنفسنا، - أن نقبل عطيّة الحبّ من يسوع المسيح الذي ارتهن لنا، وأن نجمع عليه لنصبح مع المسيح وبه عبّادًا صالحين. ومذ ذاك، فقد يكون بمقدورنا أن نجيب باقتضاب عن بضعة أسئلة لا تزال تطرح نفسها:

 

1- بالنسبة إلى رسالة المحبّة في العهد الجديد، هنالك طموح بدأ يرى النور أكثر فأكثر. هذا الطموح يرغب في أن يحوّل، كليًّا، العبادة المسيحيّة إلى محبّ الأخوي إلى التضامن الإنسانيّ ولا يرغب، بعد اليوم، بمحبّة، أو بعبادة لله مباشرة.

 إنّ العلاقة العموديّة مع الله أضحت مرفوضة، ولم يعد يقبلُ سوى العلاقة الأُفقيّة.

 

 

وإنطلاقًا ممّا قلناه فلا يصعب علينا، دون أدنى شكّ، أن نرى لماذا هذا  التصوّر الذي يبدو، للوهلة الأولى وديًّا محبّبًا، يمرّ، بالفعل ليس فقط قرب الواقع المسيحيّ ولا يلامسه، ولكن أيضًا، قرب الواقع الإنساني الحقّ. وربّ محبّة أخويّة تريد أن تكتفي بذاتها لهي في النهاية ضربٌ من الأنانيّة، من تأكيد الذات بشكله الأكثر تطرّفًا. إنّها ترفض قدراتها القصوى على الإنفتاح والتجرّد والنزاهة إذا كانت لا تقبل بأنّ هذه المحبّة تحتاج إلى من يفتديها، إلى ذاك الذي أحبّ وحدَه الحبّ الحقيقيّ الكامل.

 

 

 وبغضّ النظر عن نوايا الإنسان الطيّبة، فإنّه في النهاية يسيء إلى قريبه، وإلى نفسه لأنّه لا يجد كماله في علاقات التضامن الإنسانيّ البسيطة بل يجده في شركة الحبّ المتجرّد لله وحده فقط.

 

إنّ مجانيّة التعبّد البسيطة تشكّل أكبر الإمكانات للإنسان، فيها فقط يستطيع بلوغ تحرّره الحقيقيّ النهائيّ.

 

2- سؤال طالما أثير من جديد وبخاصّة من قبل المتعبّدين للصّليب التقليديّين، وهو عن العلاقة القائمة، فعلاً، بين التقدمة (أي العبادة) والألم.

 

 فانطلاقًا من التأمّلات التي سلفت فإنّ التقدمة المسيحيّة ليست سوى خروج ما هو لنا، القائم على الخروج على ذاتنا، والمكتمل، أساسًا، في الإنسان الذي هو خروج كلّه، أي تجاوز الذات في المحبّة.

 

 فالمبدأ الأساسيّ للعبادة المسيحيّة هو، إذًا، حركة الخروج تلك، المزدوجة والوحيدة في آن، بتوجّهها نحو الله والقريب.

 

 

 فالمسيح عندما يُدخلُ كيان الإنسان إلى الله، فإنّما يدخله إلى خلاصه. فحدثُ الصّليب هو خبز حياة "للشعوب" (لو 22/ 19)، لأنّ المصلوب، بدّل شكل جسد الإنسانيّة ليعطيه شكل الـ "نعم" التي للعبادة. إنّه بكليّته مركزيّ بشريّ، وهو، بكليّته متناسق مع الإنسان لأنّه، في الأساس، مركزيّ إلهيّ.

 

 

عندما يسلّم الأنا، وبهذا يسلّم كيان الإنسان إلى الله. إذًا، وباعتبار أنّ خروج المحبّة هذا هو انجذابُ الإنسان إلى خارج ذاته انجذابًا مشدودًا أبدًا إلى الأمام، إلى أبعد من ذاته، وكأنّه مجزّأ ممزّق، مُنجذبٌ إلى ما وراء إمكانات نموّه الظاهرة، فإنّ العبادة، في هذا السّياق، وفي الوقت نفسه، هي صليب، وهي ألمُ التمزّق، وموت حبّة الحنطة التي لا تستطيع أن تؤتي ثمارها ما لم تمرّ بحالة الموت. ولكنّنا نرى، في الآن ذاته، أنّ عنصر الألم ذاك. هو ثانويّ ينسرب من واقع أوّليّ يعطيه، وحده، معنى. فمبدأ التضحية الجوهريّ ليس في النقض والهدم، وإنّما في المحبّة. فإنّ الألم لا يكون جزءًا من التضحية (التقدمة) إلاّ بمقدار ما يحطّم هذا الحبّ، ويفتح ويصلب، ويمزّق - كشكل للمحبّة في عالم موسوم بالموت والأنانيّة.

 

وفي هذا الموضوع، يُلقي نصٌّ هام لجان دانيلو أضواءً على الفكرة التي نحاول استخراجها، وإن كان، في الحقيقة، يجيب عن مشكلة أخرى غامضة:

 

"بين العالم الوثنيّ والثالوث المقدّس ممر واحد فقط ألا وهو صليبُ المسيح. وإذ نريد، نحن، أن نستقرّ في هذا الفراغ (بينهما)، وننسج، من جديد، الخيوط السريّة التي تربط بين العالم الوثنيّ والثالوث، فكم نعجب، إذًا، ألاّ يكون ذلك إلاّ بالصّليب؟ علينا أن نرسم هذا الصّليب في ذواتنا، ونحمله فينا، كما يقول القدّيس بولس. "أن نحمل دائمًا معنا، في جسدنا، موت المسيح" (2 كور 4/ 10).

 

هذا الإنقسام الذي يصلبنا، وهذا التنازع في قلبنا بين محبّة الثالوثِ القدّوس، ومحبّة العالم الغريب عن الثالوث القدّوس هما آلام الابن الوحيد ذاتها التي يدعونا إلى أن نتقاسمها.

 

 فهو الذي أراد أن يحمل، في ذاته، هذا الإنفصال، لكي يهدمه في داخله، غير أنّه لم يهدمه إلاّ لكونه قد حمله أوّلاً. إنّه ينطلق من قُطب إلى قطب من دون أن يغادر جوهر الثالوث، ويمتدّ حتّى يصل إلى أقصى حدود البؤس البشريّ ويملأ كلّ الفراغ.

 

فامتدادُ المسيح هذا، الذي تشير إليه أبعادُ صليبه الأربعة، هو التعبير السريّ لتمدّدنا، وهو الذي يكيّفنا على شاكلته. إنّ الألم، في نهاية المطاف، نتيجة تمدّدِ يسوع المسيح هذا، وتعبير عنه، ابتداءً من مؤانسة الله وانتهاء بجحيم: "إلهي لماذا تركتني؟" فالذي مَدّد وجودَه إلى درجة غَوْصه في الله، وغوصه في هُوّة المخلوق الذي تركه الله، يجد نفسه بالضرورة مجزّءًا. فهو مصلوب حقًّا، ولكنّ هذا التجزيء متّحد مع المحبّة، إنّه الإيجاز "حتى النهاية" (يو 13/ 1) إنّه التعبير الملموس للإنفتاح الواسع الذي خلقته المحبّة.

 

 

وإنّنا لنستطيع أن نستخلص، من هذا، الأساس الحقيقيّ للتعلّق الصّحيح بالألم وأن نبيّن، أيضًا، كيف يلتقي التعلّق بالصّليب والرّوحانيّة الرّسوليّة.

وقد نستطيع أن نبيّن أنّ النشاط الرّسوليّ، خدمة البشر في العالم، مرتبط إرتباطًا عاطفيًّا وثيقًا بقلب التصوّف المسيحيّ ذاته، وبالتعلّق بالصّليب، وهذان الهدفان لا يتعارضان بل، بالعكس، إنّهما في عمقهما الحقيقي، يعيشان الواحد في الآخر.

 

 

 ويجب أن يكون واضحًا من هذا، أنّ ما له اعتبارٌ في الصّليب ليس تراكم الآلام الجسديّة كأنّ قيمة فداء الصّليب ترتكز على أكبر قدر ممكن من العذابات. كيف يستطيع الله أن يتلذّذ بعذابات خليقته، وحتّى بعذابات ابنه، فيعتبرها وكأنّها فدية تقدّم ثمنًا للمصالحة؟

 

 فالكتاب المقدّس والإيمان المسيحيّ الصّحيح بعيدان كلّ البعد من تصوّرات كهذه. فلا قيمة للألم، كما هو، إنّما للإنفتاح الذي خلقته المحبّة، مفسحة في مجال الوجود، واصلة ما هو بعيدٌ بما هو قريب واضعة الإنسان الذي هجره الله في اتّصال مع الله.

 

 

الحبّ وحده يعطي الألم معنى. ولو اختلف الأمر، لكان الجلاّدون، الذين كانوا قرب الصّليب، الكهنة الحقيقيّين، فهم، إذ سبّبوا الألم، قد يعتبرون مقدِّمي الذبيحة. فالقضيّة لا تتعلّق بالألم بل بذلك الحيّز الخالص المحبّة الذي يتحمّلها ويُحييها. ولهذا فلا اعتبار لهؤلاء الجلاّدين إنّما ليسوع الذي أضحى كاهنًا عندما جمع من جديد، في جسده، قطبي العالم المنفصلين (أف 2/ 13).

 

 

وبهذا، فقد أجبنا، بعمق، عن السؤال الذي انطلقنا منه، علمًا أنّها ليست فكرةً حقيرةً أن نتمثّل ربًّا يفرض التضحية بابنه ليهدّئ من سورة غضبه.

 

ففي هذا السؤال لا نستطيع سوى الإجابة: إنّ الله لن يُدرَك فعلاً، بهذا المفهوم؛ ولكنّ تصوّرًا مماثلاً لله لا علاقة له بفكرة إله العهد الجديد، لأنّ هذا، يقدّم لنا، خلافًا لذلك، إلهًا أراد، بمبادرةٍ ذاتيّة، أن يصير المسيح - الياء آخر حرف من أبجديّة الخلق. إنّه يحدّثنا عن إله هو ذاته فعل المحبّة. هو بكليّته "للآخرين" والذي يتلبّس، بالضرورة، لباسَ آخرِ دودةٍ من ديدان الأرض [مز 22 (21)/ 7].

 

 يُظهر لنا إلهًا يتّحد مع خليقته، إلهًا يكشف، بهذا الإحتواء الحقير. عندما يترك نفسه يُحتَوى ويُحكَمُ بأحقر الخلائق - عن هذا الدّفْق الفيّاض الفائق الطبيعة الذي يُعلنه إلهًا.

 

فالصّليب هو وحيٌ وإعلان. وهو لا يعلن عن شيء إنّما عن الله والإنسان. يُعلن من هو الله وكيف هو الإنسان. وفي الفلسفة اليونانيّة حَدْسٌ في انتظامِ هذه الأشياء فريدٌ: صورة الإنسان العادل بحسب أفلاطون.

فالفيلسوف الكبير سأل نفسه في إحدى فقرات كتاب الجمهوريّة ما هي شروط الإنسان الكلّي العدالة، في هذا العالم؟ وتوصّل إلى النتيجة الآتية: ليست عدالة إنسانٍ ما كاملةً وثابتةً ما لم يتظاهر بالظُّلم؛ عندها فقط يتبيّن أنّه ليس عبدًا لرأي الآخرين، ولكنّه يتمسّك بالعدالة لذاتها فقط.

 

وبحسب أفلاطون فإنّ العدل الحقيقيّ يجب أن يبقى مجهولاً ومضطهدًا في هذا العالم. ويذهب أفلاطون في رأيه إلى حدّ القول: "سيقولون لنا إنّ العدل، في الحقيقة، وكما تصوّرته، سيُجلد، ويعذّبُ، ويُسجنُ، وتحرَقُ عيناهُ. ثمّ بعد أن يكون قد قاسى أنواع العذابات جميعها سيصلب". وسيكون لهذا النصّ المكتوب، قبل المسيح بأربعمئة سنة، تأثيرٌ دائم على أيّ مسيحيّ. ففكرة الفلسفة المتعمّقة، ترى أنّ العدل الكامل، في هذا العالم، يجب أن يكون العادل المصْلوب. وهنا، حَدْس لهذا الوحي حدثَ للإنسان على الصّليب.وحين يظهر العادلُ الكاملُ فيصير المصلوبَ الذي سلّمته العدالة إلى الموت. فهذه المأساة تكشف لنا، دون مواربة، من هو الإنسان: هاك ما أنت عليه يا إنسان.

 

 

 أنت لا تستطيعُ احتمال العادل، مَن هو محبّةٌ خالصة. إنّه يُفقدك صوابَك فتضربه، وتنبذه. أنت هكذا لأنّك ظالم، ولأنّك بحاجة إلى ظلم الآخرين لكي تشعر بأنّك معذور، بينما لا تعرف ماذا تصنع بالعادل الذي يبدو وكأنّه حرَمك من هذا العذْر. هذا هو أنت! لقد إختصر يوحنّا هذا كلّه في عبارة بيلاطس: هاكُمُ الرّجل" التي تعني: هاكم ما هو الإنسان. الإنسان هو هذا. حقيقة الإنسان هو نقصان حقيقته. وعندما يقول لنا المزمور (116/ 11) إنّ أيّ إنسان ليس سوى كذبة، وهو دائمًا، وفي أيّ مجال، يعيش ضدّ الحقيقة، فإنّنا نجد، في ذلك، وجه الإنسان الحقيقيّ، بعد أن أثزيحتعنه البراقع.

 

 

 حقيقةُ الإنسان أنّه دائمًا ضدّ الحقيقة. فالعادل المصلوبِ هو، هكذا، المرآة التي ينظر فيها الإنسانُ فيرى وجهَه على حقيقته كما هو دون تصنّع أو تبرّج. غير أنّ الصّليب ليس إعلان الإنسان بل هو، بالنسبة ذاتها، إعلان الله.

 

وما يميّز الله أنّه ينزل، حتّى إلى هذا الدّرك، ليتّحد مع الإنسان، وأنّه يحاكمه وهو يخلّصه. ففي هوّة السّقوط الإنسانيّ تتكشّف أكثر فأكثر هوّة المحبّة الإلهيّة التي لا يُسبَرُ غورُها. وهكذا فإنّ الصّليب هو حقًّا قُطب الوحي، وحي لا يجعلنا نتعرّف إلى بعض العروض التي نجهل حتّى الآن، ولكنّه يكشف لنا ذواتنا عندما يظهرنا أمام الله ويظهر الله بيننا.

 

 

جوزف راتزنغر

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية