ثمار العنصرة في حياة المؤمن

 

 

ثمار العنصرة في حياة المؤمن

 

 

 

يروي لنا لوقا كعادته، بدقّة وبوصف مفصَّل حدث العنصرة الذي تمَّ في علّيَّة صهيون للتّلاميذ وهم في حالة إرتباك وخوف. بعد خمسين يومًا من حدث القيامة، وبعد صعود الربّ إلى السّماء لم يترك يسوع تلاميذه يتامى بل أرسل لهم البارقليط المعزّي كما وعدهم. روح الحقّ الذي يرشدهم إلى الحقّ كلّه، هذا الحقّ هو يسوع المسيح ذاته.

 

1- البعد الكتابيّ واللاهوتيّ

 

يمكننا أن نستنتج معنى العنصرة من عناصر الحدث التي لها معنى رمزيّ "هزيز ريح عاصفة"، "دويّ يأتي من السّماء".

 

"الهواء والنّور" يرمزان إلى حضور الله ومجيء الرّوح القدس، وهما علامة القدرة الإلهيّة، تجديد لظهور الله في سيناء يوم أعطى شعبه الشّريعة.

 

إنَّ الألسنة الناريّة التي إنقسمت فوق رأس كلِّ من الرّسل تدلُّ على نزول الرّوح القدس على كلِّ واحد منهم فيجعلهم أهلاً أن يعلنوا الإنجيل لكلِّ النّاس، لكلِّ الشّعوب. يمكننا أن نرى في هذا الحدث جوابًا على حدث برج بابل؛ فيما إنقسم النّاس ولم يفهموا بعضهم على بعض من جرّاء التكبُّر والخطيئة، كان في العنصرة عكس ذلك: أصبحوا يبشِّرون بلغات غير لغتهم، مطواعين لعمل الرّوح، ممتلئين من نعمه، فشعَّ فيهم جرأة وتواضعًا.

 

في برج بابل كانت الخطيئة سبب تشتُّتِ الشّعوب، سببًا للإنقسامات والتشرذم، غير أنَّ العنصرة، حلول الرّوح القدس على التّلاميذ والعذراء سكبت عليهم طابع الوحدة. وكانت اللّغات المتعدِّدة سببًا لنقل البشرى السّارّة، بجرأة وبإندفاع، إذ أصبح الرّسل مليئين بأنوار الرّوح التي حلَّت عليهم عبر ألسنة ناريّة لتنير طريق الرّسالة وتحرق كلَّ عقبة فتطهِّر وتبلور.

 

من شريعة العهد القديم المعطاة على جبل سيناء بعد خمسين يومًا على عبور الشّعب العبرانيّ من أرض مصر إلى أرض الحريّة، إلى شريعة العهد الجديد، شريعة الرّوح القدس...

 

تلك الشّريعة غير المكتوبة على ألواح من حجر بل هي محفورة في قلوب الرّسل وضمائرهم، فيجعل المؤمن من مسلك حياته إنفتاحًا وإصغاءً لإلهامات الرّوح القدس وهمساته.

 

 هي معموديّة الكنيسة، ولادتها الجديدة، وانطلاقتها إلى الرّسالة الموازية لمعموديّة يسوع وافتتاح رسالته العلنيّة على نهر الأردنّ. كلُّ هذا، طاعةٌ للرّوح القدس الذي يخلق من جديد ويُشعل في القلوب نارَ محبَّة الحقّ.

 

2- البعد الأدبيّ

يذكر أشعيا النّبي مواهب الرّوح القدس ويعدِّدها:

 

ينال المؤمن "روح الحكمة والفهم والمشورة روح القوّة والمعرفة والتّقوى، ويبتهج بمخافة الربّ" (أش 11/ 2 - 3).

 

 نستند في القسم الثاني من مقالنا على مواهب الرّوح.

 

أ- روح الحكمة

 

إنَّ حكمة هذا العالم جهالة بنظر بولس الرّسول. وأمّا الحكمة التي تأتي من الله فهي نور ومعرفة حقيقيّة.

 

 الشّعب الذي حاول أن يبني برجًا في بابل، مستندًا إلى حكمته وقواه البشريّة، مستغينًا عن معونة الله، فشل في مشروعه؛ وأمّا التّلاميذ الإثنا عشر مع مريم كرسيّ الحكمة تواضعوا فانفتحوا إلى حكمة الله ودخلوا في سرِّ روحه وأنواره.

 

فالرّجل الحكيم هو الذي يبني بيته على الصّخر، والصّخرة هو المسيح، فتأتي التّجاربُ من كلِّ حدب وصوب فيسحقها الحكيم وينتصر عليها بقوَّة الله. والعذارى الحكيمات ملأن مصابيحهنَّ زيت الأعمال الصّالحة لتقدِّمنها إلى العريس السّماويّ.

 

 

ب- روح المخافة

 

 

يذكِّرنا الكتاب المقدَّس: "رأس الحكمة مخافة الربّ" (أم 15/ 33) أي العمل بموجب شريعته وتتميم مشيئته. فمشيئته المتجلّية في العهد الجديد هي العمل بحسب روح المسيح، أي الرّوح القدس، روح الله.

 

 فالرّوح هو شريعة العهد الجديد الذي يحرِّر الإنسان من الدّاخل ويخلِّصه من كلِّ قيود الخطيئة المستعبدة له.

 

 

ت- روح القوّة

 

يقول بولس الرّسول: "إنّي قويّ بالذي يقوّيني". أصبح التّلاميذ أقوياء بشخص المسيح القائم من الموت، وحلول روحه فيهم، فهو الذي دفعهم قولاً وعملاً وشهادة إلى نقل كلمة الإبن الإلهيّ دونما خوف ولا ضعف بل قادهم إلى الشّهادة حتّى الإستشهاد. لا خوف بالرّغم من الإضطهادات، لا تراجع بالرّغم من الحبس والضّرب، فاعتبروا كلّ إهانة فخرًا في سبيل الرّسالة التي ائتمنوا عليها.

 

 أوليس هو الرّوح الذي جعل بولس يقول: "لست أنا الحيّ، بل المسيح حيٌّ فيَّ؟" أليس روح القوّة هو الذي جعل بطرس يعلن أمام مجمع السّنهدرين: "هل الحقُّ عند الله أن نطيعكم أم نطيع الله؟ أمّا نحن فلا يمكننا إلاّ أن نتحدَّث بما رأينا وسمعنا" (أع 4/ 19 - 20).

 

 

ث- روح التقوى

 

شدَّد بولس على أنَّ الرّوح القدس يشعل نار حبّه في قلب المؤمن ويدفعه إلى الصّلاة والإبتهال. فهو الذي يحرِّك في كيان المؤمن شعلةَ الإيمان والرّجاء والمحبّة. فمصدر التّقوى إنّما هو الرّوح القدس.

 

يقول الرّسول: "إنَّ الرّوح يصلّي فيكم بأنّاتٍ لا توصَف" و"هو الذي يصرخ فينا"، "أبّا أيُّها الآب"، فيجعلنا أبناء وورثة.

 

 

فهلاّ نعيش هويَّتنا البنويّة فنقتدي بالإبن الوحيد الذي أتى ليُتمِّمَ إرادة أبيه، فنتخلَّق بأخلاق المسيح إذ نجعل من حياته نموذجًا نقتدي به في حياتنا اليوميّة؟ فالآب "قضى بسابق تدبيره أن يتبنّانا بيسوع المسيح على ما إرتضى وشاء" (أف 1/ 5).

 

 

ج- روح الفهم والعلم

"تهلَّل يسوع بالرّوح القدس وقال: أعترف لك يا أبتاه، يا ربّ السّماء والأرض لأنّك أخفيتَ هذه الأمور عن الحكماء والفهماء وأظهرتها للأطفال" (لو 10/ 21).

 

 

 ليس العلم البشريّ هو الذي يقود إلى الحياة، بل روح العلم الذي يسكبه الربُّ في قلوبنا، فيجعلنا ننفتح لإلهاماته ونعي أنَّ الخلاص لا يتحقَّق، إلاّ على مثال الإبن، بتتميمنا إرادة الله.

 

أدرك يسوع أنَّ الطّفولة الرّوحيّة هي مدخل إلى الحياة لذا حنق على الفرّيسيّين والصّدوقيّين الذين ادَّعوا المعرفة فكان مصيرهم أنّهم "ما دخلوا وما تركوا الآخرين يدخلون".

 

 أمّا التّلاميذ "الجهلة والضّعفاء" إذ "اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (1 قور 1/ 27)، فقد استسلموا لإرادة الله وانفتحوا لروحه فنالوا الخلاص والحياة.

 

 

 

وهنا، أعودُ إلى فكر اللاّهوتيّ المعاصر كارل راهنر الذي يدعو إلى الدّخول في سرِّ الله ولاهوته عبر السّجود أمامه بالقلب والفعل، فنغوص في عالمه الواسع. ولكنَّ العلم يبقى للمتواضعين والبسطاء مصدر فرح ورقيّ وشكر لله على عطاياه الغزيرة.

 

 

ح- روح المعرفة والمشورة

يقول بولس الرّسول في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس: "نحن لم نأخذ روح العالم، بل الرّوح الذي من الله، حتّى نعرف ما أنعم به الله علينا من مواهب" (1 قور 2/ 13).

 

أحيانًا كثيرة نتوه أمام خيارات شتّى فلا نعرف اختيار الأفضل والمرضي لإرادة الله، فالتّمييز ضروريٌّ ومُفيدٌ للبنيان، ومَن غيرُ روحِ القدس قادرٌ على تمييز روح الشرّ من الخير؟

 

فروح المشورة يلهمنا على اختيار المواقف الملائمة والمسلك الحياتيّ السّليم لعيش الدّعوة التي دُعينا إليها من قبل إنشاء العالم: "اختارنا في المسيح قبل إنشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبّة" (أف 1/ 4).

 

 

خاتمة

"أسكرتهم الخمرة" (أع 2/ 13). عبارة ردَّدتها الجموع عندما رأوا التّلاميذ يسبِّحون الله ويمجِّدونه وهم يتكلَّمون بلغات مُتعدِّدة. ولكن ألم يسكروا حقًّا بروح الله؟

ألم يملأَ فرح الله قلوبهم؟

 أوليس الفرح هو من ثمار الرّوح بإمتياز؟

 أليس الفرح هو العلامة الحقّة للمسيحيّ الحقيقيّ؟

 

روح الله هو في داخلنا، روح الله يلهمنا إلى الحقّ كلِّه، ويجعل منّا أبناء حقيقيّين للآب السّماويّ، مولودين ولادة جديدة، مولودين للملكوت.

 

نلتمسُ روح الله كي يحرِّك فينا روح التوبة والرّجوع دومًا إلى حضن الآب، ويجعلنا نسير في التّقوى والمشورة والعلم والفهم والقوّة والحكمة ومخافة الله، ونحمل بجرأة البشرى الخلاصيَّة إلى أقاصي الأرض، فنكون قدّيسين، ذبيحة مرضيَّة لدى الله.

 

الخوري رفيق الورشا

      

          

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية