جنّة عدن وجنّة القيامة

 

 

 

 

جنّة عدن وجنّة القيامة   

                                                                

إنّه من المستحيل فصل آدم وحوّاء عن تاريخ الإنسانيّة. آدم وحوّاء لا ينفصلان، بل أكثر من ذلك إنّهما متلازمان. ليس لآدم وحوّاء أيّة حقيقة تاريخيّة إلاّ أنّهما البطلان الأوّلان لتاريخ مقدَّس. تاريخ سيُلزم لاحقًا البشريّة بأسرها. تاريخٌ قاد البشريّة إلى المسيح وَفْقَ منطق المسيحيّة ومراحل تاريخها. ولادة آدم تقوم على أصلَيْن أو حكايَتَيْن، الأولى أخذ الله ترابًا من الأرض وجعل منه إنسانًا، إذًا إنطلاقًا من الخَلْق ذاته وُلد الإنسان، من هنا يجد الإنسان جزءًا منه آتيًا من الخلق، وهذا في الوقت عينه يعني الإنفصال والإرتباط. ولكن هذا الإنسان لم يصبح كذلك إلاّ بعد أن نفخ الله فيه نسمة من عنده، وهكذا جعل الله من الإنسان كائنًا حيًّا. لذلك نستطيع القول بأنّ الإنسان يستمدُّ وجوده من الخلق ويأخذ كيانه من الله.

 

ثمّ يقول الكتاب المقدَّس: أخذ الله ضلعًا من آدم وجعل منه امرأة أُطلِقَ عليها اسم حوّاء، لم يعطِها الله نسمةً أخرى. لقد أتت حوّاء من آدم الذي أُعطي نسمة الحياة، إذًا أُعطيت الحياة بفعل إنتمائها لآدم الذي حصل على هذه العطيّة الإلهيّة أي "نسمة الحياة". وهكذا نقف أمام مشهديّة أُخرى هي المُساواة مع الرّجل، ولكنّ آدم هو شريك في صناعة الإنسانيّة لأنّ المرأة جاءت منه ومن دون المرأة لم يكن مجال لولادة الإنسانيّة، من صَلْبِ هذه المرأة ولد بشر آخرون.

 

قصّة آدم هذه تشدِّد على أصلين للإنسان، وهذا ما نراه بالنسبة إلى يسوع الذي وُلد من العذراء مريم كبشر، كما أنّه في الوقت عينه مولودٌ من الله أبيه، بهذا المعنى، المسيح هو آدم الجديد، الإنسان الجديد. خلق الإنسان "رجلاً وامرأة" كما تخبرنا القصّة الثنية لسفر التكوين، هو إعلان للخلاص بالمسيح يسوع تمامًا تحدّدها الكنيسة "إله حقيقيّ وإنسان حقيقيّ" مولود من الإنسان مباشرة، وكذلك من الله إله كامل وإنسان كامل.

 

من السّقوط إلى القيامة

يخبرنا الكتاب المقدَّس عن سقوط آدم وحوّاء في التجربة. لقد غرّرت الحيّة بهما واقترحت عليهما أن يقطعا العلاقة بالله ليصبحا "آلهة" ليس على الخلق ولكن "آلهة" يستطيعان الحكم على ما هو خير وما وهو شرّ، وبذلك يستقلاّن عن خالقهما. هذا هو السّقوط الكبير الوهم والموت، لأنّ نتائج الخطيئة أضحت محمَّلة بالمعاني، وفتحت الباب على كلّ احتمالات الحزن والوجع. وفَوْرَ تمرُّد آدم وحوّاء على الخالق سمعاه يقول "بعرق جبينك تأخذ خبزك". أصبح العمل مرهقًا وصعبًا، وهذا لا يعني أنّ آدم لم يكن يعمل سابقًا لأنّ القمح لا ينمو بذاته ولا تقرب الذبائح لوحدها. الآن بدأ آدم يدرك ويعرف صعوبة العمل وجهده. لقد تغيَّرت النظرة لأنّ الإدانة والقصاص أصبحا داخل الإنسان العصي المتمرِّد، ليس القصاص هنا عصاة تنزل على جسد آدم من الخارج، أصبحت النتائج الآتية من الخطيئة آلامًا داخليّة وأوجاعًا. لقد قال الله لآدم "أنت من التراب وإلى التراب تعود" هذا القصاص مخيف، ليس المقصود عودة الجسد إلى التراب الذي أخذ منه، المقصود في لحظته الحاضرة في أصليّة الله والأرض، آدم ومعه البشريّة بأكملها يعودان إلى الأصل، إلى التراب وليس إلى نسمة الله. هنا حالة قطع في كيان الإنسان، وهذه الحالة تعرّي البشريّة، لقد مات الإنسان الأوّل لأنّ النتيجة المباشرة للخطيئة هي الموت، الخطيئة مميتة. لقد طرد الإنسان من الجنّة حيث وضعهما الله فيها، لقد أصبح مستحيلاً العيش في الجنّة، وأصبحت رؤية الله قاتلة ما لم نعد أبناء الله.

 

آدم يعلن الخلاص

وضع الله ملائكة لحراسة الجنّة، وهؤلاء هنا لحماية الإنسان لأنّ الجنّة أصبحت قاتلة خاصّة للذي أضاع هويّته. وحده الله يستطيع إعادة الإنسان إلى الجنّة بعد إعادته هويَّته الإلهيّة الأصليّة.

 

الخلاص إذًا لا يأتي إلاّ من الله الذي يعطي ذاته للبشريّة "مَن لا يأكل جسدي ويشرب دمي ليس له الحياة الأبديّة" (يو 6/ 56)، بات ضروريًّا على الإنسان أن يجد في الله مجدّدًا هذا "الكيان" الذي أضاعه بفعل خطيئة الأصل.

 

هذا الباب المرصود من الملائكة سينفتح في زمن آخر من التاريخ بعد أن يدحرج المسيح الحجر عن القبر تنفتح الأبواب مجدّدًا على الله وعلى الجنّة المفقودة. العبور من الموت إلى الحياة، يُجيب على العبور من الحياة إلى الموت حين طرد آدم ومعه حوّاء. لقد وجد الإنسان هويّته الإلهيّة: أعلن آدم الخلاص، وحين قال لحوّاء "بالآلام تلدين"، من هو مولود حوّاء إذًا؟ هي البشريّة.

 

القصاص ليس موجّهًا ضدَّ النّساء، ولادة البشريّة على غرار حوّاء، دفعت نتائج الخطيئة والتمرُّد. في رسالته إلى أهل روما يستعيد بولس هذا التشبيه: "فإنّي أحسب أنّ آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد الذي يستعلن فينا، لأنّ انتظار الخليقة يتوقّع أن تُعْلَن نُبوَّةُ الناس لله". (روم 8/ 18).

 

الإنسان والحياة

هذان القصاصان مرتبطان، البشريّة تئِنُّ من الولادة لأنّها فقدت أصلها، وهذا ما حصل فعلاً بالمسيح يسوع. ولادة يسوع ابن الإنسان من مريم وابن الله في الرّوح. لقد اكتمل الإنسان بالمسيح يسوع، واكتملت طبيعته أي تمّ خلاصه. التاريخ كلّه ومغامرة الخلاص حصلا بين جنّة عدن وجنّة القيامة.

 

بعد طردهما من الجنّة أصبح آدم وحوّاء مسؤولين عن وجودهما وأضحت المسؤوليّة بينهما مشتركة، وإذا كان آدم معناه الإنسان وحوّاء معناها الحياة فإنّه من المستحيل أن يكون هناك رجل من دون حياة. هذا هو لاهوت الزواج المسيحيّ "ما جمعه الله لا يفرّقه إنسان".

 

 الهويّة المُعطاة لآدم وحوّاء على الرّغم من الخطيئة التي فصلت الإنسان عن أصله الإلهيّ سمحت له بعدم الموت، وعلى الرّغم من سقوط الإنسان أعطاه الله إمكانيّة الخلاص، وفي إعطائهما ثيابًا من جلد الحيوان أصبحا على هيئة الحيوانات، أصبح إنتماؤهما للأرض بانتظار أن يجدا نور عُرْيهما الأساسيّ أو الأصليّ الذي عبَّر عنه بعماد المسيح في الأردنّ الذي به عبر الإنسان من الخطيئة إلى النعمة. إنَّ عُرْيَ العماد أصبح كاملاً بالثياب البيضاء الإلهيّة من قيامة المسيح وأنوار قبره.

 

إنَّ تاريخ آدم وحوّاء يجب ألاّ يؤخذ بحرفيَّته بل يجب أن نصغي إليه كحكمة عميقة موجَّهة لتخفِّف من القلق الوجوديّ الأساسيّ، وكمنشِّط يحثُّنا على التقدُّم بثقة نحو خلاصنا واللّقاء بالمسيح العريس.

 

                                                                                                                        الخوري إسكندر الهاشم          

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية