"حُبِل به من الرّوح القدس، ووُلد من العذراء مريم"

 

 

"حُبِل به من الرّوح القدس، ووُلد من العذراء مريم"

 

 

يكتنف الغموضُ أصلَ يسوع. لقد إعترض سكّانُ أورشليم، بلا شكّ، على مسيحيّته كما ورد في إنجيل يوحنّا: "إلاّ أنّ هذا قد علمنا من أين هو، وأمّا المسيح، فإذا جاء فلا يعلم أحدٌ من أين هو" (يو 7/ 27).

 

ولكن، سرعان ما دلّ كلامُ يسوع إلى أي حدّ كان علمُهم المزعوم في شأن أصله غير كاف: "لم آتِ من قبل نفسي، والذي أرسلني حقٌّ، وأنتم لا تعرفونه" (يو 7/ 27). الثّابت أنّ يسوع من النّاصرة. ولكن، ماذا ترانا نعرف عن أصله الحقيقيّ، حتى لو عرفنا المكان الجغرافيّ الذي أتى منه؟

 

يشدّد إنجيل يوحنّا في استمرار على أنَّ أصلَ يسوع الحقيقيّ هو "الآب". ولقد إنبثق من الآب على وجهٍ يخالف أيّ مُرْسَل سابق من الله ويتجاوزه عمقًا.

إنّ أصل يسوع هذا في سرّ الله الذي "لا يعرفه أحد"، تصفه لنا قصص طفولته بحسب إنجيل متّى وإنجيل لوقا، لا للكشف عن السرّ بل لإثباته.

 

يسرد الإنجيليّان، ولا سيّما لوقا، بدء تاريخ يسوع بكامله تقريبًا وبتعابير من العهد العتيق، ليظهرا، من الدّاخل، أنّ هذه الحوادث هي إتمامٌ لرجاء إسرائيل ودمجها في إطار تاريخ عهد الله مع البشر.

 

 إنّ كلمة السّلام الملائكيّ الموجّهة إلى العذراء، في إنجيل لوقا، تشبه كلّ الشبه سلام النبيّ صفَنيا لأورشليم المخلِّصة، أورشليم الأزمنة الأُخرويّة (صف 3/ 14)؛ وهو يستعيد أيضًا كلام التبريك الذي حيّيت به نساء إسرائيل الشّهيرات (قض 5/ 24؛ يه 13/ 18).

 

 هكذا يشار إلى مريم كأنّها بقيّة إسرائيل الباقية وصهيون الحقيقيّة التي اتّجهت إليها في غمرة نوائب التاريخ.

معها يبتدئ إسرائيل الجديد بحسب لوقا، أو بالأحرى لا يبتدئ معها لأنّها هي إسرائيل الجديد، "إبنة صهيون" التي جعل الله منها بداية جديدة.

على أنّ الوعد الرئيسيّ مثقل بالذكريات المبهمة: "ألرّوح القدُس يأتي عليك، وقدرة العليّ تظلّلك، ومن أجل ذلك، فالقدّوسُ الذي يولَد منك يُدعى ابنَ الله" (لو 1/ 35).

 

يتّجهُ النظر هنا شطر ما وراء تاريخ عهد إسرائيل حتى التكوين: فإنّ روح الله، في العهد العتيق، هو قوّة الله المبدعة؛ هو الذي، في البدء، رفَّ على وجه المياه وحوّل الخواء إلى كوْنٍ (تك 1/ 2)؛ وعندما أُرسل خُلِقت الكائنات الحيّة (مز 104 (103)/ 30).

 

وهكذا، إنّ ما سيحصل في مريم هو خلقٌ جديد: إنَّ الله الذي أوجد الكائن من العدم، جعل في وسط البشريّة بدايةً جديدة، فصار كلمتُه جسدًا.

 

أمّا الصّورة الأُخرى في نصّنا - "قدرةُ العليّ تظلّلك" - فتذكّر بهيكل إسرائيل وخيمةِ الصّحراء المقدّسة، حيث كشَف الله عن حضوره بواسطة السّحابة التي تحجب مجده وتعلنه على السّواء (خر 40/ 34؛ قض 8/ 11). وكما تجلّت مريم من قبلُ كإسرائيل الجديد و"ابنة صهيون" الحقيقيّة، فإنّها باتت الهيكلَ الذي تهبط عليه السّحابةُ ويلج فيه الله في صميم التاريخ. إنَّ مَن يضع نفسه في تصرّف الله يتوارى معه في السّحابة والنسيان والتفاهة فيشترك بمجده.

 

إنَّ مولد يسوع من العذراء على النّحْو الذي سرَدته الأناجيل قد أزعج دومًا العقلانيّين على اختلاف مشاربهم، فحاولوا الإنتقاص من شهادة العهد الجديد متسلّحين بتمييز أساليب أدبيّة مختلفة، وكذلك قَصْرَه على ما هو رمزيّ مدّعين فقدان ذهنيّة تاريخيّة علميّة عند الأقدمين. وعمدوا إلى إدراج هذه الشّهادة في إطار تاريخ الدّيانات وجعلها خُرافةً من الخرافات وأسطورة من الأساطير.

 

 إنّ أسطورة ولادة عجيبة لطفل مخلّص منتشرة، في الواقع، إنتشارًا واسعًا جدًّا. فهي تعبّر عن حنين لدى البشريّة: حنين إلى النّضارة والطّهارة المتمثّلين بالعذراء البِكْر؛ حنين إلى وجود أُموميّ حقيقيّ مطمئن راشد مفعمٍ بالطّيبة؛ إنّها تعبّر أخيرًا عن الرّجاء الذي يُبعَث كلّما وُلد بشريٌّ، الرّجاء والفرح الذين يمثّلهما طفلٌ.

 

 

ويمكننا، بلا شكّ، أن نقرّ باحتمال مرورِ إسرائيل بأساطير مماثلة؛ إنّ مقطع نبوءة (أشعيا 7/ 14) ("ها إنّ العذراء تحبَلُ...") من شأنه أن يرجّع صدى انتظارٍ كهذا حتى إذا لم يُشِر النصّ نفسُه مباشرةً هنا إلى عذراء بحصْر المعنى.

 

 وإذا ما أدركنا النصّ بالإستناد إلى مصادر كهذه يكونُ العهدُ الجديد قد استعاد بهذه الطريقة تطلّعاتِ البشريّة المبهَمة شطرَ "العذراء الأمّ"؛ ومهما يكن من أمر، فإنّ نموذجًا كهذا عن التاريخ البشريّ لا يخلو من مغزى بكلّ تأكيد.

من الواضح جدًّا، في الوقت نفسه أنّ تأصّلَ قصص العهد الجديد المباشر المتعلّقة بمولد يسوع من العذراء مريم، نلقاه لا في ميدان تاريخ الدّيانات بل في صميمِ العهد العتيق. أمّا القصص من هذا النّوع الخارجة على نطاق الكتاب المقدّس، فهي تتميّز بوضوح كبير من تاريخ مَوْلد يسوع بمفرادتها ومصطلحاتها.

 

ويكمن الفرق الأساسيّ في أنَّ الإله، في القصص الوثنيّة، يظهر دائمًا تقريبًا كقدرة مُخصبة ومُنجبة أي على وجه جنسيّ بدرجات؛ فهو "أبُ" الطفل المخلّص بالمعنى الطبيعي.

 

 ولا شيء من هذا، كما رأينا، في العهد الجديد.

 ألحَبَل بيسوع خلقٌ جديد لا إنجاب من الله. ولن يصبح الله أبًا ليسوع بالمعنى الأحيائي.

 

فلا العهد الجديد ولا اللاّهوت المسيحيّ وجدا في قصّة الحَبَل بيسوع أساسًا لألوهيّة يسوع الحقيقيّة و"بُنوّته الإلهيّة".

 

ذلك أنّ هذه البنوّة لا تعني أنّ يسوع نصفُ إله ونصفُ إنسان؛ فعقيدة المسيحيّين أنّ يسوع إلهٌ كامل وإنسان كامل.

 

ولا تعني ألوهيّتُه إنتقاصًا من أُنَسيّته، ممّا ألّف المنهاج الذي سلكه آريوس وأبوليناريوس، كبيرا هراطقة الكنيسة القديمة. فدافعت الكنيسة بحزْم ضدّ ضلالهما مقرّةً بتماميّةِ الكينونة البشريّة في يسوع ومحظِّرةً كلّ تحويل في القصّة الإنجيليّة لجعلها أسطورةً وثنيّة تعبّر عن ولادة الله لنصف إله.

 

ولا تستند بنوّة يسوع الإلهيّة، بحسَب إيمان الكنيسة، إلى عدم وجود أبٍ بشريّ ليسوع؛ لا تستوجب عقيدة ألوهيّة يسوع البحثَ لو إنحدر من زواج كياني؛ ليست حدثًا في الزمان بل هي تقع في أزليّة الله: فالله، على الدّوام، آبٌ وابنٌ وروحٌ، ولا يعني الحبل بيسوع ولادة إله - ابنٍ جديد، بل إنّ الله، من حيث هو الإبن، يضطلع في الإنسان يسوع بطبيعة الإنسان بحيث إنّه هو نفسه إنسان.

 

 

لا ريب في كلّ هذا. بيد أنَّ هناك عبارتين من شأنهما أن تُفضيا بغير الملمِّ إلى الخطأ والضلال. لقد جاء في رواية لوقا عن الوعد بالحبل العجيب، أنّ الطفل "القدّوس الذي يولَد منكِ يُدعَى ابنَ الله" (لو 1/ 35).

 

 أفلم توضع هنا البنوّة الإلهيّة في علاقة بالولادة البتوليّة وتسلك من ثمَّ طريق الأسطورة؟

 

وفي ما هو من اللاهوت المسيحيّ، ألم يتحدّث باستمرار عن بنوّة يسوع الإلهيّة "الطبيعيّة"، فكشف اللّثام بهذا التعبير، وبالرغم من كلّ شيء، عن خلفيّةٍ أسطوريّة؟

 

فلنستعرض طريقة التعبير هذه الأخيرة. لا شكّ أنّ عبارة بنوّة يسوع الإلهيّة "الطبيعيّة" عبارة سيّئة وعرضة لسوء تفاهم، وتبرهن على أنّ اللاّهوت لم يُفلح بعد - في ألفي سنة تقريبًا - في تحرير لغته التصوريّة من قوالب أصولها الهلينستيّة. إنّ لفظة Physis معتمدةٌ هنا بحسبِ المفهوم القديم للكلمة وبالتالي "الطبيعة" أو بالأحرى "الجوهر". إنّها تعني ما يتعلّق بالجوهر. و"البنوّة الطبيعيّة" تعني أنَّ يسوع هو ابنُ الله بكيانه وليس فقط بوعيه؛ فالكلمة تعبّر عن معارضة فكرة مجرّد تبنّي الله ليسوع.

 

ومن الجليّ أنَّ هذا "الكيانَ إنطلاقًا من الله" الذي تشير إليه لفظة "طبيعيّ" لا يُفهَم في المستوى الأحيائيّ للتولُّد، وإنّما في مستوى الكائن الإلهيّ وأزليّته.

 

وهذا يعني أنّ الله اتّخذ، في يسوع، الطبيعة البشريّة المرتبطة "طبيعيًّا" (أي، في الواقع، في مستوى الكينونة) في المستوى الأزلي، بالعلاقة الثلاثيّة والواحدة لدى الحبّ الإلهيّ.

 

 

إنّ المذهب المسيحيّ حول بنوّة يسوع الإلهيّة لا يندرج في امتداد تاريخ الولادة البكريّة بل في امتداد حوار "الأبّا - الابن" أي العلاقة القائمة بين الكلمة والمحبّة التي اكتشفناها فيها.

 لا ترتبط فكرة الكينونة في اللاّهوت المسيحيّ بالمستوى البيولوجيّ بل تتعلّق بعبارة "أنا هو" بحسب إنجيل يوحنّا الذي يرى فيها، كما ألمعنا، تعبيرًا عن راديكاليّة فكرة الابن كلّها، التي تبسط شموليّتها وتذهب في العمق أكثر ممّا تفعله الفكرُ البيولوجيّة القائلة بأسطورة الإله الإنسان.

يبقى سؤالٌ هو:ما مفهومُ الإبن في رواية لوقا حول بشارة مريم؟

 

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تقودنا في الوقت عينه إلى السؤال الحقيقيّ الذي ينبثق من الإعتبارات السابقة. فإذا كان الحبل البتوليّ بيسوع الذي حدث بقوّة الله المُبدعة، لا علاقة له ولو مباشرةً بالبنوّة الإلهيّة، فما مغزاه إذًا؟

 

 إنَّ معنى عبارة "إبن الله" في رواية بشارة مريم يمكن تحديدُه في سهولةٍ إنطلاقًا من إعتباراتنا السّابقة: فعلى نقيض مجرّد تعبير "الإبن"، ترتبط عبارةُ "إبنُ الله"، كما رأينا، بلاهوت الإصطفاء والرّجاء في العهد العتيق، وهي تميّز يسوع بكونه وريثَ الوعود الحقيقيّ وملِكَ إسرائيل والكون بأسره. والحال أنّنا نلقى هنا القرينة الرّوحيّة التي ينبغي لروايتنا أن تُفهمَ إنطلاقًا منها، أعني رجاء إسرائيل المفعم بالإيمان؛ أجل، إنّ إسرائيل قد اتّسم أيضًا، بطابع الرّجاء الوثنيّ على ما رأينا، فانتظر ولاداتٍ خارقة، ولكنّه أضفى على هذا الرّجاء شكلاً جديدًا كلّ الجدّة ومعنى مختلفًا كلّ الإختلاف.

شهد العهدُ العتيق سلسلةَ ولادات خارقة ولا سيّما لدى تحوّلات تاريخ الخلاص الحاسمة:

فسارةُ أُمّ إسحق (تك 18)،

 وأمّ صاموئيل (1 مل 1/ 3)

 وأم شمشون (قض 13) المجهولة هنّ عواقرُ؛ وكلّ أمل بشريّ في ولوديّتهنّ مُستعبدٌ كليًّا.

 

إنّ ولادة الطّفل، لدى النّساء الثلاث، المدعو إلى خلاص إسرائيل، هي نتيجة عمل رحمة من قبل الله الذي يجعل المستحيل مُمكنًا (تك 18/ 14؛ لو 1/ 37) ويرفع المتواضعين (أش 2/ 7؛ 1/ 11؛ لو 1/ 52؛ 1/ 48) ويقلب الأقوياء ويطيح بعروشهم (لو 1/ 52). وتستمرّ الوتيرة نفسها لدى أليصابات، أمّ يوحنّا المعمدان (لو 1/ 7 - 25 - 36) لتبلغ في مريم أوْجَها وهدفها الأعلى.

 

 

وإنّ معنى الحَدَث متماثلٌ دومًا: فخلاصُ العالم لا ينبثق من الإنسان ومن قوّته الخاصّة؛ فينبغي له أن يتقبّله لأنّه لا يحصل عليه إلاّ كهبة مجّانيّة.

 

وإنّ الولادة البتوليّة لا تؤلّف فصلاً في التنسّك وهي لا ترتبط أيضًا مباشرة بمذهب بنوّة يسوع الإلهيّة؛ إنّها قبل كلّ شيء وفي نهاية المطاف لاهوتُ نعمةٍ ورسالة حول كيفيّة بلوغ الخلاص إلينا: في بساطة التقبُّل ومن حيث هو هبة مجانيّة من قبل المحبّة التي تفتدي العالم.

وفكرةُ الخلاص هذه التي لا تأتي إلاّ بقوّة الله، تعبّر عنها نبوءة أشعيا أروعَ تعبير:

"رنّمي أيّتها العاقر التي لم تلد؛ إندفعي بالترنيم واصرخي أيّتها التي لم تتمخّض فإنّ بني المُستوحشة أكثرُ من بني ذات البعل، قال الربُّ" (أش 54/ 1؛ غل 4/ 27؛ روح 4/ 17 - 22).

 

لقد وضع الله في يسوع، وفي صميم البشريّة الجدباء اليابسة بذور بدايةٍ جديدة ليست نتاج تاريخ هذه البشريّة بل هبةٌ من فوق.

 

 لذا، إنّه آدمُ الجديد (كور 15/ 47) وثمّة بشريّةٌ جديدة تبدأ معه. وعلى نقيض جميع الذين اصطفاهم الله قبل يسوع، لا يتقبّل يسوع روحَ الله فقط بل هو كائنٌ في وجوده البشريّ أيضًا بفضلِ الرّوح ليس إلاّ، وهو، من أجل ذلك، إكمالٌ لجميع الأنبياء: إنّه النبيّ الحقيقيّ.

 

ثمّة ملاحظة أُخرى علينا إبداؤها. فإذا ما أدركنا الإشارة الإلهيّة إلى الولادة البتوليّة إدراكًا حقيقيًّا، إكتشفنا في الوقت عينه من الوجهة اللاّهوتيّة، مكانة الإخلاص المريميّ الذي يسيّره إيمانُ العهد الجديد.

 

 إنّ مريم، من حيث هي "ابنةُ صهيون" الحقيقيّة، هي وجهُ الكنيسة ووجه الإنسان المؤمن الذي لا يمكنه بلوغ الخلاص وتحقيق ذاته الكليّ إلاّ بواسطة عطاءِ المحبّة - بواسطة النّعمة.

 

إنّ التعبير الذي يُنهي به برنانوس كتابه يوميّات كاهن في الرّيف - "كلّ شيء نعمة" - والذي من شأن حياةٍ واهنةٍ وغيرِ مُجدية أن تجد فيه نفسها غنيّةً وهانئة، إنّ هذا التعبير أصبح في صميم الواقع في شخص مريم - "الممتلئة نعمة" (لو 1/ 28).

 إنّ مريم لا تنكر "حصريّة" الخلاص بالمسيح أو تجازف بها، بل إنّها تحيلنا عليها.

 

 إنّها وجه البشريّة التي هي انتظارٌ بكليّتها وهي في حاجة إلى ذاك الوجه بقدر ما تعرّض نفسها للعزوف عن ذاك الإنتظار للجوء إلى العمل؛ وهذا العمل - على رغم ضرورته - لا يمكنه قطّ أن يسدّ الفراغ الذي يهدّد الإنسان إنْ هو لم يجد تلك المحبّة المطلقة التي تعطيه معنى وتجلب له الخلاص وما هو ضروربيّ حقًّا بالنسبة إلى حياته.

 

جوزيف راتزينغر

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية