خطيئة الإنسان

 

 

 

خطيئة الإنسان

 

قصّة السقطة الأولى تُجيب على أسئلة عديدة يطرحها الإنسان على ذاته، منذ أن وُجد على هذه الأرض:

 

 لماذا الشرّ، ما مصدره، وما معنى الوجود في وسط الألم والموت، وماذا بعد الموت؟

 

 

القصّة تبدأ بأمر إلهيّ مزدوج: "من كلِّ أشجار الجنّة تأكلان، إلّا من شجرة معرفة الخير والشرّ، لأنّكما يوم تأكلان منها موتًا تموتان!". (تك2/ 17).

 

الأمر الإلهيّ يسمح بالأكل من الكلّ، ويستثني شجرة واحدة.

 

الإنسان هو على صورة الله بكونه يتمتّع أيضًا بالإرادة الحرَّة. ولكن المنع الإلهيّ يضع الحريّة الإنسانيَّة أمام اختبار الطاعة لإرادة أعظم منه، وهي إرادة خالقه الذي أحبّه وخلقه ويريد أن يبني علاقة حبّ أبديّة معه.

 

إنّه أوّل إختبار يدفع الإنسان لتفضيل الطاعة لإرادته الخاصّة أو لإرادة من هو أعظم منه.

لو كان مصدر الحياة، وهي الخير العظيم، يأتي من الإنسان نفسه، لهان الجواب: الإنسان يستطيع أن يقرِّر ما يشاء لأنّه هو خالق نفسه!!! أمّا أنّ مصدر الحياة هو من الخير الأعظم، أي من الله الخالق، والحياة نفسها هي عطيّة مجّانيّة من الله، فحريّة الإنسان في أي قرار يجب أن تستنير بالرّجوع إلى مصدر الحياة.

 

هكذا نفهم لماذا قال الله: يوم تأكلان من هذه الشجرة موتًا تموتان!". لم يقل الله أنّه يهدّد الإنسان، إن عصى، بأن يميته موتًا!! ولا قال إنّ الموت هو قصاص إلهيّ مباشر للعصيان! قول الله هو تنبيه حبيب لمحبوبه، كأمّ لابنها: "لا تلمس النار، لأنّك إن لمستها فاحتراقـًا تحترق! إنّه تنبيه مُسبق، الهدف منه مساعدة المحبوب كي لا يقع في المحظور!

 

لقد خلق الله الإنسان حسنًا، لا بل حسنٌ جدًّا، فمن أين أتى شرّ العصيان؟

 

 الجواب من الشرّير، الشيطان، الملاك الساقط بفعل العصيان على الله، وهو "الكذاب وأبو الكذب، والقاتل منذ البدء"، كما يقول الرّب يسوع. إنّه الشرير المرموز له هنا بصورة الحيّة، وهي أيضًا رمز لكلّ وثن، أو صورة كاذبة عن السعادة والحياة، يضعها الإنسان في مخيّلته، ويروح يُطيعها راغبًا في تحقيق ما تعهده به من سعادة وتحقيق كامل للذات، كقول الحيّة: "ستصيران آلهة!".

 

ولكن هل الشرّير قادر على إجبار الإنسان على فعل الشرّ؟

الجواب لا! الشرّير هو المجرِّب، الذي يضع أمام حريّة الإنسان صورة مزيّفة عن السعادة وتحقيق الذات: "موتًا لن تموتا! بل ستصيران آلهة مثل الله!".

 

إنَّ الحريّة هي النعمة العظيمة التي منحها الله للإنسان، لكي يجيب على حبّ الله بحبّ مقابل، فيتمتّع بصداقته وبركته ويهتدي بمعرفته اللامتناهية إلى سبيل الحياة. ولكنَّ الحريَّة هي أيضًا وسيلة يمكن أن يستعملها الإنسان ليبتعد عن إرادة الله الطيّبة في حياته، بحجّة أنّ الله لا يعطيه "ما تشتهيه عينه، وما يبدو حسنًا لعقله".

 والسُّؤال الذي يطرحه المجرِّب دائمًا هو التالي:

 

أليس الله هو الذي أعطاك العقل والمعرفة؟

 فلماذا لا تستطيع أن تقرِّر بنفسك ما هو خير أو ما هو شرّ لك؟

 لماذا يفرض الله عليك وصيّته؟

هذا ما يقوله القدِّيس بولس، الذي يؤكّد بأنَّ الشرِّير استعمل الوصيَّة ليغوي الإنسان ويبعده عن مصدر حياته.

 

 الشرِّير إذا هو مصدر التجربة والإغواء، ولكنَّ الإنسان هو الذي يستطيع أن يرفض هذا الإغواء فيتجنّب الشرّ والخطيئة، أو أن يقتنع به فيسقط في الخطيئة.

 

 مصدر الشرّ هو الشرِّير، ولكن فاعل الشرّ هو الإنسان الذي يبتعد عن الله.

قلنا سابقـًا إنَّ الله لم يهدّد آدم وحوّاء بالموت إن هما خالفا وصيّته الأبويّة الطيّبة، بل حذّرهما من الموت كنتيجة لفعلهما!

 

كلمة الله هي فعل حبّ لآدم وحوّاء، أمّا عمل الشيطان فهو إظهار وصيّة الله كتهديد كاذب ونتيجة للغيرة منهما إن صارا آلهة مثله!

 

ولكنّ الإنسان هو الذي يقرّر أن يثق بالله مصدر حياته، أو بالشيطان مصدر التجربة!

 

قلنا إنَّ الحريَّة هي أحد العناصر التي تجعل الإنسان على صورة الله، ولكنّ الحريّة نفسها يمكن أن تصبح السبب في ابتعاد الإنسان عن صورة خالقه. الأمر نفسه بالنسبة إلى العقل، فهو إمّا يستنير بنور معرفة الله وكلمته، أو يبغي الاستقلاليّة عنه فيتوه في ظلمة معرفته المحدودة، فيصبح أسيرًا للإغواء والخداع.

 

هنا نسأل: لماذا سقط الإنسان بسهولة في خداع الشرِّير؟

 

النصّ البيبليّ يتكلّم عن سقوط حوّاء أوّلاً، وأنّها هي التي أعطت آدم من الثمرة المحرّمة فأكل وسقط معها. وبمعزل عن مسؤوليّة حوّاء في هذه السقطة، الجواب الأفضل هو أنَّ السبب الأوّل لسقطة آدم وحوّاء. لم تكن حوّاء وحدها، بل آدم أيضًا! ولماذا؟ لأنَّ آدم، ساعة التجربة، لم يكن مع امرأته، وانفصاله عنها أدّى إلى استفراد الشيطان لها!

 

قلنا سابقـًا إنَّ الإنسان هو على صورة الله بكونه ذكرًا وأنثى، ولو كان آدم متّحدًا بامرأته لما استطاع الشيطان أن يغويها!

 هذا يعني مرَّة أخرى أنَّ اتِّحاد الحبِّ البشريّ كفيل بإبعاد الشرِّ عن الإنسان.

 

لذلك إنَّ الإنفراديّة هي تجربة شيطانيّة وقع فيها الإنسان الأوّل، ويقع فيها الإنسان المعاصر، ممّا يجعله فريسة سهلة لكلِّ الخطايا، ومريضًا بمرض الوحدة القاتل! وهذا الوباء يملأ مدن الغرب وينتشر بسرعة عندنا أيضًا.

 

وماذا عن نتيجة السقطة؟

 

يقول الكتاب المقدّس إنَّ أوَّل ما حصل بعد الخطيئة، هو أنَّ آدم وحوّاء اكتشفا بأنّهما عريانان!

 

عجيب هذا الاكتشاف!

 فهما كانا أصلاً عريانين، ولكنّ الذي حصل هو أنّ هالة نور حبّ الله لهما، التي كانت تعطيهما البراءة، قد سقطت عنهما. لقد خسر الإنسان براءة القداسة. واكتشف لأوّل مرّة قساوة الشهوة التي غيّرت حبّ آدم لحوّاء من حبّ يرغب ببذل ذاته لأجلها، أي حبّ ينظر إلى جسدها برغبة الحبّ النقيّ، إلى رغبة امتلاك هذا الجسد والاستعار بنار شهوته!

 

وليس العري في الكتاب المقدّس رمزًا للشهوة فحسب، بل هو رمز للشعور بعدم الحماية، أي رمز للموت المعنويّ! وهذا هو ما تنبّأ الله لهما بحصوله إن استقلّا عنه وقرّرا أن يسيِّرا حياتهما من دونه. قبل الخطيئة كان الإنسان يشعر بحبّ الله له، وبحمايته له، وبظلّ أبوّته يظلّله... وبعد الخطيئة تعرّى الإنسان من هذا الحبّ والحماية والأبوّة، وصار وحيدًا أمام مصيره.

 

 فإن لم يكن الإنسان هو مصدر حياته بعد أن فقد حبّ الله وعنايته، إذاً، على الإنسان أن يبحث منذ الخطيئة عن ضمانة حياته في ذاته، وفي ما حوله. وبدلاً من كونه مسلّطـًا على الخليقة، فقد أصبح عبدًا لها، يطلب منها هي الحياة.

 

 الشهوة هي بالضبط هذه الرّغبة في الحصول على الحياة من الأشياء، من المخلوقات! ومن الآن، صار ينظر آدم إلى حوّاء، وهي إليه، على أنَّ الآخر "شيء" ينفع وقد يملأ هذا الفراغ الذي تركه غياب الله عنه.

 

نتيجة ثانية للخطيئة، هي الخوف!

كان الإنسان سيِّدًا على الخليقة كلّها، ولم يكن يخاف أي شيء، لأنّه كان صديقـًا لخالقه! أمّا بعد الخطيئة، فأوّل ما يفعله هو أن يختبئ حتى من وجه هذا الصديق! "أين أنت يا آدم؟ "يسأل الله خليقته الأحب على قلبه! "لقد خِفت فاختبأت!" هذا ما كان من جواب آدم! وممَّ يخاف الإنسان؟ من الله؟ ممكن؟

 

ولكنّ الخوف هو من الموت الذي شعر به الإنسان بعد الخطيئة، لأنّ الموت الجسديّ الذي لم يحصل مباشرة بفعل الخطيئة، سيصير رمزًا للموت المعنويّ الذي يشعر به الإنسان بعيدًا عن الله.

 الخوف إذاً هو الموت الذي اختبره الإنسان بخطيئته: هذا هو معنى التعبير الذي نستعمله: "خطيئة مميتة"، ليس لأنّ الخطيئة تقود إلى الموت الجسديّ، بل إلى الموت الكياني، إلى اختبار الفشل والخوف.

 

هذا ما سيردّده القدِّيس بولس بقوله: "إنّ أجرة الخطيئة هي الموت!"(روم 6/ 23)، ولن يقضي على هذا الموت إلّا من عاش في حبِّ الله الكامل، وكان متّحدًا به حتّى الموت الجسديّ، فإذا به قد غلب الخطيئة والموت. إنّه آدم الجديد الذي، بطاعته، صالحنا مع الله، وفتح لنا من جديد طريق الصداقة معه، والثقة بحبّه، وبالتالي العيش من جديد في كنف هذا الحبّ الأبويّ المحيي. إنّه آدم الجديد، المولود من حوّاء الجديدة التي، بعكس حوّاء الأولى، آمنت بما قيل لها من عند الرّب"؛ هو يسوع ابن مريم!

 

 أمّا عن نتائج الخطيئة الأخرى، فهي تزعزع العلاقة بين آدم وحوّاء، حيث صار الواحد يتّهم الآخر، وهذه تتّهم الحيّة... فصار الخوف من الآخر سيّد العلاقات البشريّة، وبالتالي صار الآخر سبب قلق ومصدر الأذيّة... هذه وغيرها، من مثل فقدان المرأة لبعض كرامتها بسبب شهوتها للرجل كمصدر حماية، وتسلّط هذا الأخير عليها بدلًا من حبِّها، وتحوّل الأمومة إلى سبب ألم وأوجاع، وتحوّل العمل الذي كان مشاركة في الخلق، إلى مصدر قهر وصراع للبقاء...

 

كلّ هذه من نتائج تزعزع العلاقة مع الله... ولكنّ الله، الذي خلق الإنسان بحبّ، لم يتركه فريسة لكلّ هذه الأمراض الرّوحيّة والنفسيّة التي أدخلتها فيه الخطيئة، بل وعده بمسيرة خلاصيّة تنتهي بانتصار نسل المرأة على الحيّة، وهذا ما حقّقه، كما قلنا، آدم الجديد المولود من عذراء، حوّاء الجديدة.

 

في عصرنا، تبرز خطيئة آدم وحوّاء بطريقة واضحة جدًّا، لا لأنَّ البشر في العصور الماضية لم يُخطئوا، بل لأنَّ الإنسان المعاصر عاد من جديد إلى إيديولوجيّة الاستقلال عن الله، وبدأ يقرّر الخير والشرّ بقوانينه الخاصّة، بمعزل عن الشريعة الطبيعيّة التي وضعها الله في ضميره، فإذا به يعود إلى العريّ من مجد الله، ويصبح عبدًا للعُريّ والشهوة، بل لقد برَّر كلَّ شهوة وفسق باسم الحريَّة!

 

ويا ليته فعل شيئًا حسنًا في استقلاليّته عن الله!

 

فالثمرة المريرة تنتشر كلّ يوم أكثر من الذي قبله: خوف، قلق، أمراض نفسيّة لا تُحصى، إنقسامات، عنف، انتحارات، نزاعات، إجهاضات، قتل رحيم، مجتمعات مدمرّة بالمخدّرات، زواجات مدمّرة، لا أولاد، ولا حياة! إنّها حضارة الموت التي تنتشر في كلِّ مجتمع! والأغبياء يدّعون بأنّ أصل المشكلة في كذا أو كذا، بينما الأصل واحد: إبتعاد الإنسان عن خالقه، ومن ثمَّ ابتعاده عن إنسانيَّته!

 

ولكنَّ الكنيسة، بمؤمنيها الحقيقيّين، تبقى هذا النّور الذي وضعه الله في العالم، ونسلها، نسل المسيح، سيغلب الحيَّة، ويُحرِّر البشريَّة من جديد! ولكنَّ السُّؤال الكبير:

هل سيصمد هذا النسل أمام كلّ الصعوبات؟

هل إن أتى المسيح سيجد الإيمان ما يزال على الأرض؟

 

الأمل هو التبشير، والتبشير الجديد، و"الويل لي إن لم أبشِّر بالإنجيل!".(1 كور 9/ 16).

 

 

الخوري جان عزّام

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية