دور الروح القدس في الوحي والإلهام

 

 

 

 

دور الروح القدس في الوحي والإلهام  وفي الليتورجية وفي حياة المؤمن

 

 

 

 

دور الروح القدس في الوحي والإلهام

وفي الليتورجية وفي حياة المؤمن

 

 

يقول القارئ بعد الانتهاء من قراءات القداس: «كلام الرّبّ» ويجيب المؤمنون: «الشكر لله». هناك إذا أساس إيمانيّ مرتبط بمعموديتنا يؤكد بأنّ الكتاب المقدّس هو حقّا كلام الله.

لكن، بأي معنى الكتاب المقدّس هو كلام الله بالنسبة إليّ؟ وهل يقتصر كلام الله على الكتاب المقدّس فقط، أم هناك مصدر آخر؟

كلام الله يعني وحي الله وكشفه عن ذاته. ولكن كيف يعبّر الكتاب المقدّس عن مفهوم الوحي؟

 

يستعمل الكتاب المقدّس عدة كلمات للتعبير عن الوحي الإلهيّ مثل "كشف"، "رأى" و"سمع". إنّها كلمات بشريّة حسّية للتعبير عن معرفة فوق طبيعية. إنّها كلمات تعبّر عن لقاء بين الله والإنسان، ينتج منه معرفة إلهية. يكشف الله عن ذاته كشخص حيّ، خالق وربّ الكون، قدّوس، يدعو الناس لمعرفته وخدمته بشكل كامل ومطلق.

 

ولكن العبارة الأكثر استعمالاً في ما يخصّ الوحي الإلهيّ هي "كلام الرّبّ". يصف إرميا، نبيّ الكلمة، دعوته قائلاً: «فكانت كلمة الرّبّ إليّ قائلاً» (١: ٤). فأخذت "كلمة الربّ" أكثر فأكثر ملامح شخصية أي كأنها شخص حي.

 

غالبًا ما تُذكر هذه العبارة في الكتاب المقدّس لتنير أحداثًا معيّنة في تاريخ الخلاص. ومع الزمن اكتسبت أبعادًا كبيرة لتصبح مبدأ حياة شعب الله. فكان الوحي الإلهيّ أقوالاً وأعمالاً مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا.

 

ما هو إذًا الوحي الإلهي حسب تعليم الكنيسة؟

 

يعتقد بعض المسيحيين أنّ الوحي الإلهي يقتصر على الكتاب المقدّس. ومن الأقوال الشائعة "المسيحية دين الكتاب". يصحّ هذا القول إذا اعتبرنا أن الكتاب الذي نؤمن به هو المسيح.

المسيحية هي حقًا دين يرتكز على شخص، لأنّ كلّ الوحي الإلهيّ تمّ في شخص يسوع المسيح.

لذلك يؤكد التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية قائلا: "الكتابة الإلهية كلّها كتاب واحد، وهذا الكتاب الواحد هو المسيح، "إذ إنّ الكتابة الإلهية كلها تتكلّم على المسيح، والكتابة كلها تتمّ في المسيح"" (١٣٤).

 

المسيح هو كلمة الله المتجسد، ملء الوحي الإلهي.

 خلال حياته الأرضية لم يكتب المسيح شيئًا، بل "قال" و"فعل". بشّر يسوع بملكوت الله ودعا الاثني عشر ليكونوا معه ويتبعوه، وقام بالآيات، والآية الكبرى هي موته وقيامته من بين الاموات. بأقواله وأفعاله أتمّ يسوع الوحي الإلهيّ، الذي كان منذ البدء على هذه الصورة.

 

"حسُن لدى الله، لفرط حكمته ومحبته، أن يوحي بذاته ويعلن سرّ مشيئته من أنّ البشر يبلغون الآب، في الروح القدس، بالمسيح، الكلمة المتجسد، فيصبحون شركاءه  في الطبيعة الإلهية" (تعليم الكنيسة ٥١).

الوحي هو إذا فعل من أفعال محبة الله لنا، لأنه يريد أن نكون معه دائمًا.

 ولكن الله بحكمته كشف عن ذاته من خلال نظام تربوي يقوم  على الأعمال والأقوال. وهذه الأعمال والأقوال ترتبط فيما بينها ارتباطًا وثيقًا. فالأعمال التي حققها الله في تاريخ الخلاص تؤكد صحة الأقوال وتدعمها، بينما الأقوال تُعلن الأعمال وتوضّح السرّ الذي تحويه. أما الحقيقة الخالصة التي يطلعنا عليها الوحي، سواء عن الله أم عن خلاص الانسان، فإنها تسطع لنا في المسيح الذي هو وسيط الوحي بكامله وملؤه في آن واحد (راجع تعليم الكنيسة ٥٣).

 

ما هي مراحل الوحي؟

 

قبل أن يكون كتابًا، كان الوحي عملا إلهيا فيه كشف عن ذاته. وكشف عن ذاته أولا من خلال الخلق.

 

أول كتاب نقرأ فيه عمل الله هو الخليقة. هذه تكشف عنه وتسبّحه. وما دور الإنسان سوى أن يكون لسان حال المخلوقات. لذلك بادر الله بمحبّته وعنايته بالكشف عن ذاته لأبوينا الأوّلين. ولكن الخطيئة ذهبت بالانسان بعيدًا عن الشركة مع الله، فصار الانسان جاهلا لا يعرف ذاته ولا يعرف الله.

 

ولكن محبّة الله أكبر من كل خطايا البشر، لذلك  جدّد صداقته مع أشخاص كثيرين. وهذه الصداقة هي ما نسميها "عهدًا". بهذا المعنى أبرم  الله عهدًا أبديًا مع نوح من أجل استمرارية الحياة رغم الطوفان المدمر. ثم اختار إبراهيم وقطع عهدًا معه ومع نسله ليتبارك به جميع البشر. ومن نسله أنشأ الشعب الذي أعطاه الشريعة للحفاظ على العهد والصداقة والحرية والعبادة الصحيحة. تمّت هذه الشريعة بوساطة موسى. ومن ثمّ أعدّ الله شعبه بالأنبياء لقبول ملء الوحي بالمسيح، الذي به تنال الخلاص البشريّة جمعاء.

 

كيف يتمّ تناقل الوحي الإلهي؟

 

"إذهبوا في الأرض، كلّها وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين" (مرقس ١٦).

يسوع المسيح القائم من بين الأموات أمر تلاميذه بإعلان البشارة إلى كلّ البشر. وهذا ما قام به التلاميذ بقوة الروح القدس. وما يؤكده سفر أعمال الرسل هو أن الرسل قاموا فعلا بهذه الرسالة، فوصلت البشرى السارة إلى أقاصي الأرض.

 

قبل أن يكون نصًا مكتوبًا بإلهام الروح القدس، كان الإنجيل بشرى سارة نقلها شفوياً الرسل الذين تسلّموها من القائم من بين الأموات. فكانت حياتهم الرسولية هي الشهادة الأولى للإنجيل.

 

نقل الإنجيل، وفقًا لأمر الربّ، جرى على وجهين.

الوجه الاول هو شفوي على لسان الرسل الذين نقلوا، من طريق بشارتهم الشفويّة، أو سيرتهم النموذجيّة، أو تنظيمهم القانونيّ، كلّ ما تسلّموه من المسيح من كلام سمعوه، أو عيش ألِفوه، أو أعمال عاينوها. كما نقلوا أيضًا كلّ ما تلقّنوه من إيحاءات الروح القدس.

 

الوجه الثاني هو كتابي  إذ كتب الرسل ومعاونوهم بشارة الخلاص هذه، بإلهام من الروح القدس عينه. (تعليم الكنيسة ٧٦).

 

وما هي العلاقة بين الكتاب المقدّس والتقليد؟

 

يظهر من خلال نص تعليم الكنيسة (٧٦) أنّ الوحي هو نبع واحد ينبع منه التقليد والكتاب المقدّس على السواء. التقليد هو تعليم الرسل وخلفائهم الأساقفة. لذلك يحتاج المسيحيّ إلى التقليد والكتاب المقدّس على السواء ليعيش حياة مسيحية حقيقيّة.

لا يكفي التقليد، كما لا يكفي الكتاب المقدّس وحده. والحق أنّ الكتاب المقدّس هو كتاب الكنيسة، لا يمكن أن يُقرأ ويُفهم إلا في الكنيسة، التي تسلّمت من يسوع والرسل الكتاب المقدّس والتقليد على السواء.

الكنيسة لا تعلّم أبدًا ما يخالف الكتاب المقدّس، لا بل تشجّع كلّ مسيحي على قراءته في شركة مع الكنيسة وفي نور تعليمها، لأنّه لا يمكن قبول الإنجيل ورفض الكنيسة كما يدّعي البعض.

أخيرًا لا يجوز الخلط بين التقليد الرسولي و"التقاليد" اللاهوتية، والتنظيمية، والتعبّدية التي نشأت عبر الأزمان في الكنائس المحليّة. التقليد المقدّس هو ما يصدر عن الرسل، الذين نقلوا ما تلقّنوه من يسوع ومن الروح القدس.

 

الحياة المسيحية مبنية إذًا على الإيمان بالوحي الإلهيّ الذي يصل إلينا من خلال التقليد والكتاب المقدّس. هناك ترابط حيويّ بين هذين المصدرين للوحي الإلهي. وذلك الترابط يدفعنا للتنبّه الى أهمية الحياة في الكنيسة، ليكون باستطاعتنا فهم الكتاب المقدّس.

 

قلنا في البداية أنّ الكتاب المقدّس هو كلام الله والآن نزيد على ذلك أنّ كلام الله يصلنا من خلال الوحي الإلهيّ الذي هو التقليد والكتاب المقدس.

وأترك هنا الكلام لقداسة البابا بندكتس السادس عشر، الذي يكرّس تعليمه في هذه الأيام عن مفهوم التقليد في الكنيسة: "باستطاعتنا القول أنّ التقليد ليس مجرّد نقل كلمات، أو مجموعة من الأشياء البالية. التقليد هو ذاك النهر الحيّ الذي يصلنا بالينابيع الحاضرة دائما فيه. هو النهر الكبير الذي يقودنا الى باب الحياة الأبدية. لذلك يتحقّق دائما في هذا النهر الحيّ كلام الربّ: "وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم" (متى ٢٨: ٢٠ (المقابلة العامة ٢٦ نيسان ٢٠٠٦).

 

إذا كان الوحي يجمع بين الكتاب المقدس والتقليد الرسوليّ، فما هو إذاً الإلهام؟

 

الإلهام هو هبة إلهيّة يمنحها الله تعالى للكاتب البشري كي يكتب أسفار الكتاب المقدّس. هو هبة من الروح القدس بحيث أن الكتاب هو في الوقت نفسه من وحي الهي و بالوقت نفسه  يعبّر عن أسلوب الكاتب البشري ويعكس شخصيته. بدون مفهوم الإلهام الإلهي لا يمكن الإيمان بالطبيعة الإلهيّة والإنسانيّة للكتاب المقدّس.

 

نقرأ في الإرشاد الرسوليّ "كلام الرّبّ" ما يلي:

"إنّ الإلهام هو مفهوم أساسيّ لقبول الكتاب المقدّس بصفته كلام الله مكتوب بكلمات بشريّة. هنا أيضًا باستطاعتنا الإشارة إلى هذا التشابه: كما صار كلمة الله جسدًا في أحشاء مريم البتول بواسطة الروح القدس، هكذا يولد الكتاب المقدّس من أحشاء الكنيسة بواسطة الروح القدس عينه. فالكتاب المقدّس هو كلام الله لأنّه كُتب بإلهام الروح القدس (حسب تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، الوحي الإلهي، ٩). هكذا نرى أهميّة الكاتب البشريّ الّذي كتب الاسفار المقدّسة وفي الوقت نفسه أوليّة دور الله وهو المؤلّف الحقيقيّ لهذه الاسفار المقدّسة» (كلام الرّبّ ١٩).

علينا أن نذكر ما سبق وحدّده المجمع الفاتيكاني الأول واستعاده المجمع الفاتيكاني الثاني، الوحي الإلهي ١١:

"إنّ الحقائق التي أوحى بها الله، وتحملها أسفار الكتاب المقدّس إلى الناس، قد دُوّنَت بإلهام من الروح القدس. والكنيسة أمّنا المقدّسة، بالاعتماد على إيمان الرسل، تعتبر كلّ الأسفار في كلا العهدين القديم والجديد قانونيّة ومقدّسة بكلّ اجزائها، ذلك أنّها كُتبت بإلهام الروح القدس (يو ٢٠: ٣١؛ ٢ تيم ٣: ١٦؛ ٢ بط ١: ١٩-٢١؛ ٣: ١٥-١٦)، ولذا فهي من وضع الله، وعلى هذا الاعتبار تسلّمتها الكنيسة بالتناقل. ولكي يضع الله هذه الكتب المقدّسة، اختار أُناسًا واستعان بهم، عاملاً هو نفسه فيهم وبواسطتهم ليكتبوا كمؤلّفين حقيقيّين استخدموا قواهم وإمكاناتهم، كلّ ما أراده هو ولا شيءَ سواه".

لذلك أكّد آباء السينودس على الدور الأساسيّ لموضوع الإلهام في قراءة الكتاب المقدّس وتفسيره تفسيرًا صحيحًا، والّذي لا يصحّ إلاً بواسطة الروح القدس الّذي ألهم كتابة هذه الاسفار المقدّسة. عندما يضعف فينا مفهوم الإلهام نتعرّض لخطر قراءة الكتاب المقدّس من باب الفضوليّة التاريخيّة وليس كعمل الروح القدس. إقرارنا بالالهام يؤهلّنا للإصغاء إلى صوت الرّبّ ومعرفة حضوره في التاريخ.

 

نوّه آباء السينودس إلى العلاقة بين موضوع الإلهام وموضوع حقيقة الكتاب المقدّس (أو العصمة من الخطأ) (توصية رقم ٥ و١٢).

لذلك فإنّ التعمّق بقوة الإلهام لا بدّ أن يحمل المفسّرين على فهم أوسع لمفهوم الحقيقة في الكتاب المقدّس.

 

 وحسب إرشادات المجمع الڤاتيكاني الثاني، فانّ الاسفار المقدّسة تعلّم الحقيقة: «وبما أنّ كلّ ما أكّده المؤلّفون المُلهَمون وواضعو الكتب المقدّسة يجب اعتباره صادرًا من الروح القدس، وُجب الاعتراف بأنّ أسفار الكتاب المقدّس تُقدّم تعليمًا ثابتًا وأمينًا ومعصومًا عن الخطأ حول الحقيقة التي أراد اللهُ أن تُدَوَّن في الأسفار المقدّسة من أجل خلاصنا.

يستشهد آباء الكنيسة والوثائق الكنسيّة ببعض نصوص العهد الجديد للتأكيد على إلهام الروح القدس، خاصة ما يرد في الرسالة الثانية إلى طيموتاوس (٣: ١٥-١٦) ورسالة بطرس الثانية (١: ١٦-٢١).

يوصي بولس الرسول تلميذه طيموتاوس على البقاء أمينًا للتعليم الّذي ناله في العائلة أولاً: «وأَذكُرُ ما بِكَ مِن إِيمانٍ بِلا رِياء، كانَ يَعمُرُ قَبْلاً قَلْبَ جَدَّتِكَ لُئيِس وأُمِّكَ أَوْنِقَة، وأَنا مُوقِنٌ أَنَّه يَعمُرُ قَلْبَكَ أَيضًا (١: ٥)، ولتعليم بولس الرسول نفسه على أساس الكتاب المقدّس، كما يقول في هذا النصّ:

"أَمَّا أَنتَ فقَد تَبِعتَني في تَعْليمي وسِيرَتي وقَصْدي وإِيماني وصَبْرِي ومَحَبَّتي وثَباتي والاضطِهاداتِ والآلامِ الَّتي أَصابَتْني في أَنطاكِيةَ وأَيقونِيةَ ولُسْتَرَة. وكَم مِنِ اضطِهادٍ عانَيتُ وأَنقَذَني الرَّبُّ مِنها جَميعًا. فَجَميعُ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَحيَوا حَياةَ التَّقْوى في المسيحِ يسوعَ يُضطَهَدون. أَمَّا الأَشرارُ والمُشَعوِذون، فسَوفَ يَسيرونَ إِلى ما هو أَسوَأ، وهُم خادِعونَ مَخدوعون. فاثبُتْ أَنتَ على ما تَعَلَّمتَه كُنتَ مِنْه على يَقين. فأَنتَ تَعرِفُ عَمَّن أَخَذتَه، وتَعلَمُ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ مُنْذُ نُعومةِ أَظْفارِكَ، فهي قادِرةٌ على أَن تَجعَلَكَ حَكيمًا فتَبلُغَ الخَلاصَ بِالإِيمانِ الَّذي في المسيحِ يسوع. فكُلُّ ما كُتِبَ هو مِن وَحيِ الله، يُفيدُ في التَّعْليمِ والتَّفنْيدِ والتَّقْويمِ والتَّأديبِ في البِرّ، لِيَكونَ رَجُلُ اللهِ كامِلاً مُعَدًّا لِكُلِّ عَمَلٍ صالِح" (٢ طيم ٣: ١٠-١٧).

 

 

"كلّ ما كُتبَ هو مِن وَحيِ الله" يقول بولس الرسول، معبّراً بذلك عن وحدة الكتاب المقدّس في طبيعته الإلهية والإنسانيّة. تدلّ عبارة "الكتاب المقدّس" في العهد الجديد على ما ندعوه اليوم "العهد القديم"، ولكن تعني أيضًا العهد الجديد الّذي كان في طور النشأة. والى ذلك أشار بولس عندما طلب من تلميذه طيموتاوس المثابرة على تعليم الرسل، الّذي سوف يكوّن لاحقًا، بقوة الروح القدس، أسفار العهد الجديد.

 

وفي نصّ آخر من العهد الجديد لدينا عبارة واضحة عن دور الروح القدس في الالهام والتفسير:

"لِذلِكَ سأذَكِّرُكم هذِهِ الأَشياءَ دائِمًا، وإِن كُنتُم تَعرِفونَها وتَثبُتونَ في الحَقيقَةِ الحاضِرَة. وأَرى رأيَ الحَقّ، ما دُمتُ في هذه الخَيمَة ، أَن أُنَبِّهَكم بِتَذْكيري، لِعِلْمي أَنَّ رَحيلي عن هذه الخَيمةِ قَريب، كما أَعلَمَني رَبُّنا يسوعُ المسيح. فسَأَبذُلُ جُهْدي لِكَي يُمكِنَكم، في كُلِّ فُرصَة، أَن تَتَذكَّروا هذه الأُمورَ بَعدَ رَحيلي. قد أَطلَعْناكم على قُدرَةِ رَبِّنا يسوعَ المسيح وعلى مَجيئِه، لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسْطائِيَّة، بل لأَنَّنا عايَنَّا جَلالَه. فقَد نالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكرامًا ومَجْدًا، إِذ جاءَه مِنَ المَجْدِ - جَلَّ جَلالُه - صَوتٌ يَقول: "هذا هو ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضيت": وذاكَ الصَّوتُ قد سَمِعناه آتِيًا مِنَ السَّماء، إِذ كُنَّا معَه على الجَبَلِ المُقدَّس. فازدادَ كَلامُ الأَنبِياءِ ثَباتًا عِندَنا، وإِنَّكم لَتُحسِنونَ عًمَلاً إِذا نَظَرتُم إِلَيه نَظَرَكم إِلى سِراجٍ يُضيءُ في مَكانٍ مُظلِم، حتَّى يَطلَعَ الفَجْرُ ويُشرِقَ كَوكَبُ الصُّبحِ في قُلوبِكم. واعلَموا قَبْلَ كُلِّ شَيء أَنَّه ما مِن نُبؤَةٍ في الكِتابِ تَقبَلُ تَفسيرًا يَأتي بِه أَحَدٌ مِن عِندِه، إِذ لَم تأتِ نُبوءَةٌ قَطُّ بِإرادَةِ بَشَر، ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَمَلَ بَعضَ النَّاسِ على أن يَتَكَلَّموا مِن قِبَلِ الله." (٢ بط ١: ١٢-٢١).

يهدف كاتب الرسالة إلى تثبيت إيمان المسيحيين بمجيء الرّبّ الثاني معتمدًا على موضوعين. في الاول يذكر تجلّي يسوع على الجبل بحضور ثلاثة رسل من بينهم بطرس نفسه والتجلّي علامة سابقة لمجيء المسيح، وفي الثاني يتكلّم عن الانبياء الّذين تنبّأوا بمجيء المسيح في المجد، مؤكّدًا أنّ كلامهم ما كان بإرداة بشر، بل الروح القدس حمل بعضهم على أن يتكلّموا من قبل الله. لذلك يكون كلام الانبياء كلام الله بكلام بشر.

قال بطرس الرسول: الروح القدس حمل بعض الناّس على أن يتكلّموا من قبل الله: ما هو إذًا دور الروح القدس في نشأة الكتاب المقدّس وفي تفسيره؟

في الارشاد الرسولي "كلام الرب"، يقدم قداسة البابا تعليمًا وافيًا عن دور الروح القدس، أحاول هنا نقله. يعلّمنا يسوع والرسل في العهد الجديد أنّنا لا نستطيع فهم الكتاب المقدّس فهماً مسيحيّاً بدون عمل الروح القدس. فالكتاب المقدّس يدلّ على حضور الروح القدس في تاريخ الخلاص، خاصّة في حياة يسوع، الّذي وُلد من مريم البتول ومن الروح القدس (مت ١: ١٨؛ لو ١: ٣٥). كما ينزل الروح القدس على يسوع بشكل حمامة عندما اعتمد على يد يوحنا المعمدان في نهر الاردنّ. متى ٣: ١٦)؛ وبهذا الروح عينه يعمل يسوع ويقول ويتهلّل (ر. لو ١٠: ٢١).

 

وبالروح القدس يقدّم يسوع ذاته حسب ما يرد في الرسالة إلى العبرانيين: «فما أَولى دَمَ المسيحِ، الَّذي قَرَّبَ نَفْسَه إلى اللهِ بِروحٍ أَزَلِيٍّ قُرْبانًا لا عَيبَ فيه، أَن يُطَهِّرَ ضَمائِرَنا مِنَ الأَعمالِ المَيْتَة لِنَعبدَ اللهَ الحَيّ!» (٩: ١٤).

 

يتابع قداسة البابا تعليمه في الارشاد الرسوليّ (١٥) منوّهًا بدور الروح القدس في الانجيل الرابع. في انجيل يوحنا يبيّن يسوع نفسُه العلاقة بين بذل حياته وارسال الروح: «غَيرَ أَنِّي أَقولُ لَكُمُ الحَقّ: إِنَّه خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب. فَإِن لم أَذهَبْ، لا يَأتِكُمُ المُؤيِّد. أَمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم.» (يوحنا ١٦: ٧). ويسوع القائم من بين الأموات والحامل في جسده علامات الآلام يهب تلاميذَه الروحَ: «قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس» (٢٠: ٢٢).

 

عطية الروح هذه تؤهّل التلاميذ للقيام برسالة يسوع: «كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً» (٢٠: ٢١). اما الروح القدس فيذكّر التلاميذ بكلّ ما قاله يسوع: «ولكِنَّ المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم. » (١٤: ٢٦). وهو روح الحقّ الّذي يرشد التلاميذ إلى الحقّ بكامله: «فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث. سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه. جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه.» (١٦: ١٣-١٥). وأخيرا يخبرنا سفر اعمال الرسل كيف حلّ الروح القدس على الاثني عشر المجتمعين مع مريم في علية صهيون للصلاة (١: ٢-٤) وساعدهم على القيام برسالة التبشير بالإنجيل إلى كلّ الشعوب.

 

يصل كلام الله إلينا بواسطة كلام بشريّ بفضل عمل الروح القدس.

 

 لا يمكن أن نفصل بين رسالة الابن ورسالة الروح القدس، إذ يشكّلان تدبيرًا خلاصيّا واحدًا. فالروح القدس عينه هو الّذي عمل من أجل تجسّد الكلمة الإلهي في أحشاء مريم، وهو الّذي كان مع يسوع في رسالته العلنيّة، ويسوع بدوره وعد التلاميذ بحلول الروح القدس عليهم. تكلّم الروح القدس بواسطة الأنبياء ومنح الرسل القدرة على إعلان البشارة وهو الآن يساعد ويُلهم الكنيسة للتبشير بكلام الله. هذا هو الروح الّذي ألهم كتّاب الاسفار المقدّسة.

لذلك أراد آباء السينودس التنوّيه إلى أهميّة الروح القدس في حياة الكنيسة وإلى حضوره في قلب كلّ مؤمن عندما يقرأ الكتاب المقدّس.

 

 بدون عمل الروح القدس، وهو روح الحقّ (يوحنا ١٤: ١٦)، لا يمكن للانسان أن يفهم كلام الرّبّ.

 

وفي هذا الموضوع يقول القدّيس إيرينيوس: «إنّ أولئك الّذين لا يشتركون بالروح القدس، لا ينالون غذاء الحياة الّذي تقدّمه أمّهم الكنيسة، ولا يمكن لهم أن يقبلوا أي شيء من النبع الطاهر الّذي يتفجّر من جسد المسيح».

 وبما أنّ كلمة الله تصل إلينا في جسد المسيح، في الافخارستيا وفي الكتاب المقدّس، بقوة الروح القدس، هكذا أيضاً لا يُمكن للمؤمن أن يقبل كلام الله ويفهمه حقّ الفهم إلا بنعمة الروح القدس.

يتفق آباء الكنيسة على أهميّة دور الروح القدس في قراءة وفهم وتفسير الكتاب المقدّس. يقول يوحنا فم الذهب: «يحتاج المرء لوحي الروح القدس حتى يكون باستطاعته ان يفهم معنى الكتابة وبالتالي أن يستفيد منها خير إفادة». وإيرونيموس مقتنعٌ بإنّنا لا نستطيع فهم الكتاب المقدّس بدون عون الروح القدس الّذي ألهم كتابتها. ويشدّد غريغوريوس الكبير على دور الروح القدس في نشأة الكتاب المقدّس وفي تفسيره على السواء.

وأخيرًا يلقي قداسة البابا الضوء في الارشاد الرسوليّ "كلام الرّبّ" على دور الروح القدس في الليتورجية عندما يتمّ إعلان كلام الله والإصغاء إليه وشرحه للمؤمنين. ونجد صلوات ليتورجية في كل الطقوس الشرقية واللاتينية تطلب معونة الروح القدس قبل إعلان كلام الله: «أرسل روحك القدوس المعزّي إلى نفوسنا وساعدنا على فهم الكتاب المقدّس الّذي ألهم كتابته؛ وامنحني أن أفسّر الكتابة خير تفسير من أجل فائدة المؤمنين». نجد أيضاً صلاة تُتلى في نهاية العظة نطلب فيها من الله أن يهب روحه للمؤمنين. وبهذا الدعاء ننهي الكلام عن الوحي: «اللهم، يا مخلّصنا… نتضرّع إليك من أجل هذا الشعب: أرسل عليه روحك القدوس؛ وليأتِ إليه الرّب يسوع، فيتكلّم إلى قلب كلّ مؤمن ليزداد إيمانًا، ويرشد نفوسنا إليك، أيّها الرحوم."

 

 

الأب نجيب ابراهيم الفرنسيسكاني

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية